بعد خمسة أعوام على الثورة السورية : قرار الانسحاب الروسي ضد الأسد

2016-03-17 :: المسيرة

ترجمة :

فادي الأحمر

إعتبر رئيس المجلس الوطني السوري السابق الدكتور برهان غليون أن الثورة السورية واجهت صعاباً لم تتمكن دائماً من تقديم إجابات عنها، معتبراً أن هناك فرقاً كبيراً بين أخطاء الثورة وأخطاء المعارضة. ورأى في حديث لـ”المسيرة” بعد خمسة أعوام على الثورة السورية أن المعارضة التي نشأت بقيت مجموعة من الشخصيات والتنظيمات الصغيرة التي تفتقر إلى الكوادر مشيراً الى أن الأوروبيين كانوا اقرب الى دعم نضال الشعب السوري فيما ينتقد الأميركيون انفسهم اليوم بسبب السياسات المتناقضة التي اتبعوها تجاه سوريا.

وأبدى غليون اعتقاده بأنه كان من مصلحة النظام فصل الأكراد عن بقية الشعب السوي، مؤكداً أن نظام الاسد لم يعد قادراً على تقرير مصير سوريا ولا مصير الجزء الذي يسمّونه “سوريا المفيدة”.

ولفت الى أن المعارضة شاركت في مؤتمر جنيف على أساس ان ليس بشار الأسد من يقرّر مصير المفاوضات، مؤكداً أن مصير سوريا اليوم يتقرّر في مفاوضات دولية.

ورأى أن الفدرالية في سوريا تعني أنه بدل الحرب الواحدة سيكون لدينا عشرون حرباً، مذكراً بأن الثورة قامت بسبب التمييز الطائفي. ووصف قصف النظام وترحيل السكان من بعض المناطق بـ”السطو ” على أملاك الناس، مؤكداً أن هذا هو وهذا جزء من مشروع إيراني. وشدد على أن حزب الله” بدأ بالتغيير الديموغرافي في القصير، بعدما احتل المنطقة وطرد السكان منها وسيطر على أملاكهم.

وهذا نص الحوار كاملاً:

 

أكاديمي وسياسي. ثوري قبل الثورة. ومعارض قبل ان يسمع العالم بمعارضة سورية. عايش الاسد الاب والابن. عارض الاثنين. هو ابن حمص. المدينة التي صدمتها، مع جارتها حماه، اول موجة من عنف هذا النظام في العام 1982. “حينها وقع الطلاق بين النظام والمجتمع”، كما اسرّ لي في العام 2008 في احدى حواراتنا حول الوضع السوري في العاصمة الفرنسية. كان ينتقد نظرتي اللبنانية – الطائفية للواقع السوري. فهو مقتنع بأن الشعب السوري ليس طائفياً ولا يزال على رغم تحوّل سوريا الى بؤرة للاصوليات والتنظيمات التكفيرية. بعد خمس سنوات على انطلاق الثورة السورية برهان غليون يتذكّر. يتكلّم من موقع العارف. يحلّل من موقع المتخصّص. يتّخذ المواقف من موقع المعارض. على مدى اكثر من ساعة كان هذا الحوار مع الدكتور برهان غليون، استاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون وأوّل رئيس للمجلس الوطني السوري، أوّل تنظيم سياسي للمعارضة السورية.

 

* كيف تنظرون الى قرار الرئيس الروسي البدء بسحب قواته الأساسية من سوريا؟

* هذا القرار يمكن ان يحدث ثغرة في حائط الأزمة السورية المسدود منذ سنوات، وهو قرار جدّي وموجّه بشكل أساسي ضد النظام ورئيسه بشار الأسد، بخاصة وان تصريح وزير الخارجية السوري وليد المعلم الأخير أظهر وكأن النظام يتصرّف على أنه متنصر، وغير عابئ بما يقرّره حلفاؤه الروس الذين دعموه على مدى خمس سنوات وانقذوه من الانهيار في الأشهر الأخيرة. كما ان تعيين النظام السوري موعداً للانتخابات النيابية في نيسان المقبل هو عدم اعتراف بالمرحلة الانتقالية التي اتفق عليها الروس والأميركيين ونسف لها”.

