شؤون العرب في ضيف تحت المجهر في العرب اليوم

2007-03-27 :: العرب اليوم

ترجمة :

- عادل محمود -  ضيف تحت المجهر - العرب اليوم

 

المفكر الدكتور برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس من خلال باب الحوار الالكتروني المباشر بين المسؤول والمواطن والمثقف والقارئ ومن خلال ضيف تحت المجهر عبر موقع العرب اليوم الالكتروني تستمر مسيرة الرأي الآخر . ضيفنا لهذه الحلقة من سورية المفكر الدكتور برهان غليون، مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس .بطاقة ضيفنا :برهان غليون استاذ علم الاجتماعي السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس. دكتوراة الدولة في العلوم الانسانية وأخرى في علم الاجتماع السياسي. عضوالجميعة الدولية لعلم الاجتماع، وأحد المساهمين الرئيسيين في النقاش الفكري والسياسي الدائر في العالم العربي حول تجديد أسس الحياة السياسية والأخلاقية وقضاياالانتقال نحو الديمقراطية وبناء المجتمعات المدنية.عضو في الرابطة الفرنسية للدراسات العربية، عضو في هيئة تحرير مجلة الشعوب المتوسطية،عضو في هيئة تحرير كونفلونس ميديبرانيين (روافد متوسطية)، باريس واضع العديد من المؤلفات بالعربية والفرنسبة أهمها: - بيان من أجل الديمقراطية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت،- المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، بيروت، الطليعة،سينا للنشر القاهرة، - مجتمع النخبة، معهد الانماء العربي، بيروت،-اغتيال العقل،- نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة،- الوعي الذاتي، -مابعد الخليج، أو عصر المواجهات الكبرى، نقد السياسة الدولة والدين،- المحنة العربية، الدولة ضد الأمة،- حوارات من عصر الحرب الأهلية،- حوار الدولة والدين مع سمير أمين، المركز الثقافي العربي،- العرب ومعركة السلام، المركز الثقافي العربي،-العالم العربي أمام تحديات القرن الواحد والعشرين،- ثقافة العولمة، مع سمير أمين،- الاختيار الديمقراطي في سورية،- العرب وتحولات العالم، المركز الثقافي العربي،- النظام السياسي في الاسلام،-العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر.،إضافة إلى العشرات من المؤلفات الجماعية ومن الدراسات والتحليلات السياسية والاجتماعية المنشورة في المجلات العلمية والصحافة اليومية بالإضافة لكتب عديدة باللغة الفرنسية.


برهان غليون 585
أقول في ردي الأخير لقد سررت كثيرا بالمشاركة في هذه التجربة وبالرد على أسئلة القراء. وأود أن أتقدم بالشكر للأخ عادل محمود الذي أتاح لي هذه الفرصة الجميلة للالتقاء بالقراء العرب، ولجريدة العرب اليوم لرعايتها هذه الحلقة الغنية من الحوار ونشرها لها. لكن ما أود أن أشدد عليها في نهاية هذا العمل هو اعتذاري من جميع القراء الذين خيبت أجوبتي أملهم من دون أن أعلم ذلك، سواء لأن الوقت لم يسعفني في الرد على أسئلتهم بصورة مباشرة وتفصيلية، أو لأن ردي كان غائبا أو مقتضبا، أو ناقصا أو جماعيا أو لم يعكس الأهمية التي يولونها للسؤال. ولجميع هؤلاء أتوجه بالشكر لمشاركتهم في هذه الحلقة وتكريس جزء من وقتهم لمتابعتها، ولما أظهروه من اهتمام وأبدوه من مودة. ولمن يريد التوسع في بعض هذه الاجابات أو ربما معرفة رأيي في العديد من الأسئلة التي لم يتسن لي الرد عليها الرجوع إلى الرابط التالي الذي يضم الكثير من الأرشيف الشخصي
http://critique-sociale.blogspot.com/ :


 
(586) برهان غليون
حبيب حبر الواسطي يسأل ردا على دعوتي لإخضاع حقل العلاقات الدولية للقانون، من هو الذي يسن القانون إذا كانت الدول الكبرى هي التي تعين الحكومات أو النخب الحاكمة في البلدان  الضعيفة؟

وكما فهمت يريد أن يؤكد طوباوية الحديث عن قانون دولي، ويصل إلى النتيجة التي تقول مادامت العلاقات قائمة على القوة فلا يمكن مواجهتها بغير القوة. المشكلة في هذا الموقف أنه يقع في فخ  نظرية أو خيار القوة في الوقت الذي يريد أن ينفيه أو يحتج عليه. فإذا كنا نرفض أن تبنى العلاقات بين الشعوب على القوة، فهذا يصلح على الآخرين وعلينا. ولاتساق الموقف ينبغي أن ندافع عن فكرة إقامة النظام الدولي على قانون يضمن العدالة والانصاف، وأن لا نوفر فرصة من دون إدانة استخدام القوة لنهب موارد الشعوب أو للسيطرة عليها. وبذلك وحده، أي بقدر ما ننجح في تعبئة الرأي العام العالمي لصالح هذا الموقف، نستطيع أن نكبل أيدي أنصار نظرية القوة والتفوق العسكري والعرقي والثقافي وغيره. وهذا ليس طوباوية ولا وهما ولكنه حقيقة ما يحصل كل يوم عندنا وفي العالم. فنحن ليس لدينا اليوم، أقصد نحن الشعوب، في المسألة الفلسطينية قوة نواجه به الغطرسة الاسرائيلية سوى قوة الحق التي نراهن عليها لتكتيف أيدي الاسرائيليين وفضح ممارساتهم اللاإنسانية. ونحن نراهن في ذلك على وجود وعي إنساني وضمير وأخلاق ودين أيضا عند البشر. ونأمل بنشاطنا الإعلامي والفكري والدبلوماسي والسياسي أن نفعل هذا الضمير الإنساني الذي تكون عبر التجربة التاريخية واكتسبته الشعوب، بصرف النظر عن أديانها، بالخبرة الحية، وبعد عذاب طويل. ولو لم تكن هناك هذه الجذوة الانسانية من الوعي لما كان هناك بالفعل أي أمل، ولكان موقفنا موقف القنوط واليأس المطلق. ولما كان هناك مخرج من الخضوع لقانون القوة، أي لتحويل المجتمع البشري والعالم اجمع إلى غابة.
والحال أننا نعمل على آساس وجود ضمير إنساني ونتعذب عندما نشعر أن عملنا لا يقدم نتائج كبيرة وسريعة، ولكننا لا نقنط، ونظل نراهن على الضمير، ونبرر عدم النجاح بسيطرة اللوبي الصهيوني أو أصحاب المصالح العسكرية والسياسية.
ونحن على حق في ذلك. فالمجتمع الانساني ليس إنسانيا، أي يختلف عن المجتمعات الحيوانية، إلا لأن الإنسان يتمتع فيه بوعي وضمير وإرادة ولديه قيم تتجاوز مصالحه الشخصية وانانيته وقوته الفردية. أما قانون القوة فهو من إنتاج النظم العسكرية والسياسية والدول لا الأفراد. وعملنا يهدف إلى تعبئة الأفراد المتحلين بالقيم والوعي ضد النظم وآلات الحرب والقهر والإكراه التي تستغلها فئات صغيرة لتحقيق مصالح خاصة. هذه هي جدلية العمل من أجل الارتقاء بشروط حياة البشر، داخل كل بلد، وعلى المستوى العالمي، وتعميم قيم الحرية والعدل والمساواة في العالم. فإذا فقدنا الأمل في مثل هذا العمل وفي مثل هذا الارتقاء بوعي الانسان وبقدرته على الاختيار الأخلاقي، تحولنا جميعا إلى وحوش، وحولنا عالمنا إلى غابة.
باختصار المراهنة تقع على الانسان لا على الدولة أو النظام. فالدولة والنظام والمؤسسة لا أخلاق لها بالفعل. لكن الأفراد هم موطن الأخلاق والقيم والاختيار. وبقدر ما ننجح في تكوين الانسان والنفاذ إلى ضميره نستطيع أن نكبح جماح الدول، وجماح النخب التي تتحكم بها، وأن نحول هذه الدول من أدوات رهيبة للاحتلال والحرب والقهر والاستلاب إلى أدوات لخدمة التنمية البشرية والتكافل بين بني الانسان. إذن الرهان على الانسان في مسائل الأخلاق والسياسة ممكن بالرغم من وجود آلة الدولة ومنطق عملها البعيد عن الأخلاق.
لا يعني هذا بالتأكيد أننا لا ينبغي أن نستخدم القوة حيث ينبغي استخدامها، لكن كوسيلة لبناء سياسات قائمة على الحق والعدل لا كأساس للحق ومؤسس له. وهذا يعني أن مفهومنا للحق مختلف عن القوة وسابق لها، ونابع من مفهومنا للعدل والانصاف بين البشر. وجوهر العدل والانصاف وقاعدته أن أعامل غيري كما أحب أن أعامل به وأن أريد له ما أريده لنفسي. وهذا هو ما تفترضه الآية الكريمة: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، أعدلوا هو أقرب للتقوى. باختصار لن ننجح في وقف آلة القوة والعنف التي تهدد إنسانيتنا إلا بقدر ما نجعل من مفهومنا للعدل ، وتمسكنا به، قوة تتجاوز في تأثيرها القوة المادية، أي بقدر ما نجعل قوة الحق أسطع من حق القوة.

 

(584) برهان غليون
لماذا هذا الانحطاط في عالمنا العربي وسيطرة عقلية التكفير والرأي الواحد ورفض الآخرين. لماذا التأخر والتخلف والضعف أمام القوى الأجنبية، ومتى سيتاح لنا أن نخرج من الاستبداد  والسيطرة الخارجية إلى رحاب الحداثة؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يتردد باستمرار، ويقف في الواقع خلف العديد من الأسئلة الأخرى.

