مقابلة جريدة العرب: الحل خرج من أيدي السوريين

2020-07-19 :: العرب

ترجمة :

-   استغرقت عامين لإنهاء كتابك "عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل"، كما أنك أجّلت تلك الكتابة والمُحاكمة لتجربة الحراك السوري ما يقرب من ست سنوات.. لِم جاء كل هذا التأخير الذي جاء فيه تقييمك لذلك الوضع بمثابة معاينة لجثة هامدة؟ ألم يكن يُأمل أن تسهم شهادتك المُبكرة عن تلك التوجهات والتحركات التي أودت بمسار الثورة السورية في أي تصحيح ممكن للمسارات؟

بالرغم من جميع الأخطاء التي ذكرتها، إلا أن قوة الاندفاع الشعبي وحجم التضحيات غير المسبوقة التي أظهر الشعب السوري استعداده لتقديمها، والتصميم الاسطوري، والشجاعة التي واجه بها مصيره، كما واجه بها التدخلات الاجنبية القوية والعديدة، ما كان يمكن إلا أن تثير الإعجاب والحماس. وكنت أعتقد، بالرغم من انني لم اتوقف عن توجيه الانتقادات لعملنا في المعارضة والكتابة يوميا تقريبا عن ضرورات الاصلاح وتوسيع قاعدة المجلس الوطني الممثل للمعارضة والثورة وهيكلته، أن إمكانية الاصلاح تبقى موجودة والمعنويات عالية. وتجدين شهادات لا تحصى على هذا الموقف منذ استلامي رئاسة المجلس الوطني في صفحتي والتصريحات الصحفية التي لا تزال موجودة. لكن التركيز على أخطاء الثوار كان يعني، في تلك الفترة التي كانت فترة انجازات عظيمة، حتى فيما يتعلق بتحرير المناطق، مشاركة أعداء الثورة في اتهاماتها التي لم تتوقف والمساهمة في نزع الشرعية عنها، وكان يمكن ان يكون مصدرا لتثبيط الهمم وإحباط روح التضحية والبطولة لدى ثوار وضعوا أرواحهم على أكفهم لانتزاع النصر على النظام ولو بأسنانهم. 

لكن التدخل الروسي قرع جرس انذار خطير في نظري. وأصبح تصحيح الأخطاء مهمة استراتيجية ومركزية من أجل ضمان الاستمرار في المقاومة. وكان الهدف من المساعي الاصلاحية تجاوز الانقسامات وتشتت خطاب الثورة وانحراف البعض عن اهدافها، واعادة انتاج قيادة سياسية مقبولة لدعم صمود الشعب واستعداده الذي لم يضعف للتضحية من اجل الخلاص من كابوس نظام الاستبداد الذي تحول الى نظام إبادة جماعية. وبعد محاولات عديدة فاشلة لجمع قادة الفصائل رأيت أن الوقت قد حان لتكريس وقت أكبر لمراجعة التجربة والكتابة عنها. 

ومع ذلك، أنا لا أعتقد أن الوضع وصل الى حالة اليأس بالرغم من الشروط القاسية المفروضة اليوم على السوريين. اعتقد ان التضحيات الهائلة التي قدمها السوريون قد نجحت في تحقيق هدف رئيسي وحاسم هو تحطيم النظام وتحويله بالفعل الى جثة متفسخة تنتظر من يأمر بدفنها. وهذا ما سوف يحصل بعد ان يضمن المحتلون الجدد توقيع الاتفاقات المجحفة بحق السوريين والدولة السورية. لكن هذا لن يكون نهاية العالم. وعندما يتعافى الشعب السوري لن يفتقر إلى الارادة والعناد والاصرار اللازم لاسترجاع حقوقه. أنا واثق من ذلك. 

