مستقبل التغيير والديمقراطية في العالم العربي

2005-09-08 :: الخبر الجزائرية

ترجمة :

محمد إسماعيل

 

 * منذ أيام تقدم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمبادرة من أجل حل شامل للعنف في الجزائر، برأيك إلى أي مدى ستساهم أفكار الرئيس في حل الأزمة؟.

* مفهوم المصالحة الوطنية يعني في السياق الراهن طي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة. ولذلك فهو يختلط بمفهوم التسامح المتبادل والعفو عما مضى بما في ذلك عن الجرائم التي أقدمت عليها جميع الأطراف المتنازعة. والعادة أن الأطراف الضعيفة في المعادلة  هي التي تطرح شعار المصالحة التي تضمن لها العودة إلى حالة القانون الذي انتهكته القوة بالرغم مما يعنيه ذلك من تنازلات عن مبدء تطبيق القانون. والطرف الضعيف هنا هو الدولة أو السلطة العمومية التي كانت ضحية أطراف النزاع. وهو يشكل اعترافا منها بافتقارها للقوة والوسائل التي تسمح لها بتطبيق القانون على الطرفين المتنازعين.  وأنا لا أرى في المبادرة حلا للأزمة العميقة الايديولوجية والثقافية التي تعصف بالمجتمع الجزائري مثله مثل جميع المجتمعات العربية بقدر ما أرى فيها محاولة من قبل الدولة التي أضعفتها الحرب الداخلية لاستعادة موقعها وتعزيز موقفها تجاه الأطراف الاجتماعية. فالدولة تتخلى هنا عن حقها في تطبيق القانون على منتهكيه لقاء قبول هؤلاء بالخضوع من جديد للدولة والتسليم لها وبالتالي للقانون ولفظ اللجوء ثانية للعنف وبالتالي الخروج من منطق الحرب والنزاع الذي همش الدولة وكاد يطيح بمفهومها.  وشرعية هذه المبادرة مرتبطة بمدى اعتقاد المرء بأن الجزائر لم تخرج تماما بعد من حال الانقسام الفكري والثقافي بالفعل وأنها لا تزال غير قادرة على مواجهة الحقيقة المرة للعنف ومقاضاة من لجأ إليه. وأن مثل هذه المقاضاة يمكن أن تهدد من جديد الاستقرار النسبي للبلاد. وأنا أميل إلى الاعتقاد، حسب ما لدي من معطيات وهي قليلة على كل حال بأنه لم ينضج الوضع بما فيه الكفاية حتى يمكن للرأي العام الجزائري أن ينظر إلى ما حدث بموضوعية وتجرد ويقبل بتطبيق معايير واحدة للمحاسبة ويتجاوز التحيز لهذا الفريق أو ذاك حسب التيار الذي ينتمي إليه. فبالرغم من التراجع الكبير في حدة النزاع السياسي والايديولوجي الذي أدخل البلاد في أزمة إلا أن أسبابه العميقة الكامنة في اختلال المرجعية والانقسام على الذات لم تختف تماما، ولا تزال الانسدادات والاختناقات التي دفعت إلى الانقسام والنزاع الأهليين موجودة على أكثر من صعيد سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي. ولا تستطيع المبادرات القانونية تصفية القلوب ما لم تنجح السياسات العملية مسبقا في معالجة التناقضات والمشكلات التي كمنت وراء العنف.

 

* برأيكم هل يمكن حل الأزمة بعفو شامل و دون محاكمة الأطراف التي كانت سببا للأزمة، إن كان من السلطة، أو من الطرف الآخر؟