 

* ما هو تقييمكم للثورة بعد خمسة أعوام على انطلاقها؟

* خلال خمس سنوات ضحى السوريون بكل ما لديهم، بما فيه وطنهم، من اجل استعادة الحقوق البسيطة في الحرية والكرامة، وللوصول الى نظام يحترم الانسان. اعتقد أن ما حصل كان ثورة عظيمة، ليس لها مثيل في الشجاعة والبطولة والبسالة. وبالمقابل كشفت عن نموذج صارخ للانهيار الاخلاقي والسياسي والانساني لنخبة حاكمة اظهرت تماماً انها ليست من هذا الشعب ولا تهمها مصالحه. انه درس للعرب جميعاً.

 

* بعد خمسة أعوام أين أخطأت الثورة؟ وأين نجحت؟

* إسمح لي ان أصحح بعض المصطلحات. الثورة هي انفجار شعبي كبير نتيجة تراكم القهر والاستغلال والعنف ضد شعب كامل خلال فترة طويلة. وهي انفجار لشعب يريد التعبير عن نفسه. هذا ليس خطأ. لم يخطئ الشعب حين خرج ضد نظام ظالم وقاهر. يمكن التكلّم عن أخطاء المعارضة المكوّنة من أحزاب وتيارات ومجموعات… مثل المجلس الوطني والائتلاف الوطني…

 

* هذا ما قصدناه بالسؤال.

الثورة واجهت صعابا لم تتمكن دائماً من تقديم إجابات عنها. صحيح. لكن هناك فرق كبير بين أخطاء الثورة وأخطاء المعارضة.

 

* كيف يمكن اختصار أخطاء المعارضة؟

* لم يكن هناك من معارضة في سوريا. على مدى خمسين سنة كانت سوريا مغتالة سياسياً من قبل حكم جائر. كيف يمكن لمعارضة ان تتكوّن في ظل نظام يمنع على السوريين الاجتماع، او تشكيل حزب، او حتى جمعية للرفق بالحيوان… كانت الحياة السياسية والمدنية والاعلامية الحرة محرّمة كلياً. والبلد تديره مجموعة من اجهزة مخابرات تهدّد الانسان بحياته وعمله ووجوده أمام اي شكل من اشكال الاحتجاج أو حتى الانتقاد. كيف يمكن لمعارضة ان تتكوّن في مثل هذا الظروف؟ المعارضة جزء من نظام ديمقراطي أو لديه هامش ولو بالحد الأدنى من حريات التنظيم والتعبير والتواصل بين الأفراد. تحت حكم انظمة شرسة تعاقب على النوايا مثل النظام السوري لا يمكن ان تنمو معارضة ولا خبرة تنظيمية أو أساليب عمل سياسية او ثقافة للعمل الجماعي من أي نوع كان.

انطلاقاً من هنا بقيت المعارضة التي نشأت مجموعة من الشخصيات والتنظيمات الصغيرة التي تحولت بسبب القمع والحياة الطويلة في أقبية السجون إلى هياكل عظمية. تفتقر إلى الكوادر وكل أنواع الخبرة : في التنظيم والقيادة والإدارة والعلاقات الدولية والثقافة السياسية عموما. ولذلك لم يكن لديها القدرة أيضا على التواصل والتفاعل مع جمهور الثورة الشعبي الكبير ولا الارتقاء الى مستوى الرد على التحديات التي واجهتها، السياسية منها والعسكرية والدبلوماسية والفكرية. العديد من افرادها قضوا سنوات في السجون وتحت التعذيب. كيف يمكن توقع وجود معارضة حية وفعالة من هؤلاء؟ بالتالي لم تنجح المعارضة حتى في تنظيم نفسها، وبقيت شخصيات متناحرة متنافسة. كما كان حالها من قبل حيث كانت محصورة في الفضاءات المغلقة والضيقة.

