حول العولمة والديمقراطية ودور المثقف ومشكلة الاسلاموية

2008-10-26 :: مجلة ابيض واسود

ترجمة :

 

 

 

(أبيض وأسود) التقت الدكتور غليون في زيارته الأخيرة إلى دمشق وحاورته حول العولمة وعلاقتها بالديمقراطية وتطرق الحديث إلى أولويات المثقف ودوره في هذه المرحلة. 

بالرغم من كل ما يقال عن العولمة، إلا أنه ليس هناك تعريف محدد وواضح لها. ما توصيفك لهذه الظاهرة وكيف تفهمها؟ 

تتميز العولمة بديناميكية تدفع أكثر فأكثر باتجاه توحيد الفضاءات الإنسانية، بمعنى الدمج (دمج اقتصادي أكثر بين الأسواق، دمج إعلامي وثقافي بين الثقافات وبين الفضائيات الإعلامية) الأمر الذي يعني أننا أمام إعلام واحد، وبالتالي فإن الشعوب سوف تتلقى ثقافة واحدة، وسوف يكون هناك اتصال وتداول كبير في المعلومات من خلال الصحافة والقنوات الفضائية. الأمر الذي يخلق ديناميكية إعلامية مرتبطة بالثورة التكنولوجية والعلمية الحديثة تختلف عما كان يجري في الماضي. وهنا يؤدي إلى تقليص دور وسائل الإعلام الوطنية، لصالح يختلف أو حتى يتناقص إلى حد كبير مع الإعلام، الذي كان مبلوراً حول مفهوم الوطنية، والوطن المستقل السيد حاكم نفسه بنفسه دون أن يخترقه شيء من الخارج. وبالتالي فإن المرحلة العولمية يمكن تسميتها بمرحلة ما بعد الوطنية، مرحلة النظام العالمي، وهذا النظام لا يقوم على الوطنيات التي بنيت في القرن (التاسع عشر) والقرن (العشرين) وإنما يقوم على تفاعل أكبر واندماج أكثر بين كل الفضاءات وطنية وما فوق وطنية، وبناء مؤسسات وشركات إنتاج ما فوق وطنية يمكن تسميتها بـ (العالمية). 

هل من الضروري مواجهة العولمة، وهل من الممكن فعل ذلك؟ 

لابد من مواجهة العولمة! لكن أعتقد أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة نظر، ويصبح السؤال هل من الممكن مواجهة الثورة العلمية، وهل من الممكن مواجهة الرأسمالية؟ الإجابة تأتي بنعم، لكن السؤال الأهم كيف؟ برأيي نعم يمكن مواجهة العولمة، لكن بأي منظور؟ إذا كان المقصود مواجهة العولمة عن طريق فرض تعديلات أساسية على سياسات الدول المسيطرة على النظام العالمي الجديد. لأنه هناك نظام عالمي جديد يخلق إطاراً موحداً تسيطر عليه بعض القوى الرئيسة ولا صعوبة في تحديدها (التكتلات الثلاثة) (أوروبا الغربية - أمريكا الشمالية - اليابان) إذا كان هدف مواجهة العولمة هو إيجاد تكتل عالمي مقابل، يفرض على هذا التكتل المسيطر أن يعدل سياسته، بما يسمح بضرب الاستقطاب، أو بالحد منه، بالحد من التهميش، بالحد من تمركز الثروة في مناطق معينة. في هذه الحالة يكون للمواجهة معنى لا بل تكون المواجهة مطلوبة لكن هذا يحتم علينا أن نقبل بفكرة العالمية وأننا أصبحنا في قرية واحدة وعالم واحد. الأمر الذي يقود إلى القول بأن مواجهة العولمة لا تعني شتمها ولعنها، بل القبول بفكرة أننا أصبحنا نعيش ضمن عالم متفاعل يؤثر أي تغير داخل قطب على الأقطاب الأخرى. وبالتالي ليس من الممكن اليوم تصور سياسة وطنية بدون سياسة عالمية، ولا يمكن حصول أي تقدم إلا إذا نجحنا بتغيير السياسات العالمية التي تتحكم بمستقبل الجميع خاصة وأن المؤسسات التي تتحكم بالتنمية هي مؤسسات مالية دولية (البنك الدولي - صندوق النقد الدولي) وهذه المؤسسات هي التي تتحكم بعمق السياسات الاقتصادية. والشعوب مضطرة إلى أن تتعامل مع هذه المؤسسات وتعتمد على مساعدات وقروض صندوق النقد الدولي، وبالرغم من أن صندوق النقد الدولي يضع شروطاً خاصة للمساعدة فإن الكثير من الحكومات تحاول الحصول على هذه المساعدات بأي ثمن لتتخلص من حالة الجوع والفقر لديها. ولابد أن تخضع لمعايير جديدة بحيث تساعد على دفع عملية التنمية والاستقلال الذاتي وإلغاء التبعية المكلفة، بهذا المنظور نواجه العولمة في إطار صحيح ومنظور صحيح. 

