مقابلة نون بوست: سورية ليست بعيدة عن ساحة الصراع الايراني الامريكي الاسرائيلي

2026-03-10 :: نون بوست

“سوريا ليست بعيدة عن ساحة الصراع بل في قلبه”.. حوار مع د. برهان غليون

 

مع استمرار الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وتصاعد تداعياتها، تتسارع التحولات في الشرق الأوسط بوتيرة غير مسبوقة، بالتزامن مع تطور سياسي لافت داخل إيران عقب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وتنصيب نجله مجتبى خامنئي خلفًا له. وسط هذا المشهد، لا تبدو التحليلات السريعة كافية لفهم ما يجري في المنطقة، فالحرب الدائرة اليوم تطرح أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة التوازنات الإقليمية ومستقبلها.

في هذا الحوار، يقدّم المفكر والأكاديمي البارز برهان غليون قراءة أعمق لطبيعة الصراع الدائر في المنطقة، حيث لا يمكن فهم هذه الحرب بمعزل عن مشروع أوسع يعيد طرح أسئلة الهيمنة والنفوذ، كما لا يمكن فصلها عن محاولات إعادة تشكيل خرائط التحالفات في الشرق الأوسط والعالم.

نحاول الاقتراب من طبيعة الحرب الدائرة وحدودها، وصولًا إلى مشروع “المحور الإقليمي الجديد” الذي تطرحه “إسرائيل”، وما ينطوي عليه من رهانات على إعادة هندسة التوازنات في المنطقة. ولا يقف النقاش عند حدود الإقليم، بل يمتد إلى سوريا نفسها، البلد التي وجدت نفسها لسنوات في قلب العاصفة الإقليمية، وتحاول اليوم أن تحافظ على ما تبقى من هامش سيادتها.

هل ما يجري اليوم ضد إيران هو حرب على نفوذ وشكل دولة بعينها، أم بداية تفكيك بنية الشرق الأوسط التي نشأت بعد الثورة الإيرانية عام 1979؟

غليون:

الحرب التي يشهدها الشرق الاوسط الآن هي أولا حرب نتنياهو للبقاء في السلطة وحرب اسرائيل العنصرية لإعلان هيمنتها الاقليمية وإرساء أسس  نظام الابارتهايد في فلسطين والقضاء على أي أمل بولادة دولة فلسطينية، وحرب الرئيس ترامب والأمبريالية المازومة ضد القانون الدولي والأعراف المرعية لاستباحة حقوق الشعوب الاخرى والسطو على مواردها بالقوة المسلحة، وضرب روح التضامن الانساني، وقطع الطريق على صعود الدول والأقطاب الاخرى. هكذا يمكنه استخدام التفوق العسكري لتحصيل مكاسب سريعة ومجانية على حساب الشعوب الاخرى والسلام والعدالة والأمن العالمي. وهي ايضا حرب  حرس الامبرطورية الايرانية الثوري للحفاظ على بقائه بعد انحسار هيمنته الاقليمية. 

والضحية الرئيسية لها هو الشعب الايراني وشعوب المنطقة الأخرى التي يراد لها ان تدخل في حقبة جديدة من الحروب الاقليمية ليس لاي منهم مصلحة فيها وإنما هم الذين يحصدون جميعا نتائجها الكارثية، وما تتسبب به من دمار وخراب وضياع مستقبلهم ومستقبل اجيالهم القادمة. 

وقد وصل الصلف واحتقار الراي العام العالمي والدول الاخرى بمشعلي نار هذه الحرب المنفلتة من اي عقال الى درجة لم يجدوا ضرورة لتبريرها سوى اكتشافهم مقر قادة طهران واستغلال هذه الفرصة لتصفيتهم جميعا وإجبار طهران علنا على الاستسلام، كما لو كان العالم يعيش في عصر القرون الوسطى او في "ملحمة" الاستيطان الابيض للقارة الامريكية وابادة سكانها الاصليين منذ اكثر من خمسة قرون. وهم اطلقوا على حملتهم ايضا اسم "حملة الغضب الملحمي".  للاسف لن تكون هذه الحملة سوى مقدمة لاستباحة المنطقة بأكملها ونشر الفوضى والخراب فيها وهو ما تريده حكومة المستوطنين الاسرائيليين لاطلاق يدهم في جميع البلاد العربية بذريعة الدفاع عن امن اسرائيل وحقوقها التوراتية. 