-   متى تحديدًا توصّلت إلى تلك الدرجة من الإدانة لكل تلك الأطراف؟ متى تحديدًا  شعرت بأن جل الجهود محكوم عليها مسبقا بالفشل؟

ليس في كتابي إدانة لأحد. وانا لست قاضيا وحكما. انما عملت في كتابي كمحلل سياسي وكجراح يكشف الورم ويسعى إلى الاشارة اليه واستئصاله إذا امكن. وعندما يقوم الجراح بعمله فهو لا يدين المريض وانما يسعى إلى انقاذه. ولم اشعر في اي وقت ان جهودي محكوم عليها بالفشل. وحتى اليوم حيث تعيش سورية أوضاعا اكثر من مزرية، بسبب الدمار والفساد والانهيار الاقتصادي والاحتلالات الاجنبية التي تأكل من لحمها وتمتص دمها، والعقوبات الخارجية المتزايدة، والتنافس الدولي على استنزاف مواردها واغتصاب سيادتها، ليس لدي اي شعور بأن جهود السوريين باءت او ستبوء بالفشل. بالعكس تماما، اعتقد ان ما حققوه ما كان يمكن تحقيقه من دون هذه التضحيات، وان ما قاموا به لاقتلاع سرطان عميق وحقيقي كاد يقضي على  جسدهم الناحل كان بمثابة معجزة. وانهم لا يزالون قادرين على صنع المعجزات. من باءت جهوده، بالرغم من وحشية وسائل تنفيذها، بالفشل وحكم عليه بالزوال والموت القريب هو النظام الوحشي، وأزلامه، ومافياته، التي انكشفت هويتها للقاصي والداني ولم يعد لديها اي امل بالبقاء والاستمرار. نحن نعاني، ونعاني كثيرا وبقسوة، لكننا لم نفقد الامل. 

-   فيما يخص حديثك عن دور الشعب السوري خلال هذين العامين، قلت إنه نجح في التغلب على ميراث من الأزمات السياسية "ولد الشعب السوري الجديد مرة واحدة وسقط نظام العبودية إلى الأبد" لكنك أدنته لاحقًا واعتبرت إخفاقه في تحقيق مساعيه كان مُحتما سلفًا "ما كان من المتوقع أن ينجح شعب، جرد من هويته السياسية وعقم سياسيا ومدنيا في إنتاج ممارسة اجتماعية وسياسية ووطنية منظمة وعقلانية ومدنية من العدم".. كيف يمكن النظر إلى تلك المسألة؟ هل ميراث القهر السياسي لا يمكن الفكاك منه وبالضرورة يُشكِّل المستقبل؟

وصفت اندلاع الثورة السورية بالمعجزة منذ الايام الاولى لانطلاقها وكفاح السوريين بالبطولة النادرة والبسالة الاستثنائية. وهذه هي الحقيقة كما تبدو ناصعة اليوم بعد تسع سنوات من القتال ضد قوى عظمى ذات اهداف شريرة لا تخفيها، ولا تتردد في القتل على الهوية وتكرار المجازر الجماعية. لكنني ذكرت ايضا انه ما كان من الممكن ان يحقق السوريون اكثر مما فعلوا بغياب التنظيم السياسي نتيجة لعوامل متعددة، منها وجودهم لنصف قرن في ظل نظام عبودي انتزع منهم حقوقهم جميعا، وحطم كل مؤسساتهم المدنية والسياسية، وسلط عليهم أجهزة امنية لم تدمر حياتهم السياسية والمدنية وتحرمهم من اي تواصل فيما بينهم ومراكمة اي خبرة سياسية فحسب وإنما سحقت ايضا حياتهم الاجتماعية والأخلاقية وأفقدتهم الثقة الاجتماعية وروح التضامن والتكافل التي من دونها لا يمكن قيام اي مؤسسة او جمعية او تنظيم لا تستقيم من دونه أي جهود جماعية. وليس في هذا اي تناقض.

ومن هذه العوامل اصطدام الثورة السورية بمشروع تيوقراطي وطائفي لامبرطورية مشرقية لا تزال طهران تعمل عليه باسم الهلال الشيعي، وبشكل منهجي وعلني، منذ 1979. وقد انفقت عليه عشرات المليارات من موارد شعبها وموارد العراق الذي سقط في يدها عام 2003. وقد استشرست ايران في الدفاع عن نظام الأسد واعتبرت فقدانها السيطرة على سورية أهم وأخطر على مستقبل هذه الإمبراطورية من فقدان أهم محافظة ايرانية، مثل عربستان موطن آبار النفط. 