 

* ألم يشكّل حجم التحدي وعنف النظام حافزاً للمعارضة كي تتوحّد؟

* على العكس. حجم التحدّي وعنف النظام منع المعارضة من ان تتنظّم. والدول التي حاولت ان تحتضنها، بدل مساعدتها في التنظيم والتدريب وفي بلورة مشروع عمل مشترك، راحت تختطف شخصية من هنا وحزب من هناك وتيار من هنالك. كما حاولت بعض الدول خلق تيارات وأحزاب كي تحصل على نفوذ داخل المعارضة على أمل ان يكون وسيلتها للنفوذ في المستقبل. بالتالي المسألة اكثر تعقيداً من أخطاء اشخاص المعارضة أنفسهم. اضافة الى فشل المجتمع الدولي في بلورة خطة جدية لمواجهة عنف النظام ضد الشعب السوري. وأبرز دليل تخبطه اليوم في إدارة قضية اللاجئين السوريين التي اصبحت تهدد استقراره، بعد خمسة أعوام من عمر الأزمة السورية.

 

* ألا تميّز بين موقف الأميركيين الذي وقفوا في وجه تسليح المعارضة ودعمها وبين موقف الدول الإقليمية وأوروبا؟

* لا وجود لموقف إقليمي بالعموم. هناك دول داعمة في الإقليم. وفي المجتمع الدولي ايضاً. عموماً الأوروبيون كانوا اقرب الى دعم نضال الشعب السوري. الأميركيون اليوم ينتقدون انفسهم بسبب السياسات المتناقضة التي اتبعوها تجاه سوريا. تخلّوا عن دورهم.

 

* ألم يكن مقصوداً هذا التناقض في السياسة الأميركية؟

* طبعاً سياستهم كانت متناقضة. في البداية طالبوا بتنحي الأسد وأظهروا دعمهم للمعارضة. ولكنهم لم يقدّموا الدعم الكافي. وضعوا خطوطاً حمراء. من ثم تخلوا عنها. حتى شعر الأسد ان بإمكانه ان يستبيح حياة الشعب السوري. وهذا ما فعله. لم يعد يخشى اي عقاب دولي ولا أممي.

 

* ما هي الخطوط الحمراء التي وضعها الأميركيين؟

* (الرئيس) باراك أوباما قال ان استعمال الكيماوي خط أحمر. وكنا نسأل هل هذا يعني ان استخدام الأسلحة الأخرى مسموح؟ وحتى بعد استخدام النظام للسلاح الكيماوي اكتفى الأميركي بنزع السلاح ولم يعاقب النظام. رغم تهديده بضربه. بعدها لم يعد هناك حدود للنظام في استعمال العنف…

 

* هل كان الفرنسيون جادون في طرح الممرات الإنسانية؟

* نعم. ولكن لا يستطيعون تحقيق هذا الهدف من دون دعم وموافقة الأميركيين. وكانوا يصارحونا بذلك.

 

* وهل كان الأتراك جادين في طرح المناطق الآمنة؟

* نعم. ولكن أيضاً لا يمكنهم تحقيقها من دون الدعم والموافقة الأميركية وحلف الناتو الذي هم عضو فيه.

 

* في مرحلة من المراحل كان “الجيش السوري الحر” الذراع العسكرية للمجلس الوطني الذي كنت رئيسه. هل كان الدعم العربي له جديًا؟ ولماذا تراجع دوره اليوم؟

* لم يكن هناك دعم عربي لا للمجلس الوطني ولا للائتلاف من بعده. والدليل على ذلك ان الائتلاف لم يتمكن من الحصول على مقعد سوريا في الجامعة العربية. كان الدعم من دول الخليج فقط. بالنسبة للمملكة العربية السعودية سوريا هي شمال الخليج، وتمثل خط دفاع رئيسي ضد الهجوم الإيراني على المنطقة. كان هناك دعم عسكري وسياسي. لكن بالمقابل كانت هناك حاجات كبيرة للدعم اللوجستي وتكوين الأطر والدفع في اتجاه تشكيل قيادة موحدة للثورة. وهو ما لم يتم العمل عليه، بسبب عدم الاهتمام ربما، والتنافس بين بعض الدول أيضا على كسب ولاء الأفراد في المعارضة بدل بناء المؤسسات. كل دولة كانت تهتم بالأطراف الأقرب لها. ولذلك بقي اهتمامها بمصير سورية والمعارضة ككل ضعيفا إلى حد كبير.