وجوابي ببساطة: نحن بالتأكيد مجتمعات تأخرت في استيعاب التجديدات والابداعات والتنظيمات التي كونت المجتمعات الأوروبية والصناعية الحديثة عموما. ولذلك نحن بحاجة إلى بذل مجهود  أكبر وأسرع من الدول المتقدمة حتى نستطيع أن نساير العصر ونسير بموازاة الآخرين الذين سبقونا. فوضعنا كوضع التلميذ الذي يلتحق متأخرا بالصف الدراسي. لا يستطيع أن يكون على المستوى نفسه مع زملائه من دون بذل جهد استثنائي. بنبغي أن يعمل أكثر ويواظب أكثر ويجد أكثر ويتعب اكثر. مشكلتنا اننا فعلنا العكس ولا نزال. قمنا بثورة لم نوفق بها، ففشلنا ثم أصابنا شعور بأننا مهما فعلنا لن نستطيع أن نتدارك التأخر الذي حصل لنا، فاخترنا طريق التغظية على تأخرنا، سواء بالتدجيل والدعاية وادعاء الانجاز الشكلي من دون تحقيق أي إنجاز في الواقع، أو بتحويل تأخرنا إلى قيمة خاصة بنا وعنصر من عناصر هويتنا، وكذلك تحويل تقدم الآخرين إلى عيوب ومثالب. فبدل أن نتقدم بشكل أسرع للالتحاق بالركب، انكفأنا على أنفسنا، وشغلنا أنفسنا بهواجسنا وأوهامنا تحت اسم استعادة هويتنا التي لم نضيعها وليس هناك أي سبب لتضييعها. ولأن مواردنا ما فتئت تقل مع قعودنا عن العمل وهمود همتنا، حكمنا على أنفسنا بالاقتتال والنزاع في ما بيننا على تقاسم ثروة مادية ومعنوية متناقصة ومتراجعة باسمرار، في مواجهة حاجات متنامية، تحت تأثير أنماط الاستهلاك الخارجية وتزايد عدد السكان بمعدلات تتجاوز كل معدلات زيادة السكان العالمية. هذا هو جوهر المشكلة الحقيقي التي نعاني منها، وما تبقى تبريرات واختراعات وهمية وخيالية للدفاع عن النفس تجاه الشعور بالنقص والخجل والإخفاق والتأخر غير المستدرك واليأس.
ولذلك، بعكس ما أوحت به، في العقود الثلاث الماضية، ثقافة الهرب والانكفاء على الذات والتغطية على الفشل، باسم الدفاع عن الهوية والتراث، لم تشهد مجتمعاتنا أي صحوة دينية أو مدنية او مادية، ولكنها دخلت في أزمة عميقة وشاملة معنوية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، أي في أزمة هوية أشد من السابق أيضا. فتحن نشكك اليوم بعروبتنا أكثر مما كان عليه الأمر في أي فترة أخرى، ونعتقد بعجزنا أكثر من أي وقت سابق أيضا، ونعاني من الضعف والتخاذل والانحناء أمام القوى الأجنبية كما لم نعرفه حتى في حقبة السيطرة العثمانية. فالاستسلام شامل اما المقاومة فبؤر صغيرة مشتتة، ومعظمها متمفصل على مشاكل مذهبية أو عشائرية أو دينية أو سلطوية أيضا. وقد زاد النزاع في ما بيننا، ونمت إرادة السيطرة بين أبناء جلدتنا بعضهم على البعض الآخر، وانهارت مفاهيم التعددية والقبول بالآخر في مجتمعاتنا، سواء أكان هذا الآخر سياسيا أو دينيا أو أقواميا أو حتى من جنس آخر. فكل واحد منا يعتقد أنه الأوحد والأصلح والأفضل والأحق من كل ما عداه. وأن له الحق في خدمة نفسه قبل الآخرين ومن دون النظر إليهم أو أخذ مصالحهم بالاعتبار. هذه هي حالة الفوضى والاضطراب الناجمة عن انهيار المعايير والقواعد والتخلي عن الالتزامات الجماعية والاستسلام لسيطرة المصالح الخاصة والشخصية، التي تميز سلوك أعضاء مجتمعاتنا من قمة هرم السلطة حتى أبسط عامل في مصنع.
وأصل الاستبداد هو هذا : أي غياب التضامن الجمعي، بما يعنيه من رؤية مشتركة ومن التزام طوعي بضوابط وقواعد ومعايير وقيم إنسانية جامعة. فعندما لا يفكر كل واحد من أبناء المجتمع إلا في خدمة نفسه لماذا نريد أن يفكر أولئك المستفردين بسلطة القرار والمسيطرين على الدولة ومواردها بخدمة غيرهم من أبناء الشعب؟ إنهم لا يتصرفون إلا كما يتصرف كل واحد منا.
لن نخرج من هذه الأزمة الشاملة، التي أسميها أزمة الاجتماع العربي بأكمله، إلا بمواجهتها والتعرف عليها من حيث هي كذلك، لا صحوة ولا عودة للأصالة ولا تاكيد على هوية أو ثقافة أو حضارة مختلفة. عندئذ فقط يمكن التحقق من المشاكل وفهما والتعرف عليها لا طمسها وتزيينها وتخريجها كمزايا او انتصارات أو عناصر هوية. وعندئذ يمكن أيضا البحث فيها وايجاد الحلول لها. وهذه الحلول تتلخص كلها في جملة واحدة: أن يتحمل الجميع وكل فرد مسؤوليته في الوصول إلى الوضع الراهن، أي تجرؤ كل واحد منا على توجيه النقد لنفسه والتعرف على العطب الكامن في سلوكه، ثم وهي الخطوة الثانية الضرورية، تحمل الجميع وكل فرد مسؤوليته الخاصة، ومعرفة ما يترتب عليه لإرساء أسس نظام اجتماعي جديد يحترم الانسان والفرد الممثل للانسان، بصرف النظر عن دينه ومذهبه وأصله الاجتماعي وجنسه، ويجعل من ترقيته وتحسين شروط حياته المادية والمعنوية، وتنمية مواهبة وتعميق وسائل التواصل والتضامن والتكافل بين أفراد مجتمعه، أي باختصار سعاده هذا المجتمع، غاية الدولة أو التنظيم السياسي والمدني.
من دون ذلك سوف نستمر نتخبط في الأزمة الشاملة التي نعيش فيها، مع خطر أن نفقد بشكل أكبر شعورنا بأننا نعيش في أزمة، ونقبل بتخلفنا وفوضانا واستبدادنا وغياب نظام القانون والسياسة والأخلاق عن مؤسساتنا، بما فيها الدولة، باعتبار كل ذلك من سماتنا الوطنية وعوامل أساسية في بناء هويتنا الثقافية. وفي هذه الحالة سوف ندخل في حقبة من الهمجية والبربرية المستدامة التي لن نخرج منها قبل عقود طويلة وربما قرون.
البداية تكمن في أن نعرف أننا نحن المسؤولين عن أنفسنا، وعن مصيرنا، ولا أحد غيرنا.

 

(583) برهان غليون
 مستقبل سورية يثير تساؤلات وربما مخاوف العديد من المتدخلين أيضا. راسم عبيدات يتوقع حربا في الصيف على لبنان وسورية وفلسطين لتفكيك المقاومة. سعيد علم الدين يسأل عن موقع  بشار الأسد بين القذافي وصدام، ويتساءل عن مصير سورية إذا تخلت عنها ايران بعد أن تحل مشاكلها مع الغرب.

في نظري احتمالات الحرب قائمة باستمرار ولا ينبغي التقليل منها، لكنها ليست حتمية. والاتجاه العام السائد، في هذه الفترة، في الولايات المتحدة واسرائيل المنخرطتين في هذه الحرب يميل في اتجاه عزل ايران، ربما بسبب إدراك مخاطر شن الحرب عليها. وفي هذا الإطار تبديان اهتماما أكبر بتقديم بعض التنازلات للدول العربية، بما في ذلك لسورية وفلسطين، مقابل تجديد اعتراف الدول العربية الأخرى وفي مقدمها الخليجية باسرائيل، وعقد سلام معها. الوضع متأرجح تماما اليوم. احتمالات أن تتجه المنطقة نحو الحرب متساوية مع احتمالات أن تتجه نحو تسوية سياسية. وسلوك الأطراف المختلفة وذكاؤها هما الذان سيلعبان كعامل مؤثر في تمييل الكفة لصالح الحرب أو السلام. في اعتقادي ستسعى إسرائيل إلى قطع الطريق على التسوية، لأنها تريد أن تورط الولايات المتحدة والعالم في حرب ضد ايران للقضاء على مشروع طهران النووي الذي تعتقد أنها لا تستطيع أن تتعايش معه. والصراع قوي داخل واشنطن والحكومة الامريكية حول الخيارات الممكنة. وعلى العالم العربي أن يتحرك حتى يتحول إلى عامل مهم في معادلة الاختيار وفي ترجيح الكفة في اتجاه التسوية التي سيخرج منها أو ينبغي أن يخرج منه دولة فلسطينية مستقلة وعودة الجولان السورى إلى وطنه الأم وحل مشاكل اللاجئنين وإزالة المستعمرات والبؤر الاستيطانية. هذا ليس من المستحيل لكنه يحتاج إلى عالم عربي موحد وقوي ويوحي بالثقة يمكن لأنصار السياسات العقلانية والسلمية في واشنطن وتل أبيب استخدامه والرهان غليه لتغيير وجهة السياسات العدوانية التاريخية.
وبالنسبة لسورية، وبصرف النظر عن شخصية الرئيس، يحتاج ترجيح مثل هذا الخيار سياسة جديدة أيضا، جوهرها الخروج من نظام الحزب الواحد السوفييتي الذي لم يعد يشكل عاهة للشعب السوري ولسورية، تحرما نهما من الاندماج في محيطهما العربي وفي النظام العالمي فحسب، ولكن لم يعد من الممكن إعادة أنتاجه إلا بتحويل الدولة السورية إلى آلة سحق رهيب لكل معاني السياسة الوطنية من حريات مدنية وسياسية وحقوق قانونية ومشاركة شعبية، بل من الحد الأدنى من احترام الفرد نفسه والتعامل معه كإنسان لا كحيوان أعجم. ومن دون إحداث تغييرات جذرية في أسلوب تعامل الطبقة الحاكمة السورية مع أفراد شعبها ستظل سورية في محنة كبيرة، تنقسم على نفسها في كل ما يتعلق بسياساتها الداخلية من دون مخرج، وتتنازع على تحديد البديهيات من دون طائل، وتتخبط في سياساتها الخارجية من دون هاد ولا دليل، وتنتظر، في حالة دائمة من القلق والشك، ردود الأفعال والضربات التي تأتيها من بعيد، ودون سابق إنذار.