ومن هذه العوامل أيضا دخول الثورة من دون أن تدري على خط الصراع الروسي الغربي، الذي سرعان ما تحول إلى نزاع بين كتلتين شرقية وغربية وأعاد إلى الحياة منطق الحرب الباردة. وقد نجحت موسكو في شل اي عمل سياسي دولي يهدف لانهاء الحرب، كما لم تظهر الولايات المتحدة مصلحة كبيرة في انهاء حرب تستكمل فيها تفريغ المشرق من اي قوة استراتيجية محتملة، في اطار تمديد أجل السيطرة الغربية وضمان أكثر ما يمكن من دمار المشرق العربي لتعزيز هيمنة حليفتها الاقليمية الأولى اسرائيل. 

هكذا وقع السوريون في مصيدة. وما كان بإمكانهم الهرب منها. لكنهم قاوموا ولا يزالون كالأسود. وحرموا القوى الثلاث الكبرى التي وقفت في وجههم: نظام الأسد وايران وروسيا التي تدخلت بقوتها الجوية وضباطها واسلحتها، من تحقيق أهدافهم حتى الآن، بعد ما يقرب من عقد من الصراع. 

ميراث القهر السياسي وتفريغ المجتمع من اي قوى ومؤسسات مستقلة وفردنته لعب دورا كبيرا في منع السوريين من التواصل والتفاهم وتوحيد جهودهم حتى يضمنوا نتائج أفضل لتضحياتهم، ويوفروا ربما الكثير منها، أو يزيدوا من خسائر الخصوم لردعهم عن التمادي في العنف، لكن ليس لربح الحرب. 

ومع ذلك ليس هذا الإرث قدرا لا يتبدل. ولم تكن الثورة سوى الرد على هذا القدر وتحويله الى أثر من الماضي. اليوم، من حطام سورية المزرعة العبودية التي دمرها الأسد بيده تولد سورية جديدة في كل مكان، أعني روحا سورية حرة، وروح مبادرة ونشاط ونمو في الوعي السياسي والنظري والأخلاقي، وفي التواصل الاجتماعي، لن تتأخر ثماره حتى تظهر. سورية ما بعد الأسد لن يكون لها علاقة بسورية الأسد، حتى وهو لا يزال إلى الآن مفروضا عليها كشبح قاتل بقوة حراب الاحتلال. 

-   تحدثت عن بداية تمازج دور السياسي مع دور المثقف بداخلك "السياسي الطارئ، المثقف أصلا، يبقى مثقفا، ليؤدي الدورين معا في ذروة التقاء الفكر والسياسة في معركة الحرية".. ما تقييمك لأدائك كمثقف أولًا ثم كسياسي ثانيًا خلال تلك الفترة؟ أيهما طغى على الآخر؟

تقييم دوري كمثقف اتركه للجمهور والباحثين والرأي العام وللأجيال القادمة. اما دوري كسياسي فليس لدي اي ادعاء سياسي او طموح لأكون رجل دولة او رجل سلطة. انا مثقف رمى بنفسه في معركة شعبه من اجل الحرية والكرامة، تماما كما فعل اي طالب او عامل او حرفي نزل الى الشوارع والساحات وهتف للكرامة والحرية. نحن جميعنا كنا سياسيين بسوية واحدة. أي نخترع السياسة بدمنا وتضحياتنا وأخطائنا وعثراتنا. ولا فضل لواحد على الآخر إلا بمقدار ما قدم وضحى. 

-   إلى أي مدى تندم على الانخراط في العمل السياسي لاسيما بعد كل ما تعرّضت له؟ وبعد تلك المراجعة التي قدمتها وتلك الفترة الحرجة من تاريخ الوطن السوري؟ هل ما زلت مقتنعًا بأهمية انخراط المثقف في العمل السياسي أم بت ترى أنه على المثقف أن يكتفي بالتوجيه والرأي وفقًا لتجربتك الشخصية؟

لايمكن لأي إنسان عاش مثل تلك التجربة المثيرة والملهمة ان يندم على المشاركة فيها، فقد كان شرف عظيم لي أن أشارك في تجربة بناء أول إطار قيادي سياسي لثورة شعب عظيم كان مستعدا لتقديم تلك التضحيات التي لا مثيل لها. وما تعرضت له لا يساوي شيئا أمام ما تعرض له ولا يزال يتعرض له السوريون في كل مكان ومن كل الاجيال والأطياف. 

