مستقبل الجامعة العربية

2005-05-18 :: please select category

ترجمة :

 

مناقشة شأن الجامعة العربية، كالعديد من موضوعات الوضع العربي الراهن، يطرح مسألة صعبة على أي متحدث في الوقت الراهن، وبشكل خاص عندما يتعلق الأمر بوسط أجنبي. فترى المرء في حيرة من أمره :هل يعبر عن حقيقة تفكيره مع المغامرة بذرع اليأس أو تسويد الصورة العربية أكثر مما هي سوداء في الخارج أم يقول نصف الحقيقة أو يداور فيها فيخون نفسه وجمهوره معا. لكن سفير الجامعة العربية في باريس أنقذني هذه المرة عندما بدأ حديثه بالاعتراف بإفلاس الجامعة وكنت أريد الحديث بالأحرى عن الإخفاق لا أكثر.

والواقع أن هناك مشاعر متناقضة تتنازع النخب الثقافية والسياسية وقطاعات الرأي العام الأخرى إزاء الجامعة العربية. فبالرغم من خيبة الأمل التي سببتها عقود طويلة من الإخفاق وعدم الانجاز والدوران في حلقة مفرغة هناك خوف كبير لدى الأغلبية الواسعة من الرأي العام العربي من التضحية بالمنظمة التي أصبحت تمثل التعبير الوحيد المتبقي عن وشائج القربى التي تجمع بين الشعوب العربية والملجأ الأخير لمشاعر التضامن والاتحاد التي هزت الجماهير العربية لأكثر من قرن ماض ووجهت خياراتها السياسية. وبالرغم من تزايد الاقتناع اليوم لدى الجمهور العربي الواسع بانعدام فاعليتها واليأس من قابليتها للإصلاح والتجديد إلا أن التمسك بها لا يزال يمثل تعبيرا عن التمسك بحلم العروبة وخياراتها في مواجهة القوى الدولية التي تطمح صراحة إلى تحطيم هذا الحلم وإلحاق الأقطار العربية بالمشاريع الاقليمية الجديدة ذات الطابع الاستعماري أو شبه الاستعماري.


لكن هذه المشاعر المتناقضة لا ينبغي أن تمنعنا من التحليل الموضوعي لعمل هذه المنظمة التي تحتل المكان الأول في ترتيب العلاقات بين الدول العربية وإنجازاتها في العقود الست الماضية. ولا ينبغي أن يكون الهدف من هذا التحليل إظهار نقائص الجامعة العربية أو بالعكس الدفاع عن إنجازاتها وإنما استخلاص الدروس التي تساعد على تحسين أدائها مهما كانت الأسباب التي حدت من فاعليتها ونشاطها ومنعتها من تحقيق الآمال التي وضعتها المجتمعات العربية فيها. ثم إن تاريخ الجامعة العربية ليس خاليا تماما من الإنجازات التي يحق للأمانة العامة أن تركز عليها، سواء ما تعلق منها بالانجازات الاقتصادية مثل إطلاق منطقة التجارة العربية الحرة أو بعض صناديق التنمية العربية أو السياسية مثل المساهمة في حل بعض النزاعات العربية العربية وعلى رأسها النزاع الاهلي اللبناني الذي لاشك في أن اتفاقية الطائف قد ساهمت مساهمة كبيرة في وضع حد نهائي له أو ما تعلق منها بالمشاريع الثقافية والتعليمية التي تختص بها المنظمة العربية للثقافة والعلوم.

يحق بالفعل للمدافعين عنها، ومعظمهم من الناشئين بين الأوساط القومية التقليدية التي انكفأت على الجامعة وحاولت أن تطورها كتعويض عن انحسار الحركة القومية العربية، التشكيك في هدف الدعوات التي تبالغ في النظرة السلبية لها والتساؤل بحق عما إذا كان مصير العالم العربي سيكون أفضل لو لم تقم منظمة الجامعة العربية أو لو تم حلها وتدميرها. كما يحق لهم المراهنة على إصلاحها وتفعيلها وعمل كل ما بوسعهم في سبيل تحويلها إلى منظمة إقليمية تعكس آمال العرب وتطلعاتهم إلى تاكيد هويتهم المشتركة وتأكيد وشائج القربى التاريخية والجغرافية التي تجمعهم والدفاع عن مصالحهم القومية. وتزداد مشروعية هذا الموقف اليوم أكثر من أي وقت آخر في مواجهة ما تتعرض له الأقطار العربية وفكرة التضامن العربي نفسها من تهديدات خارجية يشكل حل الجامعة العربية أو تفريغها من مضمونها كرمز لهوية جامعة أحد موضوعات رهانها الأساسية وهو سياسة رسمية ومعلنه لإدارة الولايات المتحدة الأمريكية الراهنة التي لا ترى فيها مشروع منظمة إقليمية ذات اهداف ايجابية مثلها مثل بقية المنظمات الدولية الموجود بقدر ما تنظر إليها كتحالف سلبي يهدف إلى محاصرة الدولة الاسرائيلية ومنعها من تأكيد استقرارها والانتماء النهائي إلى المنطقة الشرق أوسطية. ومن هنا تسعى واشنطن إلى استبدالها بمنظمة إقليمية لاتكون فيها للعروبة الكلمة الاولى أو لا تكون هويتها مستمدة من وحدة الهوية والمشاعر والتاريخ ولكن من وحدة السوق الاقتصادية وما يمكن أن تقدمه لخدمة اهداف الاستراتيجية الأمريكية العالمية. إن الشرق أوسطية التي تطرح اليوم كبديل عن الجامعة أو الوحدة العربية هي الاستراتيجية الجديدة التي تتبعها الولايات المتحدة على سبيبل إخضاع سياسة الأقطار العربية ومصالحها لمصالح السيطرة العالمية ومتطلباتها وتوظيفها مع مواردها البشرية والاقتصادية في صراعها من أجل إعادة تأهيل نفسها ونظام سيطرتها الاستعماري أو شبه الاستعماري ومن ضمنه تأهيل إسرائيل أيضا أي ضمان توسعها وامنها واستقرارها وتفوقها كجزء من نظام السيطرة الجديد.


