مقابلة مع عنب بلدي: الجميع مسؤول عن “العجز الوطني”

2021-01-27 :: عنب بلدي

عنب بلدي التقت بالدكتور غليون للإضاءة على المشهد السوري الحالي، والتحركات الروسية والأمريكية، والوضع القائم .للمعارضة السورية

عنب بلدي- يدرك السوريون ان قضيتهم تمر بحالة انسداد أفق الحل السياسي.  وان سبب ذلك عدم توافق القوى الدولية على حل وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.  ألا تعتقد ان هذا الانسداد تساهم فيه قوى المعارضة الرسمية نتيجة وضع بيوضها في سلال القوى الخارجية؟. كيف يمكن الخروج من هذا الانسداد؟

غليون:

لا شك في أن لفقدان مؤسسات المعارضة الرسمية صدقيتها وثقة السوريين والمجتمع الدولي بها نصيب كبير في تمديد اجل المحنة ونجاح النظام وقوى الاحتلال المتعدد الأقطاب في تحييد قرارات مجلس الامن التي صيغت هي أيضا لتكون قابلة للتحييد. لكن انسداد أفق الحل السياسي لا يقتصر على أجهاض مؤسسات المعارضة ولكنه يرجع أيضا إلى عوامل اقليمية ودولية، كما يرجع إلى عجز عموم النخب السورية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمثقفة عن التفاهم والتعاون بل حتى التواصل الايجابي للضغط على هذه المؤسسات الممثلة للمعارضة وإعادة بنائها وإنتاج قيادة وطنية فاعلة وتحظى بالثقة العامة. كما يقول المثل العربي: لم يصبح فرعون فرعونا إلا لأنه لم يجد أمامه من يرده عن فرعنته. ولا يستطيع رده إلا إرادة جماعية واحدة لا أفراد أبطال مهما كانت شجاعتهم. وعندما أقول النخب فأنا أقصد تلك القوى التي تحظى بقسط من موارد القوة سواء كانت القوة اقتصادية او مالية أو حزبية سياسية أو رصيدا ثقافيا رمزيا أو وجاهة اجتماعية. من دون أن نقلل من مسؤولية المنتحلين صفة القيادة في مؤسسات المعارضة الراهنة نحن كلنا مسؤولون بشكل أو آخر عن عجزنا الوطني أمام نظام القتل والإبادة والتواطؤ مع الاحتلال الأجنبي.

عنب بلدي- قابلت الروس من قبل ولا بد أنك اكتشفت انهم يدافعون عن بقاء النظام بكل الوسائل الديبلوماسية والسياسية والعسكرية وغيرها.  ما أهداف الروس القريبة والبعيدة التي تقف خلف هذا الدفاع عن نظام متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية؟

غليون: لا تهتم الدول وبالتالي ممثلوها كثيرا بمصائر الشعوب الأجنبية أما النظم الأوليغارشية التسلطية فلا تهتم حتى بمصائر شعوبها. ما يهمها هو بالعكس حل مشاكلها وتناقضاتها والرد على التحديات التي تتعرض لها على حساب هذه الشعوب الضعيفة، بل هي تترصد سقوطها في ازمة حتى تتدخل لتستغل أزمتها لحسابها. وقد وجد نظام بوتين التسلطي الفردي انه بوقوفه في سورية ضد أي تغيير يرد على التهميش إن لم يكن الاحتقار الشديد الذي درج الغرب على التعامل به مع روسيا ومعه شخصيا منذ سقوط جدار برلين واختفاء الاتحاد السوفييتي. وهذا ما تجلى في الطريقة التي سخر بها التكتل الغربي الامريكي الاوروبي عموما من روسيا وضحكوا عليها خلال الأزمة العراقية عام 2003 ثم الأزمة الليبية بعد اندلاع الثورة عام 2011.