اما عن تساؤل البعض عما إذا كان من المهم للمثقف ان ينخرط في الثورة او في الحياة السياسية لشعبه، فهو بالنسبة لي مثير للاستغرب إن لم يكن للسخرية. فهل يعني ذلك ان علينا كمثقفين ان نترك السياسة التي تعنى بمصير الشعوب ومصالحها العليا، وفي مقدمها وجودها كشعوب، للجهلة والأميين والمنحرفين والمافيات التي سطت عليها بالفعل وحولت الشعوب الى  حملان بمقدار ما تحول سياسيوها إلى ذئاب وثعالب مفترسة؟ المواطنة ترتب حقوقا لأصحابها لكنها ترتب عليهم أيضا واجبات لا تمييز فيها بين مثقف وغير مثقف. فالمواطن بالتعريف سياسي وشريك في القرارات المصيرية. وهو مسؤول بمقدار ما هو حر او يتمتع بالحرية. في الظروف الطبيعية لكل مواطن الحق في اختيار مهنته، وهو حر في تخصيص وقته لأي نشاط يريده. لكن في الأحوال الاستثنائية، كالحروب والثورات لا تعود السياسة مسؤولية محترفيها ولا مهنة ولكنها تتحول إلى واجب وطني على كل مواطن قادر على حمل المسؤولية وبحسب إمكانياته وقدراته.

-   في ظل حديثك عن فشل النخب العلمانية على وجه الخصوص في الانخراط بأي نشاط يمكنه أن يكون دافعًا نحو التغيير فيما مارست جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسهم الإخوان البراجماتية السياسية.. ما توقعاتك لطبيعة حضور الإسلام السياسي في المشهد السوري مستقبلا؟ وإلى أي مدى تظن أن النُخب العلمانية من الممكن أن تستفيد من إخفاقاتها طوال السنوات الماضية؟  

الاسلاميون والعلمانيون في النهاية بشر يتمتعون بالوعي والإرادة، وهم قادرون على الاستفادة من تجاربهم السياسية وغيرها وتنمية خبراتهم، وكذلك قدراتهم على التواصل فيما بينهم وتجاوز خلافاتهم. لا ينبغي ان نجعل منهم أمما متعادية ومستقلة. لن يستطيع احد ان يلغي هؤلاء أو أولئك، وليس هذا هو المطلوب للانتقال الى مجتمع ديمقراطي يعترف بحرية ابنائه في اختيار أفكارهم ومواقفهم. المطلوب ان يحترم كل فرد عقيدة الفرد الآخر ضمن اطار القانون وأن يتحول الاختلاف في الرأي السياسي وغير السياسي إلى تعبير عن حرية الفرد لا إلى سند لتأسيس طوائف متعادية ومنغلقة على نفسها وعصبيات متناحرة أو ماهيات تلغي بعضها وفي طريقها تلغي الهوية الوطنية المشتركة أو الهوية الانسانية. 

-   سأورد لك انتقادين وجها إليك عقب نشر الكتاب؛ الأول هو انتقادك لجميع الأطراف دون أية إدانة للذات رغم أن ذلك جاء بشكل ما في إطار إدانتك للذات الجماعية.. والثاني: ماذا فعلت في مواجهة كل تلك الانحرافات من واقع منصبك ومسؤوليتك السياسية في تلك الفترة.. ما تعقيبك؟