 

* ومحاولة مصر توحيد المعارضة؟

* لم تكن محاولة لتوحيد المعارضة. على العكس. كانت محاولة لاقتطاع جزء منها من أجل استخدامه في العمل الدبلوماسي.

 

* واجتماع الرياض الأخير هل كان محاولة لتوحيد المعارضة؟

* لا لم يكن كذلك. توحيد المعارضة اتى من المعارضة نفسها التي تداعت الى اجتماع في القاهرة في شهر تموز 2012 برعاية جامعة الدول العربية. اما اجتماع الرياض فأتى في إطار التحضير لمفاوضات جنيف التي كان من المتوقّع ان تكون جدّية بعد مؤتمر فيينا والقرار 2254. كان من المفترض ان تتشكّل هيئة قادرة على التفاوض وتمثّل أوسع دائرة من المعارضة. وهذا ما حصل… وبالتالي نجح اجتماع الرياض والدليل ان الهيئة التي انبثقت عنه تحظى بتقدير كبير في الأوساط الدولية وفي مؤتمر جنيف اليوم.

 

* ولكن الأكراد بقوا خارجها.

* لا شك ان قضية الأكراد مهمة. ولكن لا يمكن القول بأن الأكراد بقوا خارج الهيئة. إذا اعتبرنا ان كلهم صالح مسلم وحزب الاتحاد الديموقراطي بالتأكيد هم خارج الهيئة. ولكن الأكراد لا يتبعون كلهم الى حزب واحد. رغم ان هذا الحزب الاتحاد الديموقراطي ينال الدعم الاكبر من الأميركيين والروس ودول أخرى وهو متقدّم على الارض ولديه قوّة مسلّحة اكبر. ولكن الأكراد كشعب ممثلين في أحزاب أخرى ممثلّلة في الهيئة بشكل واسع وقوي. ويلعبون دوراً مهماً. وبالأمس وجّهوا نداء لاخوتهم الأكراد للحاق بالثورة السورية والبقاء الى جانبها. أعتقد ان كل الأكراد يجب ان يشاركوا في مرحلة ما بالمفاوضات. ولكن صالح مسلم اليوم هو أقرب للنظام منه للمعارضة… قبل دخول اي طرف الى وفد المعارضة يجب ان يتفق على الأهداف الرئيسية. وإلا كيف يمكن لصالح مسلم ان يكون في وفد المعارضة في حين انه يرفض الخط العام للمعارضة؟

 

* ما هو مشروع صالح مسلم؟ هل هو كيان كردي؟

* طبعاً مشروعه كيان كردي. ولا يخفي ذلك. وهو يتحدث عن منطقة كردية ضمن الوحدة السورية. وقد عمل على تشكيل إدارة ذاتية في المناطق التي سيطر عليها. ويحاول ان يقيم دويلة صغيرة تشبه تلك التي في كردستان العراق. لا يعمل ضمن اهداف الثورة لتحرير سوريا من النظام. هو مستعد للتحالف مع اي كان لتحقيق مشروعه الخاص. هذه هي مشكلته الأساسية مع المعارضة السورية. هذه الأخيرة تعمل من أجل سوريا ككل مع الاعتراف مسبقا بالحقوق الخاصة بالشعب الكردي وتطلعاته المشروعة لصون هويته وإدارة نفسه باستقلالية. وكانت المعارضة تؤكد دائما على تضامنها مع القضية الكردية وتدافع عن الحل الديموقراطي لها في مواجهة بطش السلطة بالأكراد وإقصائهم. لا أحد في المعارضة ينكر ضرورة ان يكون هناك إدارة ذاتية قومية معترف بها. لها ثقافتها. ولها لغتها. ولها حقوقها طبعاً. وحتى صالح مسلم، يمكن أن ينضم في مرحلة ثانية إلى المفاوضات وينبغي أن ينضم للمشاركة في صنع مستقبل سورية التي ستكون للجميع بالتساوي.

