حين تنحسر الثقافة ينفجر العنف ( 1 )

2008-04-15 :: قضايا اسلامية معاصرة

ترجمة :

 عبد الجبار الرفاعي

 

الدكتور برهان غليون مفكر سوري مقيم في باريس، ويعمل أستاذا لعلم الاجتماع السياسي بجامعة السوربون العريقة، وأحد المهتمين بفهم تحولات المجتمعات العربية في العصر الحديث, وانتقالها من نظم تقليدية إلى نظم حديثة.

وفي هذا الجزء الأول من الحوار معه يتناول المساحة الشائكة بين الثقافة والعنف، مؤكدا أن الإنسان لا يولد إنسانا, وإنما يؤنسن بالثقافة, والتربية, والفكرة الصائبة, والكلمة الطيبة, والعاطفة النبيلة التي تعنى بتهذيبها آداب الشعوب وفنونها.

ويرى غليون أن العنف لا يزول كليا في المجتمعات، وإلا فقدت أحد محركاتها الرئيسية، وهنا يأتي دور الثقافة لتؤنسن العنف وتحوله إلى عنف رمزي، يمكن استبطانه وتذكره وتخيله، وبالتالي التعامل معه كعامل من عوامل الضبط الاجتماعي. وانتقد غليون التوجه الذي يرى أن السعادة أصبحت مرادفا للملكية، فبقدر ما يملك الفرد من أغراض وأشياء يكون سعيدا في نظره ونظر المجموع، معتبرا أن هذه ثقافة بدائية.

وانتقد المجتمعات العربية التي فقدت نواة ثقافتها الإنسانية, وأصبحت مجتمعات متوحشة، أي مستسلمة للعنف وقابلة به كقاعدة للتعامل، وهو ما يشي بتضاؤل وزن الثقافة والدين والقانون والأخلاق في توجيه سلوك الأفراد، مؤكدا أن العنف المتفجر في المنطقة العربية هو نتيجة طبيعية لانهيار نظم المدنية الثقافية والقانونية والسياسية، الذي يشكل إحدى نتائج الأزمة التاريخية الشاملة التي تعيشها المجتمعات العربية.

 

* مؤلفاتك المبكرة (اغتيال العقل)؟

* أول مؤلف كتبته هو: بيان من اجل الديمقراطية, ثم أتى اغتيال العقل, فكان الكتاب الثاني, وكان هدفه بالضبط نقد نمط التحديث والحداثة العربية. وطورته فيما بعد بفكرة: أن الحداثة أو ما نسميه بالحداثة العربية هي نوع من الحداثة الرثة, التي لا يمكن إلا أن تثير الإحباط والضعف والعنف أيضا.

 

* بمعنى أنها حداثة مفتعلة وليست حداثة حقيقية؟

* لا, هي ليست مفتعلة, هي تطور طبيعي لنوع من الحداثة المشوهة جاءت ضمن علاقة غير متساوية, وفي معظم الأحيان غير مفهومة, غير مسيطر عليها مع التحولات المعرفية والسياسية والاقتصادية والتقنية التي شكلت مسار الحداثة منذ نشوئها.

وهي حداثة رثة لأنها منحصرة في الموضوع والغرض المادي الذي يرد على حاجات الاستهلاك. وهو استهلاك لبقايا ما ينتجه الآخرون، لا إعادة إنتاج له ولا تجديد فيه ولا إبداع. هي علاقة مع الناتج والجاهز والمستهلك من الحداثة المصنوعة في الخارج، لا بناء لسيرورات العمل والتفكير والإنتاج التي تشكل جوهر الحداثة وخاصيتها..فهي اقتداء وتشييء واستلاب, لا إبداع وتكوين للذات والذاتية, وتأسيس للحرية الشخصية والإنسانية.

إن مركز الحداثة في نظري هو الإنسان, أي تمثله القيم الجديدة التي تعبر عن انعتاق الإنسان وتحريره من قيوده وأقماطه, ليتحول إلى فاعل مستقل وحر ومسؤول, وقادر على التدخل في التاريخ، تاريخه، والمشاركة في صناعته.

والحرية هي مفهوم جوهري ورئيسي في كل عملية تحديث, حرية الفرد, حرية الفكر, حرية الإيمان, حرية الضمير, كل هذه أمور تدخل في جوهر الحداثة, لأنها أساسية في إعادة تثمين الإنسان, ودفعه إلى النظر بصورة ايجابية لنفسه، وهو شرط التصرف والسلوك من منطلقات أخلاقية ومبدئية، وبالتالي شرط الارتقاء إلى مستوى تحمل المسؤولية.

وعندما يصبح الإنسان على مستوى تحمل المسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه، يصبح فاعلا ومبادرا وصانعا للتاريخ، أي لذاته وللنظام الذي يعيش فيه، لا عالة على الغير, ولا استسلاما للأقدار. وهذا على عكس ما كان سائدا في الماضي, عندما كانت الفردية تعني النشاز، والحرية الشخصية الخروج على الجماعة، وكان التسليم والخضوع والانصياع شرط البقاء الجماعي والانسجام. لم يكن من الممكن للفرد أن يكون حرا. وحتى إيمانه كان مفروضا عليه من قبل جماعته, بنوع من الولاء الآلي الذي نسميه عصبية.