الإدانة حكم تطلقه محكمة على متهمين بجرم أو ذنب كبير كالقتل والخيانة وغيرهما. ولا ينطوي الكتاب على أي ادانة لأحد. ولا يعتبر نقد الذات الجماعية، بمعنى التعرف على أسباب عجز مجتمع عن تنظيم جهوده بشكل عقلاني وتجاوز انقساماته للرد على خطر داهم، او التذكير بتضاؤل القيم الايجابية لديه، من تضامن وتكافل وتواصل وتعاطف، إدانة للذات. إن اسمه الصحيح هو نقد. والنقد ليس ايضا تشهيرا بالآخر، سواء كان فردا ام شعبا وإنما هو فحص تماسك الاسس المنطقية او العملية التي يقوم عليها الرأي او الموقف او الممارسة، وتمييز الخطأ من الصواب لإزالة الاوهام وإظهار الواقع على حقيقته، بعيوبه وايضا بمحاسنه. وأنا بالفعل انتقدت، بمعنى قيمت أو قومت، السلوك السياسي للعديد من الأطراف، من وجهة نظري ومن قراءتي الموضوعية للحدث، ولم أدن أحدا حتى أولئك الذين أمطروني بكل الاتهامات. بالعكس اشدت بنضالات الكثير منهم ممن كان لهم تاريخ معروف في النضال. 

أما فيما يتعلق بشخصي فأنا لم أدع انني كنت سياسيا محنكا أو صاحب تجربة سياسية، ولم أرأس أحزابا، ولا كنت عضوا في اي منها، حتى اسمح لنفسي أن أقيم تجارب الآخرين ومحاسبتهم أو اتهامهم، أو نزع  الشرعية عن كلام أحد، وأقل من ذلك ادعاء معرفة الحقيقة أو احتكارها. إنما أنا أكاديمي ومحلل سياسي لتجربة شاركت فيها، وأحاول ان أشرح للجمهور الذي أولاني ثقته، بمنهج الباحث في العلوم الاجتماعية، التحديات التي واجهتها الثورة والاختيارات التي اجبرنا في معظم الاحيان على تبنيها لضعف سيطرتنا على وسائل عملنا، او عدم خبرتنا، وإبراز دوافع اختياراتي ومواقفي، ورؤيتي للمصاعب واقتراحاتي لتجاوز اخطائنا الماضية.

ولا شك أنني ارتكبت أخطاء كثيرة في تقدير الأوضاع او الأشخاص الذين اعتمدت عليهم خلال رئاستي للمجلس أو قيادتي السياسية، وأنا مستعد لسماع او قراءة أي انتقادات جدية لمواقفي وخياراتي السياسية ممن لديه اعتراضات عليها او رغبة في نقدها، وقد فعل كثيرون ذلك أيضا، وآمل ان يستمر. فهذا هو الأمر الطبيعي والمطلوب. ومن خلال النقد والنقد المقابل أو نقد النقد، تتقدم المعرفة بالواقع وتتكون صورة صحيحة للحدث عند القاريء ويتعزز وعي الرأي العام. ولا أحد يحول دون أن يقوم الباحثون او الشركاء السياسيون بانتقاد التحليلات التي قدمها زميل لهم للحدث، وإظهار ما صلح وما كان خاطئا منها، وفيما إذا شاب الدراسة اخطاء في الاستشهادات أو صحة الوقائع او تسلسل الأحداث او ضعف في الأدلة والقرائن. 

يعتمد النقد السياسي والنظري على تحليل الوقائع والأحداث، ويختلف اختلافا كليا في منطقه ومنهجه عن منطق الاتهام، الذي يقوم على اعتقاد مسبق بأن الشخص المتهم قد أخطأ أو بالاحرى خان القضية، وعلى اختلاق الأحداث والوقائع الوهمية لتأكيد هذه الخيانة وتلك الاتهامات، ولا يسأل عن أو يحاول فهم ما حدث ولكن كل ما يريده هو اجبار المتهم على الاعتراف بالفشل أو بالسقوط الاخلاقي فحسب. الاتهام محاكمة أخلاقية صدر فيها الحكم مسبقا، وما يطلبه مصدره من المتهم هو ان يعترف بجريمته ويقبل العقاب الذي سينزل به راضيا، باعتباره عملية تطهر وتكفير عن ذنب. وفي معظم الاحيان تأتي الاتهامات من قبل أشخاص يشعرون بتأنيب الضمير لفشلهم بالقيام بما يتهمون به غيرهم، ولا يجدون وسيلة للتخلص منه إلا برميه على آخرين، على منوال اختلاق كبش فداء يحملونه كل أخطائهم الذاتية. ومع ذلك لست زعيم أي حزب شمولي، وليس لدي أي سلطة قمعية، ولم أهدد بقطع رأس من ينتقدني، وأرحب بأي نقد يهدف لتصحيح قراءتي للكارثة وتحليلي لأسبابها يحظى بالحد الأدنى من الموضوعية.  لكنني لا أرد على ولا أعير أهمية لأية اتهامات.