 

(582) برهان غليون
عادل سليم يسأل عن تقييمي للتجربة الديمقراطية في كردستان.

وجوابي أن من الواضح أن الأكراد قد نجحوا في شمال العراق في الحفاظ على التعددية السياسية وإقامة مؤسسات تمثيلية من برلمان وانتخابات وتشكيلات حزبية قوية، ولديهم تجربة سياسية  طويلة أيضا. بيد أن الحامل الرئيسي لكل ذلك هو الروح الوطنية أو القومية التي توحد في ما بينهم، كما كان الحال عند العرب في عقود صعود الحركة القومية، وتجعلهم يتجاوزون نقاط الضعف الثقافية والعشائرية والسياسية العديدة القائمة في الوقت الحاضر. وهذا هو وضع الشعب الفلسطني أيضا الذي تقوم ديمقراطية مؤسساته الشكلية أو الرسمية على إجماع أبنائه على مقاومة السيطرة الإسرائيلية الاستعمارية والاستيطانية. بيد أن الاحتفاظ بالتوجه الديمقراطي وتعزيزه يتوقف، كما هو الحال بالنسبة لجميع شعوب المنطقة، على عوامل عديدة أخرى، اولها في نظري حسم مسألة السيطرة الخارجية والاجنبية، ويأتي بعد ذلك توصل شعوب المنطقة إلى صيغة مستقرة للتعاون والأمن، وبالتالي الخروج من حالة الاحتلالات والنزاعات والاحتقان الدائم، وأخيرا العمل الجاد من قبل النخب الاجتماعية الثقافية والسياسية على تعليم الشعب وتربيته وتزويده بالأدوات النظرية الضرورية ليتمكن من المشاركته الفعالة في الحياة السياسية. فمن دون ذلك تبقى مشاركته في الانتخابات مشاركة شكلية، بل قابلة للتلاعب والاستخدام من قبل شبكات المصالح والعصبيات العشائرية لتحقيق أهدافها الخاصة، وبالتالي تهديد مصالح الدولة والديمقراطية معا.

 

(581) برهان غليون
 أكثر من سؤال يتعلق بالطائفية. عالية بايزيد اسماعيل تشكو من التعرض للطائفة اليزيدية وتهميشها، بينما تتحدث داليا التركي عن الهجمة الشيعية، في الوقت الذي يحشى فيه راسم عبيدات وبسام بحري من تفجير النزاعات المذهبية لإضعاف الموقف العربي عموما تجاه الأمريكيين والاسرائيليين.

في نظري المخاوف المتعلقة بالطائفية والنزاعات المذهبية مبررة تماما لسببين. الاول أن تراجع الروح الوطنية والقومية التي طبعت الجمهور العربي في العقود الطويلة الماضية يعمل على محو الوعي بالهوية الوطنية لصالح إحياء الهوية المذهبية كمرتكز لا بديل عنه للتواصل والتعاون والتضامن والتكافل بين أعضاء مجتمع فقدوا أي قاعدة التحام أو تراحم أخرى. والثاني أن القوى المسيطرة في البلاد العربية، الدولية والمحلية على حد سواء، تميل إلى استخدام التفجير المذهبي والطائفي كوسيلة لحرف النظر عن إخفاقها في مشاريعها الاستعمارية أو السلطوية، وتحويل شعار الأمن إلى منبع لإضفاء الشرعية على نظمها الفاشلة. وهي تراهن على تعميم الفوضى لمنع المجتمع من توليد قوى سياسية بديلة واعية وعقلانية. فالطائفية هي اليوم في نظري استراتيجية النظم الاستبدادية والولايات المتحدة وإسرائيل معا.
لكن التأكيد على هذا الوضع لا يعني الاستسلام له ولا الوقوع في فخ هذه الاستراتيجية. وبالعكس ينبغي عدم نسيان محور العمل الرئيسي في الداخل والخارج على حد سواء. فلا تستمر الطائفية ولا تتحول إلى هوية بديلة تسيطر على وعي الأفراد وتؤلف بينهم على حساب الهوية الوطنية إلا لفقدان هذه الهوية الأخيرة الجامعة معناها ومضمونها. فلا يتخلى الناس عن رهاناتهم على الهوية الطائفية الجزئية، في سبيل تأمين التضامن والتكافل والتواصل، إلا من أجل هوية أعلى تؤمن بشكل أفضل وأقوى هذه القيم والحاجات الأساسية لأي اجتماع بشري. ولا يتعزز الولاء للهوية الوطنية على حساب الهوية المذهبية أو العرقية إلا بقدر ما يصبح هذا الولاء منبعا لحقوق ولحريات تتجاوز تلك التي تضمنها الهويات المذهبية أو الإتنية الصغيرة.
وبالأصل لا حريات فردية ولا حقوق إنسانية، بجميع أشكالها، بما في ذلك حقوق الامن والسلامة والمساواة والعدالة والعمل والضمانات الاجتماعية والتكافل والتضامن ضمن القانون، من دون دولة. فلا تنمو الوطنية في وعي الناس إلا بقدر ما تولد مواطنية، والمواطنية تعني مجموعة من الحقوق والواجبات الواضحة والمضمونة من قبل السلطة العامة. فإذا أفرغت الوطنية من حقوق المواطنية، فلم تعد مرتبطة بالحرية ولا بحكم القانون ولا بالمساواة ولا التكافل والتضامن بين أفراد الجماعة الكلية، زالت الوطنية من الوجود وحلت محلها بشكل تلقائي أشكال أدنى أو أعلى من الانتماءات والهويات التي تضمن، أو يعتقد الناس انها يمكن ان تضمن، بشكل أو آخر حدا أدنى من الحقوق المهدورة. والوطنية القائمة على الواجبات من دون الحقوق هي وطنية خادعة ومفرغة من المعنى تحول الناس إلى مسخرين لخدمة جماعة خارجة عنهم وتحقيق أهداف غير أهدافهم. أي تصبح منبعا للاستلاب والعبودية. وهذا ما حصل عندنا بالضبط.
لكن لأن إحياء الهوية المذهبية والطائفية لم يعد ممكنا وبالتالي لا جديا ولا منتجا، أي غير مولد لحريات وحقوق، حتى القديمة منها التي كانت توفرها القبيلية والعشيرة مثلا، وفي مقدمها الحماية للفرد من العدوان الأجنبي، لم تؤد العودة إلى الطائفة والعشيرة والقومية الصغيرة إلى السلام والتعايش التقليدي بين الهويات المختلفة، كما كان يأمل الناس العاديون، ولكنها قادت إلى أزمة هوية أعمق من السابق وفتحت باب الفوضى والاغتراب أمام الجميع، أقليات وأكثريات، وأسفررت عن قلق دائم على الهوية المذهبية والطائفية والأقوامية والوطنية معا. وهذا ما يفسر مناخ التوتر المسيطر على العلاقات بين المذاهب والهويات الخاصة اليوم. وهو ما يدفع كل واحدة منها، في سبيل تأكيد وجودها الهش وتطمين أفرادها القلقين والشاكين، إلى تبني استراتيجية صدام مع الطوائف والعصبيات الأخرى. وكل منها يبحث عن مبررات هذا الصدام على طريقته الخاصة.
ليس هناك حل لمشكلة الأقليات من دون تمثل رؤية مواطنية للجماعة وللسياسة وللدولة معا، بحيث يعترف الجميع بالجميع كأعضاء في وطن واحد، متساوين في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن طبيعة الجماعات المذهبية والأقوامية المنحدرين منها. لا ينبغي أن يكون لأي جماعة جزئية، أقلية كانت أو أكثرية، أي حقوق خاصة تميزها عن غيرها، ولا لأي عضو في الجماعة الوطنية حقوقا او امتيازات خاصة بحكم انتمائه لمذهب الأقلية أو الأكثرية. بل ينبغي إلغاء أي مفهوم للأكثرية والأقلية في تعامل الدولة مع الأفراد، باستثناء مفهوم الأغلبية السياسية. وهذا يعني أولا واجب الدولة وممثليها وأعوانها احترام جميع المذاهب والأديان والهويات الجزئية من قبل الجميع وبالتساوي وعدم تفضيل طائفة على أخرى. كما يعني واجب معاملة الفرد كمواطن يتمتع بالحقوق والواجبات نفسها، بصرف النظر عن أصله وفصله ونسبه. فما يجمع بين أفراد الأمة الواحدة هو القانون، أما الاعتقادات الدينية والانتماءات الإتنية فهي معطيات اجتماعية تدخل في إطار المجتمع المدني وتستحق كل الدعم من خارج إطار الدولة والسياسة.
هذا هو الأساس الذي قام عليه البناء الوطني في العصر الحديث في جميع البلاد العربية إذ لم يكن من الممكن بناء دولة حديثة وتفجير نبع الوطنية الجامع والخلاق إلا عبر تبني شعار القول المأثور العميق: الدين لله والوطن للجميع. وهذا الأساس هو الذي تعرض للتدمير بسبب خيانة النخب الحاكمة لمفهوم المواطنية وتصحيتها بالحقوق والحريات التي لا تقوم وطنية من دونها.
من هنا ينبغي أن يتمتع اليزيدويون وجميع أبناء المذاهب والطوائف الموجودة في البلاد العربية بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المسلمون بشتى مذاهبهم. وبالمثل لا ينبغي الحديث عن هجمة شيعية أو سنية. فالشيعة ليسوا ايرانيين ولكن بينهم كثير هم مواطنون عرب. بل لا ينبغي أن يتحول نقد السياسات الايرانية الرسمية إلى نقد للشعية أو إلى اتهام لهم، بما في ذلك شيعة ايران. ينبغي أن ينصب النقد على سياسات الدول والنخب الحاكمة. وإذا كنا نرفض سياسات التشييع المنظم أو التسنين المنظم أو الأسلمة أو التنصير، هنا وهناك، فليس ذلك لأن هذا المذهب أو ذاك يتمتع أو ينبغي أن يتمتع بحقوق أقل أو أكثر في بلادنا، وإنما لأن عمليات التشجيع المنظم على تغيير الدين والمذهب تثير حساسيات بين أفراد الشعب، وتفاقم من أزمة الهوية الوطنية، وتدفع إلى الفتنة والانقسام، وتهدد كل ما تبقى من ذاكرتنا الوطنية وتمحوها تماما. فلا ينبغي أن نقع في الفخ ونخلق نحن أنفسنا الحساسيات المدمرة والانقسامات.
لكن في ما وراء ذلك، إعني الحرص على الوحدة الوطنية، ليس هناك حق في احتكار الحقيقة ومنع أبناء المذاهب والعقائد المختلفة من الدعوة السلمية لمذاهبهم وآرائهم. فهذا هو الأصل في الحياة العامة والتاريخ. بذلك وحده نستطيع أن نعيد بناء الوطنية العربية أو العراقية أو اللبنانية أو غيرها، ونسد الطريق على استخدام نزاعاتنا المذهبية من قبل الدول الكبرى الطامحة في ترسيخ سيطرتها علينا.

