لماذا الديمقراطية ؟

2017-04-02:: موقع د.برهان غليون

ترجمة :

 

عندما نطرح مسألة الديمقراطية هنا في بلدنا، فنحن لا نطرحها بإطلاق كما أننا لا نطرحها في الفراغ ولا لذاتها وإنما لما ننتظر منها من آثار ايجابية في تحقيق جملة من الاصلاحات الهيكلية الأساسية والضرورية وفي سياق تاريخي محدد, أي من منظور ظرف دولي واجتماعي واقتصادي معين, وفي إطار الأزمة الكبيرة التي نمر بها وما تفرضه علينا من ضرورة البحث عن إجابات ناجعة على تحديات معينة ومختلفة, وبعضها جديد تماما بالنسبة لنا ولغيرنا. ومن المفروض ان تلبي الديمقراطية التي نطرحها مطالب تتعلق بإطلاق العملية الاقتصادية التي تكاد تتوقف تماما بسبب المثبطات المختلفة, واحياء المجتمع وإثارة فضوله وشحذ إرادته وتعزيز معنوياته حتى يستعيد شيئا من روح المبادرة المقتولة تماما, وتحرير لأفراد من منطق الإذعان والاستسلام والتسليم للدولة وللمعونة الحكومية وتنمية الشعور بالمسؤولية الجماعية والتاريخية وبالتالي تحرير الانسان من الكساح الأخلاقي والسياسي والاجتماعي الذي أحدثته فيه عقود طويلة من الإمعية والصمت ونزع الشخصية والإرادة وتخدير الوعي الجمعي في ظل أنظمة الوصاية الأبوية, وبالتالي تفجير طاقاته الابداعية والانتاجية. أي أننا نتحدث عن الديمقراطية في سياق البحث عن نزع الخوف العميق من قلوب الأفراد وتشجيعهم على الخروج من السلبية والاستقالة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي تترجم باستفحال الفساد والفوضى والتسيب والاتكال. كما أننا نتحدث عن الديمقراطية اليوم في سياق الشعور المتزايد باغتراب الدولة عن المجتمع ومع الأمل بإعادة تأهيل الدولة وتقريبها, بما فيها من أجهزة ووسائل وإمكانيات, من الجمهور الواسع وجعلها أليفة لديه وعونا له وإطارا لتعبيره عن آماله وتنظيم نشاطاته والتنسيق بين جهود أبنائه لا عدوا يتربص به ولا أداة ومركزا لا تنفذ موارده للتنكيل والقمع والقهر وتكبيل طاقات الأفراد وتحييد إراداتهم. ونحن نتطلع الى الديمقراطية في سياق إدراكنا المتزايد لما تمثله الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية من تحديات وحاجتنا في سبيل مواجهة ما هو قائم وما هو متوقع منها إلى دفع المجتمع الذي بقي عقودا طويلة منقطعا عن العالم ومنعزلا عن التطورات والمعارف والابداعات الكبيرة التي عرفها إلى المبادرة والانخراط المنتج والمبدع في هذه الثورة التي تتطلب وجود مجتمع مفتوح ومرتبط بالعالم القائم ومتفاعل معه أخذا وعطاءا. ونحن نتحدث عن الديمقراطية أيضا هنا في ظروف مجتمع يواجه منذ عقود طويلة وفي شروط شاقة صراعا مريرا وتاريخيا مع اسرائيل التي لا تزال تحتل جزاء من أراضيه والأراضي الفلسطينية وتسعى الى أن تفرض نفسها كدولة عظمى في المنطقة العربية ولديها من الامكانيات والوسائل العسكرية والسياسية والدولية ما يجعلها تطمح بالفعل الى أن تكرس نفسها القوة المهيمنة التي تخضع لها بقية الدول العربية وتسير حسب املاءاتها. وليس هناك في نظرنا وسيلة أخرى للرد على هذا التحدي إلا بالارتفاع بهياكلنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية إلى مستوى المواجهة المفروضة علينا, وهو ما يستدعي تخليص شعوبنا من الشلل الوطني والقومي والانساني الذي فرض عليها بسبب أنظمة التعقيم والإخصاء والتقزيم.

