وهم الحتمية الثقافية

2010-11-03:: الاتحاد

 هناك فكرة رائجة اليوم، أو نجحت في ترويجها الأدبيات وأجهزة الدعاية العربية والغربية معا، الرسمية والأهلية، تفيد بأن ثقافة العرب والمسلمين، وبالتالي الاسلام الذي هو جزء رئيسي منها، لا تزال ثقافة تقليدية محافظة، لم تدخل بعد، أو إلا قليلا في روح العصر وأفكاره وقيمه، وأن هذه التقليدية، بما تعنيه من تشبث بالدين، وتنكر للعقل، وبعد عن البحث العلمي، وإنكار لقيم الحرية والفردية، هي التي تفسر وضعية العرب اليوم وما يميزهم من تأخر بالمقارنة مع الشعوب والمجتمعات الأخرى في طرق باب الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وخوض غمارها، للخروج من القرون الوسطى أو ما شابهها والدخول في عصر الديمقراطية والمآثر العلمية والثورة التكنولوجية والمعلوماتية، والتحول إلى فاعل في المنظومة الدولية. ويشارك في هذه الأطروحة الذين يطلقون على انفسهم اسم العقلانيين، من تقدميين يسارييين أو ليبراليين يمينيين، وقسم كبير من اللذين يسمون أنفسهم إسلاميين أيضا. فالبنسبة للعقلانيين يكاد الأمر يكون بديهة لا تحتاج إلى برهان، ويكفي للتحقق منها التأمل في حالة المجتمع العربي اليوم في الثقافة والسياسة والمجتمع والاقتصاد وغيرها. فهي مجافية لقيم الحداثة جميعا، العقل والحرية الفردية والمواطنية والتعددية والديمقراطية. اما بالنسبة للتراثيين والاسلاميين خاصة، فانتشار التقاليد الدينية والتراثية هي الحجة القاطعة على سقوط وهم الحداثة وأسطورتها في البلاد العربية والعودة المظفرة للهوية والخصوصية، وتأكيد قانون التدافع الحضاري ونضوج الظروف، مع الصحوة الدينية، لدورة حضارية جديدة يكون للاسلام وثقافته فيها موقع القيادة والسيطرة والتوجيه.

ومن هنا تركز الصراع داخل العالم العربي منذ أربعة عقود حول الثقافة العربية والاسلام خاصة، وتفرعت عنه صراعات فكرية مستمرة، وترسخ الاعتقاد بأن مصير العالم العربي للعقود القادمة مرتبط بحسم معركة العقل ونجاح عملية التنوير وتأويل التراث، عقلانيا أو علمانيا من جهة، أو ديانيا وإلهيا من جهة ثانية. وصار تعريف الاسلام، ومن ثم تأويله أو إعادة تحديد معناه ومضمونه، كدين وثقافة، محور النقاش العربي الفلسفي والاجتماعي والسياسي. وهناك اعتقاد قاطع اليوم، حتى عند الماركسيين الذين يشددون على المنهج المادي، بأنه لا خلاص ممكنا من الانسداد الذي يعرفه النظام والمجتمع العربيين، والذي يتجلى عبر تفاقم النزاعات الداخلية وبطء التنمية ورسوخ نظم الديكتاتورية والأبوية والاستبداد، وغياب حكم القانون، والانحطاط الأخلاقي، من دون البدء بإصلاح الفكر الديني، وفي المقدمة إعادة تفسير القرآن وتحديد موقعه ومكانته في نظام المعرفة والعقيدة الراهن. وهذا ما يفسر تكاثر محاولات إعادة قراءة القرآن أو تفسيره أو تأويله من قبل العرب والغربيين معا، والتعمق في فهم سيرة النبي وتجربته وأسرار نبوته ورسالته.

وحتى لو لم يعتقد جميع هؤلاء الذين يتبنون هذه الطريقة في مقاربة الأوضاع العربية بأن مفتاح فهم مصير المجتمعات الاسلامية موجود في القرآن والسنة، او الثقافة العربية التقليدية التي ينظر إليه غالبا كثقافة دينية محض، فإنهم يعملون على هذا الأساس. وبالفعل هل يمكن أن نفسر سلوك الناس إلا من خلال ثقافتهم والقيم التي تزرعها فيهم والتوجهات العميقة التي تغذيها والآمال التي تطلقها والمخاوف الدفينة التي تخفيها؟