كانت العصبية القبلية أو القومية أو الدينية هي أساس الاجتماع وشرطه الرئيسي، وهي تعني اندماج الفرد في جماعته وفنائه فيها، دينية كانت أم قومية، من دون نقاش ولا تفكير ولا جدال, وبالتالي من دون تجديد أو تغيير أو إبداع أيضا. وكانت إدارة الجماعة وتقرير مصيرها موكولين لفئة محدودة، منتخبة حسب القانون الطبيعي, قانون البقاء للأقوى. وكانت السلطة مرتبطة بالعصبية، أو بالعصبة الأقوى شوكة, والأقدر على توفير وسائل القوة والمنعة والعنف.

ولأنها كانت حداثة رثة، لم تدخل في عمق الإنسان, في نظام تفكيره, وفي نظام اعتقاده, وفي نظام اجتماعه, وفي نظام عمله وإنتاجه, وفي نظام معرفته, وفي نظام علاقاته مع الآخرين أفرادا وجماعات، بقيت حداثة آلية استعمالية أداتية، ولم تنجح في تغيير المجتمعات وتحقيق تقدمها وازدهارها, كما كان ينتظر منها، وبالتالي في تمكينها من التحكم بشكل أكبر بمصيرها.

ولا تزال مجتمعاتنا تتخبط في نمط من الحداثة الرثة، أو ما تحت الحداثة، التي لا تفضي إلى أي مكان، وتسد علينا أفق الاندراج في العصر، مثل ما تحرمنا من الانغراس في التراث, والتموقع في التاريخ. وهي تبدو لي أكثر فأكثر كمأزق وطريق مسدود, بدل أن تكون أفق تحرير وانعتاق.

 

   العنف والإرهاب 

* مما لا شك فيه أن هناك عنفا دفاعيا، وهو مشروع، حينما يكون الوسيلة الوحيدة للدفاع عن النفس، والدفاع عن البلد، والدفاع عن الكرامة. وهناك عنف عدواني، يتم فيه التجاوز على حق الغير. ما هو تعريفك للعنف؟ ومتى يتحول العنف إلى عنف عدواني؟ وما هو الفرق بين العنف الدفاعي والإرهاب؟ 

* لنبدأ بالعنف, ثم ننتقل إلى الإرهاب. العنف هو جزء من الطبيعة. الطبيعة عنيفة، والطبيعة قائمة على العنف، والحياة قائمة على العنف، وقانون الطبيعة هو قانون العنف، أي قانون البقاء للأقوى, الذي يعني أن الكبير يأكل الصغير, والحيوان الأشرس يأكل الحيوان الأضعف. هذه سنة الطبيعة. ولم يتحول الإنسان إلى إنسان إلا لأنه أبدع, يعني اخترع معايير وقيما ومفاهيم, وطور عواطف وأذواقا وحساسيات, أي اخترع ثقافة تمكنه من الارتفاع على شرطه الحيواني.

بالثقافة والتثقيف والتأهيل انتقل الإنسان من حالته الطبيعية الحيوانية إلى حالته الإنسانية ــ  والأنسنة آتية من هنا، من الإنسان, من الأنس والألفة والتعاطف والتقارب ــ فبالثقافة أصبح الإنسان أليفا وأنيسا، أصبح أقل توحشا, قابلا للتفاهم مع الآخر على أسس غير أسس العنف. العنف هو الشيء الطبيعي وليس الاستثنائي. وكل الحضارة الإنسانية, وكل الثقافة في كل المجتمعات هدفها أن تضبط هذا العنف عند الإنسان, أن تصعد هذا العنف الفطري، بمعنى الطبيعي، الكامن في كل حياة - أو حيوان - وان تتسامى به، حتى تمهد التربة لنشوء وتطوير علاقات ألفة, مودة, تفاهم, تواصل, تفاعل بين الأفراد. فالإنسان لا يولد إنسانا, وإنما يؤنسن بالثقافة, بالتربية, والفكرة الصائبة, والكلمة الطيبة, والعاطفة النبيلة التي تعنى بتهذيبها آداب الشعوب وفنونها.

بالتأكيد لا يزول العنف كليا في المجتمعات، وإلا فقدت أحد محركاتها الرئيسية. لكن الثقافة التي تعلم الألفة والمودة والتواصل والحب والفهم، تحول العنف أيضا إلى عنف رمزي، يمكن استبطانه وتذكره وتخيله، وبالتالي التعامل معه كعامل من عوامل الضبط الاجتماعي. هكذا تحل العقوبات الرمزية محل العقوبات المادية. كما أن تقنين استخدام العنف، أي إخضاعه إلى قواعد وأصول إجرائية وشروط، هو أيضا جزء من ضبط استخدام العنف, وتعبير عن نجاح الثقافة في تحقيق مهامها، والارتفاع بالإنسان عن شرط الحيوانية الطبيعية.