قبل نحو أسبوع من اندلاع الحرب الجارية، تحدث بنيامين نتنياهو عن مشروع "محور إقليمي جديد" يضم دولًا مثل الهند واليونان وقبرص إلى جانب دول عربية، في مواجهة ما وصفه بمحور سني يتشكل ومحور شيعي ينهار. اليوم، وبعد أيام من اندلاع الحرب، كيف تقرأون هذا الطرح؟ وإلى أي مدى يعكس تصورًا إسرائيليًا لإعادة ترتيب شبكة التحالفات في المنطقة؟

يحاول نتنياهو بهذه الاعلان ان يقدم جزرة لبعض الحكومات العربية الخائفة كي تغض النظر عن تدميره مستقبل الامن والسلام والتنمية الانسانية للاقليم بأكمله، كما يحاول ان يقنع نفسه والاسرائيليين وربما بعض زعماء المنطقة انه صاحب مبادرة استراتيجية لاعادة تشكيل الشرق الاوسط بقيادة اسرائيل كما كان يطمح دائما. لكن ما حصل منذ حرب الابادة في غزة واحتلاله المزيد من الأرض في جنوب سورية ولبنان، واستهتاره بمصالح الدول العربية جميعا، حتى تلك التي وقعت معه اتفاقيات ابراهام، وانقلابه على كل التعهدات التي ابرمها معهم، كاف لدفع العرب الى تجنب السقوط في الفخ والقبول بشرعنة سياسة الغزو والسطو على اراضي وحقوق شعوب المنطقة جميعا، وفي مقدمها الشعب الفلسطيني. 

على القادة العرب ان يرفضوا الاطاحة بالقانون الدولي والقبول بالفوضى التي يسعى اليها ويعمل عليها صراحة نتنياهو وترامب، وان يتعاونوا من اجل شرق اوسط جديد قائم على احترام سيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض حروب التدخل الخارحي التي لم ولن تجلب على دول المنطقة سوى الخراب والدمار، كما حصل حتى الآن في العراق وسورية ولبنان واليمن والسودان وليبيا وغيرها وكما يحصل اليوم لايران. 

يدرك العرب انه لا يوجد اي هدف لهذا التحالف المزعوم سوى اشعال حرب عربية ايرانية، سنية شيعية، تستنزف جميع دول المنطقة لحساب اسرائيل وحدها لعقود جديدة قادمة. ولا اعتقد ان من مصلحة الحكومات العربية أن تقع في جحر الأفعى ذاتها مرتين. على الدول العربية ان تحبط هذا المشروع وتعمل بعكس ذلك، جماعة، وبالتعاون والتنسيق مع الامين العام للاممم المتحدة ومجلس الامن، على مبادرة اقليمية شاملة لبسط السلام والامن والتعاون بين شعوب المنطقة، وحماية حقوق الجميع، ووضع حد لتغول اسرائيل على جيرانها ولاطماعها التوسعية المعلنة. 

كما ان ايران الخمينية ليست ممثلة للشيعة، مذهبا وشعبا، وانما تستخدمهما لمشروع هيمنة ونفوذ إقليمي، فإن حكومات البلدان العربية في المشرق ليست ممثلة للسنة، لا جماعة ولا شعوبا، وانما هي نخب سياسية تعمل لمصالحها، ولا تدعي هي نفسها الدفاع عن المذهب السني ولا تتماهى معه.

 تفجير الصراع السني الشيعي مشروع استعماري استخدم منذ زمن طويل لضرب شعوب المنطقة بعضها ببعض بهدف تحييدها لصالح تسهيل السيطرة الأوروبية ثم الأمريكية.  وقد استخدمها في العقود الاربع الماضية نظام "ولاية الفقيه" الايراني للهدف ذاته، وقد تسببت في تمزيق المنطقة. ونحن نشهد الآن ارتدادها عليه في العزلة الاقليمية التي يعيشها في مواجهة الحرب الاستعمارية. هذا ما تريد تل ابيب ان تعيد انتاجه واستخدامه لتحييد العرب بالايرانيين والايرانيين بالعرب في حرب ابدية لن يكون الرابح فيها سوى اسرائيل. 