لا ينبغي أن يغيب عن ذهننا إذن ونحن نطرح مسألة الديمقراطية ظروفنا الثقافية والنفسية والفكرية معا ولا محدودية مواردنا ومشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية ومهمات الاصلاح المستعجلة للدولة والمجتمع المدني معا والتحديات المتجددة العالمية والاقليمية وفي مقدمها وقف التوسعية الاسرائيلية ومواجهة النزعة الامبرطورية العالمية. ولا ينبغي أن ننسى أخيرا ونحن نطرح مسألة التحولات الديمقراطية أن تجربتنا في التنظيم الاجتماعي والسياسي وفي ممارسة الحد الادنى من المشاركة وكذلك ثقافتنا السياسية الديمقراطية المعتمدة على التعددية السياسية الشرعية والمنظمة وتنمية آليات التفاوض والحوار العقلاني والتنافس السلمي البناء لاتخاذ القرارات العمومية والمصيرية, ضعيفتان جداً, وليس لدينا في الواقع في هذا الميدان أي تراكم يذكر. وعلينا بالتالي ان نبدأ تقريبا من الصفر. والتجربة التعددية الماضية التي عرفناها قبل الاستقلال وبعده بقليل والتي يحاول البعض اعتبارها مرجعا لم تكن إلا تجربة قصيرة وفقيرة ومضطربة لم تخلّف تراثا ديمقراطيا يعتد به لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العملية. وعلينا نحن في هذا الجيل والجيل الذي يليه أن نوطن الديمقراطية كمفهوم وكخبرة اجتماعية حية وأن نحقق التفاعل الخلاق بين هذا المفهوم النظري العام والكوني والواقع العربي والسوري الخاص والمحلي. فهل الديمقراطية من حيث هي مفهوم قابلة لأن تدخل وتندرج في إطار ثقافتنا العربية المعاصرة أم أنها كما يقول أعداؤها نبتة أجنبية وغربية لا تتفق مع ثقافتنا العربية الاسلامية؟ وهل الديمقراطية من حيث هي تنظيم للمجتمع قائم على الحرية والتعددية والمنافسة السياسية للتداول على السلطة تستطيع أن تتأقلم مع توازناتنا الاجتماعية العميقة وأن تساهم في إعادة بناء هياكلنا وقيمنا الاجتماعية بما يمكننا من التوافق مع معايير وقيم المجتمعات العصرية أم أنها ستبقى غريبة ولن تستطيع أن تخرق جدار الجليد الذي تمثله بنياتنا القديمة وهي محكومة, بالتالي, بأن تفسد أو تنهار من تلقاء نفسها تحت ضربات عصبياتنا القبلية وتنظيماتنا الأبوية أو البطركية ونزاعاتنا الطائفية وجهالة مجتمعنا وفقر طبقاتنا الشعبية؟ وهل يمكن لخطاب الديمقراطية السوري أن يكون شيئا آخر سوى شعارات طوباوية وأحلام مثقفين وأدوات للتعبئة الغوغائية عند بعض الأطراف السياسية في السلطة أو المعارضة؟"

لا يمنع وجود برنامج للاشتراكيين، وجود برنامج ديمقراطي أوسع، يضم الاشتراكيين، وغير الاشتراكيين. وأنا أرى اليوم أنه من أجل التحول المطلوب لإصلاح الأوضاع ككل في سوريا، لا بد من بناء محور يستقطب كل الديمقراطيين حول ما نسميه برنامجا ديمقراطيا، اشتراكيين وأنصاف وأرباع اشتراكيين، ويمينين معتدلين، وليبراليين عقلانيين، ووطنيين يريدون الإصلاح وتطور البلد، وليس الاغتناء والإثراء الشخصيين على حساب المجموع. هؤلاء جميعاً يجب أن يضمهم قطب ديمقراطي يعطي للحياة السياسية في البلاد ثِقلا جديدا وقوة جديدة تساعدها على الانتقال نحو ما ذكرته سابقاً: إلغاء نظام الوصاية الأبوية أو السياسية أو الحزبية على المجتمع وإعلان عهد الحرية والمساواة بين جميع الافراد والاعتراف بحقوق الإنسان واستقلاله وحرمته, وتكريس المواطنة كوضعية قانونية متساوية ومشتركة قائمة على الاعتراف بالشعب كمصدر للسلطة والقبول بقاعدة الاحتكام الدوري والمنظم له, وفي النهاية, إلغاء الامتيازات القانونية وغير القانونية الاستثنائية وبناء دولة مواطنين لا عزبة إقطاعية يتحكم فيها وبمصير سكانها أسياد متوجون ومخلدون لا يسألون عما يفعلون تدعهم ميليشيات لا ترمي الطاعة لغيرهم ولا تخضع هي نفسها لقانون غير إرادتهم وأهواءهم.