*  المعنى السياسي العميق لهذه المبادرة هو قطع الطريق على أي ملاحقات قضائية يمكن أن تطال في المستقبل أولئك الذين ارتكبوا جرائم بحق الآخرين وتجاه الحق العام معا من جميع الأطراف التي شاركت في الحرب الداخلية، سواء تعلق الأمر بمسؤولين سابقين في الطرف الرسمي أو في الطرف الأهلي. وتأمل السلطة من مثل هذه المبادرة تحقيق عودة سريعة إلى الوضع الطبيعي وإزالة المخاوف المتبادلة وتعزيز الشعور بالاستقرار. ومن حيث المبدأ ليس هناك ما يمنع أي قيادة سياسية من اقتراح ما تعتقد أنه يمكن أن يشكل تصفية لذيول حرب داخلية تركت جراحا عميقة لدى الجميع. ولا يقلل من قيمة هذا الاقتراح مخالفته لمبدأ تطبيق القانون، ذلك أن الأمر يتعلق بما هو أبعد من القانون وبما يتحكم بوجود القانون نفسه، أي برهان السياسة التي تهدف، في ما وراء القانون وبفضله، إلى بناء الجماعة الوطنية أو إعادة توحيد إرادتها المشتتة. والقيادة السياسية الذكية هي التي تستطيع أن تدرك الحاجات العميقة للمجتمعات وتتفاعل معها وتطرح المبادرات المناسبة أو المطلوبة في الظرف المناسب لتخلص المجتمعات من  الديون التاريخية القديمة وتعيد إطلاق دينامية التضامن والتعاون والتواصل بين أفراد المجتمع الواحد. المهم أن تلقى هذه المبادرات قبولا شعبيا وأن تهدف بالفعل إلى قلب صفحة الماضي واستئناف حقبة جديدة من التعاون بين أبناء الوطن الواحد. إذا كانت أغلبية الجزائرين مستعدة نفسيا وسياسيا اليوم لتبادل الصفح والعفو عما مضى والتنازل عن حقوقها القانونية في سبيل ضمان مستقبل الجزائر السياسي وإعادة بناء الحياة الوطنية على أسس التعاون والأخوة المتجددة فلا ضير في ذلك في نظري. فلا يمكن الخروج من الحروب والانشقاقات الخطيرة بالوسائل التقنية والقانونية فحسب وإنما لا بد من مبادرات جريئة تساعد على بعث الروح الوطنية وإحيائها.

 

* بعد إطلاق سراح سجين سياسي أنهى حكمه، هل يمكن فرض شروط عليه بعدم ممارسة أي عمل سياسي بعد ،ما رأيكم بذلك؟

* لا أدري عمن تتحدث ولكن أميل إلى الاعتقاد بما تقول به. ينبغي أن يسترجع الفرد الذي يمضي سنوات عقوبته جميع حقوقه، إلا أذا كان الحرمان من الحقوق المدنية لفترة معينة جزءا من هذه العقوبة على شرط أن لا تتعلق هذه العقوبة بجريمة سياسية بالطبع.

 