 

(568) برهان غليون
مهند صلاحات والمجتمع المدني.

المجتمع المدني هو تكوين حديث بالتأكيد، مرتبط بنشوء الدولة الحديثة الديمقراطية، وهي التي ترسخ وجودها وتطورها مع تطور المجتمع الحديث الصناعي، وما تبع ذلك من تركيز على الفرد وتربيته وتعليمه والاستثمار فيه وجعله الخلية الأولى للمجتمع، وليس كما كان الحال في المجتمعات القديمة حيث كانت تسيطر مفاهيم الأسرة والعائلة والعشيرة. لكن لا ينبغي النظر إلى الأمر من منظور خطي. فالشعوب لا تعيد تجربة الشعوب التي سبقتها في مضمار التقدم الحضاري، مهما كان نوع هذا التقدم، وإنما تبدأ من حيث انتهت إليه سابقتها وتأخذ عنها. ولو كان الأمر تطورا خطيا لكان علينا ان ننتظر قرونا قبل التحول إلى مجتمعات حديثة، أي كان علينا انتظار تفجير ثورة علمية وتقنية ورأسمالية من جديد. وهذا ليس حالنا.
المجتمع المدني نمط تنظيمي اجتماعي حديث، مثله مثل أي اختراع تقني، يمكن نقله إلى مجتمعات أخرى ببساطة، لكن نتائج هذا النقل سوف تغير أيضا نسبيا من وظائفه الأصلية. وهذا ما يميز حداثتنا أصلا عن الحداثة الغربية. فنحن نتلقى الانجازات والابداعات المدنية والتقنية لنضعها في سياقات أخرى. ما يمنع بناء مجتمع مدني عندنا هو النظم السياسية الاستبدادية وخوف الناس من القمع وضعف ثقافتهم السياسية الحديثة الناجم عن قصور المثقفين ومحاربة السلطات للحريات الفكرية. والمجتمع المدني ضروري لقيام الديمقراطية بالتأكيد. وهو موجود اليوم في مجتمعاتنا لكنه محاصر من قبل السلطات ومحكوم عليه بالعزل والتهميش.

 

(567) برهان غليون
العراق والمقاومة

كثيرة هي الأسئلة المتعلقة بالعراق. قاسم علوان يسأل عن الموقف من المقاومة. وسحر الياسري يتساءل في ما إذا كانت المقاومة تحمل مستقبلا آخر للعراق، وهل غيرت في الاستراتيجية الأمريكية. أما عبد الرزاق السويراوي فيسأل عن حقيقة التيارات العلمانية في العراق وقدرتها على التغيير، بينما تريد شهد أحمد الرفاعي أن تعرف رأيي في المطالبة بخروج القوات الامريكية من العراق، هل هو لصالح العراق أم لا.
وفي نظري أن كل احتلال يولد مقاومة للمحتل لا محالة. لكن طبيعة المشروع الاحتلالي الأمريكي للعراق والظروف التي حصل فيها بعد حقبة طويلة من الحكم التعسفي الفردي المطلق قد شوش وعي العراقيين وقسمهم بين من يعتقد أن التدخل الامريكي كان مخرجا من الطغيان، ومن نظر إليه من منظور القيم القومية باعتباره خرقا لا يغتفر للسيادة الوطنية.
والحال أن المشروع الأمريكي كان من طبيعة السم المدسوس بالعسل. فلم يكن تحرير العراق هو هدف الأمريكيين ولايمكن لمثل هذا التحرير أن يكون هدفا لأي دولة أجنبية. ما كان يهدف إليه الامريكيون، من خلال السيطرة على العراق، هو إعادة ترميم سيطرتهم المزعزعة على المنطقة، وفي سياق التنافس الدولي المتزايد بين القوى الكبرى على السيطرة الدولية. وقد استخدموا قسما من المعارضة العراقية لتحقيق ذلك بشكل لا يبدو فيه المشروع احتلالا من الطراز الاستعماري المباشر. وبالمثل لم يكن شعب العراق صاحب سيادة حقيقية. ولو كان كذلك لما قسمه التدخل الأمريكي. لقد كانت السيادة من شان الحاكمين أنفسهم، أما شعب العراق فكان ضحية الطغيان فحسب. وهذا ما يفسر موقف قسم كبير منه من الاحتلال بل تعاون ممثله معه في نظام لا يزال قائما إلى اليوم. وهذا ما تعبر عنه أيضا مشكلة المقاومة للاحتلال. فهي مقاومة تقتصر على طرف واحد من أطراف العراق ولا تشمل جميع أبنائه. ولو لم يكن الامر كذلك لكانت المعارضة شاملة، ولم تتخذ طابعا شبه مذهبي.
ومما ضاعف من مشكلة المقاومة العراقية أنها استغلت من قبل قوى متعددة داخلية وخارجية لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالدفاع عن سيادة العراق ولا عن مصالح الشعب العراقي. ففريق القاعدة والعديد من القوى القريبة منها تريد أن تجعل من العراق ساحة للحرب العالمية ضد الطغيان الأمريكي والغربي عموما، أي ساحة جهاد إسلامية شاملة، ولا يهمها تحرير العراق بقدر ما يهمها ضرب الأهداف الامريكية، أو جعل العراق فخا للأمريكيين، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة تورط الأمريكيين فيه. وبعض الدول المجاورة حاولت الاستفادة أيضا من مقاومة العراقيين للاحتلال في سبيل الضغط على الولايات المتحدة وإجبارها على القبول بتنازلات سياسية لصالح هذه الدول التي لا تخفي أهدافها.
من هنا أعتقد أن تحرير العراق وتحقيق مصالحه الوطنية يستدعي الاعتراف باختلاف وجهات النظر بين العراقيين والعمل على التقريب في ما بينها، من وراء شعارات دعم المقاومة والتمسك بالاحتلال، مع الايمان بأنه لا يوجد أي سبب يجعلنا نعتقد أن العراقيين الذين لم يؤيدوا المقاومة الراهنة يقفون ضد استقلال العراق وسيادته. فهذا الكلام لا معنى له. وبالمثل ليس هناك أي سبب يجعلنا نعتقد أيضا أن العراقيين الذين يقاتلون ضد الامريكيين يفعلون ذلك ليستعيدوا سيطرتهم الكاملة على العراق.
وأنا أعتقد أن التوصل إلى تسوية وتفاهم بين العراقيين يمر حتما بخروج القوات الأمريكية من العراق وينبغي أن تجري مفاوضات التسوية العراقية العراقية بموازاة المفاوضات المتعلقة بانسحاب القوات الأمريكية. وكلاهما، المفاوضات العراقية العراقية والعراقية الأمريكية لا أمل لها في التوصل إلى نتائج إن لم تكن جزءا من مفاوضات دولية تشمل مشاكل الإقليم المشرقي برمته، وتحصل تحت إشراف أممي وبمشاركة جميع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية. فقضية العراق لم تعد عراقية محضة ولا يمكن أن تحسم من طرف العراقيين لوحدهم. وكذلك قضية الاحتلال الأمريكي للعراق الذي كان أكبر تجسيد لسياسة الانفراد الأمريكية وفرض الأمر الواقع بالقوة المسلحة، ليس على العراقيين والعرب والايرانيين فحسب وإنما على حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم، بل على الرأي العام الأمريكي نفسه الذي خدعته الإدارة الأمريكية عندما صورت له وجود أسلحة دمار شامل بيد النظام العراقي السابق تهدد المصالح الأمريكية وربما التراب الأمريكي نفسه.
نعم للتفاهم بين الأطراف العراقية، بما يتطلب ذلك من وقف التعاون مع نظام الاحتلال ونزع سلاح جميع الميليشيات في إطار التسوية العامة التي تشمل انسحاب القوات الأمريكية من العراق. ونعم أيضا لانسحاب هذه القوات. أما المخاطر التي يمكن أن تنجم عن مثل هذا الانسحاب فلا ينبغي التقليل منها. ولذلك قلت لا ينبغي لمثل هذا الانسحاب أن يجري إلا في إطار تسوية عامة تشمل تفاهم العراقيين، كما تشمل تعاون الدول الكبرى ودول الإقليم من أجل تثبيت السلام والأمن في العراق. وهو ما لا يمكن الوصول إليه من دون حل المشاكل الأخرى العالقة في هذا الإقليم من مشروع التخصيب النووي الايراني إلى المسألة الفلسطينية إلى المسألة اللبنانية والسورية. ومن الممكن في هذه الحالة، إذا لم تتمكن الحكومة العراقية الوطنية من السيطرة على الأمن في البلاد الاستعانة بقوات دولية او عربية ذات مهمة واضحة ومحددة لدعم الحكومة، تنسحب بموجبها في الوقت المتحدد من العراق لتترك تسييره وحكمه للعراقيين وحدهم. ولا ينبغي لأحد أن يخاف من مثل هذه التسوية التي يطمح إليها في اعتقادي كل العراقيين اليوم للخروج من الفوضى والاقتتال والدمار. وللأسف انتظرت دول الجامعة العربية كثيرا قبل أن تطلق مبادرة في هذا الشأن، ربما خوفا من رد فعل سلبي من جانب الولايات المتحدة. وهو ما دفع العراق والعرب من ورائه ثمنا باهظا له بالأرواح والممتلكات.