الآن، عندما يعود العنف فيتفجر في مجتمع من المجتمعات, فهذا يدل على أن نظام الثقافة، أي نظام الأنسنة والتأهيل الإنساني، لا يعمل كما ينبغي، أو أنه يعاني من عطب ما. وينطبق هذا  على المجتمع الواحد, كما ينطبق على الثقافة التي تؤلف بين المجتمعات الإنسانية على مستوى نظام العلاقات الدولية. يتفجر العنف داخل المجتمعات, لأن نظام التأهيل الثقافي والتربوي والاجتماعي - بناء ثقافة التواصل والتفاهم والتفاعل والألفة، نظام المعرفة والتفاهم، تطبيق القانون, تنظيم العلاقات بين مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية, إنتاج الحياة المادية للبشر - تعرض لصدمة وأصابه الخلل, فلم يعد قادرا على ضبط القوة العنفية الكامنة في الحيوان الطبيعي الذي هو الإنسان, والتأثير ايجابيا عليها.

ولا يختلف الأمر عن ذلك عندما يتفجر العنف على صعيد العلاقات بين المجتمعات. فهو يعبر هنا أيضا عن عطب في اشتغال نظام القيم الجامعة الحضارية، أو الثقافة العالمية، ومنها ما نسميه اليوم القانون الدولي الذي يضبط العلاقات بين الدول، وذلك إما بسبب سوء استخدام القانون, أو بسبب استخدام قوانين مزدوجة في التعامل مع الظواهر ذاتها والكيل بمكيالين، حسب ما يفيد الطرف الأقوى, ويزيد من حجم مصالحه على حساب الأطراف الأضعف.

وبشكل عام، عندما يغدر بالقيم والمواثيق والقواعد التي يقوم عليها تآلف البشر وتفاهمهم وتواصلهم، ينفجر العنف, وتتغلب الفطرة الطبيعية على الثقافة المبتدعة.

باختصار، العنف هو الحالة الطبيعية التي نعود إليها عندما يفشل نظام الثقافة/ الأنسنة, بما تشمله من نظم فرعية معرفية، وتربوية، وعقائدية، وفنية، وأدبية، ودينية، وأخلاقية في إعادة بناء وعي الإنسان وضميره وذوقه وحسه, بما يمكنه من تجاوز الحالة الطبيعية التي تخضع سلوك الأفراد لمنطق الغريزة : الأنانية، رد الفعل, السيطرة بالقوة, القتال والاقتتال من حول موضوعات استهلاكية ترد على الحاجات العضوية.

لماذا نعد المجتمعات الأوربية اليوم أكثر تقدما مقارنة مع المجتمعات المتخلفة؟ وما هي المعايير التي تدفع الناس للاعتقاد بذلك؟  هي ببساطة توفر شروط أكبر في هذه المجتمعات للسيطرة على العنف الداخلي، والدولي أيضا، وضبط استخدامه عند الفرد والمجتمع معا، وإقامة نظام من التضامن الاجتماعي يعزز ثقافة التواصل والتراحم والتفاهم والتعاون. فهي مجتمعات تلعب الثقافة في تنظيم شؤونها، أي الاختيارات الواعية للسياسات، والتنظيم الشفاف لشؤون الجماعة ومصالح كل فرد أو فئة فيها، دورا أكبر بكثير مما تلعبه في المجتمعات المتأخرة التي يتحكم بأفرادها منطق الغريزة بصورة أوسع، وتستسهل فيها الأطراف اللجوء إلى العنف، بل تنظر إليه كوسيلة طبيعية لحل المنازعات، وجزءً  لا يتجزأ من قانون الحياة الاجتماعية.

ينطبق هذا على العلاقات داخل العائلة, كما ينطبق على الدولة وجميع المؤسسات العمومية. وتتعدد في إطاره أشكال العنف التي يمارسها أصحاب السلطة في الأسرة، والدولة، والمعمل، والمصنع، والمتجر، والحزب، والنقابة، والورشة، والحقل، من الضغط إلى القسر، إلى الإكراه، إلى القهر، إلى العقوبة البدنية القاسية، إلى السجن، إلى القتل والاغتيال.

عندما تترقى المجتمعات في درجة المدنية، وهذا هو شرط المدنية ومضمونها أصلا، تزيد قيمة الثقافة وأثرها في سلوك أفرادها، ومع تضاعف قوة هذا الأثر ينمو منسوب التضامن أيضا بين أفرادها وفئاتها. فيزداد حجم التكافل الاجتماعي وتضعف مشاعر الحسد والغيرة والغل والحقد والضغينة الغريزية, وتنشأ في مواجهتها ثقافة التسامح وحب الخير للغير والإحسان والكرم والتضحية ونكران الذات. وهذا ما يمكن المجتمع من معالجة قضايا الفقر والضعف, وإيجاد حلول سلمية لها بصورة أسهل.

وبقدر ما يزيد الانسجام داخل المجتمع نتيجة ذلك  يتضاءل نزوع الأفراد والجماعات إلى استخدام العنف في علاقاتهم فيما بينهم. لذلك لا تتميز المجتمعات المتقدمة والمتحضرة بتراكم أكبر في ثرواتها المادية، ولكن برأسمالها الاجتماعي أيضا، أي بمنسوب أعلى من القيم الإنسانية الايجابية، من التسامح، والألفة، والانسجام، والثقة، والاعتراف المتبادل, والتفاؤل والأمل, وبالتالي من السعادة.   

  

   الإنسان الغائب 

* إذن إنقاذ المجتمع من العنف يتوقف على إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين والثقافات، أو تكريس النزعة الإنسانية في الاجتماع البشري  وإحيائها.