 

* هل يلتقي مشروع الكيان الكردي لصالح مسلم مع “الخطة ب” للنظام، أي كيان علوي على الساحل السوري؟

* أعتقد أنها سياسة انتهازية من الطرفين. كان من مصلحة النظام فصل الأكراد عن بقية الشعب السوري.

 

* ألا تعتقد ان مشروع الدويلة هو “الخطة ب” للنظام؟

* أعتقد ان النظام كان دائماً لديه خطط تراجعية. ولكن الوضع تجاوزه اليوم. هو عبارة عن طرف بين اطراف كثيرة بمن فيها الاطراف الدولية. ليس هو من يقرّر مصير سوريا ولا مصير الجزء الذي يسمّونه “سوريا المفيدة”. وهي بالحقيقة منطقة مختلطة اكثر مما يتصوّره الناس. صحيح ان الساحل منطقة كثافة علوية. ولكنها منطقة مفتوحة على مناطق اخرى وسكانها متنوعون، كما أنه ليس من الصحيح أن جميع العلويين يؤيدون مشروع تخليد بشار الأسد في حكم سورية أو أي جزء منها.

 

* وهذا كان ما قبل الثورة. والعديد من النازحين لجأوا الى الساحل السوري. بالتالي زادت الكثافة السنّية.

* طبعاً. هناك معلومات خاطئة عن سوريا. منذ ما قبل الثورة في الساحل هناك تواجد سنّي وعلوي ومسيحي. ومدنه مختلطة. ولا تشكّل اي طائفة الاغلبية المطلقة. اليوم هناك حوالي مليون ونصف نازح في هذه المناطق. وهم يعيشون في بلدهم كمواطنين وليس كلاجئين. برأيي هناك مبالغات كثيرة في مسألة تضخيم المشاعر الطائفية في سوريا. طبعاً الطائفية تستخدم في الصراع وفي الحرب. ولكن على المستوى الشعبي العميق والحقيقي، لا احد من السوريين يهتم لتثبيت هويته الدينية والطائفية وموقعه. الناس تناضل من أجل تغيير حقيقي. من أجل دولة يحكمها القانون. في الفترة الماضية كان الحكم تعسّفيا بالمطلق…

 

* السيد ستيفان دي ميستورا يتكلّم عن “لحظة الحقيقة”. هل توافقه الرأي انه إما السير بالمفاوضات او العودة الى الحرب؟

* الحرب لم تتوقّف. وهي مستمرة. والمفاوضات لم توقفها. في بداية المفاوضات قال إن أقسى طموحنا تخفيف درجات العنف. وهذا ما حصل اليوم.

 

* ولكن اليوم هناك وقف إطلاق نار.

* هناك وقف إطلاق نار جزئي. يتعرّض لخروقات. المعارضة ليست ضد وقف إطلاق النار. وبرأيي يجب ان يستمر. ولكن إذا سقط ستعود الحرب. واذا لم يكن هناك تسوية سياسية سنعود أيضاً الى الحرب. هذا منطقي.

 

* على أي أساس شاركت المعارضة في مؤتمر جنيف، في حين اعتبر النظام أن بشار الأسد خط أحمر؟

* شاركت على اساس ان ليس بشار الأسد من يقرّر مصير المفاوضات. اليوم مصير سوريا يتقرّر في مفاوضات دولية. الاسد كان ضد المفاوضات. وقبل يومين قال بأنها سيئة. وفاسدة ولكن الروس اجبروه على السير بها. وكما قال ممثل روسيا في الامم المتحدة لبشار بعد التصريحات: “لا تسمعوا ما يقوله الأسد إنما راقبوا ما يفعله”.