ليس هناك أي شك إذن في ان الجامعة العربية مستهدفة من قبل القوى الدولية وبعض القوى المحلية أيضا، كما أن قسما متزايدا من الرأي العام العربي بدأ يميل إلى التخلي عن الجامعة والتضحية بها نتيجة خيبة الأمل الطويلة بإصلاحها. لكن ما هو مستهدف في الواقع ليس الجامعة العربية نفسها وإنما فكرة التضامن والعمل العربي المشترك واحتمال الاندماج العربي الذي يفتح آفاق التنمية المشتركة ومن ورائها تعزيز وترسيخ الهوية العربية كهوية مسيطرة في المنطقة المشرقية التي تريد الدول الغربية أن تبقى منظقة نفوذ وسيطرة خارجية لما تتمتع به من مزايا استراتيجية. فهي تطمح إلى تفريغ المنطقة العربية من أي منظومة جيوستراتيجية خاصة وتسعى إلى تفكيك عرى التضامن في ما بين أقطار العالم العربي في سبيل أن تملأ هي نفسها هذا الفراغ وكي ما يمكنها هي نفسها أن تحتل موقع المنسق بين جميع الدول والأقطار والمنظم لعلاقاتها الإقليمية في ما بينها، أي موقع السيطرة الجيوستراتيجية الإقليمية. وليس الدفاع عن الجامعة العربية كما هي أو مهما كان تركيبها وفعاليتها هو الذي يسمح بإنقاذ الرهان الاستراتيجي العربي المتمثل في أن يبقى العرب أو ان يصبحوا في المستقبل المنسقون للعلاقات في ما بينهم والمنظمون لأمنهم والمحددون لأجندتهم الوطنية والإقليمية. إن إنقاذ حلم العرب في ان يكونوا أسياد في منطقتهم وعلى أرضهم او على الأقل في أن يكونوا طرفا فاعلا ومؤثرا في تقرير مصيرهم والدفاع عن أمنهم وتحديد اهدافهم وخياراتهم المتعلقة بضمان مستقبل أبنائهم لا يتوقف على الدفاع عن الجامعة العربية مهما كانت وكيف ما كانت ولكن في تحويل الجامعة العربية إلى أداة فعالة وفاعلة في تنسيق العمل العربي وتوحيد الأجندة ووسائل العمل السياسية والاقتصادية والاستراتيجية العربية. وهذا التحويل بوصفه وسيلة لإعادة تفعيل الجامعة هو الذي يبرر الانتقاد الذي يحق للعرب أيضا أن يوجهوه لجامعتهم مهما كانت قوة هذا الانتقاد أو صراحته.
وفي هذا المجال، ليس من المبالغة القول إنه إذا كان تاريخ الجامعة العربية لا يخلو من الانجازات إلا أن جصيلة العمل العربي المشترك العام كانت سلبية تماما، بل إن قسما كبيرا من هذه الانجازات كان يمكن أن يحصل مع وجود الجامعة أو من دونه كما هو الحال في جميع مناطق العالم الأخرى. ومقياس هذه الحصيلة هو حجم الإنجازات بالمقارنة مع الإمكانيات والفرص المتاحة. فقد كان من المتوقع لمنظمة إقليمية تضم بلدانا تنتمي إلى ثقافة واحدة وتحركها قوى شعبية عريضة تنادي بالتقارب والوحدة وتعلن انتماءها الواحد من دون أن تبذل الحكومات أي جهد لإقناعها بذلك كما هو الحال في المناطق الأخرى أن تتطور المبادلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والثقافية بشكل واسع بما يدفع نحو اندماج إقليمي قوي يفتح آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة وأن تتحقق أهداف التعاون بصورة أسرع بكثير مما تحقق في بقية بلدان العالم التي لا تملك ثقافة مشتركة ولا وشائج قربى تاريخية وحضارية متماثلة. لكن واقع الجامعة العربية يشهد بغير ذلك تماما. فالجامعة العربية التي تعد أقدم منظمة إقليمية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بقيت هي نفسها ولم تتطور تقريبا لا في بنياتها ولا في قواعد عملها ولا في الأهداف التي تسعى إليها منذ نشوئها عام 1945. وقد منيت جميع الإصلاحات التي اقترحتها عليها بعض الدول وسكرتاريتها الخاصة منذ الثمانينات من القرن الماضي حتى الآن بالفشل بالرغم من وجود مشروعات جاهزة منذ عقود لتطوير عملها وتحسين أدائها وتغيير هياكلها. وينطبق الأمر نفسه على نشاطات هذه المنظمة القديمة.