 في البداية ارادت موسكو ان تقول للغرب أن روسيا موجودة وأنها ترفض قاعدة اللعب التي انفرد فيها الغرب بالقرار الدولي وبالسياسة الدولية. لكنها طورت فيما بعد موقفها امام شعورها بضعف الغرب وعدم استعداده لمقاومة سياستها الجديدة ووضعت لتدخلها أهداف أكبر فأكبر، فصارت سورية بالنسبة لها مسرحا لاستعراض القوة واستعادة دورها الدولي كقطب عالمي. وهذا ما شجعها أيضا على التدخل السافر في اوكرانيا ثم ضم القرم عام 2014 . وهدفها ان تعيد توازن كفة الميزان مع الغرب وتصبح قطبا مؤثرا وطرفا في اي مفاوضات دولية، وفي الشرق الأوسط القريب منها كأوروبا بشكل خاص. لكن مع نجاحها في فرض دورها وموقعها في سورية، بفضل سياسة أوباما الذي أراد التركيز على الداخل الامريكي، كبرت شهيتها وصارت ترى في سورية بحد ذاتها غنيمة تستحق الاحتفاظ بها لموقعها الاستراتيجي وثرواتها مثل اي مستعمرة جديدة، بالإضافة إلى استخدامها كحقل تجارب مجاني لتحسين أداء الاسلحة الروسية وكمعرض بيع دائم لأسلحتها الجديدة. 

أمام هذه المكاسب لم تعد موسكو بوتين ترى الشعب السوري ولا الأسد ذاته كما هو وإنما ترى مصالح كبرى ينبغي حمايتها بأي وسيلة وتعظيمها في مواجهة مطامع الاطراف المنافسة الأخرى، الايرانية والتركية والأمريكية وغيرها. وبقاء نظام الأسد هو أفضل ضمانة لذلك بمقدار ما يعني في الوقت نفسه غياب سورية كدولة وإرادة وطنية شعبية وسيادة.  بالنسبة لروسيا والعالم سورية اليوم غير موجودة. الموجود هو الأسد الذي ينظر إليه كنظام خيانة موصوفة لشخص تسبب من أجل الحفاظ على كرسي الحكم بتدمير بلاده وقتل شعبه، هذا من جهة، وشعب مغلوب على أمره ممزق وخاضع لأكثر من قوة خارجية وعشرات الميليشيات الخاصة المحلية والأجنبية من جهة ثانية. 

عنب بلدي- لنضع اصبعنا على الجرح بمسألة تمثيل السوريين سياسياً. هل توافق مع من يقولون ان بنية الائتلاف عاجزة عن القيام بهذا التمثيل بصورة فعالة؟ وان هذا العجز سببه ارتباط هذه البنية سياسياً ومالياً بقوى اقليمية ودولية ؟ هل تعتقد أنه يمكن الفكاك عن هذا العجز وكيف؟

غليون:

أعتقد أن ضعف القيادة يغري القوى الدولية بالمزيد من محاولة السيطرة على قرارها وإلحاقها بها. ولا أعني ضعف القيادة هنا ضعف الأشخاص ولكن افتقار المعارضة لثقة جمهورها، وهنا جمهور الثورة، وإلى دعمه وتأييده. والقيادة الضعيفة اي الفاقدة لدعم الجمهور وثقته تحتاج بشكل أكبر إلى الارتماء على قوى خارجية تدعمها وتلتحق بها. وما يحصل هو معادلة سلبية وقاتلة تلجأ فيها المعارضة للتعويض عن ضعفها الذاتي الى الالتحاق بالقوى الاقليمية التي تعتقد انها يمكن ان تدعمها في حين أن التحاقها هذا يزيد من فقدان الجمهور ثقته بها ورفضه تأييدها كما يعزز قوة منافسيها. 