أما ماذا فعلت لأصحح الاخطاء، فاستقالتي نفسها لم تأت إلا احتجاجا على تراكم الأخطاء وإصرار اصحابها على التمادي فيها.

-   بعد أن حددت وقائع الإخفاق في أداء الأطراف المختلفة طوال السنوات الأولى من عمر الثورة السورية ومسؤوليتها عما آلت إليه الأمور من سوء؟ ما رؤيتك للمخرج الصحيح من كل تلك الأزمات التي حفرت أنفاقها على مدار السنوات الماضية؟  

ثانية اود ان اكرر انه بالرغم من عنوان الكتاب المشدد على مسؤوليتنا نحن كسوريين، بهدف التركيز على دورنا، فإن ما حصل خلال السنوات الماضية ليس، بالدرجة الأولى،  نتيجة عملنا او أخطائنا، على مختلف تشكيلاتنا شخصيات وأحزاب وفصائل، وإنما نتيجة تقاطع عوامل خارجية كان لها الدور الاكبر في انتاج ما ينبغي تسميته "الكارثة السورية". والذين صنعوا هذه الكارثة بالأساس هم القوى الثلاث التي تحدثت عنها فوق، والتي يكاد الحوار المشخصن حول الكتاب، والإلحاح على الحساسيات والمسؤوليات الشخصية، ينسي القاريء دورها الحاسم فيها، ويحرف الانتباه عنها. 

الأولى هي نظام الأسد الذي يتبين للعالم اليوم مدى فساده السياسي والاقتصادي والأخلاقي، واستعداده لتدمير وطن كامل وتهجير شعبه وقتل وإعطاب الملايين منه للبقاء على عرش بلد يتعامل معه على أنه اقطاعة او عزبة عائلية. والثانية الحكومة الايرانية التي قررت ان سورية ينبغي أن تكون جزءا من الامبراطورية الفارسية، وارسلت حرسها الثوري ،وحشدت ميليشيات متطرفي العالم لقتال السوريين والقضاء على ثورتهم. والثالثة روسيا التي وجدت في سورية، التي يقتل فيها الحاكم شعبه ويحتاج الى دعم خارجي، الفرصة والصيد الثمين للخروج من هامشيتها الجيوسياسية واعادة موضعة نفسها كقوة عالمية او عظمى من جديد. 

خطأ السورييين الوحيد هو انهم لم ينجحوا في توحيد جهودهم وتنظيم صفوفهم بشكل يزيد من فعالية مقاومتهم البطولية ويعزز مكاسبهم السياسية. وهذا هو موضوع كتابي وليس ماذا فعل عمر ومحمد واحمد. وربما أنني أخطأت في اختياري للكتاب عنوانا وافق هوى نخبة تميل الى شخصنة الأمور، وتغييب الشأن العام، والتقليل من شأن الظروف والشروط الموضوعية لأي حدث كبير. ولو قيض لي ان اضع العنوان الآن لكان : "مساءلة الذات" بدل عطب الذات، لما اثارته مفردة عطب من تشوش في الفهم. فالمقصود دفع السوريين: الأفراد والمعارضة الحزبية والفصائل المقاتلة والنخبة المثقفة والنخبة الاقتصادية ورجال الدين وغيرهم إلى مساءلة انفسهم، عن دورهم وموقعهم ومنهج عملهم لتحقيق أهداف الثورة، وفيما إذا كان هناك ما ينبغي تغييره في طريقة تفكيرنا وسلوكنا وأساليب ممارستنا للتقدم  في بناء أسس التفاهم والتعاون والتضامن واستعادة الثقة بأنفسنا أيضا وقدرتنا على تجاوز التشتت والانقسام وانعدام الثقة المتبادل التي سيطرت على ممارستنا في الحقبة الماضية. 