فعلى المستوى الاقتصادي لم تتغير نسبة التجارة البينية منذ إنشائها حتى الآن ولم تزد عن 8 إلى 10 بالمئة بالرغم من تخفيض الرسوم الجمركية بمعدل 60 بالمئة وإنشاء هيئة لدعم المبادلات التجارية بين البلدان العربية. وبالمثل لا يزيد حجم الاستثمارات العربية البينية بعد مرور ستين عاما على تأسيس الجامعة العربية عن 4.5 من حجم استثماراتها الخارجية في العالم. بينما لا تتجاوز الاستثمارات الأجنبية في بلدان الجامعة العربية كلها عن 2% من الاستثمارات العربية في الخارج. ولا يزيد حجم التجارة العربية جميعا عن 3% من حجم التجارة العالمية.
وليست الانجازات بأفضل من ذلك على الصعيد السياسي. فبعكس ما توحي به بيانات الجامعة وأعضائها معا، ربما كانت المنطقة العربية من أكثر المناطق تدويلا في العالم. فالدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هي التي تتدخل لضبط النزاعات التي تولد بين أطرافها المختلفة وعلى تدخلها يتوقف ضبط هذه النزاعات أو حلها وليس على تدخل الجامعة العربية. ولم تفلح الجامعة في أي فترة في التقليل من مصادر هذه النزاعات أو من الحد من اندلاعها. بل يمكن القول أن هذه النزاعات تفاقمت وتضاعفت بموازاة نمو الجامعة العربية وأصبحت اليوم أكثر حدة وانتشارا مما كانت في السنوات الأولى لقيام المنظمة العربية. ومن هذه النزاعات ما ارتبط بأسباب سياسية وايديولوجية كتلك التي طبعت الحقبة الأولى لمرحلة ما بعد الاستقلال عبر الصراع بين القوى التقدمية والقوى المحافظة العربية، ومنها ما ارتبط بالخلافات حول الحدود ومنها ما كان نتيجة الصراع على احتلال مركز القيادة أو الزعامة العربية ومنها ما كان له علاقة بالصراع على اقتسام بعض الموارد الاقتصادية والمنجمية أو تحسين موقع بعض البلدان من الناحية الجيوستراتيجية.
والأمر مشابه لذلك على مستوى العلاقات الثقافية. فبالكاد نجحت المنظمة العربية للعلوم والثقافة في الاحتفاظ بحد أدنى من التنسيق بين الدول العربية في أمور تطوير اللغة ورصد التطور في المصطلحات والمفردات العلمية. لكنها أخفقت إخفاقا مشهودا في بناء أي هيئة للتعاون والتنسيق في مجالات البحث العلمي والتقني وتطوير وتوحيد مناهج التربية والتعليم الأساسية وبناء قواعد مشتركة للمعلومات داخل شبكة الانترنيت أو خارجها وإقامة مؤسسة فاعلة لتأهيل الأطر والمهارات التقنية والعلمية وبناء دار للترجمة العلمية لا غنى عنها لنجاح أي مشروع تنمية علمية وتقنية.
لم يعد هذا الإخفاق سرا على أحد ولا مفاجأة لأحد. وقد طرح أسئلة كثيرة ومستمرة منذ عقود على النخب السياسية والثقافية العربية. وقد اهتمت أمانة الجامعة نفسها لفترة طويلة بهذه المسألة وسعت إلى إشراك العديد من الباحثين في التأمل فيها وتقديم الحلول والمقترحات الكفيلة بمعالجتها. وقدم الباحثون وخبراء الجامعة أنفسهم ولا يزالون يقدمون أفكارا واقتراحات عديدة لتجاوز الوضع المؤسف الذي تعيشه الجامعة وتطويرها بما يؤهلها لمواجهة التحديات المتزايدة التي تواجهها بلدانها. وآخر هذه المشروعات ما طرحه الأمين العام الحالي للجامعة السيد عمرو موسى في مؤتمر القمة الذي عقد عام 2004 . لكن السؤال الجديد أو الجدير بالطرح هو ما هي الأسباب التي أدت إلى إخفاق الجامعة وما هي العوائق التي تحول دون إصلاحها أو التي تؤخر إصلاحها وهل هناك أمل في مثل هذا الإصلاح؟

 

 لماذا لم يمكن إصلاح الجامعة العربية

قلت في مقال سابق أن الجامعة العربية تشكل اليوم موضوع صراع قوي بين أنصارها وأعدائها وأن هذا الصراع يجري في سياق دولي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إعادة صوغ المنطقة الشرق اوسطية من الناحية الجيوسياسية على أسس جديدة تنحو إلى تهميش فكرة القومية أو الوحدة أو الهوية العربية السائدة لصالح بناء نظام تسيطر عليه علاقات السوق والمبادلات التجارية ويخضع في هياكله الإقليمية إلى حاجات تحقيق السيطرة الامريكية الجيواستراتيجية في الشرق الاوسط والعالم اجمع. وقلت كذلك أن مستقبل الجامعة العربية مرتبط بقدرة العرب على إصلاحها حتى تتحول إلى إطار قانوني ودبلوماسي فاعل وفعال في التقريب بين البلدان العربية وتعزيز تضامنها وتوحيد سياساتها ودمج أسواقها وتكثيف مبادلاتها التجارية. لكن لن يكون مثل هذا الاصلاح ممكنا من دون معرفة المشاكل المطروحة والأسباب التي حالت او التي لا تزال تحول دون نجاح المنظمة العربية الاقليمية.
هناك في نظري ثلاثة عوامل رئيسية تفسر تعثر جامعة الدول العربية وعجزها عن تحقيق الآمال التي علقها العرب عليها والوظائف الجديدة التي يسعون إلى ايكالها لها من دون نتيجة تذكر حتى الآن.
العامل الأول يتعلق بتاريخ نشوئها والسياق الذي تكونت فيه والاهداف التي اوكلت لها بالفعل وحددت إلى حد كبير بنيتها الأساسية التي لا تزال قائمة حتى اليوم والتي أخفقت جميع محاولات تجاوزها. فمنذ خروج البلدان العربية من الحقبة الاستعمارية التقليدية اخذت تتبلور في الحقل السياسي العربي أجندتان أو برنامجان متناقضان تماما ومتنافسان في ما يتعلق بالرؤية الجيوستراتيجية العربية. البرنامج الاول تركز عليه الحركة القومية التي تنظر إلى وجود الدول العربية الناشئة بعد انحسار السلطة الاستعمارية كتكريس لعملية التقسيم اللاشرعية التي قامت بها السلطات المحتلة، ومثالها الساطع التقسيمات التي نشأت حسب اتفاقيات سايكس بيكو الشهيرة التي عكست تقاسم الشرق العربي بين الفرنسيين والبريطانيين كمناطق نفوذ، وتنظر إلى تجاوزها وحلها في دولة قومية عربية واحدة تزيل آثار التقسيم الاستعماري وتعيد توحيد المنطقة العربية. ومن الجانب الآخر أجندة وبرنامج الحكومات والقوى الجديدة الناشئة في إطار الاستقلال التي كانت تنزع بشكل تلقائي إلى تكريس الدول الجديدة المستقلة كحقائق نهائية أو شبه نهائية وتاكيد الهوية المحلية المرتبطة بها.