* بالفعل أكثر ما يتم تجاهله في مجتمعاتنا هو الإنسان. الناس يتنازعون على المنتجات، على المنازل، والسيارات، والأسفار، وأدوات الرفاهية المادية، لكن ليس هناك إلا قلة ضئيلة تفكر بمصير الإنسان، بكرامته وحريته، واستقلال ضميره، ورعاية مشاعره، وتكوينه وتأهيله. السعادة أصبحت مرادفا للملكية، بقدر ما يملك الفرد من أعراض وأشياء يكون سعيدا في نظره ونظر المجموع. هذه ثقافة بدائية لا يمكن أن تقود سوى إلى التنافس الأعمى والتنازع والغش والسرقة والاحتيال والاقتتال. وكل من يفكر في شروط حياة مجتمعاتنا العربية يعيش على أعصابه ويدرك نتائج هذه الثقافة ودورها في وحشنة مجتمعاتنا ودفعها نحو البربرية.

ما نحتاجه في مجتمعاتنا هو التخلص من الاستلاب للبضاعة، لموضوعات الاستهلاك، للسلطة والقوة المادية، والعود إلى الإنسان، والتركيز عليه والاهتمام بمصيره، أي العناية بترسيخ ذاته وذاتيته. وهذا ما يستدعي التركيز على تجديد الثقافة الإنسانية, اكتشاف معنى الإنسان أو ما يجعل منه إنسانا اليوم، في عصرنا، وشروط تحقيق إنسانيته، معرفة معنى الفرد والفردية المسؤولة، ومتطلبات وجودها، تأهيل الضمير، أي السلوك حسب مبادئ, لا اندفاعا وراء حاجات وغرائز. ويستدعي مساعدة الأفراد والشعوب على الارتفاع في نظرهم وسلوكهم إلى مستوى الحياة القانونية والأخلاقية السامية. وهو ما يتطلب إعادة بناء النظام الاجتماعي, وإصلاح آلية عمل النظام الدولي الذي يضم المجتمعات جميعا على قاعدة تعزيز التضامن الداخلي والعالمي، بين أبناء المجتمع الواحد وبين شعوب العالم ككل.

لا شك عندي في أن مجتمعاتنا فقدت نواة ثقافتها الإنسانية, وأصبحت مجتمعات متوحشة، أي مستسلمة للعنف وقابلة به كقاعدة للتعامل. وأكثر فأكثر يتضاءل وزن الثقافة والدين والقانون والأخلاق في توجيه سلوك الأفراد، وفي صوغ مصالحهم والتعبير عنها. وهذا هو الذي يفسر انتشار العنف، ويجعل من القوة المعيار الرئيسي وأحيانا الوحيد لحسم الخلافات وتأسيس التراتبية الاجتماعية والسياسية. وهذا ما يحكم نظمنا السياسية التي تنتمي جميعا لصنف النظم التسلطية والقهرية، والتي كثيرا ما تسن فيها الدساتير وتعدل القوانين حسب مشيئة الحاكم القوي، ولخدمة مصالحه ومصالح الفئات القليلة المرتبطة به.

على المستوى العالمي أيضا هناك تدهور خطير في شروط التعامل وعودة إلى سياسة العنف والقوة. فبعد فترة طويلة من النقاش والنضال من أجل إعادة بناء النظام الدولي على أسس عادلة, تتمثل في توزيع أفضل للموارد الدولية, توزيع أفضل للسلطة الإعلامية, تحديد أفضل لأسعار المواد الأولية - هذه كانت معركة الخمسينات والستينات - بعد هذا الأمل الكبير بإعادة إصلاح النظام العالمي, من أجل إدخال عناصر عدالة ومساواة أكبر بين الشعوب, وتحسين شروط الحياة لدى المجتمعات الفقيرة، التي كانت مستعمرة لفترة طويلة, عدنا الآن إلى مناخ لا يختلف كثيرا عن المناخ الاستعماري الذي شهدناه في أواخر القرن التاسع عشر, بمعنى ان من يملك القوة  من الدول الكبرى يعتقد أن له الحق في أن يفرض إرادته, وان يتقاسم الموارد الموجودة على الأرض, حتى في مواجهة حلفاء سابقين.

 لم يفعل الأمريكيون غير ذلك في الشرق الأوسط. حاولوا أن ينتزعوا لأنفسهم السيطرة على موارد الطاقة في وجه الأوروبيين, واليابانيين, والصينيين استعدادا لمعارك كبرى قادمة في إطار الحرب الاقتصادية. وبدل أن يتطور نظام العلاقات الدولية في اتجاه فرض قانون دولي أكثر عدالة, سرنا في اتجاه خرق القانون وتقويضه. وتشكل الحروب التي شهدها العراق منذ سنة 1991 مرورا بـــ 2003, إلى اليوم, تعبيرا واضحا عن المسيرة التي قوضت فيها فكرة القانون الدولي. الأمريكان خاضوا حربا لوحدهم, ابتداءً خاضوا حربا بتكتل غربي إلى 1991, ثم خاضوا حربا لوحدهم, حتى بدون النظر لمعارضة الأمم المتحدة, واعتراض حلفائهم في حلف الأطلسي. وهذا دليل على انه لم يعد هناك فعلا قانون دولي. وهو السبب العميق باعتقادي في تفجر العنف الدولي انطلاقا من مناطقنا.