 

(566) برهان غليون
سبب انحسار اليسار يرجع لانهيار النظام الشيوعي الذي ارتبط به خلال عقود عديدة. وهكذا بدا البرنامج اليساري، الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، غير مقنع أو غير قابل للتطبيق أو أن لتطبيقه ثمنا إنسانيا مرتفعا. لا يعني هذا زوال اليسار بالتأكيد، فالقيم التي ارتبط بها لا تزال صالحة بالرغم من أن النظم التي اقترحها منظروه لتحقيق هذه القيم تبدو خاطئة وغير عملية ولا ناجعة. فقيم العدالة والمساواة والتضامن والتكافل الاجتماعي والانعتاق الانساني هي قيم اليسار بامتياز. هذا يعني أن بقاء اليسار مرهون بقدرته على إعادة تعريف نفسه وبلورة نظم جديدة أكثر نجاعة وأقل تكلفة لتحقيق قيمه الانسانية. ينطبق على اليسار قول النار مليئة بأصحاب النوايا الحسنة. المهم ليس النية ولكن العمل.

أما بشأن المجتمع المدني فمن الصعب توقع نموه في إطار نظم استبدادية. فهو قائم بالتعريف على وجود اختيار واسع للأفراد واستقلالية كبيرة لهم في تنظيم شؤون حياتهم اليومية والجمعية. والحال لا يقوم الاستبداد إلا على حرمانهم من هذه الحريات وذاك الاستقلال، وإجبارهم على الالتحاق بالهيئات والمنظمات الإكراهية المفروضة من قبل السلطة الحاكمة وممثليها. سيتنامى المجتمع المدني في العالم العربي بموازاة نجاح هذا العالم وشعوبه في استيعاب قيم الديمقراطية والانتقال إليها. وما نشهده من هيئات نسميها مدنية اليوم هو في الغالب منظمات خيرية أو هيئات حقوقية وقانونية تعمل على هامش السياسة أو الثقافة أو الدين، ولا تستمر إلا بدعم السلطة عندما تخدم مصالحها بصورة غير مباشرة أو بدعم المنظومة الدولية لحقوق الانسان وغيرها. فهي ليست منغرسة بالفعل وبالعمق في التربة الاجتماعية أو المجتمعية العربية. وهذا هو أصل هشاشتها ولا فاعليتها أيضا.

 

(565) برهان غليون
بد الكريم العامري يسأل كيف يمكن أن نبني مجتمعا ديمقراطيا بعيدا عن التسلط والتعسف وانتهاك حرية الآخر.

الجواب لا سبيل إلى ذلك إلا بتربية المجتمع نفسه وتأهيله لاستيعاب معنى الحرية والمساواة والقانون. وهذه هي الخطوة الأولى والضرورية لبناء قوى ديمقراطية فعلا قادرة على حمل النظام الديمقراطي وتسييره والدفاع عنه ومنع استغلاله من قبل شبكات المصالح المالية. وربما كان دور المثقفين أهم في هذا المجال بكثير من دورهم في قيادة حركة التغيير السياسي نفسها. المهم أن نعرف أن الديمقراطية هي النظام الذي يستند إلى تدخل الشعب ومشاركته القوية، وهذا ما يفترض أولا وجود شعب. والشعب ليس مجرد أفراد يعيشون مع بعض ولكن مباديء للعيش المشترك وأخلاقيات عامة قائمة على الاحترام والمساواة والتضامن والتكافل. الشعب نظام أخلاقي وثقافي وقانوني، أي وعي وطني أو مواطني يولد إرادة واحدة. فإذا انعدمت الأخلاقيات التضامنية والمواطنية وتحول الشعب إلى أفراد لا رابط بينهم سوى المصالح الخاصة، لا يشعرون بالألغة ولا الثقة المتبادلة ولا الفائدة من العيش المشترك، زالت الإرادة الموحدة وانقسم الشعب إرادات، وزالت إمكانية بناء نظام سياسي بالفعل. أما ما نعرفه في بلداننا فلا علاقة له بذلك وهو ليس نظام سياسة وإنما نظام تسلط بالقوة وفرض لإرادة مجموعة من الحاكمين المستندين في حكمهم على الأجهزة الامنية والعسكرية. ولا تملك شعوبنا لا أخلاقيات سياسية حقيقية واعية ولا إرادة وطنية. إنها تعيش في نظام التبعية المطلقة للسلطة المطلقة وللدولة الأجنبيتين، حتى لو كان أعضاؤهما من أهل البلاد الأصليين. لكن لا يجمعهم جامع مع بقية أبناء جلدتهم. ولا يستطيعون ضمان استمرار سلطتهم إلا بتعليم الشعوب استبطان دونيتها وأن الحاكمين طبقة متميزة مختلفة عن بقية السكان ومتفوقة عليهم . وتسعى بعض النظم الضعيفة إلى فرض هذا التميز والتفوق بالعنف الأعمى الممارس على السكان حتى تجبرهم على استبطان علاقات السللطة القائمة ومنطقها، أعني علاقة العبد بالسيد.

 

(564) برهان غليون
تدعو غادة فؤاد السمان إلى موقف عملي من قبل المثقفين لوقف التدهور في الأوضاع العربية. وبشكل عام هناك مراهنة كبيرة على المثقفين. فحواس محمود يسأل لماذا لا يتحد المثقفون التنويريون في وجه الارتداد العربي وسيطرة الأصوليات، بما فيها الأصوليات اليسارية، بينما يتساءل عبد الرحمن نيشوري عن الطريقة التي يمكن أن نخلق بها عصر تنوير جديد.

يرجع الاهتمام الزائد بالمثقفين إلى الدور الذي لعبوه ولا يزالوا يلعبونه منذ عدة سنوات في تنوير الرأي العام وتوعيته بالتحديات الكبيرة المطروحة على الشعوب العربية، وفي إدانتهم المستمرة ونقدهم لنظم الحكم الفردي المطلق وغياب المؤسسات، بينما أظهرت التنظيمات السياسية التي لا تزال تخضع لتراثها القديم وتبدو ثقيلة الحركة في متابعة التحولات السريعة الجارية داخل العالم العربي وعلى الساحة الدولية. فهم اليوم المحرك الرئيسي لعملية النقد والاعتراض والاحتجاج العقلانية والديمقراطية، بسبب ما يتحلون به من مرونة في الحركة والتفكير بالمقارنة مع الأحزاب، وسرعة في التقاط المتغيرات. لكن بعكس النخب الاجتماعية الأخرى الاقتصادية والسياسية والنقابية، لا يملك المثقفون الموارد والإمكانيات والتنظيمات التي تؤهلهم لقيادة حركة شعبية. وهم ضعفاء جدا أمام ضغوط السلطات وقمعها، بسبب هشاشة أوضاعهم المادية والتنظيمية. لذلك مالوا في السنوات الماضية إلى العمل من خلال هيئات المجتمع المدني، وارتبط نشاطهم بشكل رئيسي بها. وقد تمكنت السلطات المطلقة من تضييق الخناق على هذه الهيئات والحد من نشاطها. ونجحت إلى حد كبير في عزلها عن المجتمع وإجبارها على العمل في دارة مغلقة مع المنظمات والهيئات الدولية.
أثبت المثقفون بالفعل في السنوات الماضية أنهم العنصر الأنشط والأكثر فعالية في الكشف عن التدهور الخطير في الأوضاع العربية وبناء خطاب نقدي متماسك للسياسات الرسمية. لكن التجربة بينت أيضا أن التغيير يحتاج إلى قوى منظمة سياسية ومدنية لا يمكن للمثقفين أن يكونوا قاعدتها حتى لو كان من الممكن أن يلعبوا دورا نشيطا فيها من حيث تغذيتها بالأفكار والآراء. يحتاج التغيير إلى قوى شعبية منظمة قوية وواسعة تعدل من ميزان القوى القائم داخل البلدان العربية. كما يحتاج في منطقتنا بشكل خاص إلى توافق بين الإرادة الشعبية والمناخ الدولي والإقليمي. فالتغيير في الشرق الأوسط، حتى السياسي منه، لم يعد مسألة وطنية محلية لسوء حظنا، وإنما أصبح مع اندراج منطقتنا في العولمة من مستوى التبعية والاختراق شبه الكامل، مسألة دولية أيضا. ونأمل أن يؤدي انهيار النظام الشرق أوسطى شبه الاستعماري القائم على التفوق العسكري والاستراتيجي الأمريكي الاسرائيلي إلى تزايد هامش استقلالية المنطقة تجاه الاستراتيجيات الدولية المتنافسة، الأمريكية والأوروبية والأسيوية.
لا ينبغي إذن تغذية الكثير من الأوهام عن دور المثقفين. هم بالتأكيد وقد أثبتوا ذلك، خميرة الثورة الديمقراطية، لكنهم لا يمكن أن يكونوا أداتها، تحتاج هذه الأداة إلى قاعدة شعبية كبيرة. كما يحتاج المثقفون أيضا إلى تجاوز الكثير من خلافاتهم وحساسياتهم الشخصية ومخاوفهم الذاتية وتمركزهم المبالغ فيه على الذات وترفعهم على العمل الجماعي المنظم الذي ورثوه من حقبة الاضطهاد والقمع الطويلة.


(555) برهان غليون
الأخ فهد الأرغا المصري يتساءل أليس من المفيد للمعارضة المشاركة في الانتخابات التشريعية وطرح مرشح للرئاسة في مواجهة المرشح الرسمي لكسر التقليد واحتكار السلطة من قبل حزب البعث الحاكم.