أما الحل فقد خرج من ايدي السوريين على الأقل لهذا الوقت. لكنه لن يكون ممكنا ولن يصل السوريون الى تحقيق غاياتهم من الثورة ويقطفوا ثمار التضحيات العظيمة التي قدموها ما لم يتجاوزوا هذا العجز عن التفاهم والاتحاد والتكتل، بصرف النظر عما يفعله زيد أو عمر أو  محمد او محمود، وما يكتبه هذا الكاتب او ذاك. 

وفي النهاية، الثورة ومآلها ومصير الشعب السوري ليس كل ذلك مرتبطا او رهينا بأي شخص او حزب او مجموعة احزاب، معارضة او غير معارضة، ولكن بإرادة السوريين جميعا، ونضج تجربتهم، وتشكلهم كشعب وامة حية وموحدة ومتضامنة. وهذا ما ينبغي ان يصب فيه جهد جميع المثقفين والسياسيين والاعلاميين السوريين وغير السوريين الذين يريدون لسورية وبقية الشعوب العربية ان تنزع ثياب الانقسام والانحطاط والاحباط والاستبداد والذل وتلبس ثوب الوطنية الجامعة والحرية والكرامة والسيادة والتنمية والاستقلال. 

-   إن كانت تجربة الثورة السورية قد أثبتت إخفاق العديد من القوى على رأسهم النُخب في الدفع نحو عملية الإصلاح والديمقراطية، فعلى من يمكن التعويل مستقبلا؟ وكيف يمكن تحقيق الديمقراطية مستقبلًا في ظل السيرورة التاريخية التي حكمت الشعب السوري على مدار تاريخه؟ وفي ظل الأزمات التي تعرضت لها في كتابك؟

على هذه القوى نفسها، لأن النخب والاحزاب والأشخاص القادة ايضا ليسوا أصناما ولا ماهيات ثابتة وجامدة، ولكن أشخاص وروابط حية ومتحركة ومتطورة تستوعب التجربة وتتعلم منها وتغير ذهنها وسلوكها وتغني وعيها وتصلح ممارستها. ولو لم يكن الوضع كذلك لما نجح شعب ولما كان للتجارب معنى. والقادة الكبار لم يولدوا كبار وإنما اصبحوا كبار لأنهم كانوا قادرين على التعلم من أخطائهم وفشلهم، وهذا ما ركز عليه زعيم الصين الحديثة ماوتسي تونغ عندما قال ان الشعوب تتعلم من أخطائها أكثر مما تتعلم من انتصاراتها. وهو الذي خاض ثورة حفلت بالنجاحات الباهرة والاخفاقات المريرة خلال عقود قبل ان يتحقق لها الانتصار الحاسم. 

فليس الخطأ جريمة ولا عورة ولا عار. الخطأ هو ثمن مدفوع مسبقا من أجل التعلم والتبصر والنجاح، ومعظم النجاحات والانجازات الكبرى لا تتحقق إلا بعد تجارب عديدة فاشلة. ولا اعتقد ان انجازا علميا او سياسيا حصل فجأة بضربة عبقرية واحدة وخرج من رحم التاريخ كما يخرج الرضيع من بطن امه. ومن يخشى الفشل ويهاب المخاطرة ويتلهى بالصغائر ويتمسك بسفاسف الأمور ويخاف من التحليق في الفضاء لا ينجح ابدا، ويحكم على نفسه بالقعود والافلاس المقيم. وما دراستنا للثورة وتجربتها إلا للتعلم من فشلنا وتثمين تضحياتنا وتجاوز عيوبنا والتغلب على نقائصنا التي ينبغي ان نعترف بها، لكن ان نضعها أيضا في موضعها الصحيح لا أن نبالغ فيها فنحبط ولا أن نستهين بآثارها فنفشل. وأي تجربة لا تحظى بالدراسة والنقاش والتصويب والنقد المتبادل، أي لا نتعلم منها، تذهب فيها دماء ابنائنا مجانا ولا يبقى لتضحياتهم أثر ولا معنى.

هذا هو النص الأصلي لمقابلة أجرتها حنان عقيل والتي نشرت بتصرف في جريدة العرب اللندنية في 19/07/2020 وأنا أعيد هنا نشر النصل الأصلي لتعميم الفائدة، مع رابط المقابلة في الجريدة.

https://alarab.co.uk/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86-%D8%BA%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84-%D8%AE%D8%B1%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86