لكن ليس من الصعب أن ندرك التبسيط المخل الذي تقوم عليه مثل هذه المقاربة. ذلك أن الثقافة لا تعيش خارج المتثقفين بها، أي البشر من أفراد ومجتمعات، والبشر المتثقفين بثقافة، مضطرين غالبا، رغم ضفط التقاليد والنماذج الجاهزة والأعراف السائدة التي تمثلها، إلى التعامل مع واقع متغير، يعلمهم دائما كيف يأولون ثقافتهم ويعدلونها بما يضمن لهم النجاعة في تعاملهم مع الواقع والاتساق مع أنفسهم ومبادئهم في الوقت نفسه. فالثقافة ليست مخزونا من القيم الجامدة والثابتة ولكنها فعل تثقف مستمر عند الفرد، أي مراجعة مستمرة غير واعية للمسلمات والقيم والمباديء تحدد الاختيارات وترتب الأولويات وتعدل الاتجاهات وتعيد بناء المعاني والدلالات على ضوء الأهداف الجديدة أو المتجددة. وكما أنه لا توجد ثقافة خارج الحاملين لها من البشر الذين يعيشون تجربة حية ويصارعون يوميا للحفاظ على نجاعة سلوكهم وعقلانية مشاريعهم حتى لا يخفقوا وتذهب ريحهم في مجتمعهم نفسه، كذلك لا توجد ثقافة خارج المجتمع الكلي الذي يعيش هو أيضا في نسق أشمل يضمه مع مجتمعات أخرى، ويفرض عليه أوضاعا ورؤى وتطلعات متغيرة ومتبدلة، ويدفعه إلى بلورة استراتيجيات جديدة وخيارات لم تكن ملحوظة في زخيرته الثقافية. فهو أيضا بحاجة إلى أن يطور سياسات وحلول عملية تؤثر على الثقافة الأصل أو على المخزون من القيم والدلالات والرموز الثقافية القائمة، وتدفع إلى تحويرها وتجديدها.

لذلك، بعكس ما هو شائع اليوم حول العالم العربي، لم يشكل الدين عقبة أمام تحول أي مجتمع من مجتمعات العالم، عندما كانت الظروف سانحة لمثل هذا التحول، بما في ذلك المجتمعات الغربية التي كان الدين يتمتع فيها بقوة مركزية منظمة ومسلحة، وبشرعية استثنائية كما تتمثل في سلطة البابا وسيادته الروحية والزمنية. وكل ما حصل هنا هو الخروج من معركة التحول الفكري والقيمي والاجتماعي والسياسي، الذي حصل بالرغم من مقاومة الكنيسة وفي الغالب ضد إرادتها، بعداء أكبر للسلطة الكهنوتية ورجالاتها قبل أن يصدع هؤلاء لامر الدولة ويسلمون بسيادتها السياسية. فالثقافة، مهما قيل عن تقليديتها وروحها المحافظة وارتهانها للصيغ والنماذج الجاهزة التي تطورها تلقائيا لتحقيق وظائفها التواصلية والعملية، تتكيف أيضا مع الظروف، ويعاد تأويل رموزها وتجديدها، وهذا ما يفسر تطور الحضارة في كل مكان. ولو كانت الثقافة مخزونا ثابتا من القيم والأفكار والرموز والقوالب الجاهزة التي لا تتغير ولا يمكن تجاوزها من قبل الأفراد والجماعات، لأنها هي التي تتحكم بتفكيرهم وسلوكهم، كما هو الاعتقاد السائد اليوم، لما كان هناك تاريخ آخر غير تاريخ الثقافات الثابتة والجامدة، أو بالاحرى لما كان هناك تاريخ أصلا لأنه سيكون الزمان إعادة إنتاج للنظم نفسها المرتبطة بالثقافات الثابتة. هناك تاريخ لأن هناك ثقافة وإمكانية لتجاوز القوالب الجاهزة أو خرقها لمعاينة الواقع المتغير والمتبدل والتكيف معه، وبالتالي لحصول تغيير وإبداع وتجديد.

فالمخزون الثقافي، أو الثقافة من حيث هي مخزون من القوالب والصيغ والاستعدادات والرموز والمعارف والتوجهات موجودة بالتأكيد في كل المجتمعات. بيد أنها لا تمثل إلا علبة العدة التي يضعها التاريخ والمجتمع تحت تصرف أفراده ليأخذوا منها ويستخدموا أدواتها حسب حاجتهم وظروف حياتهم وأهدافهم وميولهم الشخصية. ونوعية هذه الأدوات والقوالب التي تختزنها الثقافة تؤثر بالتأكيد في سلوك الأفراد وتوحد تفكيرهم إلى حد كبير، لكنها لا تحرمهم من حريتهم الأصيلة والأساسية التي ترتبط بمقدرتهم على الاختيار حتى داخل هذه الثقافة، وتبني مواقف تختلف من فرد لآخر وجماعة وأخرى، وبلورة استراتيجيات وحلول متباينة عند الأفراد والجماعات لمواجهة مشاكل واحدة.