/ تعريف بالكتاب. العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر

يتناول الكتاب التحولات التي طرأت على النظام الدولي بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ويبحث خصوصًا في كيفية استثمار الولايات المتحدة للهجمات في تعزيز موقعها الدولي، وفي نشوء ما يصفه غليون بنزعة نحو الأحادية والقيادة الإمبراطورية للنظام العالمي. كما يناقش انعكاسات «الحرب على الإرهاب» على العالم العربي، وغزو أفغانستان وحرب العراق، والعلاقة بين الأمن والديمقراطية، وموقع المجتمعات العربية في النظام الدولي الجديد.

ويرى غليون أن أحداث سبتمبر لم تُنشئ وحدها الميل الأميركي إلى التفرد الدولي، لكنها أتاحت للإدارة الأميركية فرصة لتكريس هذا الميل، وجعلت مكافحة الإرهاب إطارًا لإعادة تنظيم العلاقات الدولية والشرق الأوسط. وفي مقابل ذلك يدعو إلى استجابة عربية لا تقوم على العنف أو الانغلاق، بل على إصلاح الأوضاع الداخلية، وبناء التعاون الإقليمي، وتعزيز الديمقراطية والتنمية البشرية.

خلفية

صدر الكتاب بعد أربع سنوات من هجمات 11 سبتمبر، وبعد التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان سنة 2001 وغزو العراق سنة 2003. ويضع غليون هذه الأحداث ضمن مسار أوسع بدأ بانتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، وما صاحبهما من آمال في انتقال النظام الدولي من الثنائية القطبية إلى نظام أكثر تعددية وتعاونًا.

وبحسب تقديم دار الفكر، ينطلق الكتاب من أن انهيار جدار برلين ونهاية المواجهة بين المعسكرين الغربي والسوفيتي أنعشا آمالًا بظهور نظام دولي يولي اهتمامًا أكبر لقضايا التنمية والفقر والبيئة والصحة، غير أن صعود الولايات المتحدة بوصفها القوة العالمية المهيمنة حال، في قراءة غليون، دون تبلور نظام دولي متعدد الأقطاب.

ويربط المؤلف بين هذه المرحلة وبين هجمات 11 سبتمبر، معتبرًا أنها وفرت ظرفًا سياسيًا سمح للولايات المتحدة بتوسيع استخدام القوة العسكرية وتقديم الحرب على الإرهاب بوصفها أساسًا جديدًا لقيادة النظام العالمي.

موضوع الكتاب

يبحث الكتاب في ثلاثة مستويات مترابطة: التحول في بنية النظام الدولي، وتحول السياسة الخارجية الأميركية، ووضع العالم العربي في البيئة الدولية التي أعقبت هجمات سبتمبر.

وتشير مراجعة عمر كوش المنشورة في صحيفة البيان إلى أن غليون حاول في الكتاب تحليل الآثار المباشرة وغير المباشرة للهجمات على السياسة الأميركية والنظام الجيوسياسي العالمي، إلى جانب دراسة استجابات الدول والمجتمعات الأخرى، وبصورة خاصة الاستجابة العربية.

كما يعالج الكتاب تأثير التحول الأمني على الممارسة الديمقراطية، والعلاقة بين الإرهاب والصراعات الدولية، والحرب على العراق، ومستقبل العلاقات بين العالم العربي والقوى الكبرى، فضلًا عن الخيارات التي يعتقد غليون أن المجتمعات العربية بحاجة إليها لمواجهة التحولات الدولية.

النظام الدولي بعد 11 سبتمبر

من التعددية إلى الأحادية

يرى غليون أن انتهاء الحرب الباردة أتاح نظريًا إمكان ظهور نظام دولي متعدد المراكز، إلا أن هجمات 11 سبتمبر ساهمت في الاتجاه المعاكس؛ إذ وفرت للولايات المتحدة فرصة لترسيخ موقعها بوصفها القوة الأولى في النظام الدولي.

ويعتبر أن التحول الذي أعقب الهجمات لم يكن مجرد تحول في السياسة الأمنية، بل امتد إلى طبيعة العلاقات الدولية نفسها، حيث اتجهت واشنطن إلى فرض أولوياتها السياسية والأمنية على نطاق عالمي مستفيدة من التفوق العسكري والاقتصادي الذي تمتعت به بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

وتلخص صحيفة البيان أطروحة غليون بأن أحداث سبتمبر قطعت، وفق رؤيته، الطريق أمام تطور سريع نحو عالم متعدد الأقطاب، ودفعت نحو نموذج أصبحت فيه الولايات المتحدة أقرب إلى مركز إمبراطوري للنظام العالمي.