 

* هل كان هناك ضمانات لمشاركة المعارضة في مفاوضات جنيف؟

* لا أعتقد. ولا احد يستطيع تقديم ضمانات. برأيي ان هناك حدا ادنى من الضمانات الروسية الأميركية حول تخفيض درجات العنف. ولكن لا ضمانات فعلية بالتحوّل الجدي نحو السلام..

 

* هل تعتقد ان الروس، مع الأميركيين، يدعون الى المفاوضات على قاعدة جنيف 1 والقرار 2254؟

* مؤخّرا تكلّم الروس بحكومة وحدة وطنية. وهي مشكلة اساسية في المفاوضات اليوم.

 

* من تكلّم بالحكومة بالوحدة الوطنية، الروس أم النظام؟

* الروس أنفسهم. والنظام متمسّك بهذ الطرح. غطى الروس على هذا الأمر في القرار 2254 بالتذكير بمرجعية بيان جنيف 1… أعتقد ان طرح الحكومة الوطنية هو جزء من التشويش على المفاوضات. ويحدّ من تقدّمها.

 

* عملياً طرح الحكومة الوطنية هو نسف لجنيف 1 والحكومة الانتقالية.

* طبعاً. من غير المعقول للمعارضة، بعد سقوط نصف مليون شهيد، المشاركة في حكومة برئاسة الأسد. إنها إهانة. حتى قبل الثورة لم تكن المعارضة تقبل بالمشاركة بحكومة مع نظام قمعي وإرهابي وإقصائي. فكيف يمكن قبولها بها اليوم؟ هدف هذا الكلام الحقيقي استفزاز المعارضة لمغادرة طاولة المفاوضات والعودة الى الحرب التي هي استراتيجية الأسد للبقاء. ليس لديه استراتيجية أخرى.

 

* هل هناك تنسيق بين الهيئة العليا للمفاوضات والكتائب المقاتلة على الارض، باستثناء “داعش” و”النصرة”؟

* بحسب منسق الهيئة رياض حجاب، ان القسم الأعظم من تلك الكتائب يعتبر ان الهيئة العليا للمفاوضات تمثّله في جنيف. وهي نقطة أساسية للمعارضة. ومن هذه الكتائب “جيش الفتح”، و”أحرار الشام”…

 

* ماذا عن “جبهة النصرة”؟

* “النصرة” ليست من ضمن المعارضة. هناك إشكالية في وجودهم في المعارضة كونهم مصنفين إرهابيين من قبل مجلس الأمن الدولي.

 

* بغض النظر عن موقف مجلس الأمن، ما هي نظرتكم كسوريين لـ”جبهة النصرة”، التي تتشكّل بغالبيتها من السوريين؟

* بالنسبة للمعارضة، لا يمكن لـ”جبهة النصرة” ان تكون جزءا من المعارضة ما لم تتخلَّ عن انتمائها للقاعدة. وكانت هناك جهود من أجل تخلي قادة الجبهة عن انتمائهم للقاعدة واعتبار أنفسهم جزءا من المعارضة ومن المشروع الوطني السوري..

 

* وما كان جوابهم؟

* لم يحصل ذلك. كانت المعارضة تتوقّع ان يقوم زعيم الجبهة بهذه الخطوة إذا كان مخلصا لسوريا وتهمّه مصلحة سوريا ومستقبلها. ومن الواضح أنهم جماعة لديها مشروع مختلف كلياً عن مشروع عامة السوريين الذي هو دولة تعدّدية ديموقراطية. وقد فشلت محاولة دفعهم للقبول بمشروع وطني لسوريا. وبقوا على موافقهم.