هناك من يقول أن العولمة ستقود إلى ديمقراطية أكثر، وستخلق جواً ديمقراطياً جديداً في العالم العربي، ما رأيك بهذه المقولة. وهل ترى فعلاً أن هناك من رابط بين العولمة والديمقراطية؟ 

لا أعتقد أن النظام العالمي الجديد أو العولمة حاملة لمشروع ديمقراطي لأي بلد إطلاقاً. أعتقد أن الديمقراطية هي مشروع مرتبط بالتطور داخل كل مجتمع. التعلق بالحرية يعكس تطوراً أخلاقياً وهذا لا تختلقه العولمة. ولا أي نظام عالمي. إن التحول الديمقراطي يتطلب تطور الدولة القانونية بمعنى سيادة احترام للقانون وهو أمر ضروري وأساسي في حياة المجتمعات. وهو مرتبط بتطور حد أدنى من التضامن الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة. وتخفيف التناقض الهائل بين النخبة صاحبة الثروة، وبين فئات الشعب. عندما تتحقق هذه العوامل. يمكن بالتالي نشوء جو ديمقراطي حقيقي. 

ما هو دور المثقف في هذه المرحلة تحديداً؟ 

في الحقيقة فيما يتعلق بدور المثقف يمكن أن نلحظ موقفين؛ موقف يدفع المثقف إلى المسايرة أو ينادي بأن المثقف يجب أن يتعامل مع الواقع مثل ما هو أو لا يجب عليه أن يشتغل في السياسة وإنما أن يهتم بالدفاع عن نفسه وعن مصالحه. وموقف ثاني يرى في المثقف الطليعي يطالب بممارسة دور الطليعة المبشرة والرائدة التي ينبغي أن ترتبط بالشعب وتؤمن بقضاياه وتعمل على تحقيق مصالحه. أعتقد أن الموقف الأول يقود للانتهازية والثاني قاد إلى طريق مسدود إلى طريق عزلة المثقف نفسه عن الجمهور، وعن السلطة، وعن التأثير في الحياة والسياسة. ولا أقصد بعزل المثقف عن السلطة وإنما منعه من المشاركة في الحكم والتأثير بالسياسة اليومية ذاتها. أما أنا فمن الذين يقولون إن المثقف فاعل من ضمن فاعلين اجتماعيين متعددين. ولا يمكن أن يلعب دوراً مؤثراً إلا بقدر ما يندمج عمله الفكري بعمل فاعلين اجتماعين آخرين، سواء أكانت طبقات، أو كانت فئات، أو أحزاباً، وهو ليس المنارة لكل الناس، وليس نبياً وليس ملهماً وليس صاحب القضايا المبدئية وليس الطليعة، بل هو الذي لا يأخذ قيمته إلا بقدر ما يتفاعل مع الأطراف الأخرى، لكن كيف يتفاعل وما هي قيمة عمله؟. برأيي إن دور المثقف الرئيسي والخصوصي نابع مما يستطيع أن يقدمه للفاعلين الاجتماعيين المتعددين من رؤية نقدية واضحة بخصوص كل القضايا العامة التي تهم المجتمع ومساهمته الرئيسية تكمن أيضاً في بلورة وعي جميع الفاعلين المتعددين المساهمين بالحركة الاجتماعية. من هنا أعتقد أن محور حركة المثقف اليوم في مجتمعاتنا هو القضية الديمقراطية، أي العمل على التحويل السياسي للأنظمة العربية نحو الديمقراطية، ليس فقط بالمعنى السياسي وإنما بالمعنى الاجتماعي أيضاً أي بمعنى المساواة الفعلية أمام القانون والتوزيع الأكثر عدالة للثروة وعدم السماح بنشوء أقلية اجتماعية متميزة ومستقلة عن بقية أبناء المجتمع. باعتقادي أن هذا هو اليوم الدور الرئيسي للمثقف: وعي نقدي وبنفس الوقت وعي مبلور لمجموع الرأي العام، ومساهم في توحيد الفاعلين المتعددين أو المشاركين في العملية الاجتماعية وفي الحركة الاجتماعية والعملية. 

يتميز الخطاب الإسلامي المعاصر بعناصر ورؤى محددة، ما هي أهم النقاط التي يمكن أن تأخذها على الخطاب الإسلامي المعاصر؟ 

اختلفت مع الحركات الإسلامية التي خلطت السياسة بالدين. وأنا أعتقد أن المخرج من هذه الخلافات التي أدخلنا فيها عدم الاعتراف بالآخر بين الإسلاميين وغير الإسلاميين هو أن تميز الحركات الإسلامية طبيعة عملها وتختار: إما أن تكون حركات تشارك في التغيير من منطلق الاعتراف أيضاً بالآخرين، من منظور ديمقراطي، أو أن تكون جمعيات دينية، وهذا معناه أن تختار بين التبشير الديني وهذا نشاط موجود في المجتمع وله الحق بالوجود وبين العمل السياسي الذي يعني العمل على أساس ديمقراطي، وأنا أقول إن مشكلة الأحزاب الإسلامية هي أنها خلطت بين الدور التبشيري الديني والدور السياسي، وأنها لم تنجح في أن تخرج من أزمة الهوية. فلو نجحت الحركات الإسلامية في أن تتجاوز هذا الخلط لكانت أوضاعنا مختلفة اليوم جذرياً في العالم العربي. 

ما معنى ذلك؟ 

أن تقر الحركات الإسلامية بأن ما تنادي به هو برنامج سياسي يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب، ولا تعتبره تمثيلاً أو تجسيداً لموقف ديني، وتعتبر بالتالي كل من يقف ضد هذا البرنامج خارج من الدين. 

عن مجلة أبيض وأسود

لقاء مع  وحيد تاجا

2008-10-26