عودة الدولة والأمن

يناقش الكتاب كذلك ما يعتبره عودة قوية لدور الدولة بعد مرحلة التسعينيات التي شهدت انتشار الحديث عن تراجع الدولة لصالح العولمة والأسواق والمؤسسات العابرة للحدود. فبعد سبتمبر ارتفعت الأولويات الأمنية إلى مقدمة السياسات الداخلية والخارجية للدول.

ويربط غليون هذا التحول بتشديد الإجراءات الأمنية وتوسع صلاحيات أجهزة الدولة، ويرى أن أحد آثاره كان تراجع الاهتمام ببعض المعايير الديمقراطية والحقوقية حتى في دول تعد نفسها ديمقراطية راسخة.

وقد استعادت صحيفة البيان هذه الأطروحة في تحليل نشرته سنة 2006 عن التحولات التي عرفها العالم خلال السنوات الخمس التالية لهجمات سبتمبر، مستشهدةً بكتاب غليون في مناقشة صعود الحروب الاستباقية وتراجع دور المؤسسات الدولية.

الولايات المتحدة والحرب على الإرهاب

يرفض غليون تفسير الاستراتيجية الأميركية بعد سبتمبر باعتبارها مجرد رد أمني على الهجمات. ووفق عرضه، كانت لدى الولايات المتحدة قبل سنة 2001 نزعة إلى قيادة النظام الدولي بصورة منفردة، لكن الهجمات وفرت مبررًا سياسيًا واسعًا لتوسيع هذا التوجه.

ويرى أن «الحرب على الإرهاب» تحولت من عملية أمنية لملاحقة المسؤولين عن الهجمات إلى إطار سياسي واستراتيجي أوسع، استخدم لإعادة ترتيب التوازنات الدولية وإعادة تعريف علاقة الولايات المتحدة بالدول الأخرى.

ويذهب الكتاب إلى أن الحرب على الإرهاب أصبحت جزءًا من الصراع بين القوى الكبرى على مستقبل النظام الدولي، وأنها استخدمت لتأكيد قيادة واشنطن ومنع نشوء نظام دولي يقوم على تعدد مراكز القوة والتشاور فيما بينها.

وقد استُخدم الكتاب لاحقًا مرجعًا في دراسات أكاديمية حول هذه القضية؛ فاستشهد به الباحث سمير حمياز في دراسة عن «البعد الجيوسياسي للاستراتيجية الأمريكية تجاه ظاهرة الإرهاب الدولي» تناولت العلاقة بين مكافحة الإرهاب والأحادية القطبية والهيمنة الدولية.

حرب العراق

تحتل حرب العراق موقعًا مهمًا في تحليل الكتاب. ويرى غليون أن غزو العراق سنة 2003 لم يكن حادثة منفصلة عن التحولات التي أطلقتها هجمات سبتمبر، بل مثّل اختبارًا لطبيعة النظام الدولي الجديد الذي سعت واشنطن إلى تشكيله.

وفي هذه القراءة، كانت الحرب مناسبة لتأكيد قدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة لإعادة تشكيل البيئة السياسية في الشرق الأوسط، ولإظهار أن قواعد النظام الدولي بعد سبتمبر أصبحت أكثر ارتباطًا بميزان القوة الأميركي.

ويذهب غليون إلى أن العراق أصبح مدخلًا لاستراتيجية أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، وأن العالم العربي تحول إلى أحد أهم مسارح الحرب الدولية على الإرهاب.

كما ينتقد المؤلف تقدير عدد من الحكومات العربية بأن التعاون مع واشنطن في الملف العراقي أو في مكافحة الإرهاب سيؤدي بالضرورة إلى سياسات أميركية أكثر مراعاة للمصالح العربية، معتبرًا أن هذا التصور كشف ضعف التفكير الاستراتيجي العربي.

نقد صراع الحضارات

يناقش غليون التفسيرات التي ربطت هجمات سبتمبر بصراع ثقافي أو حضاري بين العالم الإسلامي والغرب، وينتقد اختزال النزاعات الدولية في مواجهة بين أديان أو حضارات متعارضة.

فبحسب قراءته، ترتبط الحروب والصراعات الدولية أساسًا بالمصالح والنفوذ والسلطة وتوزيع الموارد والقوة أكثر من ارتباطها باختلافات ثقافية مجردة. لذلك يرفض تحويل الهجمات إلى دليل على وجود مواجهة تاريخية حتمية بين «الإسلام» و«الغرب».

ويرى كذلك أن الخطابات التي تقسم العالم إلى معسكرات ثقافية مغلقة قد تغذي أصوليات متقابلة؛ إحداها ذات طابع غربي أو إنجيلي محافظ والأخرى ذات طابع إسلامي متشدد، بحيث تستفيد كل واحدة منها من خطاب الأخرى في تبرير الانغلاق والصراع.