فمن المعروف أن إحدى القوى المحركة والدافعة الأساسية لحركة الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية وضد الهيمنة الخارجية كانت، ولا تزال في الواقع، فكرة الوحدة العربية أو الانتماء لأمة واحدة والرهان على تحقيق هذه الوحدة وتأكيد الهوية المشتركة التي تقف وراءها في سبيل ضمان قدر أكبر من الكرامة والسيادة والاستقلال. وقبل أن تتحول الفكرة العربية إلى حركة شعبية وأهلية مناوئة او بالأحرى نازعة إلى مناوئة النظم والحكومات الجديدة الناشئة لكن مع توقع صعودها، وفي سياق تأمين الحكومات العربية المستقلة أو شبه المستقلة المؤيدة للغرب وضمان استقرارها في المستقبل تبلورت في الأوساط الدبلوماسية الرسمية فكرة إقامة رابطة للدول العربية تستجيب لما عبر عنه أنتوني ايدن وزير خارجية بريطانيا في تصريح له (29 مايو 1941) بآمال العرب في الوحدة وما عاد إلى التذكير به ثانية أمام مجلس العموم البريطاني (24 فبراير 1943). وهكذا انطلقت بمبادرة من رئيس وزراء مصر مصطفى نحاس باشا مسيرة بناء الجامعة التي بدأت بالتوقيع على بروتوكول الاسكندرية عام 1944 كوثيقة أولى للجامعة التي ستتأسس في العام التالي. وقد حسم النقاش على طبيعة الجامعة بين وجهتي نظر ترى إحداهما ضرورة إنشاء اتحاد الدول العربية بينما تميل الثانية إلى إنشاء رابطة أقل طموحا تكتفي بمهام التنسيق في سياسات الدول. وهي الوجهة التي ستتغلب في النهاية والتي ستحدد مصير جامعة الدول واهدافها المحدودة. فبعكس ما يعتقد الرأي العام الحالي لم يكن هدف الرابطة التي تكونت في الخمسينات ايجاد اداة قانونية وسياسية تدفع نحو دمج البلدان العربية وتوحيد سياساتها لتعزيز استقلالها جميعا وزيادة فرص تنميتها الاقتصادية بقدر ما كان الهدف تكريس الوضع الجيوستراتيجي التي خلفته الحقبة الاستعمارية وتأمين استمرار تبعية المنطقة عموما وكل دولة مستقلة شكليا فيها للسياسات الغربية وبشكل خاص للسياسة البريطانية. وهذا واضح من نص برتوكول الاسكندرية الذي يجعل من استقلال وسيادة الدول الهدف الأول لها ولا يتحدث عن دمج او توحيد وإنما عن تنسيق وتعاون وتوثيق للصلات بين الدول. وهو واضح أيضا في قواعد عمل الجامعة التي تؤكد على أن قراراتها تتخذ بالاجماع وليس بالأغلبية كما ان هذه القرارات ليست ملزمة إلا في حالة النزاع بين دول. وفي النهاية يمكن القول إن بنية الجامعة لم تكن تؤهلها للعب دور تفعيل الحياة العربية المشتركة أو الدفع في اتجاه بناء مصالح مشتركة وإنما لتقوم بدور ملتقى عام يسمح للحكومات والزعماء العرب بالتفاهم والتنسيق والمساومة وعقد الصفقات في ما بينهم. أي أن الجامعة العربية في الصيغة التي ولدت فيها لم تؤسس لتحقيق الاتحاد أو الاندماج العربي بقدر ما أسست لمنع قيام مثل هذا الاتحاد ولتكريس التقسيم الذي حصل لضمان مناطق النفوذ الثابتة للأطراف الغربية وتأمين الحكومات التابعة لها ضد مخاطر تطور الحركة الشعبية المعارضة والمعادية للغرب ومخاطر النزاعات المحتملة بين الحكومات العربية الجديدة وما يمكن أن تؤدي إليه من إضعاف الاستقرار.