 

* هل حصل اتصال بين المعارضة و”داعش”؟

* لا أعتقد. من البداية دخل “داعش” في صراع مع المعارضة. “داعش” توسع على حساب طرد المعارضة من المناطق التي كانت تسيطر عليها. بعد ذلك احتلت مناطق من النظام. بالنسبة لـ”النصرة” كان هناك أوهام بكسبها الى صف المعارضة. أما “داعش”، فمنذ البداية كفّرت المعارضة والجيش الحرّ.

 

* بعد وقف إطلاق النار عادت المظاهرات السلمية. لماذا؟

* للتأكيد بأن الثورة مستمرة. كما قالها المتظاهرون. نظموا “جمعة تجديد العهد”. العهد للثورة. وللقول بأنه رغم القتل والذبح وملايين النازحين السوريين لن يخضع الشعب السوري لنظام حكم الاسد. هذا تجسيد للتصميم والتمسك بمبادئ الثورة، في مواجهة النظام والمنظمات المتطرفة معا.

 

* ربما سؤال نظري. ولكن ماذا لو بقيت الثورة سلمية منذ العام 2011؟ هل كانت نجحت في أهدافها؟

* طبعاً كانت نجحت. ولكن كيف كان من الممكن أن تستمر سلمية مع العنف الوحشي للنظام. نحن كنا مع الثورة السلمية. وأنا شخصياً قاومت التدحرج نحو عسكرة الثورة. ولكن كان للنظام استراتيجية منهجية في ادخال الناس في الحرب من خلال العنف والاغتصاب والانتقام والتعذيب. العسكرة بدأت بانشقاق الضباط والجنود الذين كان يطلب منهم ان يقتلوا أهلهم واخوانهم… لم يكن هناك قرار من أحد من المعارضة بحمل السلاح وعسكرة الثورة. الناس بدأت تدافع عن نفسها في المظاهرات بأسلحة خفيفة ومحدودة. بعض الأشخاص باعوا مجوهرات زوجاتهم لشراء السلاح للدفاع عن أعراضهم. اعتقد ان حملة الاغتصاب كان هدفها دفع الناس الى استخدام السلاح بوجه النظام. الشعب السوري سلمي. وقاوم التسلّح مقاومة عنيفة. ولكن إجراءات النظام كانت تهدف لدفع الناس الى حمل السلاح مهما كان الثمن. ونجح.

 

* هل تعتقد ان طرح نائب وزير الخارجية الروسي للجمهورية الفدرالية في سوريا هو بالون اختبار؟

* لا أعتقد انه بالون اختبار. اعتقد انه ورقة للضغط على السوريين. الروس والغرب يريدون تغطية عجزهم عن حل المسألة بمثل هذا الطرح. إنه طرح لا ينم عن معرفة جيدة للواقع السوري. الفدرالية تعني أنه بدل الحرب الواحدة سيكون لدينا عشرون حربًا. كل دويلة صغيرة ستبدأ فيها حرب تطهير عرقي. الثورة قامت بسبب التمييز الطائفي. بالتالي كيف تحل الأزمة من خلال تقسيم طائفي؟ وما هو مستقبل الدويلات التي ستنشأ؟ كيف ستعيش؟

 

* ألا يهدف قصف النظام وترحيل السكان من بعض المناطق الى فرز ديموغرافي لتهيئة الظروف لطرح الفدرالية او التقسيم؟

* محتمل جداً. ربما ليس من أجل الفدرالية. إنما من اجل ايقاف التظاهر. كما حصل في حمص. وهناك هدف ثان السطو على أملاك الناس. وهذا جزء من مشروع إيراني.

 

* هل هناك تغيير ديموغرافي في حمص التي تحتل موقعاً جيوستراتيجياً في سوريا؟

* “حزب الله” بدأ هذا التغيير في القصير. كما بدأته إيران في دمشق ما قبل الثورة.

 

* كيف بدأه “حزب الله”؟

* احتلاله للقصير وطرده السكان منها وسيطرته على أملاكهم بهدف إسكان أشخاص آخرين أهدافه سياسية واستراتيجية. كل هذا الغام لحروب مستقبلية.