من الواضح أن المعارضة السورية قد اختارت بعد تفكير عدم المشاركة، وكان قسم منها على الأقل عبر عن رغبته في المشاركة إذا تحققت بعض الشروط الضرورية لضمان حد أدنى من مشروعية المشاركة، ومنها أن يكون للمجلس النيابي نفسه دور في القرار السياسي وأن تجري الانتخابات في حالة طبيعية وليس تحت قانون الطواريء والأحكام العرفية الذي يعني تعليق الدستور، وأن تتوقف أجهزة الأمن عن اعتقال قادة المعارضة وملاحقتهم اليومية وتهديدهم، وأن تزال المادة الثامنة من الدستور التي تقضي بأن الحزب الحاكم هو القائد الشرعي والرسمي للدولة والمجتمع، وهو ما يعني إلغاء حق المنافسة السياسية أصلا ولا يجعل للانتخابات أي مبرر منطقي، مادامت القرارات السياسية حكرا على الحزب الحاكم. ومن الواضح أن السلطات السورية لم تستجب إلى هذه المطالب، مما يهدد المعارضة بأن تفقد أي صدقية لو قبلت المشاركة في مثل هذه الانتخابات التي لا يشارك فيها تقليديا اكثر من 10 بالمئة من الناخبين. فمعارضة من دون مباديء ولا شروط ولا مطالب تتحول إلى قوى انتهازية وتفقد شرعيتها ولا يمكن للرأي العام أن ينظر إليها إلا على أنها مجموعة من الباحثين عن المناصب والمواقع بأي ثمن.
والحقيقة أن المعارضة جزء من نظام سياسي، ولا توجد في نظم شمولية ترفض حتى الحد الأدنى من حرية التعبير والتنظيم، ولا تقبل مبدأ المنافسة ولا المشاركة الشعبية. ولذلك أنا من الذين يقولون أنه لا توجد في سورية معارضة بالمعنى السياسي للكلمة ولكن قوى مقاومة تعمل من تحت الأرض أو كقناصة في مواجهة سلطة تتمتع بسيطرة شاملة واستثنائية على كل أجهزة الدولة، بما فيها القضاء والبرلمان والإدارة والمؤسسات التعليمية، ولا تقبل بأي تعددية. ولا يمكن للمقاومة أن تشارك في انتخابات مع سلطة ترفض وجودها أصلا وتعتبر القضاء عليها هدفها الأول في كل الظروف، حتى حين تتعرض البلاد لاعتداءات خارجية. أما تسمية مرشح للرئاسة منافس لمرشح حزب البعث وللرئيس بشار الأسد فسيبدو للجمهور، الذي يعرف تماما كيف يتم تعيين الرئيس، حسب الدستور، أي من قبل الحزب الذي يقدم اسمه للبرلمان الذي يعرضه على الاستفتاء وحيدا، فلا يمكن أن يقنع أحدا، وربما أثار استهزاء القسم الأكبر من الجمهور الذي سينظر إلى المنافس المعارض كبهلول أكثر منه مرشحا جديا.


(553) برهان غليون
مستقبل الديمقراطية في العالم العربي كان موضوع أسئلة متعددة من قبل الأخوة المتدخلين. فبعد تنامي الآمال في السنوات الأولى من هذا القرن الجديد بربيع عربي ديمقراطي، عبر عنه الرأي العام المثقف ومؤسسات المجتمع المدني وبدا وكأن العديد من النظم السياسية قد استجاب ولو جزئيا له تحت ضغط الدول الغربية، عادت الأمور اليوم إلى أسوأ مما كانت في نهاية القرن الماضي. وأصبح حلم توريث السلطة والرئاسة من قبل الحاكمين فرضية ممكنة من جديد، في الوقت الذي زادت فيه جرأة السلطات العربية على التصدي بالعنف لحركات المطالب الديمقراطية، وعدم الخوف من الاعتقالات التعسفية والجماعية ولا من تعقب المثقفين وتهديدهم ليكفوا عن الخطاب النقدي الذي بدأ يسيطر على كتاباتهم في الفترة الأخيرة. وسبب هذا التراجع كامن في السياسة الكارثية التي اتبعتها الإدارة الأمريكية القائمة. فهي في سبيل إضفاء الشرعية على مشروعها الاستعماري في العراق والشرق الأوسط عموما جعلت من الاصلاح أحد شعاراتها أو جوهر دعايتها. لكنها أمام تزايد الانتقاد داخل الولايات المتحدة والرأي العام الدولي معا لسياساتها المؤدية لا محالة لهزيمة كبيرة، لم يعد امامها من وسيلة لتبرير مغامرتها سياسيا وأخلاقيا أمام العالم سوى ادعاء حرصها على تحرير الشعوب العربية من الاستبداد. وقد ساهمت بذلك في تقويض مشروعية الكفاح الديمقراطي العربي لدى قسم كبير من الرأي العام العربي، في الوقت الذي وقفت فيه خلال أكثر من ستين عاما، حسب تصريح الرئيس بوش نفسه، مع نظم الديكتاتورية والاستبداد. وجاءت هزيمتها في العراق لتعطي للنظم العربية التي حنت رأسها للعاصفة فرصة الانتقام من القوى الديمقراطية المحلية وسحقها في سياق انحسار النفوذ الأمريكي وتقلص الضغط الخارجي الموجه إليها. هذا هو ما يفسر الجزر الديمقراطي الذي تعيشه الشعوب العربية التي وقعت ضحية السياسات المغامرة واللاعقلانية والاستعمارية للإدارة الأمريكية.

والسؤال: هل لا تزال هناك فرص لاستعادة المبادرة من قبل الحركة الديمقراطية لبدء مشروع التغيير الذي تحلم به الشعوب العربية؟ جوابي أن الانتصار التي تشعر به النظم المطلقة والاستبدادية اليوم قصير الأجل وملغوم بالأساس. فهي بالرغم منه تعيش في مأزق دائم لا مخرج منه. فليس لديها أي حل للأزمات المتفاقة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية معا التي تعيشها المجتمعات العربية. فالواقع أنها لم تربح شيئا ولكنها تعيش على الفراغ الذي خلفه انحسار النفوذ الأمريكي. لكنها ليست القوى المؤهلة لملء هذا الفراغ. وبعد فترة الانتظار التي أعقبت التشويش الذي أثارته الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، سوف تعود الحركة الديمقراطية العربية أقوى مما كانت. والمطلوب من أجل ذلك التغلب على مشاعر الاحباط الناجمة عن الانقلاب الحاصل في موازين القوى الإقلمية، والعمل منذ الآن على تحرير الحركة والفكر الديمقراطيين من المخانق والتناقضات والالتباسات التي ورثتها عن المرحلة السابقة. ودور المثقفين هو بالضبط دعم هذه الحركة برؤية عقلانية واضحة وتأمين التواصل مع الرأي العام الواسع من خلال الأدب والفن والسينما والمسرح وكل وسائل الثقافة.
بالتأكيد لا أمل في بناء نظام ديمقراطي مستقر في البلدان العربية، خاصة في المشرق، بمعزل عن حل القضايا الوطنية الكبرى وفي مقدمها القضية الفلسطينية، وتوسيع هامش مبادرة الدول والشعوب تجاه الاستراتيجيات الاستعمارية الخارجية. لكن يتوقف هذا التقدم نفسه على قدرة المجتمعات على تكوين قوى ديمقراطية شعبية حية تفرض على النظم والقوى الاجنبية معا تغيير حساباتها. إن مستقبل الديمقراطية في البلاد العربية لا يتوقف على تغيير علاقات القوى داخل الدول العربية نفسها وفرض التعددية على النظم الأحادية أو شبه الأحادية فحسب، ولكن أكثر من ذلك على تغيير علاقات القوة الإقليمية وفرض التراجع على الاستراتيجات الاستعمارية المترسخة في المنطقة بسبب وجود أهم الاحتياطيات النفطية وإسرائيل. لكن لتكوين حركة ديمقراطية شعبية قوية يكفي أن تنضج القوى الديمقراطية وأن تنجح في بلورة خط جماهيري يربط بين المطالب الشعبية المشروعة والحقوق الانسانية الأساسية وبين المصالح الوطنية العليا للعالم العربي ولكل بلد من بلدانه أيضا. وهذه مسؤولية كل فرد.


(551) برهان غليون
أكثر من أخ يتساءل حول طبيعة الإعلام العربي ودوره. ولعل سبب ذلك تزايد دور الفضائيات العربية في هذا الإعلام أو ظهور إعلام لا ينطق مباشرة باسم الحكومة أو الأحزاب الحاكمة كما كان الأمر في السابق في أكثر الدول العربية. والواقع ان الإعلام ليس سوى أداة اتصال. والمهم البرامج التي يقدمها هذا الإعلام. وفي هذا المجال لا يمكن لأحد أن ينكر ما حصل من تطور كبير في السنوات العشر الماضية. فهذه البرامج هي اليوم بالتأكيد أكثر تنوعا وإثارة بكثير من البرامج التقليدية. ومن هذه الناحية فهي تملأ فراغا كبير، أو بالأحرى تغطي على الفراغ الروحي والثقافي الذي تعيشه المجتمعات العربية.

