موقع للبحث والحوار

علمتني التجربة أنه إذا أردنا أن نطور الحوار المنتج والتفاهم بين الأفراد والجماعات، علينا أن لا نشكل آراءنا واعتقاداتنا بدلالة آراء الآخرين واعتقاداتهم، خصوما كانوا أم أصدقاء، وإنما بدلالة الواقع أولا. هذا ما يجنبنا الدوران في حلقة الجدل المفرغة التي تزيد من تشويش الواقع بدل كشفه، ويساعدنا على أن نوجه تفكيرنا وعملنا مباشرة في اتجاه تقديم اقتراحات لتغيير الواقع الذي ينتج التوتر والتناقض والخصومة والنزاع، ومقابلة مقترحات بمقترحات، لا مواجهة مباديء بمباديء واعتقادات باعتقادات. فأسباب الخصومة والاقتتال، قبل أن تكون في الفكر والعقيدة، قائمة في انسداد الواقع نفسه، واقع العالم أو المجتمع أو الفرد. وحده التقدم في معالجة هذه الانسدادات هو الذي يساهم في تخفيض درجة التوترات والتناقضات، وفي تغيير الأفكار المغذية للخصومة والاقتتال. وبمقدار ما ننجح في تغيير الواقع المادي ونزيل انسداداته، نساهم في تخفيض مستوى التوتر والتناقض، وفي خلق البيئة المنتجة للتفاهم والسلام.

،يستدعي هذا تشجيع الأفراد والمجتمعات على التوجه بنظرهم مباشرة نحو واقعهم بدل شحن بعضهم ضد البعض الآخر لاختلاف أفكارهم واعتقاداتهم، وهذا ما يشكل تقليدا من تقاليد عهود الأزمة والمراوحة في المكان التي تعيشها المجتمعات، والتي لا مجال فيها لضبط النزاع وضمان الاستقرار إلا بتحويل جزء من المجتمع إلى كبش فداء، وأحيانا، تحويل المجتمع بعضه لبعض إلى أكباش فداء، كما هو حالنا اليوم : طوائف مقابل طوائف، وأقليات وأكثريات، وقوميات مقابل قوميات، وطبقات ضد طبقات.

بالعكس، يستدعي الخروج من حالة الاحتراب والصراع، كسب تعاون الأفراد في ما بينهم، وهذه هي السياسة، وتوجيههم نحو رفع العقبات التي تسد الطريق عليهم وتضغط على أوضاعهم، خارجية كانت ام داخلية، مادية أم لا مادية، وإصلاح النقائص التي تحول دون تواصلهم، وتدفع بهم إلى الاقتتال على موارد تتضاءل يوما بعد آخر. هذه هي السبيل الوحيدة لمساعدة المجتمعات على التحرر من الاختلاطات التي تعيق تقدمهم واندماجهم في حركة التاريخ العالمي. وهي نفسها طريق التضامن والاتحاد. وعكسها سياسة الاحتراب والحرب التي تتضمن داخلها ما لا ينتهي من الذرائع لتقسيمهم وتشتيت قوتهم وتوجيههم بعضهم ضد بعض، والتي تركز بشكل دائم على الاختلافات الفكرية والمذهبية والعنصرية والجنسية، من أجل إخضاعهم وفرض الإذعان عليهم، بالقوة العارية، بعيدا عن أي فكر أو مبدأ أو مذهب أو مشروع.