وليس هناك شك في أن هذا التكوين الأصلي أو البنيوي الذي ميزها منذ تأسيسها يشكل أحد العوامل الأساسية التي تفسر إخفاق الجامعة العربية، او بالأحرى عجزها عن تحقيق ما يتطلع إليه الرأي العام العربي بأغلبيته. وإذا لم يتم التركيز على هذا العامل في الماضي، حتى لدى اولئك الذين انتقدوا الجامعة العربية، فذلك لأن الجامعة قد تعرضت بسرعة للتحدي الفلسطيني الخطير واضطرت إلى أن تتخذ مواقف تتناقض مع اهدافها حتى لو بقيت هذه المواقف إعلامية. وهذا ما عبر عنه توقيع ميثاق الدفاع العربي المشترك عام 1952 وبقاؤه في الوقت نفسه حبرا على ورق. كما أن ديناميكيات الصراع السياسي والإقليمي داخل المنطقة العربية سوف تدفع إلى تهميش هذه الجامعة نفسها مع توجه الأنظار نحو الحركة القومية العربية الشعبية أو الشعبوية الصاعدة التي ستصبح محط آمال العرب في تحقيق الأهداف التي كان من الممكن أن ترتبط بتكوين الجامعة. وفي ظل صعود الناصرية كأقوى تعبير تاريخي عن الحركة القومية الشعبية العربية سوف يخفت مفهوم الجامعة تماما لصالح مفهوم الوحدة العربية الاندماجية. ولن يكون من الصعب على قيادة الحركة القومية في تلك الفترة من استخدام الجامعة نفسها كأداة من أدوات عملها الإقليمي والدولي أو من تحييدها إذا وجدت أن من الصعب عليها الاستفادة منها.
أما العامل الثاني فيتعلق بغياب الإرادة السياسية عند الدول العربية. فإذا كان من المسلم به أن البنية الأساسية للجامعة قد ارتبطت بحقبة النفوذ البريطاني وبحاجات الأنظمة العربية التابعة لتكريس التقسيمات الاستعمارية إلا أن أحدا لم يمنع العرب في ما بعد، خاصة بعد الانهيار الذي تعرض له النظام الإقليمي شبه الاستعماري الذي خلفه البريطانيون في المنطقة على إثر حرب السويس عام 1956 وانتصار الحركة القومية من إعادة النظر في بنية الجامعة وإصلاحها لتستجيب بشكل أفضل لحاجات السياسة والاستراتيجية العربية. وقد أصبحت الحاجة إلى منظمة إقليمية فاعلة حادة بشكل خاص بعد فشل مشروع الوحدة العربية الاندماجية وتراجع الحركة القومية الشعبية واعتراف القيادة الناصرية نفسها بهذا الفشل والابتعاد نهائيا عن فكرة الوحدة العربية القومية. وزاد من هذه الحدة تفاقم مخاطر السياسة الاسرائيلية التوسعية وتهديدها لاستقرار الدول بعد نجاحها منذ 1967 في انتزاع أجزاء إضافية من الأرض العربية واحتلالها وتكريسها لتوسيع الرقعة الاستيطانية اليهودية. وقد عبرت هذه الحاجة الماسة لتفعيل الجامعة عن نفسها عام 1970 من خلال التوقيع على السوق العربية المشتركة ثم عام 1980 من خلال ميثاق العمل العربي. وإذا بقيت هذه الاتفاقيات والمواثيق من دون تنفيذ و لم يحصل إصلاح لبنية الجامعة العربية بالرغم من تراجع الحركة القومية المنافسة وتزايد التهديدات الاسرائيلية وتفاقم المخاطر التي تضعف صدقية الدول العربية فذلك لأن هذه الدول او بالأحرى الحكومات والنظم والقوى التي حكمتها لم تكن تملك الإرادة، جميعها أو أكثرها، لإقرار إصلاحات جدية تخرج الجامعة من حالة الشلل التي ولدت فيها وتحولها من أداة لتكريس التشتت العربي وضمان بقائه إلى أداة لتحقيق التنمية العربية المشتركة وتأمين وسائل الدفاع ضد التحديات الاستراتيجية الخطيرة والمتعددة.


ولغياب هذه الإرادة في نظري سبب أساسي مشترك هو حرص كل نظام على أن يحل المشاكل ويواجه التحديات الواحدة بنفسه وبتعامله الخاص مع الدول الحليفة الخارجية واحيانا على حساب الدول العربية الأخرى وضدها إذا دعت الحاجة، أي حرصه على إرضاء القوى الدولية التي يعتمد عليها في حماية نفسه و إرساء استقراره. وهذا ما يشير إلى مسألتين: غياب مفهوم الدولة والمؤسسات لصالح مفهوم العصبيات وشبكات المصالح والتكتلات الزبونية الحاكمة وما يعنيه ذلك أيضا من ضعف الشعور بالمصالح العمومية والبعيدة. وكذلك انعدام الثقة بين هده الفئات الحاكمة في مختلف البلدان. ولعل تجربة الحركة القومية الشعبوية التي شكلت تهديدا حقيقيا للأنظمة القائمة في مرحلة الستينات قد خلفت عند النخب السياسية العربية الحاكمة عقدة خوف عميقة تجاه كل ما يتعلق بفكرة الوحدة العربية او يشير إليها او يدفع إلى الاقتراب منها مثلما خلفت عقدة الخوف من الحركة الشعبية ودفعت العديد منها إلى التمسك بصيغ مغلقة ومتحجرة للسيطرة السياسية بعيدة كل البعد عن مفاهيم السياسة العصرية. وبالرغم من أن خطر الوحدة على الطريقة الناصرية وبدفع مما سمي في تلك الفترة بالقوى الثورية الانقلابية قد زال تماما، مع تبني تلك القوى نفسها أو ما بقي منها على قيد الحياة استراتيجية العمل من داخل الجامعة العربية واعتمادا عليها للتقريب بين الدول العربية، إلا أن النخب السياسية الرسمية بقيت مترددة في إصلاح الجامعة العربية وبث روح جديدة فيها. وبدلا من أن تستفيد من تراجع الحركة الشعبوية في سبيل وضع مشروعها للتقارب والاندماج موضع التطبيق وتظهر قدرتها على تقديم حلول ولو جزئية للمشاكل الاستراتيجية الخطيرة التي تواجهها الجماعة العربية وفي مقدمها مشكلة التوسع والغطرسة الاسرائيليتين ومشكلة التنمية والتعاون الإقليمي، بقيت أمينة لخياراتها السابقة المعادية لأي شكل من أشكال الوحدة أو الاتحاد واعتبرت أي تفعيل جدي لاتفاقيات العمل العربي المشترك بمثابة تقليص من سيادتها وتهديد لسيطرتها المطلقة ومصدر خطر على استقرار نظامها السياسي. وكانت النتيجة خسارة رهان بناء الدولة سواء أكانت من النمط القومي أو من النمط القطري.