وقد أثارت انتباهي في الشهرين الماضيين ردود الأفعال التي جائتني على تصريح نقلته الجزيرة ووضع له مراسلها عنوانا مثيرا هو : برهان غليون يتهم الجزيرة بتسطيح العقل العربي. وأدهشني أن الاعتراض الأكبر من قبل القراء لم يأت على ما ذكرته من خطر سيطرة الرأي الواحد والفكر الواحد ومن التحالف الضمني والموضوعي القائم بين فكر السلطة الاستبدادية وتيارات التطرف الدينية وإنما على نقد قناة الجزيرة نفسها. فالجزيرة تشكل اليوم قصة النجاح الأكبر لهذا الإعلام الفضائي العربي الذي يشكل المتنفس الوحيد لهذا الضغط أو الكبت السياسي والثقافي والروحي الذي يعيشه الفرد العربي. فهو البديل الوهمي أو المخيالي للسياسة الغائبة أو الفاسدة وللعلاقات الاجتماعية المتأزمة ولغياب الثقافة الفكرية والفنية العميقة. فكأننا إذا انتقدنا الجزيرة حرمنا الرأي العام من وسيلة التعويض الوحيدة عن هذا الفراغ.
من هنا أخشى أن يكون الإعلام العربي قد تحول، والفضائي منه بشكل خاص، في برامجه الدينية الغالبة وبرامجه الترفيهية المتمحورة حول الجنس بطريقة أو أخرى، إلى مخدر حقيقي للوعي العربي الفردي والجماعي، ووسيلة التعويض الوهمي الرئيسية عن الحرمان السياسي والاجتماعي والديني والجنسي والاقتصادي والفكري في الوقت نفسه. وعندما أتحدث عن الإعلام التعويضي أو التخديري فأنا أقصد التنبيه إلى البرامج الكثيرة التي تلغي الفكر النقدي ولا تطلب من الفرد ولا تعلمه سوى القبول السلبي والتلقائي بكل ما يراه ويسمعه من دون فحص ولا تساؤل ولا تفكير. إعلامنا هو المتنفس الوحيد في نظام القهر الشامل الذي يعيش فيه الفرد، مهما كانت عقيدته وايديولوجيته، متدينا كان أو غير متدين، مسلما أو غير مسلم، مسيسا أو غير مسيس. وهذا هو خطر هذا الاعلام بالضبط. إنه يحقق الثورة على شروط القهر المتعدد الأشكال في قنوات التلفزة وفي مواقع الانترنيت بدل أن يسمح للأفراد بالتفكير في التخلص العملي منها.


(526) برهان غليون
الأخ بسام بحري أمريكا لا تتوهم أنها ستنجح في دفع العرب عن النزاع مع اسرائيل نحو النزاع مع ايران. إنها تعمل على ذلك حتى تجد لنفسها مهربا من الاعتراف بالهزيمة المؤلمة في العراق وغيره. وعلينا نحن العرب أن نظهر أننا قادرين على مقاومة التلاعب بنا ورفض إخضاع مصالحنا لاستراتيجية الآخرين.
 
(525) برهان غليون
الأخ صبري يوسف معك كل الحق في طرح تساؤلاتك المؤلمة حول وضع العالم العربي. لن يتحرر العالم العربي من سيطرة النخب العاجزة والفاسدة، ولن ينجح في تجنب الحروب الداخلية والخارجية وتحقيق السلام والأمن، ولا في استرداد حقوقه الوطنية في فلسطين والجولان وغيرها من الأراضي المحتلة، ولن يتمكن من مكافحة التفاوت الفاحش في توزيع الثروة وما ينجم عن ذلك من تعميم الفقر والجهل والبؤس من جهة وتكوين قلة من أباطرة المال والأعمال من جهة ثانية، ولن تكون لأشكال الظلم المتعددة التي تفتك بمجتمعاته نهاية ما لم يدخل الشعب بنفسه إلى الميدان، ويتجرأ على أخذ مسؤولياته والخروج من حالة الاستسلام والتسليم التي فرضتها عليه أنظمة أمنية قائمة على الردع الدائم وإرهاب الناس وأعدام جذوة الحياة والأمل لديهم للحصول على إذعانهم وخضوعهم. من دون ذلك ليس هناك أي أمل في المستقبل. وعلى الواعين من بين العرب التفكير بأفضل الطرق للتواصل مع الشعب لدفعه إلى أخذ شؤونه بيده وتمثل المثل القديم القائل : ما حك جلدك مثل ظفرك. المراهنة على نخب جديدة منقذة من دون نزول الشعب إلى ميدان السياسة ومعتركها هو من قبيل الأوهام الفاسدة والمفسدة معا، فما بالك بالمراهنة على القوى الأجنبية التي راودت لفترة بعض الحالمين.
 
(524) برهان غليون
الأخ إدريس الواغيش لا يمكن مقارنة المثقفين العرب في الغرب بالمثقفين اليهود الذين هم أبناء هذا الغرب ومواطنين أصلاء وقدماء فيه يحتلون مراكز قوية في الثقافة والإعلام وقطاعات عديدة أخرى منها أيضا قطاعات المال، ويعتمدون على جماعة يهودية قوية ونشيطة تمول نشاطهم، في حين أن المثقفين العرب لا يكادون يجدون لقمة عيشهم، إذا لم ينجحوا في الحصول على منصب استاذية أكاديمي. وهو أمر غير متوفر بسهولة لأحد، بل شديد الصعوبة حتى لمن لديهم المؤهلات العلمية، بسبب المنافسة الشديدة. ومع ذلك لا يمكن أن ننكر تأثيرهم ومساهمتهم في نشر تحليلات وآراء نقدية تجاه ما ينشر في ا لغرب عن المجتمعات العربية.
لكن علينا جميعا أن ندرك، وهذا ما قلته في إطار ندوة للجامعة العربية، أن المثقفين لا يستطيعون أن يغيروا الصورة الواقعية، أي أن يضفوا صورة براقة على الأوضاع العربية عندما تكون هذه الأوضاع من السوء إلى درجة تفقأ العين. لا يستطيع المثقفون العرب في الغرب مثلا إلتفطية على عورة الديكتاتورية والاستبداد والفساد وغياب حكم القانون وتحكم النخب الصغيرة بمصير المجتمعات وانتشار البؤس والفقر والبطالة والجهل وتفجر النزاعات المستمر داخل البلدان العربية وفي ما بينها. كما لا يستطيعون أن يبرروا تهريب الرساميل العربية من الدول الفقيرة إلى الغرب بدل استثمارها في الداخل، ولا تجاهل حركة الطرد التي تدفع إلى تزايد عدد المهاجرين الباحثين عن عمل من البلاد العربية، وكذلك عدد طالبي اللجوء السياسي أيضا. العالم العربي يعيش أزمة عميقة ويكاد يسقط في الفوضى والبؤس بسبب سوء الإدارة وقلة خبرة النخب الحاكمة وغياب المشاركة الشعبية. كل ذلك يقضي على أي صدقية لدفاع المثقفين العرب عن صورة العالم العربي في الغرب. وهذا يفسر أن صوت المثقفين العرب ليس مسموعا كثيرا في الغرب وليس مسموعا كثيرا في البلاد العربية أيضا. بل إنهم يتعرضون إلى الاعتقال والاغتيال والتنكيل في أكثر من بلد من هذه البلدان لمنعهم من التواصل مع شعوبهم. وهذا يفسر كذلك عدم ولادة مفكرين وعلماء جدد بالعدد الذي يتماشى مع نمو عدد سكان العالم العربي البالغ اليوم أكثر من 300 مليون نسمة.
وما لم ننجح في ايجاد حلول لهذه الأزمة العربية في مستوياتها السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية أيضا، أي الوطنية الاستراتيجية، فلن ينفع الكلام ضد الدعاية الغربية، ولن تتحقق أي عودة لنا إلى الخريطة العالمية كما نريد.
 
(523) برهان غليون
الأخ محمود عصفور الديمقراطية مفهوم لنظام سياسي يقوم على التعددية وتداول السلطة وتأكيد حكم القانون والحريات الفردية الأساسية التي تضمن حق كل فرد في أن يشارك في تقرير مصير وطنه والمساهمة عن طريق اختيار ممثلي الشعب في القرارات السياسية. هي تفترض أن السياسة ليست حكرا على مجموعة حزبية او طبقية أو طائفية، ولكنها ملك الشعب بأكمله، من فقرائه وأغنيائه، أقلياته وأغلبياته. وتمثل التجربة الفلسطينية من دون شك تجربة مهمة في مجال تمثل المجتمعات العربية لهذا النظام السياسي بعد أن سيطرت عليها لعقود طويلة فكرة نظام الحزب الواحد ولا تزال تسيطر على أكثرها حتى اليوم بصورة واضحة أو مقنعة. وهي تدل على أن الديمقراطية لا تتعارض مع مقاومة الاحتلال والسيطرة الأجنبية، بل إنها شرط للاحتفاظ بالوحدة الوطنية والاستقرار والحماسة اللازمة للاستمرار في معركة الكفاح ضد النفوذ الأجنبي والسيطرة الاستعمارية. تكذب التجربة الفلسطينية جميع أولئك الذين يحتجون بالهجمة الاستعمارية لتأجيل الاصلاحات الديمقراطية وفرض الإذعان على شعوبهم للابقاء على نظام العسف والامتيازات والتمييز بين المواطنين الذين يستفيدون وحدهم منه.
أما الغرب فهو ينظر إلى العرب بمقياس معاييره وقيمه تماما كما ننظر نحن إليه من خلال قيمنا ومعاييرنا. فهو يرى فينا مجتمعات لم تنضج بعد لا من الناحية الاقتصادية ولا السياسية ولا العلمية. ونحن أيضا نعتقد ذلك عندما نقر بتخلفنا. الفرق هو أننا نعترف بتخلفنا لتجاوزه مع الايمان بقدرتنا على ذلك، بينما يزداد الاعتقاد في الغرب، وهنا يكمن خطؤه، بأن تخلفنا كامن في طبيعة ثقافتنا أو ديننا، وأننا لن نستطيع تجاوزه. علينا نحن أن نثبت العكس حتى نغير نظرة الغرب لنا. وإلا فهي ستستمر بموازاة استمرار ما نسميه نحن تخفلنا.
 