أما فيما يتعلق بإمكانية الفكاك من ذلك فالجواب نعم بالطبع وذلك بكسر هذه المعادلة الشريرة او الفاسدة. ومنطلقها استعادة ثقة الجمهور مما يرفع من درجة الصدقية لدى المعارضة ويقلل من جموح القوى الاقليمية لاستخدامها أدوات وبيادق في لعبتها السياسية والاستراتيجية ويحثها على احترامها وتقدير استقلال قرارها أيضا والاعتراف بشرعية قضيتها الوطنية. لكن لا أحد يحترم الضعيف ولا يتعامل بندية مع مؤسسات تدافع عن قضايا شخصية ومصالح خاصة. 

عنب بلدي- لو طالبك الشعب السوري بقيادة اطار سياسي وشعبي واسع للتصدي لخطط الروس والنظام بتنفيذ انتخابات رئاسة هزلية.  ما الخطوات الملموسة التي يجب العمل عليها لإفشال هكذا مشروع داخلياً إقليمياً دولياً؟.

غليون:

للأسف النخب السورية منقسمة بشكل لا يمكن تجاوزة ولأسباب غالبا غير مفهومة كما لو كانت مشدودة بحبال غير مرئية لتعض بعضها البعض. ولا أعني بذلك الانقسامات الطائفية او القبلية كما درجنا على الاعتقاد، وإنما انقسامات سياسية وتشكيك متبادل بمواقف التجمعات والأحزاب والقوى والتيارات المختلفة. ينظر البعض لفريق بأنه عميل للغرب وينظر الفريق الثاني للآخر بأنه عميل للنظام وروسيا ويرى البعض ان هذا الفريق السياسي او ذاك يخدم الاسلاميين ومشاريعهم الطائفية وينظر فريق مقابل لمنافسه على أنه يخفي مشاعر طائفية أو أقلوية. الانعدام المذهل و المأساوي للثقة بين المجموعات والأفراد العاملين في سياسة اليوم اي في حقل العمل الوطني الراهن يعطل اي امكانية لبناء قوة او إطار سياسي شعبي او بقاعدة دعم شعبية عريضة يستطيع ان يشكل وزنا في الصراع الراهن على سورية وتقرير مصيرها ومستقبلها. 

بمجرد وجود مثل هذه القوة وهذا الإطار الشعبي او الذي يحظى بثقة الناس وتأييدهم تتغير العلاقات بين القوى المتنافسة اليوم على وضع الحلول لغير صالح الشعب السوري وفي سبيل الاستمرار في تهميشه، وتجبر الآخرين على تغيير مواقفهم وسلوكهم للأخذ بالاعتبار إرادة الشعب. ما يحصل هو ان انقسام النخب يعطل إظهار ارادة الشعب في التغيير وهو يخونها في الوقت نفسه. وكلها لحساسيات فكرية وشكوك شخصية متبادلة هي ثمرة الثقافة والتربية العبودية لنصف قرن على الأقل. من هنا إن لم ينخرط في الصراع من أجل انتزاع سورية من فم الوحش رجال اعمال وعسكريون وسياسيون ومثقفون وطنيون قضيتهم الوحيدة وهدفهم وغايتهم سورية فقط لن نستطيع ان نخرج من الهوة السحيقة التي سقطنا فيها والتي يخشى ان نبقى فيها لسنوات طويلة وربما لعقود. 

والخطوات التي يمكن أن تفيد في ذلك هو ان تحمل مجموعة عصاها كما حملها موسى وتمر على الجميع من دون استثناء أحد، ومن دون وضع فيتو على أحد، وتحل مشكلة انعدام الثقة فيما بينهم كما فعلنا عند تشكيل المجلس الوطني السوري الذي قضى عليه قصر النظر السياسي وتجذر ثقافة عدم الثقة والتخوين والتكفير.

 

انقسام النخبة السورية “غير مفهوم” والجميع مسؤول عن “العجز الوطني”

للمزيد https://www.enabbaladi.net/archives/453010#ixzz6kmI2T2hj 

أسامة آغي