* برأيكم ما مستقبل الحركة الإسلامية في الجزائر؟

* مستقبل الحركة الاسلامية مطروح اليوم في البلاد العربية جميعا وفي العالم. فالانتشار الواسع للعنف ومشاركة بعض الحركات الاسلاموية في مواجهات دموية مع الأنظمة قد وضعت الأحزاب الاسلامية وأفكارها جميعا أمام تحد كبير. وهي مضطرة في اعتقادي إلى أن تقوم بمبادرة قوية لتغيير صورتها واستعادة صدقيتها لا بل شرعيتها إذا أرادت أن تحتفظ بدور لها في صنع المستقبل الوطني في أكثر من بلد. وتستدعي هذه المبادرة حسم بعض المسائل الأساسية الفكرية والسياسية. ومن هذه المسائل الفصل النهائي بين البعد  الديني والبعد الزمني في عقائد الأحزاب هذه وبرامجها، بل الانتقال من أحزاب عقائدية  شبه دينية إلى أحزاب سياسية تعتمد في جذب الولاء لها على طبيعة برامجها الاجتماعية والسياسية والثقافية ولا تجد أي غضاضة في أن تتعرض برامجها للنقد، ولا تخلط بين حكم الله وحكم الأفراد. أي عليها أن تفصل على مستوى العقيدة بين حكمها هي وحكم الله وأن تقبل وتعلن بأن حكمها لا يترجم حكم الله أو أنه لا يستمد شرعيته من الاستجابة للآية الكريمة التي يستشهد بها كثيرا بعض الاسلاميين وهي "ومن لا يحكم بما أنزل الله"، وإنما من تأييد الناس لما يقومون به من أعمال وما يطبقونه من برامج تساعد على إصلاح شروط حياة مجتمعات المسلمين. وعلى الرأي العام أن يقرر، وهذا حقه الطبيعي، في ما إذا كانت هذه البرامج تستجيب لحاجات المجتمع أم لا وتتماشى مع أحكام الاسلام وقيمه أم لا. وهذا يفترض ثانيا أن تختار الحركات الاسلامية بين طريقين : طريق العمل السياسي الذي يهدف إلى رعاية شؤون المجتمع على الأرض وتحسين أوضاعه المادية والثقافية بالوسائل التي تتيحها السياسة والسلطة السياسية، وتقبل بالتالي بأن تحكم باسم المجتمع ككل وكممثلة عنه ولخدمته جميعا بما فيه من مؤمنين صالحين وغير صالحين طالما أنها تقبل بأن تستمد شرعية حكمها منه وحده، وطريق العمل الديني الذي يهدف إلى نشر العقيدة بوسائل العمل الديني المعروفة وفي سبيل دفع الأفراد إلى الفضيلة والعمل الصالح الذي يعدهم لملاقاة خالقهم بوجه سعيد.  فالخيار الأول يفرض عليها أن تتمثل قواعد عمل الدولة وممارسة السلطة في نظم تشكل حرية الرأي والتعبير فيها والمساواة بين الأفراد بصرف النظر عن عقائدهم شرطا لبقائها وعملها وتحليها بالطابع الوطني العمومي، بينما يستدعي حمل مهمة الهداية الدينية التحلي بخصائص أخرى مختلفة تماما وفي مقدمها الفهم الصحيح للدين والقدرة على الحوار والجدل والتفاهم مع أصحاب التأويلات الدينية الآخرين وفي مقدمهم السلطات الدينية المرجعية أو المعترف بها عموما.

ومن دون ذلك ستظل الحركة الاسلامية في الجزائر وفي بقية البلاد العربية في حالة صراع وتنازع مع تيارات الفكر والسياسة الأخرى وتصبح أكثر مما هي عليه اليوم مثار الاختلاف والنزاع عند الرأي العام العربي والاسلامي.

 

* خلال زيارتكم إلى الجزائر، قلتم عن وجود مافيا تحكم سوريا، هل هذه الفكرة لا زالت موجودة؟

* هذا هو أبسط جانب من الأزمة. فالوضع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. هناك المافيات من دون شك كما هو الحال في العديد من البلاد العربية وغير العربية الأخرى. لكن هناك أكثر من ذلك الجمود العميق في النظام وتفاقم اعتماده في سبيل البقاء والاستمرار على هيمنة القوى الأمنية الشاملة وإلغاء أي حياة سياسية، بل عمومية. وهناك أيضا الانقطاع المريع لسبل التواصل والحوار بين المجتمع والسلطة وليس بين السلطة والمعارضة فحسب إضافة إلى تخبط السياسات الخارجية. لكن ما هو أهم من ذلك كله هو الضغوط الأمريكية والأوروبية الاستثنائية التي تواجهها البلاد وهي في هذه الحالة الخطيرة من التأزم السياسي والاجتماعي والثقافي، والتهديدات الكبرى التي توجه إليها في إطار إعلان عزم الدول الأطلسية الصريح على تغيير النظام من ضمن أهداف إعادة هيكلة الشرق الاوسط بأكمله. كل ذلك يقود البلاد نحو أوضاع معقدة تتداخل فيها الازمة الداخلية مع الأزمة الخارجية ولا يبدو أن في الأفق ما يشير إلى إمكانية الخروج منها بسلام. فلا النظام يملك القدرة على مواجهتها ولا المعارضة على درجة من النضج لأخذ المبادرة ولا الدول الكبرى التي تعاني من تحديات كبيرة في الشرق الأوسط، وفي مقدمها الولايات المتحدة التي تتهددها الهزيمة العسكرية في العراق، مهتمة فعلا بمستقبل سورية أو مستعدة لأخذ مصالح الشعب السوري، ولو في الحدود الدنيا، في الحساب.  إن الكل يتصرف في نظري في حالة من الانعدام المؤلم والمجرم معا للمسؤولية السياسية والأخلاقية.