ليس العنف إسلاميا وليس عربيا. منذ عشرين أو ثلاثين عاما كان العنف الإرهابي، أو ما يسمى كذلك، مركزا في أمريكا اللاتينية, وفي أفريقيا وآسيا. وكانت المنظمات الإرهابية مقتصرة تقريبا في وجودها على أوروبا أو اليابان. وبالمقابل لم يكن هناك إرهاب إسلامي. السؤال اليوم لماذا يخرج الإرهاب في معظمه من بلداننا؟ ولماذا تخرج أكثر المنظمات التي تمارس الإرهاب من منطقتنا؟ ليس بسبب الإسلام الذي لم يتغير موقعه في المنطقة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، وإنما لأن منطقتنا شهدت في العقود الثلاث الأخيرة أكثر من أي منطقة أخرى في العالم انهيارا خطيرا في الثقة, وتفجرا للنظم الأخلاقية والقانونية الفاعلة على المستوى الوطني, وعلى المستوى العالمي معا، بسبب عوامل محلية ودولية متضافرة هي التي ينبغي التركيز على تحليلها.

 

   أين تكمن الأزمة؟

* يقال: ان كل إرهابي مسلم أو كل مسلم هو إرهابي، فالعمليات التي تجري في العالم الآن، مع الأسف الشديد من ورائها مسلمون، خصوصا العمليات ذات الطابع الفاشي العدواني، تقتل أبرياء، تمارس عملية تدمير وقتل وحشي، أين تكمن الأزمة؟ 

* العنف المتفجر هو نتيجة طبيعية لانهيار نظم المدنية الثقافية والقانونية والسياسية، الذي يشكل أحد نتائج الأزمة التاريخية الشاملة التي تعيشها المجتمعات العربية. وأقول العربية وليس الإسلامية لأنها متركزة بالفعل في منطقتنا، وفي المشرق العربي خاصة، قلب الأزمة. فالعنف يقل كثيرا في المناطق الإسلامية المستقرة أو شبه المستقرة. وهو ضعيف بين المسلمين الأتراك والأسيويين. لكن في المشرق والشرق الأوسط، يشكل العنف اليوم السمة البارزة في الحياة المدنية والسياسية للشعوب.

أصل هذه الأزمة ليس الدين، ولو أنها اكتملت بتفجير أزمة دينية. إنه نتيجة ما شهدته ولا تزال تشهده البلدان والشعوب منذ خمسين سنة, من اضطهاد وظلم وترويع، وما يتولد عن ذلك من احتقان وتوتر ونزاع، في ظل نظام عالمي أفرغ حركة التحرر من الاستعمار من مضمونها، دفاعا عن مصالح الدول العظمى النفطية والإستراتيجية، وكذلك على أيدي نخب محلية فقدت مقومات الشرعية، ولم يعد لها أمل في الحفاظ على السلطة والثروة إلا بالتحالف مع القوى الأجنبية الاستعمارية. وتحت سلطة هذا التحالف عرفت الشعوب في الخمسين سنة الأخيرة ممارسة للعنف على الأفراد والمجتمعات : العنف الرمزي, والعنف الديني, والعنف السياسي, والعنف المادي، من قتل, واغتيال واختطاف، وسجن, وحروب طاحنة ومستمرة, للدفاع عن الاستيطان الاستعماري وانتزاع الأرض ومصادرة الملكية الخاصة، كما لم يحصل في أي منطقة أخرى من العالم. فانهارت تحت وطأته النظم المدنية والثقافية التي تكونت خلال قرن على الأقل من التحديث الفكري والسياسي والاجتماعي. وتم اختطاف الدولة وتحويلها من أداة لإعادة بناء المجتمعات على أسس وطنية، كما كنا ننتظر منها, يعني على أسس المساواة والحرية, إلى أداة لسلب الأفراد إرادتهم, وانتهاك حقوقهم, وتكبيلهم وإخضاعهم من أجل الانصياع إلى إرادة الحاكم الواحد والمطلق.

هذه أزمة حقيقية حصلت في اجتماعنا السياسي والمدني في العالم العربي, وتفسر وجود الأرضية أو التربة الصالحة لتنامي العنف, والعنف المضاد.

منذ أربع سنوات كتبت مقالا, قلت فيه: أن الإرهاب هو ملخص حياة الشرق الأوسط الراهن. والقصد أن الإرهاب لا يقتصر على ما تقوم به بعض الحركات الإسلامية في الخارج. فمن يتعرض حقيقة للإرهاب اليومي هي شعوب الشرق الأوسط, سواء من قبل حكامها ونظمها السياسية, التي هي نظم قهرية, أو من قبل قوى السيطرة الإسرائيلية والدولية. فما تقوم به إسرائيل هو إرهاب ليس للشعب الفلسطيني فقط ولكن لشعوب المنطقة بأكملها. وما تقوم به الأنظمة الاستبدادية والقمعية، هو إرهاب منظم لهذه الشعوب نفسها، وما تمارسه بعض الدول الغربية وقطاعات من الرأي العام المعادي للإسلام من استفزازات وتحرشات بالمسلمين وإهانة لهم هو إرهاب أيضا وعنف.