أما العامل الثالث فهو مرتبط بموقف الدول الغربية. فقد نظرت دول اوروبة الغربية التي تحتفظ بمصالح استراتيجية كبرى في المنطقة باستمرار بعين الشك إلى كل مشروع يهدف إلى تجميع القوى في جنوب المتوسط منذ محاولة محمد علي باشا في منتصف القرن التاسع عشر حتى يومنا الحاضر. وكانت ترى في تحقيق أي نوع من التجمع أو الاندماج بداية القضاء على نفوذها ومصالحها. وقد جاء رد فعلها على المحاولة الناصرية معبرا بشكل لا تردد فيه عن هذا الموقف الثابت كما برهن على ذلك العدوان الثلاثي على مصر أو ماسمي بحرب القناة عام 1956. وبعد تبني الولايات المتحدة يصورة مماثلة للدولة الاسرائيلية وبرنامجها التوسعي والأمني أصبح الوقوف ضد مشاريع التقارب العربية والعمل ضدها بوصفها أداة في يد السياسة التحررية المعادية للهيمنة الغربية وللتوسع الاسرائيلي سمة عامة للسياسات والاستراتيجيات الأطلسية عامة في المنطقة. وهكذا تم التخطيط لحرب 1967 كي تكون الضربة القاتلة لحركة القومية العربية الناصرية التي نظرت الدول الغربية إليها كمحاولة من قبل مصر والعرب لبناء إمبرطورية إسلامية جديدة على الحدود الجنوبية لاوروبة وانتزاع ما تبقى لهذه الأخيرة من مواقع ومناطق نفوذ في منطقة من أكثر المناطق حساسية استراتيجية في العالم. ووسم عبد الناصر في تلك الفترة بالنزعة القومية العنصرية ولم يتردد المثقفون والسياسيون الغربيون بتشبيهه بهتلر وتعبئة الرأي العام العالمي والعربي ضد الحركة التي يقودها والاهداف التي كان يسعى إليها. ويأتي مشروع الشرق الأوسط الموسع الجديد كتكملة لسياسة منع العرب من تكوين كتلة موحدة ومستقلة ودفعهم إلى الاندراج في السوق العالمية من منطلق واقعهم الراهن كدول ضعيفة وفقيرة وتابعة يمكن بسهولة التهامها وتوظيفها ضمن الاستراتيجيات الدولية.
لكن هل يعني ذلك أن مشروع التكتل العربي قد فقد مقوماته الموضوعية وأنه لم هناك لا حاجة ولا أمل في إصلاح الجامعة العربية ؟

 

 مستقبل التكتل العربي

تتزايد الأسئلة في وسط الرأي العام العربي والعالمي معا حول مصير جامعة الدول العربية في عامها الستين. وبينما يعتقد البعض أن الجامعة العربية انتهت مثلها مثل فكرة الوحدة العربية بل فكرة العروبة والهوية العربية ذاتها مع تقدم مسار العولمة وانفتاح المجتمعات العربية على بقية بلاد وثقافات العالم وانهيار النظم الشمولية التي استخدمت الفكرة العربية أو نشأت في موازاتها وواكبت انتشارها، يعتقد البعض الآخر في العديد من الأوساط الصناعية والتجارية المتوسطة بأن الفرصة قد حانت الآن لإعادة إصلاح الجامعة وان هذا الإصلاح لم يكن في أي فترة على مرمى اليد مثل ما هو عليه اليوم. فهل يمكن إصلاح الجامعة العربية بالفعل بالرغم مما أصابها من ترهل وافتقار للصدقية وهل تهيأت الظروف التي تسمح بهذا الإصلاح، أو بمعنى آخر، هل أصبحت عملية التقارب والاندماج العربية، على أي مستوى ومن أي درجة او نوع كانت، ممكنة تاريخيا، موضوعيا وذاتيا معا؟
الجواب على هذا السؤال الجوهري يتطلب الإجابة الايجابية على الأسئلة التي تتعلق بمصير العوامل الثلاث التي شكلت العقبات الرئيسية امام تقدم العمل العربي المشترك وبالتالي إدانة الجامعة العربية بالجمود والفشل. الأول الذي يمس البيئة الجيوسياسية العامة في المنطقة يمكن صياغته على النحو التالي: هل أثبت النظام الإقليمي شبه الاستعماري القائم على -تكريس التفتيت الجغراسي للمنطقة و- الحفاظ على تبعيتها من خلال انماط معينة من الحكم والنخب الحاكمة و- إقصاء شعوبها عن القرار السياسي فيها وتهميشها، أقول هل أثبت هذا النظام فشله وسقطت ورقته أم أنه لا يزال قائما ولا يزال هناك من يسعى إلى إبقائه والحفاظ عليه؟ والثاني هل بزغت إرادة عربية قوية عند النخب الحاكمة في اتجاه توسيع دائرة التعاون وتطوير ادوات العمل العربي المشترك بهدف تحقيق المنافع الوطنية، وهل تغيرت طبيعة هذه النخب بما يسمح بالتفكير بهذه المصالح وجعلها مقدمة على المصالح الخاصة واستخدام الدولة اداة للسيطرة الفئوية؟ والثالث هل تبدلت مواقف الدول الغربية التي كانت رافضة لفكرة التجمع والتكتل العربي وأصبحت تنظر بعين الرضى عن مثل هذا التجمع لسبب أو آخر، وهل هناك تقارب في مواقفها او اتفاق بينها عليها؟