(522) برهان غليون
الأخت فاطمة الزهراء المرابط ما يحدث في فلسطين هو مثال لخيانة المباديء التي قامت عليها الحداثة السياسية، من قبل الاوروبيين والغربيين عموما ومن قبل النظم العربية التي تخلت أو كادت تتخلى عن القضية الفلسطينية وتترك الفلسطينيين يقاتلون لوحدهم بؤرة السيطرة الاستعمارية الوحيدة التي لا تزال قائمة في العالم. فإسرائيل تشكل أحد ركائز السيطرة الغربية في المنطقة العربية، ويشكل التفوق العسكري الذي مكنتها منه الدول الغربية ضمانة لإخضاع الشعوب العربية وإرهابها الجماعي. وهذه الخيانة المزدوجة تفسر الوضع المأساوي الذي وصل إليه الشعب الفلسطيني حتى كاد القتال يندلع بين أبنائه بسبب الضغوط الخارجية والتوترات الناجمة عن تدهور شروط الحياة المادية والمعنوية. وقد بين تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية في الشهر الحالي إلى أي حد يمكن للموقف العربي أن يكون مفيدا لدعم القضية الفلسطينية. فقد تمكنت الوساطة السعودية من رأب الصدع في الصف الفلسطيني وتجاوز النزاعات أو تجميدها. والمطلوب اليوم الحفاظ على هذه الوحدة الوطنية والتمسك بها، خاصة أن إسرائيل لا تزال تناور ولم تتخذ بعد أي قرار بالتوجه الفعلي نحو مفاوضات تؤدي إلى حل النزاع القائم، أي التراجع عن مشروعاتها الاستيطانية. فإذا نجح الفلسطينيون في الحفاظ على هذه الوحدة الوطنية وضاعف العرب من اهتمامهم بالقضية الفلسطينية ودعمهم لها في المحافل الإقليمية والدولية، هناك فرصة اليوم كي نفرض على إسرائيل والولايات المتحدة التراجع عن سياساتها العدوانية التصفوية.
أما بخصوص الإعلام فهو يخدم القضايا السياسية لمموليه من دون شك. وليس هناك في العالم العربي بعد، إلا في النادر، إعلام مهني مستقل بمعنى الكلمة، حتى لو كان هناك الكثير من الإعلام الخاص.
وفي ما يتعلق بوضعية المرأة السورية في المجال السياسي فهي لا تختلف عن وضعية الرجل فيه. فليس هناك في سورية حياة سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة لأن نظام الحزب الواحد هو الذي يعين بشكل مباشر أو غير مباشر، مستخدما الأجهزة الأمنية، محتلي المناصب في كل مجالات النشاط الرسمي، وفي مؤسسات الدولة. ويقوم ذلك على التزام بالدستور الذي وضعه الحزب في السبعينات والذي تنص مادته الثامنة على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع بالمشاركة مع الجبهة التقدمية التي تلتف من حوله. وقد فسر أصحاب السلطة البعثية ذلك باعتباره حق البعث في تعيين جميع أصحاب المناصب في الدولة والمؤسسات الاقتصادية التابعة لها من البعثيين. من ليس من الحزب القائد أو أتباعه لا حق له بالعمل السياسي ولا الاقتصادي الحكومي ولا الإداري ولا التعليمي. وهذا ما يفسر الملاحقات المستمرة لجميع أولئك الذين يتخذون مواقف معارضة ولو كلامية للنظام من بين المثقفين والأدباء والفنانين والسياسيين، ومن بين هؤلاء عميد كلية الاقتصاد السابق في جامعة دمشق عارف دليلة الذي يقضي عشرة أعوام سجن بسبب مداخلة نقدية للنظام في إطار محاضرة جرت منذ ست سنوات في منزل رياض سيف النائب السابق الذي حكم هو نفسه بخمس سنوات سجن لفتحه منزله باسم المنتدى الديمقراطي للحديث السياسي.
 
(504) برهان غليون
الأخ ياسر هارون هناك بالتاكيد فهم خاطيء للديمقراطية كما هو الحال مع العديد من القيم الحديثة التي اكتسبناها في القرنين الماضيين من دون أن نستوعب تماما معناها او نختبرها بالتجربة وندفع ثمنها أيضا. فالديمقراطية تترجم في الوعي العام الشعبي البسيط بالحرية الفردية، أما الحرية التي هي قيمة حديثة أساسية فتفسر على أنها الاباحة، أي حق الفرد في عمل كل ما يشاء أو يخطر له، بما يفيد عدم التقيد بالقانون أو بالأخلاق. بهذا المعنى تكون الحرية إلغاء القيود والديمقراطية تشجيع على نظام يلغي القيود. لذلك يتهم بعض التيارات المحافظة الدينية الديمقراطيين عندما يتحدثون عن الحريات الفردية بأنهم يريدون تحويل الانسان إلى ما يشبه البهيمة التي تتصرف بدافع غرائزها وترفض إخضاع سلوكها الغريزي لأي قيمة أخلاقية أو دينية.
والحال أن الأمر مناقض لذلك تماما. فالديمقراطية تعني حق جميع أبناء المجتمع في المشاركة في تقرير السياسات التي تسير مجتمعهم، وهو حق نابع من تأكيد مساواة الأفراد في ما بينهم وعدم التمييز بين أرستقراطية تتمثل القيم الأخلاقية النبيلة وعامة أو رعاع تسيرهم الغريزة. فالديمقراطية تعني هنا في الواقع حق الجميع في أن يعترف بهم كأسياد، أي كموطن لوعي أخلاقي قادر على حمل المسؤولية والمشاركة في توجيه الحياة العمومية. وفي هذا السياق لا تظهر الحرية كتحرر من القيود كما يفهمها الوعي البسيط الشائع، وإنما بالعكس كاعتراف بالفرد، أي فرد، كموطن للسيادة أي للتكون كإنسان قادر، مثله مثل الارستقراطي أو العين، على التصرف من وجهة نظر الأخلاق والقانون وتحمل المسؤولية العامة وتجاوز النظرة الأنانية. الحرية تعني هنا الحق في حيازة جميع الأفراد على منصب المواطن المتساوي والمسؤول. ولا يصبح الفرد مواطنا مسؤولا ومساويا لغيره إلا بقدر ما يظهر قدرته على استبطان القيم القانونية والأخلاقية المشتركة وإخضاع سلوكه لها.
الديمقراطية ليست نظاما شكليا يقتصر على تنظيم الانتخابات الدورية وممارسة الحريات الفردية كيفما يشاء الفرد. إنها مدرسة لتحرير الأفراد وإخراجهم من أنانيتهم وشهواتهم الغريزية لتحويلهم إلى أعضاء في مجتمع موحد ومتضامن لا يقوم إلا عبر القانون والأخلاق. إنها عملية تحرير للانسان، خاصة للجمهور الشعبي العام الذي عومل خلال التاريخ كجمهور غريزي ولا يمكن أن يتصرف حسب العقل والأخلاق، وجعل كل فرد على مستوى المسؤولية العمومية. والمسؤولية العمومية تعني في ما وراء التقيد بالأخلاق والقانون، خدمة الجماعة والتضحية بالمصالح الشخصية في سبيل المصالح العامة، أي الشعب بأكمله.
وسبب سوء الفهم الذي لا يزال سائدا عندنا تقصير المثقفين العرب في العقود الماضية وتمحور تفكيرنا ونقاشنا خلال أكثر من قرنين على مسائل الهوية والقومية ومقارعة الاستعمار الذي ابتلينا به في هذه المنطقة أكثر من أي منطقة أخرى. لكن نحن ندرك الآن أن القضاء على النفوذ الاستعماري غير ممكن من دون الارتقاء بمستوى حياة الفرد ووعيه والتزامه الجمعي وحسه بالمسؤولية عن مصير المجتمع بأكمله وليس فقط تجاه نفسه وأفراد عائلته الصغيرة كما هو سائد اليوم.
 
(502) برهان غليون
الأخ عادل ندا للأسف إذا كان هناك حقل لم تتطور فيه المفاهيم بموازاة تطور مناحي الحياة الحديثة الأخرى، فهو حقل العلاقات الدولية الذي لا يزال يستند إلى قواعد بالية وضعت في القرن السابع عشر تشرع في العمق الحرب الدائمة بين الدول أو تقيم العلاقات في بينها على الحرب وتوازن القوة من خلال تأكيد السيادة المطلقة للدولة القومية. ومبدأ السيادة مبدأ مغشوش في الأصل لأنه يفترض التساوي في القوة بين الدول، بينما يقوم الواقع على غير ذلك تماما. ولذلك كانت نتيجة تطبيق هذا المبدأ في الواقع، أولا تشريع الحروب واعتبارها أمرا طبيعيا، وإجبار جميع الدول التي تريد أن تحافظ على استقلالها ومصالحها على الاستثمار في الآلة العسكرية. وثانيا إعاقة العمل على ايجاد قانون دولي يضبط العلاقات بين الأمم والشعوب على أسس واضحة وحسب معايير واحدة وثابتة، ولا يترك للقوة وللتفوق العسكري الحرية في توجيه العلاقات الدولية، كما هو الحال حتى اليوم. في إطار هذا النظام الدولي الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى الراهنة، والصين وغيرها من القوة الصاعدة في المستقبل، ستظل تجذب الرساميل والأطر والمواهب وتفرض مصالحها على الآخرين بالقوة العسكرية أو بالنفوذ السياسي أو بتخريب النخب الحاكمة والضغط عليها.
الحل، أو ما نطمح إليه حتى نتغلب على الظواهر التي تتحدث عنها، كامن في تجاوز الأسس التي قامت عليها هذه العلاقات منذ صلح ويستفاليا في القرن السادس عشر ووضع قانون دولي ينظر إلى العالم كوحدة متكاملة ومتضامنة كما ننظر اليوم إلى الأمة داخل الدولة الواحدة، ويتعامل مع شعوبه كأجزاء متساوية الحقوق في منظومة قانونية وسياسية واحدة. وهو ما يتطلب تغييرا جذريا في السياسات الدولية ونمطا جديدا من الواجبات والالتزامات والمصالح والمسؤوليات تقع على عاتق الدول جميعا وعلى النخب الحاكمة. وهذا يعني أن الحل هو في قانون دولي يمنع الدول الكبرى القوية من استغلال نفوذها للاعتداء على مصالح الدول والشعوب الصغيرة كما يمنع النخب الحاكمة من التصرف ببلدانها كمزارع شخصية وعائلية كما هو الحال اليوم عندنا باسم السيادة الوطنية. ولن يحصل ذلك إلا نتيجة كفاح جميع القوى الديمقراطية أو المؤمنة بالمساواة والعدالة والحق وتضامنها على مستوى العالم بأكمله.