ولا يمكن أن نفهم كيف تحول العنف الذي انفجر في البلاد العربية منذ السبعينات, وكان محصورا فيها وموجها نحو الداخل إلى عنف موجه نحو الخارج من دون ان نرى الرابط, من دون ان نشدد على هذا الرابط الذي حصل في التاريخ والواقع, بين العنف الذي استخدمته النظم المطلقة الاستبدادية, والعنف الإسرائيلي الذي مورس على هذه الشعوب, والعنف الدولي الذي دعم هذه الأنظمة وكان وراء تكريسها.

فقد كانت معظم الحركات الإسلامية تنزع إلى تغيير النظم وليس إلى ضرب أهداف خارجية. ولكنها بدأت تتوجه نحو الخارج بقدر ما اكتشفت بالعمق، وبالممارسة العملية, أن هذه النظم المستبدة والمطلقة, الفتاكة والقاهرة, لها جذورها وحمايتها ومظلتها الحقيقية في الخارج,  وفي الولايات المتحدة بالدرجة الأولى, التي تشكل الحاضنة لجميع هذه النظم الاستبدادية, التي ترى فيها كلاب حراسة لها في منطقة إستراتيجية, تسعى إلى الاحتفاظ بها ضمن دائرة النفوذ الغربي وسيطرته.

فبقدر ما اختارت هذه الدول هذه السياسة، أصبحت طرفا في الصراع الداخلي أيضا, وأصبحت مصالحها مستهدفة بالتساوي مع مصالح القوى العربية الرسمية.

 

* ألا تعتقد ان هذا الكلام ينطوي على شيء من اختزال العنف واحالته إلى عوامل خارجية، أو هو احد أشكال التبرير لسلوك الجماعات التكفيرية التي تمارس الإرهاب، بالرغم من ان هناك مجموعة من الأسباب الأخرى التي تنتج العنف وتمده بأسباب الحياة؟ ألا تعتقد أن الموقف التعبوي المبتني على رفض كل ما هو غربي، ومناهضة المعرفة الجديدة، والثقافة الغربية، والحقوق والحريات والقيم والنظم الحديثة، جذوره راسخة في العقلية السلفية، وهو يفضي إلى تكفير الآخر وشن الحرب عليه؟ 

* التراث الذي تتحدث عنه كان موجودا منذ أربعين سنة, ومنذ خمسين سنة, وموجود منذ قرن, والتراث لم ينشأ في الثلاثين سنة الأخيرة. تراث السلفية لم يتبلور في هذه الفترة. نفس هؤلاء العرب المسلمون الذين ناضلوا منذ القرن التاسع عشر من أجل تأكيد الاستقلال والوطنية, وأشعلوا ثورات من أجل الدستور في كل المناطق, وقاتلوا تحت شعارات حديثة, من أجل التحرر والاستقلال, مثل كل شعوب العالم الثالث, يناضلون ويقاتلون ويشعلون حرب العداء للغرب, كما لم يحدث مسبقا.قبل عقود قليلة لم تكن هناك أيديولوجيا أخرى مسيطرة على المنطقة سوى إيديولوجيا التحرر الوطني, وبناء دولة قومية واشتراكية أو ديمقراطية. كيف تحول هؤلاء أنفسهم اليوم, وما الذي يفسر تغير مزاجهم الفكري والسياسي، وتحولهم عن معركة التحرر والتحديث إلى معركة التأكيد على الهوية والتشبث بالخصوصية, والخوف من كل ما هو بدعة أو صرعة أجنبية؟ كيف انتقلنا من فتنة الحداثة التي سيطرت على شعوبنا لأكثر من قرن ونصف, إلى فتنة التراث والخصوصية والأصالة، أي إلى مناخ أصبحنا نرفض فيه كل النظم و المؤسسات والقيم الحديثة, باعتبارها أجنبية معادية, ينبغي التخلص منها؟

يمكن الإجابة بسرد عدة نقاط:

النقطة الأولى:

هذا لا يفسره التراث, التراث كان موجودا من قبل, هذا يفسره الظرف التاريخي الذي وجدنا فيه, والذي دفع البعض إلى إعادة تأويل التراث بطريقة مختلفة عن السابق, تبيح استخدام العنف, إن لم تجعل من عبادته رديفا للإيمان بالتساهل في تفسير معنى الجهاد.

وهذا يعني أن العنف لا يوجد في التراث, حتى لو انطوى هذا التراث المكتوب والمسموع، الذهني والعملي التاريخي، على تبجيل العنف. العنف موجود عند الأشخاص الذين استعادوا التراث من زاوية ما فيه من عنف, أو أعادوا تأويله لينسجم معه.  لماذا أعاد بعض الأشخاص أو بعض الفرق, أو بعض قطاعات الرأي في العالم الإسلامي النظر في تراثهم, لينتزعوا منه كل ما يؤكد على العنف؟ هذا لا يفسره التراث, تفسره حياة الناس, يفسره الحاضر والتحديات التي يواجهها الناس في الحاضر. أنا اعتقد انه لا يمكن أن نفهم العنف أبدا إذا اعتبرناه ترجمة طبيعية لما هو موجود من قيم وأفكار في تراثنا تدعو للعداء أو الشدة مع الآخر، أو تعبيرا تلقائيا عنها.