 

* كيف ترى مستقبل العلاقات بين لبنان و سوريا، و هل تعتقد أن سوريا لها يد في تفجير الوضع اللبناني؟

* ليس لسورية كسورية يد في تفجير الوضع اللبناني إنما للأجهزة الأمنية السورية اللبنانية التي كانت بالفعل واحدة وتدربت في مدرسة واحدة وخضعت لقيادة واحدة يد في دفع الأوضاع اللبنانية والسورية معا إلى شفير الهاوية. وإذا تأكدت الشكوك التي يثيرها اعتقال قادة الأمن اللبنانيين القريبين المحسوبين على النظام السوري بطلب من رئيس لجنة التحقيق لدولية ميليس فليس هناك شك في أن المنظمة الدولية ستلقى على دمشق القسم الاكبر من المسؤولية في ما حصل في لبنان من اغتيالات وتفجيرات أدينت في حينه من عموم المجموعة الدولية.

باختصار لن يكون للعلاقات السورية مستقبل من دون تغيير طبيعة الأنظمة القائمة في البلدين والعودة نحو أنظمة حكم طبيعية تستمد شرعيتها من المجتمع وتعترف بسيادته وتذعن لإرادته التي يعبر عنها في انتخابات حرة ونزيهة. من دون ذلك لن يكون هناك أي استقرار ممكن لا داخل البلد الواحد نفسه ولا في العلاقات بين البلدان لأن الالتفاف على إرادة السكان سوف يدفع الأنظمة بشكل حتمي إلى تفجير النزاعات الداخلية والعابرة للدول للتغطية على انعدام الشرعية وإخضاع الشعب لإرادة النخب الحاكمة ومصالحها باسم الوحدة الوطنية في مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين. من دون التحول نحو أنظمة ديمقراطية ستبقى المنطقة والحدود السورية اللبنانية ساحة للعنف والتخريب المتبادل.

 

* برأيكم من يحكم الآن في العالم العربي، المافيات، أم زمر من العائلة و المنتفعين؟

* الذي يحكم في العالم العربي هو تحالف من المافيات وأجهزة الأمن التي تحوز على قسط كبير من الاستقلالية تجاه السلطة السياسية نفسها وتكاد تقرر هي نفسها في السياسات الداخلية وتعين المسؤولين السياسيين على مختلف درجاتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.هناك بالتأكيد فئات عديدة أخرى من المنتفعين. لكن هؤلاء لا يستطيعون كأفراد أو مجموعات صغيرة الإمساك بالحكم أو السيطرة على المجتمع. الأجهزة هي الطرف الأقوى في هذا التحالف لأن عليها يتوقف تحييد المجتمع بأكمله وإرهابه وإخضاعه لإرادة الغالبين. وفي بعض البلدان العربية من الصعب أن نتحدث عن أوضاع سياسية. إن ما هو قائم هو عملية اختطاف حقيقي من قبل مجموعات المصالح المسلحة والميليشيات المرتبطة بها لبلدان بأكملها وتسخير شعوب كاملة أيضا  لخدمتها.

 

* لماذا نجح الإسلاميون، في المكان الذي فشل فيه القوميون؟

* لا أعتقد أن الاسلاميين قد نجحوا في تحقيق أي مهمة من المهام التي كان القوميون قد وضعوا على عاتقهم مسؤولية تحقيقها، لا في الوحدة ولا في الحرية ولا في العدالة الاجتماعية.

لعلك تعني بالنجاح الحصول على الشعبية والنفوذ. لكن القوميين أيضا كانوا أصحاب شعبية ونفوذ في وقتهم ولم يحققوا شيئا من الأهداف التي نذروا أنفسهم لها. ولو ترك الاسلاميون في الحكم لما كان نصيبهم من النجاح أفضل من القوميين. فهم متشابهون كثيرا في الطبيعة الشعبوية التي تعتمد التعبئة العاطفية والنظم الشمولية وتنأى عن التفكير الواقعي والعقلانية السياسية.  وقد زادت شعبية الاسلاميين في العالم العربي بسبب معارضتهم القوية للنظم القائمة لا بسبب مقترحاتهم وبرامجهم الضبابية. ثم تحولوا إلى بعبع لأنهم أبعدوا عن الحكم بطرق غير شرعية فصار الجمهور ينظر إليهم كما لو كانوا الخصم الوحيد الحقيقي لنظم استبدادية جاهلة وأمية لا تستمر إلا بتدمير النسيج الوطني والتفاهم مع القوى الكبرى. وحين جربوا حظهم في بعض البلدان كأفغانستان والسودان كانت النتائج حروبا داخلية مستمرة وانشقاقات لا حدود لها. الاسلاميون ليسوا نقيض القوميين وإنما هم ذاتهم لكن بلبوس قديمة دينية وبروح انتقامية.