العرب بعد 11 سبتمبر

لا يحصر الكتاب مسؤولية الأزمة في السياسة الأميركية، بل يخصص جانبًا من تحليله لمسؤولية المجتمعات والنخب والأنظمة العربية. وقد أوضح غليون في حوار لاحق أن أحد أهداف الكتاب كان دفع العرب إلى الاعتراف بما عليهم من مسؤولية عن أسباب أزماتهم بدل الاكتفاء بإلقائها كاملة على الخارج.

ويفرق غليون بين الاعتراف بالمسؤولية و«جلد الذات»؛ إذ يرى أن الاعتراف بالمشكلات الداخلية شرط للقدرة على مطالبة الأطراف الدولية الأخرى بتحمل مسؤوليتها عن الأزمات والصراعات.

وفي الكتاب ينتقد غياب استراتيجية عربية مشتركة للتعامل مع التحولات الجديدة، واعتماد عدد من الحكومات العربية على الولايات المتحدة في حل أزمات المنطقة بدل بناء أدوات تفاوضية وسياسية واقتصادية مستقلة.

الإصلاح والديمقراطية

ينتهي غليون إلى أن الرد العربي على النظام العالمي الجديد لا ينبغي أن يقوم على العنف والإرهاب، بل على بناء قدرة داخلية سياسية واقتصادية وثقافية تمكّن المجتمعات العربية من المشاركة في النظام الدولي من موقع أكثر استقلالًا.

ويضع في مقدمة هذه الخيارات إصلاح السياسات الداخلية، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحقيق قدر أكبر من التفاهم الوطني والتعاون الإقليمي، ومعالجة الخلافات العربية، والاستثمار في التنمية البشرية.

كما يربط بين القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية وبين إقامة نظم ديمقراطية مستقرة، ويرى أن التنمية العلمية والتقنية والاقتصادية لا يمكن فصلها عن إصلاح البيئة السياسية والاجتماعية.

وتنسجم هذه الأطروحة مع جانب أوسع من مشروع غليون الفكري الذي تناول منذ كتابه بيان من أجل الديمقراطية العلاقة بين الاستقلال الوطني والديمقراطية ومسؤولية الفرد والمجتمع.

التلقي

نشرت صحيفة البيان في 31 أكتوبر 2005 عرضًا موسعًا للكتاب بقلم الكاتب والباحث عمر كوش. وقد ركز العرض على قراءة غليون للتحول من توقعات عالم متعدد الأقطاب بعد الحرب الباردة إلى نظام يتسم بتفوق الولايات المتحدة، وعلى تحليله للحرب على الإرهاب وحرب العراق ووضع الدول العربية.

واعتبر العرض أن غليون لا يكتفي بتحليل السياسة الأميركية، بل ينتهي إلى طرح خيارات عربية تقوم على التغيير الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتعزيز الحداثة والديمقراطية والتنمية الإنسانية.

وفي الذكرى الخامسة لهجمات سبتمبر سنة 2006، استعادت البيان أطروحات الكتاب في تحليل أوسع لتحولات النظام العالمي، ولا سيما ما يتعلق بالحروب الاستباقية وتنامي استعمال القوة الأميركية وتراجع دور الأمم المتحدة.

كما أصبح الكتاب من المراجع المستخدمة في الدراسات الأكاديمية العربية عن الاستراتيجية الأميركية بعد 11 سبتمبر؛ فاستشهد به حمياز في دراسة منشورة سنة 2016 حول العلاقة بين مكافحة الإرهاب والهيمنة العالمية، كما أورده الباحث نفسه في دراسة محكمة أخرى عن آليات مكافحة الإرهاب بين المقاربة الأميركية الأحادية والمقاربات التعاونية متعددة الأطراف.

كما اعتمدت أطروحة دكتوراه بجامعة الجزائر 3 حول البعد الجيوسياسي للاستراتيجية الأميركية تجاه الإرهاب الدولي على الكتاب ضمن مراجعها المتعلقة بالتحولات التي طرأت على السياسة الدولية بعد سبتمبر.

النشر

صدرت الطبعة الأولى سنة 2005 عن دار الفكر المعاصر في دمشق. ويسجل WorldCat الكتاب بوصفه كتابًا عربيًا مطبوعًا من الطبعة الأولى صدر في دمشق في السنة نفسها.

ويورد كتب جوجل بيانات الطبعة في 133 صفحة، مع الرقمين الدوليين 1592394817 و9781592394814. وتورد دار الفكر عددًا قريبًا هو 136 صفحة في سجلها التجاري الحالي، وهو اختلاف قد ينتج عن احتساب الصفحات التمهيدية أو اختلاف بيانات الفهرسة، بينما يسجل كل من كتب جوجل وعرض صحيفة البيان ونيل وفرات 133 صفحة.

وتسجل نيل وفرات تاريخ النشر في 1 أكتوبر 2005، والناشر «دار الفكر المعاصر»، والطبعة الأولى في مجلد واحد بقياس 21 × 14 سم.

 

تعريف بالكتاب