وهذا ما يسعى إلى تأكيده القسم الأعظم من المحللين الغربيين, بقصد التغطية على المفجرات التاريخية، أي الراهنة للعنف، بإلحاقه بعوامل ثقافية ودينية وتاريخية بعيدة وعمومية. ثم إنه لا يوجد دين, لا الإسلام ولا المسيحية ولا غيرهما، يخلو من العنف المادي والرمزي، ولا يشتمل على عناصر المواجهة والكفاح والتحدي، كشرط لبناء روح المقاومة وإرادة الكفاح عند أعضائه, لتأكيد الذات أو لمواجهة القوى المناهضة له. لكن الأديان والثقافات الكبرى التي تبيح جميعها العنف تنزع إلى التركيز بشكل أكبر على قيم الرحمة والتسامح والمودة. وهي العناصر الأقوى عادة. وهذا ما يجعل منها أديانا وليس طوائف صغيرة مغلقة. وهذا نابع من هدف الأديان الكونية ووظيفتها الرئيسيين، أعني تأليف القلوب, وجمع الناس وحثهم على تجاوز تناقضاتهم وخلافاتهم وتوحيد كلمتهم.

ولا يشذ الإسلام عن ذلك, فهو دين مفتوح على العالمية, وليس دينا قوميا, بمعنى العصبية القومية. هذا هو وضع الثقافة الحديثة أيضا التي تنظر للحرب وتبني استراتيجياتها الأكثر عقلنة ومضاءا، من دون أن يمنعها ذلك من أن تدافع عن رسالة الحرية والعدالة والمساواة بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، بل بين البشر بصرف النظر عن أصولهم وأديانهم. يوجد الوجهان في الثقافة الحديثة تماما, كما هما موجودان في الثقافة القديمة أيضا.

السؤال الصحيح هو: ما الذي يدفع المجتمعات أو أقساما من الرأي العام، في لحظة من اللحظات, في مجتمع ما, إلى  أن تركز على جوانب الحرب وليس على جوانب السلم, على جوانب العنف, وليس على جوانب المودة والرحمة، على حقوق الإنسان وليس على المصالح القومية الأنانية التي أنجبت عنف الاستعمار والنازية؟ هذا هو السؤال المطروح.

يرجع انفجار العنف في نظري إلى انهيار النظم الثقافية والقانونية والسياسية والأخلاقية التي تؤطر المجتمعات وتنظمها وتؤنسن الفرد. وقد حصل الانفجار نتيجة الضغوط القوية والمستمرة التي تعرضت لها. فقد أدت الحروب، والصراعات المستمرة الداخلية الأهلية والخارجية, والإخفاقات التي عرفتها الشعوب، إلى تفاقم التناقضات والتوترات داخل المجتمعات، وعمل جمود الفكر وتراجع القيادة السياسية والإدارة المدنية معا، على تراكم العجز عن مواجهة التحديات والنزاعات التي لا حل لها، والتي ضاقت النظم الثقافية والسياسية والمدنية الأخرى عن احتمالها. كانت مساهمتنا نحن أنفسنا كبيرة في هذه الحروب والصراعات والإخفاقات، أعني نخبنا ودولنا وشعوبنا من دون شك. لكن كانت مساهمة أطراف خارجية، بسياساتها العدوانية هامة وكبيرة أيضا لا يمكن تجاهلها.

وهذا ما يفسر لماذا كان تفجر العنف أقوى بكثير في المنطقة العربية، وفي البؤرة التي تقع في قلب الأزمة، أي في المشرق العربي، ولم يحصل في كل العالم الإسلامي، لم يحصل مثلا في تركيا, ولم يحصل عند المسلمين الهنود. فظروف حياة المنطقة في العقود الخمس الماضية هي التي أنتجت التربة الملائمة لنمو العنف, لانفجار العنف في الداخل, وانتشاره إلى الخارج.

 

النقطة الثانية:

التي يدور حولها النقاش, كيف ولماذا انتقل العنف الداخلي, الذي يفسره تحلل النظم المدنية والثقافية, بما في ذلك تفكك وحدة الرؤية الدينية, إلى الساحة الدولية, فأصبح عنفا موجها نحو الخارج, وليس نحو التغيير في الداخل؟ أنا أقول: توجه نحو الخارج بقدر ما كان الخارج, وليس أي خارج, وإنما أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أو الغرب عامة، شريكا في المسؤولية عن الخراب الداخلي للمجتمعات. فهو حتما ليس موجها للصين, و لا للهند, ولا لروسيا أو البرازيل, بالرغم من أنها جميعا دول كبرى، ولا لأفريقيا بالتأكيد.

هذا يطرح سؤالا جديدا: إذا كان الأصل في هذا العنف هو كره الأجنبي, كما يريد لنا منتقدو الإسلام الاقتناع به, لماذا يتركز هذا الكره كله على القوى الغربية؟ ألا توجد هناك علاقة بين اتجاه هذا الكره، وسيطرة هذه القوى بالفعل على الشرق الأوسط، من ضمن إستراتيجيتها للحفاظ على موقع السيادة في المنظومة الدولية؟ لا أحد يستطيع أن ينكر أن الشرق الأوسط خاضع لنفوذ مباشر أمريكي - أوروبي, وان الصينيين, والهنود, والأفارقة, والأمريكيين اللاتينيين, لا ناقة لهم ولا جمل في ما يحصل في هذه المنطقة.