 

* هل تعتقد أن العراق سيكون دولة إسلامية شيعية؟

* لا أعتقد أن أي طائفة أو قومية قادرة على أن تخضع العراق لسسيطرتها الأحادية اللهم إلا إذا فرط العراق كدولة واحدة واستقلت كل من مكوناته الرئيسية الثلاث الكردية والسنية والشيعية العربية بدولها المستقلة. وهذا الاحتمال مستبعد أيضا حتى اليوم في نظري. إن الاحتمال الاكبر هو أن تستمر الحرب الراهنة المزدوجة الطبيعة: أي كحرب أهلية ووطنية معا إلى أن يمكن التوصل إلى توازن مستقر جديد بين الأطراف الثلاثة. سيكون للشيعة ربما الموقع الذي احتله السنة منذ تأسيس العراق الحديث، أي موقع المجموعة الأغلبية التي تفرض مناخها العام في البلاد. لكن لن يكون بمقدور أي نظام البقاء مع استبعاد مكون من وزن المجموعة السنية أو حتى من دون إرضائها. وليس هناك ما يجعل التفاهم بينهما مستحيلا إذا ما عرفنا أن الشيعة والسنة في العراق ينتمون في الغالب إلى عشائر عربية واحدة، أي أنهم يختلفون في المذهب لكنهم يلتقون أيضا في القرابات الثقافية. وربما أصبح البعض يتحدث بشكل أكبر عن الخطر الشيعي في العراق بعد نجاح نجاد أحمدي والتيار المحافظ الايراني في طهران. لكن الايرانيين أثبتوا أنهم دبلوماسيون ماهرون وليس من مصلحتهم الاحتفاظ بعراق غير مستقر إذا كان بإمكانهم ضمان نفوذ قوي فيه. وهو ما سيحصلون عليه من دون عناء. وربما كانوا هم الطرف الأقوى الذي يستطيع أن يدفع شيعة العراق نحو الاعتدال بقدر ما يشكلون سندا خارجيا مطمئنا لهم.

 

* ما مستقبل العراق؟

* بالرغم من الأوضاع الكارثية التي يعيشها العراق اليوم لست متشائما بخصوص مستقبله. هناك سنوات صعبة بالتأكيد سوف تمر قبل أن يتحقق التوازن الداخلي الذي تحدثت عنه ويستتب الأمن وكذلك قبل أن تتبلور العلاقة مع الولايات المتحدة التي ستبقى قوة مؤثرة في الخليج. وسوف يختلف الوضع كثيرا حسب ما إذا اضطرت الولايات المتحدة لسحب قواتها من العراق في ما يشبه الهزيمة أو ما إذا نجحت في الانسحاب في إطار تفاهم سياسي يجنبها الهزيمة التي تلوح في الأفق اليوم مع احتمال أن يضطر الرئيس بوش إلى الخروج من العراق، قبل التوصل إلى وضع واضح لواشنطن فيه، تحت ضغط الرأي العام الأمريكي. وبالمثل لا نعرف تماما إلى أي مدى ستستطيع قوات المقاومة الاحتفاظ بهذه الوتيرة من العنف في منطقة شرق أوسطية تحاصر بشكل متزايد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها أيضا باسم الحرب على الارهاب.