 

* كيف كان يعمل الايرانيون من أجل تغيير ديموغرافي في الشام قبل الأحداث؟

* كانوا يعملون على شراء مواقع وبناء مراكز. 

 

* سطو “حزب الله” على أملاك لا يعني استملاكها. فيما بعد سيتسرد المالك أرضه ويعود ليسكنها.

* هناك عمليات بيع وشراء وإكراه. حتى الآن ليس لدينا ملفات موثّقة. ولكن الملفت منع السكان الذي هُجّروا من القصير وحمص من العودة الى مناطقهم.

 

* وهل هناك تدمير ممنهج للمنازل غير الشرعية في إطار التغيير الديموغرافي في حمص؟

* نحن نتكلّم عن المدينة القديمة، مدينة كاملة. حيث ممنوع على السكان العودة الى منازلهم. وهي ليست منازل غير شرعية.

 

* كيف تتصوّر مستقبل سوريا؟ هل لا يزال ممكنا تحقيق نظام ديموقراطي مدني في حين ان سوريا أصبحت بؤرة للتيارات السلفية والتكفيرية؟

* التيارات الإسلامية تطالب بدولة اسلامية. مثل “داعش” و”النصرة”. ونحن لا نراهن عليها. وإلا كانت المعركة خاسرة للجميع.

 

* “جيش الإسلام” يطالب بالدولة الإسلامية أيضاً.

* نعم “جيش الإسلام” وبعض الفرق الأخرى لديهم بعض التطرّف الديني وهم يطالبون بتطبيق الشريعة ولكن ليس في إطار إقامة دولة إسلامية ورفض الدولة الوطنية. وعندما ستبدأ المرحلة الانتقالية ويتكرس الخيار الديمقراطي في سورية سيكون أمامهم الخيار بين الخروج على الدولة أو التحول الى أحزاب سياسية، مثل الأحزاب الإسلامية والسلفية في بعض الدول العربية. ولكن لا حل في سوريا سوى بنظام ديموقراطي مدني. تلك التيارات ليست الأطراف الوازنة شعبياً في سوريا حتى لو كانت اليوم كتائب مقاتلة تضم الآلاف من المقاتلين. عدد الشعب السوري يبلغ 24 مليون نسمة. وإذا كانت هذه الكتائب المسلحة السلفية ستقرّر مصير سوريا، هذا يعني ان “داعش” ستكون صاحبة القرار الأول كونها التنظيم الأكبر. لن نتخلى عن المشروع المدني الديموقراطي التعددي في سوريا. وإلا لن يكون هناك سوريا.

 

* هل يميّز السوريون بين “حزب الله” الذي يشارك في الحرب في سوريا وبين باقي اللبنانيين الرافضين لهذا التدخّل؟

* أكيد هناك تمييز. الشعب السوري يدرك ان غالبية الشعب اللبناني تعارض ما يقوم به الحزب. حتى ان مواقف الشيعة المعترضة على تدخّل “حزب الله” هي محط تقدير من قبل السوريين. الشعب السوري ليس شعباً طائفياً. وليس لدى السوريين شعور ان “حزب الله” يمثل كل الشيعة اللبنانيين. بالنسبة للسوريين “حزب الله” هو جزء من إيران ومن الحرس الثوري الإيراني. لا يختصر الشيعة. رغم ان غالبيتهم مؤيّدة له. ويعتبرون ان زج الشيعة في هذه الحرب مثل زجّ الأسد للعلويين في حرب هم الخاسرون فيها.

 

* هل انزعجت موسكو من سياسة إيران الطائفية في سوريا؟

*لا أدري. ولكن أعتقد ان الروس لديهم حساسية تجاه مسألة الصراعات الطائفية. ومن مصلحتهم التخفيف من حدّة الصراع السني  الشيعي، خاصة وان لديهم جماعات إسلامية ويخشون انتقال عدوى الحروب الدينية والحروب الطائفية الى أراضيهم.