إذن لا يمكن أن نفهم العنف على أساس انه ناتج طبيعي وثمرة طبيعية لتراث يدعو إلى العنف، ونجعل العنف صفة لهوية وماهية إسلامية. هذا ما يريد بعض المحللين الغربيين أن يقنعونا به, ليهربوا من مسؤولياتهم الخاصة في إنتاج هذا العنف. بالتأكيد، لم ينتجوه هم, لكن مسؤولياتهم في إنتاجه كبيرة جدا، سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة. عن طريق توكيل الأطراف المحلية وحمايتها، وتكليفها بمهام السيطرة والقمع والقهر، وبسبب عدم احترام هذه الدول القوانين الدولية التي كانوا في أساس صياغتها وفرضها.

فلا أحد ينكر اليوم أن الأوصياء على النظام الدولي والمتحكمين في مجلس الأمن هم الأمريكيون والأوروبيون. وهم أول من انتهك مبادئ القانون الدولي في المنطقة, وضربوا ثقة الشعوب به, وبنجاعة العمل السياسي والسلمي لاسترجاع حقوقهم المشروعة.

وقضية إسرائيل ليست قضية سهلة أبدا, ليست قضية ثانوية في فهم انتقال العنف نحو الخارج. لا ينبغي أن نقلل من مغزى الحرب المستمرة والنزاع  المستمر في المنطقة العربية بين العرب وإسرائيل منذ أكثر من نصف قرن, وأصداء حركة الاستعمار الاستيطاني اليهودي المستمر، ومضاعفات تدمير شروط حياة الشعب الفلسطيني ومستقبله في المنطقة، على بقية الشعوب المحيطة بها, والتي هي اليوم حاضنة العنف في المنطقة. من أين يأتي العنف؟ من مناطقنا, مناطق المشرق العربي المحيطة بإسرائيل, التي كادت تضيع معنى القانون بسبب الانتهاكات الصارخة والمستمرة في الداخل, القانون الوطني, والقانون العالمي.

انتهك القانون الدولي لصالح السيطرة الغربية, وفجر أمامه انتهاكا مقابلا للقانون. لان القانون الدولي والحياة القانونية بأكملها لم تعد ذات مدلول أو معنى، لم يعد هناك ما يردع بعض الأفراد أو الفئات التي فقدت الثقة بالإرادة الدولية, والأمل بخلاص من خارج دائرة العنف، عن الانخراط في العنف من دون حساب، بما في ذلك ضد النفس، اعتقادا بأنه الطريق الوحيد لانتزاع الحقوق العربية أو الإسلامية. ولذلك كان المسلمون أنفسهم هم الضحية الرئيسية للعنف، وهدف العنف المتفجر على يد الجماعات المتطرفة الإرهابية.

 

النقطة الثالثة:

 لا يعني تفسير أسباب نمو الظاهرة أبدا تبريرها, ولا إضفاء الشرعية عليها. وليس الهدف من تحديد المسؤوليات توزيع التهم على هؤلاء وأولئك, ولكن فهم الظاهرة التاريخية. كما أن الإقرار بقسط من المسؤولية على السياسات الغربية، وليس الغرب كثقافة وحضارة وشعوب، لا يعني بالضرورة إعفاء الآخرين، ونحن منهم من المسؤولية. نحن مسؤولون عن العنف كمثقفين عرب  ومسلمين.

الفقهاء مسؤولون عن العنف, لأنهم بدل أن يساعدوا المجتمعات على ضبطه وإدانة التطرف الذي يقود إليه، غالبا ما كانوا ولا زالوا يسايرونه وأحيانا يؤيدونه علنا، وفي أهم وسائل إعلام سمعية بصرية.

الحكومات العربية والنظم التسلطية والنخب السياسية والمدنية، الحاكمة والأهلية، مسئولة هي أيضا، بسبب سياستها الفاسدة التي لا تراعي سوى مصالح أصحابها، أو تقاعسها، أو استهتارها بالقانون والحق والعدالة، عن تفجر العنف, وعن إيصال الأوضاع إلى ما هي عليه.

ومع ذلك لا يقلل هذا الاعتراف من مسؤولية الحكومات الغربية الكبرى، وهي صاحبة السلطة المطلقة على الصعيد الدولي, وفيما يتعلق بتوزيع الثروة وتوزيع السلطة, واحترام حق تقرير الشعوب لمصيرها. والذين أرادوا أن يجيبوا على تفجر الإرهاب العربي بحرب عالمية ضد الإرهاب, يعني بإرهاب العالم الإسلامي كله, سياسيا, وثقافيا, وعسكريا, هم أيضا مسئولون بصورة مباشرة عن امتداد العنف وانتشاره في العالم، ربما أكثر من أي طرف آخر.

لأن الرد على الإرهاب ومقاومته لا يتحققان من خلال تعزيز الأسباب التي أدت إليه, أعني بخرق اكبر للقانون, واحتيال أكثر عليه، وتسويق التعسف والعنف، والالتفاف على القضاء, كما حصل في غوانتانامو وأبي غريب وغيرهما، وكما يحصل في موضوع حرمان الفلسطينيين من استرجاع حقوقهم وتحقيق مطالبهم المشروعة..لا يكون الرد على العنف إلا بنزع فتيل العنف, أي بإزالة الأسباب التي تدفع إليه.