 

* كيف تقيم المأزق الأمريكي في العراق، و هل تعتقد أن الولايات المتحدة ستنسحب من العراق؟

* اعتقد أن الولايات المتحدة قد اقتنعت بأنها خسرت الحرب في العراق. السؤال المطروح عليها هو كيف تخرج بنفسها من الورطة العراقية من دون هزيمة سياسية. وهذا يحدده الرأي العام الأمريكي وحده الذي يستطيع إذا زاد من ضغوطه في الأشهر القادمة لسحب القوات الأمريكية أن يخزل الرئيس بوش ويضعه في مأزق حقيقي. ولذلك من مصلحة الرئيس الأمريكي السعي إلى حسم الوضع بأسرع مما هو قائم الآن في اتجاه استقرار نسبي في العراق يمكنه من أن يسحب قواته من دون أن يتخذ هذا الانسحاب معنى الهزيمة والهرب من المواجهة، أو من دون أن يعقبه انتصار مدو لجماعات المقاومة العراقية الاسلامية والبعثية. وهذا الوضع الحرج هو الذي يفسر الضغوط القوية التي يمارسها البيت الأبيض على سورية للتعاون الواسع في لجم حركة المقاومة. وربما دفع بالرئيس بوش إلى اتخاذ إجراءات جديدة أكثر قسوة لزعزعة النظام السوري المتهم بدعم المقاومة بصورة غير علنية.

 

* كيف تُقيم المقاومة في العراق؟

* هناك في داخل المقاومة العراقية في الواقع مقاومات. مقاومة السنة عموما في ما يشبه المقاطعة السياسية للوضع الجديد الذي نشأ بعد انهيار النظام السابق. وهي مقاطعة تتخذ أشكالا مختلفة من السلبية تجاه ما يفرزه أو يبادر إليه هذا الوضع، كان آخرها الدعوة إلى عدم التصويت على الدستور الجديد. وهناك مقاومة النخب القوموية السنية السياسية التي كانت مستفيد بصورة أو أخرى من النظام البعثي على حساب النخب المهمشة الأخرى. وهناك مقاومة من لجأ إلى المقاومة المسلحة من بقايا الأجهزة العسكرية والأمنية البعثية السابقة، وهناك أخيرا المقاومة التي تمثلها الحركات الجهادية التي جعلت من العراق ساحة للمعركة العالمية التي تخوضها ضد الغرب كما خاضتها من قبل في أفغانستان وغيره. ولكل منها أجندته الخاصة بالرغم من أنها تتقاطع أحيانا في بعض المواقع والمبادرات.

إن المعضلة الاستراتيجية للمقاومة المسلحة التي تجمع جماعات البعث السابق والجماعات الجهادية هي أنها أمام طريق مسدود في الواقع بسبب انحصارها في المثلث السني. إذ حتى لو انتصرت على القوات الأمريكية أو أجبرتها على الفرار فلن تضمن سيطرتها على العراق وإنما ستجد نفسها أمام احتمال حرب أهلية عنيفة في مواجهة الشيعة والأكراد معا. وهم قوة لا يستهان بها. وفي هذه الحالة سوف تنفصل الأجندات أو البرامج المختلفة العسكرية والسياسية التي تبدو اليوم متقاطعة للمقاومات التي تحدثت عنها. فبينما ستجد الأغلبية من السنة أن ليس لها مصلحة في الدخول في الحرب الأهلية التي لن تقدم لها شيئا، سوف تعتبر الحركات الجهادية انهيار المواقع الأمريكية في العراق فرصتها التاريخية من أجل الاستمرار في الضغط وانتزاع المبادرة لزعزعة جميع دول الخليج النفطية. وربما انفجر الصراع داخل المنقطة السنية نفسها.

وفي اعتقادي أن جزءا كبيرا من المسؤولية في استمرار  الأزمة العراقية الراهن يعود إلى سلوك الطرفين الشيعي والكردي الذين تصرفا، بوحي أو دعم من الإدارة الأمريكية الجاهلة سياسيا، وكأنهما الرابحين، وتبنيا أسلوبا لبناء عراق ما بعد صدام يقوم على قواعد القسمة الطائفية والإتنية بدل أن يستند إلى مباديء الوطنية الواحدة ويتجاوز الحساسيات والانقسامات العصبوية. ولن يمكن الخروج من الأزمة من دون تغيير هذا المنحى التقاسمي في معالجة الوضع والعودة إلى نظام الوطنية والمواطنية الفردية الواحدة الذي يتعامل مع جميع العراقين على قدم المساواة وبوصفهم أفرادا أحرارا لا أرقام في هويات طائفية ثابتة ومتنافسة على المناصب والمواقع والامتيازات. على أساس منطق توزيع الامتيازات وتقاسم المنافع لا أعتقد أن من الممكن ايجاد أي حل لنزاعات العراق الراهنة.