بخلاف ذلك، ما ينبغي ان نعمل عليه ونسعى لتحقيقه بعد هذه الحرب المدمرة الجديدة هو صحوة السنة والشيعة معا من غفلتهم، وإدراكهم بأن ما حصل لم يكن سوى سياسة اسرائيلية/امريكية، اي استعمارية، لإضعاف الجميع وتحويل المنطقة الى مزرعة سائبة لواشنطن وتل ابيب.

كيف تقرأون موقع سوريا اليوم في خضم هذه التحولات الإقليمية؟ وما أبرز السيناريوهات التي قد تواجهها البلاد أمنيًا أو سياسيًا واقتصاديا في المرحلة المقبلة؟

ليس لدى سورية خيار آخر سوى النأي بنفسها عن هذه الحرب والتضامن مع الدول العربية التي تتعرض للقصف من قبل طهران من جهة، وللضغوط الاسرائيلية الامريكية لتوريطها في الدخول في الصراع من جهة ثانية.  في المقابل، يشكل استمرار الحرب تهديدا كبيرا للاستقرار الهش الذي تعيشه، سواء من ناحية انعكاساته السياسية او آثاره الاقتصادية. فسورية ليست بعيدة عن ساحة الصراع بل هي في قلبه، وكانت منذ اشهر معدودة ساحة احد اهم بلدان ما سمي محور المقاومة. واحد رهانات الصراع الاقليمي الراهن ايضا السيطرة على موقع سورية الاستراتيجي التي تحاول بشق النفس ان تحتفظ بالحد الادنى من هامش السيادة واستقلال القرار.

 زعزعة الاستقرار الاقليمي لا يؤثر فقط على الاستقرار الداخلي ويعقد مسيرة الانتقال السياسي ويهدد الأمن والسلام الاجتماعي، إنما يتجاوز ذلك الى الميدان الاقتصادي. فلا يخفى على احد ان جزءا كبيرا من الرهان، لإعادة الاعمار ومعالجة آثار الخراب والدمار الكبير الذي تسببت به الحرب الداخلية، (والتي كانت ايضا بمشاركة واسعة من نظام طهران)، كان على الاستثمارات الخليجية. ويخشى ان يغير مناخ الحرب الراهنة وما سوف ينتج عنها من دمار في بلدان الخليج نفسها، ومن عدم ثقة في مستقبل الاستثمار في المنطقة عموما، من هذا الاتجاه. من هنا اعتقد أن من مصلحة السوريين اعادة النظر في خططهم المتعلقة بإعادة الاعمار وان يركزوا اهتمامهم وجهدهم على الموارد الداخلية البشرية والطبيعية.

ما هي الخطوات العملية والسياسية التي يجب على الحكومة السورية أن تقوم بها لتجنب سوريا الانجرار إلى صراع إقليمي بهذا الحجم ؟ 

 اعتقد ان أهم ما ينبغي فعله لتجنيب سورية مخاطر الانجرار الى الحرب الراهنة، هو تعزيز الرقابة على الحدود اللبنانية العراقية لضمان عدم استخدامها من قبل الميليشيات المدعومة من إيران في لبنان والعراق لجرها اليها. والتنسيق مع البلدان العربية الاخرى،وبشكل خاص مع دول الخليج والأردن و تركيا، لتوحيد مواقفها ومواجهة المخاطر المشتركة . 

والاهم من ذلك تعزيز الجبهة الداخلية سواء ما تعلق منها بحسم المسائل السياسية التي تعرقل التقدم في مسار الانتقال السياسي ووضع برنامج واضح لتحقيق اهداف هذه المرحلة الدقيقة والتي تجري في ظروف اقليمية صعبة للغاية، أو ما تعلق منها بمواجهة المسائل الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي ورثتها السلطة الجديدة عن ستة عقود من الحكم الاستبدادي الحليف لطهران. وليس هناك خيار اكثر دعما للوحدة الوطنية، وتعزيزا للثقة، التي اكثر ما نكون بحاجة اليها في عصر الأزمات، من الاقتراب من عموم الشعب والتعاون معهم على حل مشاكلهم وإشراكهم في المسؤولية، والتعامل معهم بشفافية، ووضع سلطة القانون فوق اي اعتبارات ايديولوجية أو حسابات سياسية.

IwZXh0bgNhZW0CMTEAc3J0YwZhcHBfaWQMMjU2MjgxMDQwNTU4AAEe1giXZDOi14h2L87QQTqSW6E6gdOARk_CDICWNeXkYXelSI0GF2Ydr0L9NRM_aem_o1bIGIqRCn9