"إن المضمون العميق للبرنامج الديمقراطي في سورية ليس بناء الديمقراطية بل وضع حد للنظام الشمولي، وتفكيك آليات عمل هذا النظام الذي أثبتت تجارب الشعوب العديدة كما أثبتت تجربة العقود الماضية عندنا أنه غير صالح لتحقيق الاهداف التي خطها لنفسه وفي مقدمها التصدي للفقر والتفاوت الطبقي والاستقلال السياسي والثقافي والتنمية الاقتصادية وبناء الانسان أو الفرد الحر والمبدع. إن الديمقراطية التي نتحدث عنها ليست إنزال المجتمع السوري في نظام جاهز وناجز وإنما هي بالعكس برنامج عمل متعدد الاوجه لتحرير الانسان في سورية ودفعه الى العمل وبذل الجهد لتحسين ظروف حياته وتعميق ثقته بنفسه وبقدراته الذاتية. ولا قيمة للديمقراطية في هذا البرنامج الوطني الا بقدر ما هي مفتاح لتكوين الانسان القادر على حل مشاكله بنفسه وبالتالي مفتاح مواجهة المشاكل الكثيرة الاخرى الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية. فليس هناك شك اليوم أن تدهور الوضع السوري في جميع المجالات لم يكن سوى نتيجة عملية شل المجتمع وتحييد عناصره وتهميشه وإخراجه من دائرة القرار وبالتالي تمكين الكواسر من أصحاب المصالح الضيقة من التهام موارده وتركه فقيرا يائسا وبائسا معا من دون أمل ولا قدرة ولا مستقبل. فالسوريون يعتبرون الديمقراطية, تماما كما حصل بأوروبا الشرقية, عنوانا لإزالة وحل أسس أزماتهم. وهذا هو المضمون الحقيقي للدعوة للديمقراطية في سورية. وهذا ما أدركه النظام نفسه عندما بدأ يتكلم عن التغيير وعن ضرورة احترام الرأي الآخر قبل أن يعود ليتكلم عن التطوير والتحديث، وعندما أدرك الحاجة للانفتاح، قبل أن يقصر هذا الانفتاح على المفهوم الاقتصادي الذي ينادي به النظام الدولي بهدف جذب الرساميل والاستثمارات الأجنبية ويستبعد من مفهومه ما هو أهم, أعني الانفتاح على الشعب وعلى الأفراد وفتح باب الحرية، حرية الأحزاب وحرية التفكير حتى تدخل الرياح الجديدة والنظيفة. هذا ما سعت المنتديات السورية التي أثارت حفيظة قوى الأمن الى أن تحققه في لحظة ربيع دمشق, أعني إتاحة الفرصة لأبناء الشعب ليعبروا عن أنفسهم وحاجاتهم وإرادتهم وآمالهم. فلا يوجد مجتمع لا يقف في يوم ما ويتناقش ويسائل نفسه عما فعل ويتحقق مما فعل ويدقق في نتائج جهوده وفي الأسس التي قام عليها هذا الجهد. وتزداد الحاجة الى مثل هذا التساؤل بشكل أكبر عندما لا تكون النتائج مرضية كثيرا. إن السعي نحو إعادة الاعتبار للانسان الفرد والجماعة معا على حساب آلة التأطير والتنظيم والسمهدة والشل السياسي والمعنوي, والعمل في سبيل تطبيق أنزه للقضاء ومشاركة أكبر للمجتمع في القرارات التي تتعلق بالشأن العام, والاعتراف بالحقوق السياسية للشعب وبالتالي بحق المعارضة في الوجود, والبحث عن عدالة أكبر وإدارة أفضل لموارد البلاد المادية والانسانية, وتوسيع هامش حريات التعبير والتنظيم المدني والسياسي و تأكيد مبدأ المساواة وسيادة القانون وتداول السلطة وفصل السلطات وفتح الحقل السياسي أمام المنافسة النزيهة, هو ما يشكل جوهر البرنامج الديمقراطي".

 

 

نص من كتاب الاختيار الديمقراطي في سورية المنشور عام ٢٠٠٣ يشرح طبيعة البرنامج الديمقراطي  في سورية والعالم العربيومضمونه الحقيقي .