 

لاشك أن البيئة الجيوسياسية الشرق أوسطية قد تغيرت في سياق تغير البيئة الدولية العامة. وبعد خروج المنطقة من منطق الحرب الباردة هناك فرص لنشوء ديناميكيات جديدة لإعادة صياغتها. ومن ضمن مشاريع إعادة الصياغة هذه في سياق إعادة بناء النظام الإقليمي شبه الاستعماري، ولكن هذه المرة على حسب حاجات مشروع السيطرة الأمريكية العالمية. ومن بينها أيضا مشروع الشراكة المتوسطية الضعيف لكن القائم. ومنها أخيرا بوادر مشروع إصلاح الجامعة العربية الذي تقوده بعد الدول العربية المتضررة من الاجتياح الخارجي للإقليم وزوال أي هامش مبادرة مستقلة لدوله العربية. فأمام تصاعد التحديات الاسرائيلية والدولية وتسارع وتيرة التحولات الاقتصادية العالمية في سياق العولمة وتزايد مطالبة الدول الكبرى بالانفتاح الاقتصادي والتحرير السياسي بدأت النظم العربية تدرك شيئا فشيئا أهمية التعاون والاتفاق على سياسة مشتركة في ما بينها. واكتشفت وهي تحاول درء المخاطر المتصاعدة المحيقة بها وجود الجامعة العربية وإمكانية استخدامها كأداة للعمل المشترك السياسي والأمني الذي يمكنها من أن تحتفظ بدور لها في تقرير شؤون منطقتها التي بدأت الولايات المتحدة تنظر إليها كمسرح لإعادة صوغ الخريطة الجيوسياسية ومنطلق لنشر الاستراتيجية العالمية الجديدة. وهكذا بدأت فكرة إصلاح الجامعة العربية التي بقيت من دون تغيير يذكر خلال العقود الطويلة الماضية تصعد إلى مقدمة الأجندة السياسية لعدد من الدول العربية الكبرى المهددة بأن تفقد دورها ومكانتها امام التدخلات الخارجية المتنامية وتفرض عليها مستويات من التبعية لا تختلف عن تلك التي فرضت من قبل على الدويلات الصغيرة التي وضعت نفسها منذ بداية التسعينات تحت الحماية الأجنبية من خلال اتفاقات امنية تبدو متساوية لكنها تخفي حقيقة التسليم بمسائل الأمن والاستراتيجية الكبرى للدول الغربية. وقد بدأ الحديث في إصلاح الجامعة العربية منذ التسعينات لكنه لم يتحول إلى مشروع واضح لتعديل هياكل الجامعة العربية وإعادة تحديد أهدافها إلا في السنتين الاخيرتين وبموازاة البحث عن بدائل للحلول الاندماجية التي يطرحها التحالف الغربي على المنطقة ويقصد منها إلى تأهيل إسرائيل إقليميا من جهة وفتح المنطقة على العوالم غير العربية الفارسية والتركية والباكستانية بهدف حل هويتها الخاصة وتذويبها مع المطالب والتطلعات التي ترتبط بها في إطار اقتصادي وسياسي يقطع الطريق نهائيا على احتمال عودة الحركة الوطنية والشعبية العربية المعادية للغرب والمنافحة عن السيادة والاستقلال الناجزين والتنمية المستقلة.


وقد قدمت الامانة العامة للجامعة اعتمادا على عمل الخبراء مشروعا متكاملا للاصلاح يشمل إنشاء برلمان عربي يشكل مصدر بلورة التشريعات الخاصة بها ومحكمة عدل دولية وهيئة متابعة تنفيذ قرارات الجامعة وإصلاح آلية التصويت داخل الجامعة ومشروع تكوين مجلس أمن شبيه بمجلس الأمن الدولي لكن على مستوى المنطقة العربية ومجلس قومي للثقافة العربية ومصرف عربي للتنمية. قد ناقشت قمة القاهرة والجزائر عام 2004 ثم 2005 هذا المشروع وأقرت في جلستها الأخيرة إنشاء البرلمان العربي ووعدت بالموافقة على ملاحق التعديلات الأخرى في جلسات قادمة بعد تدقيقها من قبل الخبراء المعتمدين لديها. وقد بينت الاجتماعات والنقاشات الدائرة حول هذا الموضوع أن غياب الإرادة السياسية الذي كان عاملا رئيسيا في تعويق العمل العربي لإصلاح الجامعة لا يزال قائما بالرغم من وجود قوة دفع جديدة نتيجة خوف بعض الحكومات من ترك الساحة الإقليمية الجيوسياسية فارغة تماما امام الولايات المتحدة وإسرائيل لتعيدا بناء العلاقات الدولية في المنطقة حسب رغبتهما. وهذا بعني أن الأمر لم يحسم بعد. لكن بالمقابل إذا لم تتشكل بعد إرادة عربية جامعة لبناء نظام إقليمي عربي وبالتالي لإصلاح الجامعة العربية حتى تتحول من اداة للتغطية على العمل القطري المستقل والمنافس إلى وسيلة لتنسيق الجهود وتطوير القوى والمصالح المشتركة للشعوب العربية فإن هناك اليوم على الأقل جزءا من التكنوقراطية العربية التي أصبحت مقتنعة تماما بأنه لا توجد أي إمكانية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية من دون توحيد جهود البلدان العربية والتنسيق بين سياساتها.
أما في ما يتعلق بموقف الدول الكبرى التي كانت مناوئة لأي مشروع تكتل عربي يستبعد إسرائيل ويشكل تهديدا لها او يهدد بالقضاء على مناطق النفوذ والمصالح الغربية فالأمر لا يختلف عما حصل داخل مجموعة الدول العربية نفسها. فبعد زوال الوهم الغربي حول القوة العربية والانكشاف الكبير للموقف العربي وللعجز الذي يميزه أصبح الخوف من زعزعة الاستقرار وتفجر الحروب الأهلية والنزاعات الدامية وما يمكن أن تسببه من هجرات بشرية تهدد استقرار الدول الأخرى الصناعية يشكل دافعا أكبر لدى الدول الأوروبية خاصة، لكن حتى في غيرها، للنظر بشكل أقل عداءا لسياسات التقارب والتعاون العربية. لكن سواء أتعلق الأمر بالولايات المتحدة أو بالاتحاد الأوروبي لا ينفصل هذا القبول المبدئي عن شرطين لايزال من الصعب على الدول العربية القبول بهما أو تلبيتهما من دون تحمل أضرار باهظة سياسية وجيوسياسية معا. الأول تحقيق التعاون العربي من دون المس بمصالح إسرائيل واستقرارها في الوقت الذي تتبنى فيه تل أبيب أشد سياستها التوسعية عنفا وعدوانية. والثاني عدم المس بالمصالح الأطلسية وربما بالتفاهم مع الكتلة الأوروبية الأمريكية لا في مواجهتها. ويمكن القول باختصار إن التغير الذي حصل في البيئة الجيوسياسية وفي مواقف الأطراف الدولية معا يفتح من الآفاق بقدر ما يفرض من التحديات وأن إقامة نظام عربي أو إصلاح النظام القائم ليس أمرا معطى ولا مسلم به ولكنه يتوقف على قدرة الدول العربية الراعية لهذا الاصلاح على العمل الجدي والسريع لتحقيق تقدم ملموس في الاندماج العربي وبالتالي على إقناع الدول العربية المترددة بالانخراط في مشروع عربي يواجه منافسات حادة من قبل قوى كبرى. كما يتوقف أيضا على النجاح في الوقت نفسه في احتواء المشاريع الاخرى المنافسة أو على الأقل تحييدها. فليس من الضروري أن يطرح المشروع العربي في مواجهة مع المشاريع الأمريكية والاوروبية إنما المهم أن يكون متميزا عنها وأن يملك ديناميكته الخاصة والمستقلة.


وهذا يعني في نظري أن الأمل في إصلاح الجامعة العربية ومن ورائها في بناء إطار للعمل العربي المشترك وربما لإقامة تكتل عربي فاعل أصبح أكثر من ضروري لمواجهة مشاكل الامن والاستقرار والتنمية في الأقطار العربية جميعا متوقف على التقدم على مسارين متوازيين: مسار التحويل الديمقراطي للنظم العربية بما يسمح لمفهوم المصلحة العامة والسعي لتحسين مستوى حياة السكان ورفاهيتهم والتفكير بمستقبلهم أن يتقدم على منطق السعي النخبوي لتعظيم المنافع الخاصة والثاني مسار التفاهم مع القوى الدولية والتحالف الأطلسي بشكل خاص الذي لا يزال يلعب الدول الأول في تكوين سياسات النخب الحاكمة في معظم الأقطار العربية سواء بسبب ما يستطيع أن يمارسه من ضغوط عليها أو بسبب ما يتمتع به من مواقع استثنائية وحاسمة في اتخاذ القرار "الوطني" في بعضها الآخر.
والمهم ان مستقبل الوحدة العربية من أي شكل كانت متوقف على النجاح في اكتشاف طريق ثالث يقع بين طريق الوحدة الاندماجية التي دافعت عنها وعملت في سبيلها من دون نتيجة تذكر حتى الآن الحركة القومية الشعبية وطريق الوحدة الرمزية أو الشكلية الفارغة من أي مضمون باستثناء التغطية على السياسات القطرية المتنافسة وإضفاء الشرعية عليها التي مارستها الحكومات العربية حتى الآن تحت راية الجامعة العربية ومن ورائها. وليس مهما الشكل الذي سيكتسيه العمل العربي التكتلي القادم، اكان باسم الجامعة العربية المصلحة وعبر إصلاحها او باسم أي تكتل آخر شبيه باتحاد فدرالي او كونفدرالي مادام الهدف هو بناء آليات حقيقية لتثوير قنوات التفاعل والتواصل والتبادل الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية على طريق التوصل إلى بناء كيان عربي مندمج وقوة إقتصادية إقليمية