 

* هل برأيكم ما جرى في غزة انسحاب أم تحرير؟

* لم يعد للكلمات معاني المصطلحات الدقيقة في الواقع لأن الأوضاع والوقائع نفسها أصبحت ملتبسة. فمن جهة يشكل انسحاب القوات الاسرائيلية من غزة اعترافا اسرائيليا بإخفاق مزدوج : إخفاق مشروع الاستيطان في تلك المنطقة وإخفاق عملية إخضاع الشعب الفلسطيني بالعنف والدمار. ومن هذه الناحية لا يمكن عدم اعتبار عودة غزة إلى الفلسطينيين تحريرا لجزء من فلسطين من براثن الاحتلال وتعزيزا لموقع السلطة الوطنية الفلسطينية التي عاشت سنوات طويلة عائمة في فراغ الاحتلال.  لكن من جهة أخرى، ليس هناك شك في أن إسرائيل سوف تسعى إلى استغلال ما يبدو لدى الرأي العام الدولي وكأنه اعتدال وقبول بتنازلات جوهرية من طرفها لصالح الفلسطينيين وقضية السلام في المنطقة كي تحقق هدفين إضافيين: الخروج من العزلة الدولية التي واجهتها بسبب سياساتها الاستعمارية الفظة والحصول على ما يشبه السكوت العالمي عن توسيع دائرة الاستيطان في الضفة الغربية وحول القدس على أمل أن تجعل من غزة الفضاء الوحيد أو الرئيسي للدولة الفلسطينية القادمة وتلحق باسرائيل القسم الأكبر من أراض الضفة الغربية.  المهم بالنسبة لنا اليوم أن لا تنجح إسرائيل في أن تجعل من الانسحاب الاسرائيلي من غزة الثمن لإنهاء المقاومة الفلسطينية في الضفة والقدس كما تخطط. أي إن ما هو مهم هو استمرار المقاومة في الضفة حتى يتحقق الإنسحاب الإسرائيلي المطلوب منها وتزال المستعمرات أو القسم الاكبر منها. وهذا يتطلب وحدة المقاومة الفلسطينية وتماسكها من جهة ودعم عربي حقيقي دبلوماسي وسياسي ومادي للشعب الفلسطيني من جهة أخرى كي لا يتحول إنسحاب غزة إلى آخر إنسحاب لاسرائيل من الأراضي المحتلة.

 

* إدوارد سعيد وصف السلطة الفلسطينية بالمافيا، برأيك هل ستستطيع السلطة الفلسطينية بناء وضع بعيد عن الفساد و المحسوبية؟

* هذا أمل الشعب الفلسطيني وأملنا جميعا. ولا أعتقد أن الفساد حتمية أو لازمة سياسية لأي نظام عربي. خاصة وأن السلطة الفلسطينية سلطة منتخبة وخاضعة للمحاسبة. وسوف تزيد هذه المحاسبة بعد انسحاب إسرائيل.

 

* كيف ترى مستقبل الوضع الفلسطيني، وهل ما جرى هو آخر الانسحابات الإسرائيلية؟

* أراه وضعا متأرجحا، مثله مثل جميع الأوضاع العربية في المشرق. فهو متقلب وغير أكيد لأن العرب في فلسطين وغيرها قد فقدوا السيطرة على مصيرهم وأصبح مستقبلهم متعلق إلى حد كبير بعوامل ليست تحت سيطرتهم. لكن المهم الاستمرار في المقاومة وعدم الانخداع بالوعود والكلمات المعسولة. الانسحاب من الضفة الغربية لن يحصل إلا إذا استمرت المقاومة الفلسطينية ونجح الفلسطينيون، بدعم العرب والقوى الديمقراطية الدولية، في القضاء على السكوت العالمي على الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة.