القادة الكرد ككل السوريين الآخرين لعبوا ورقة الانفراد

2016-02-04 :: شبكة ولاتي

ترجمة :

جكر بشار أمين - شبكة ولاتي

قال المفكر والسياسي الدكتور برهان غليون إن القادة الكرد ككل السياسيين السوريين الآخرين لعبوا ورقة الانفراد أو العمل المنفرد بدل العمل صفا واحدا كما كان ينبغي ضد النظام. وقد استعجلوا اقتسام الحقوق والغنائم قبل أن يحين الوقت خوفا من أن يخسروا قضيتهم الخاصة إذا لم يركزوا عليها من البداية. ولا شك أن البعد القومي الحاد لقضيتهم قد شجعهم على ذلك. والنتيجة غلبت المشاعر القومية الخاصة على المشاعر الديمقراطية التحررية الجامعة التي حركت السوريين جميعا، وساهموا مع غيرهم بتقسيم القوى وتشتيتها حتى لو ان قدرتهم على التنظيم كانت أفضل من الفصائل الثورية الأخرى.

وننشر نص الحوار الذي أجراه الزميل جكر بشار أمين مع  المفكر والسياسي الدكتور برهان غليون كاملا:

* أذا افترضنا جدلاً مقاطعة المعارضة الوطنية أذا استمرت وأقصد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة فما البديل لديها خاصة أذا  علمنا إن هناك توافقاً على الحل السياسي للأزمة السورية بين الدول الأساسية العظمى والإقليمية والأمم المتحدة؟

* ليس هناك مجال للحديث عن بدائل، لأن المفاوضات ليست بديلا للحرب وإنما هي موازية لها لقطف ثمارها. إذا فشلت المفاوضات الآن كما فشلت في المرات السابقة فهذا يعني ببساطة استمرار الحرب حتى يحسمها أحد الطرفين أو تغوص في الرمال كما حصل لحروب طويلة سابقة في فيتنام وافغانستان. في هذه الحالة سنكون أمام دمار شامل ولن يكون هناك أي رابح وإنما تعميم الخسارة على الجميع. والنظام السوري وحلفاؤه يفضلون هذا الخيار كما يبدو لي على تقاسم المصالح أو النفوذ.

* هل هناك احتمال بالتدخل العسكري لحل الأزمة السورية ؟ أذا أخذنا بالاهتمام لتصريحات بعض المسؤولين من بينهم نائب الرئيس الأمريكي جوبايدن ؟

 *  التدخل العسكري قد حصل ولكن في الأتجاه الآخر غير ذلك الذي كان البعض يتوقعه أو يتهم المعارضة بالاعداد له. فماذا نسمي التدخل الايراني العلني والتدخل الروسي وبناء القواعد العسكرية والتدخل غير النظامي لميليشيات ومنظمات إرهابية دولية لا علاقة لها بسورية ومصير شعبها. وإذا كان المقصود التدخل الامريكي فقد حصل أيضا في حدود ما يريده الامريكيون وما يعتقدون أنه كاف للدفاع عن مصالح محدودة لهم. وهو تدخل جاء لخدمة الأسد وحلفائه ضد داعش أكثر منه لدعم المعارضة، والدليل أن كل مشاريع دعم المعارضة المسلحة وتدريب آلاف منها قد ذابت كالملح قبل أن يتحقق أي شيء منها.

* البعض يعتقد أن الصراع على سوريا سيستمر عبر سياسة توزيع الأدوار و مناطق النفوذ بين الدول الأساسية (أمريكا , روسيا) ....ألخ فما رأيكم ؟

 * هناك كما هو واضح تقاسم في النفوذ قد حصل لصالح الروس والايرانيين. الولايات المتحدة وأوربا خسرتا الحرب في سورية والشرق الأوسط وسلمتا الراية لموسكو وطهران. والسبب أنهما كانا يفتقدان لإرادة الحرب أو حتى لحوافز قوية للدفاع عن نفوذهما في المشرق من جهة، ولأنهما لا يريدان الاستثمار أو بذل الجهود المطلوبة من جهة ثانية. ترك الغرب روسيا تجرب سياستها البدائية في المشرق وتغرق في أوحاله، وقد قبلت موسكو لأن حكومتها لا تهمتم بالروس ولا بمصالح الشعب الروسي وإنما تريد الانتقام لنفسها من تهميشها السابق من قبل الغرب، وتسعى وراء وهم العظمة وتوسيع دائرة النفوذ. ولكنها ستسيطر على خرائب ومقابر جماعية ولن تحصد من سياستها البدائية في المستقبل شيئا آخر غير الأشباح والكوابيس.

 * هناك من يشكك بدور المعارضة الوطنية (الائتلاف) ويحملها مسؤولية تراجع هذا الدور ليستفيد منه النظام وحلفائه

*  لا داعي للتشكيك. تحمل المعارضة أو شبه المعارضة السورية بكل أطيافها وطوائفها قسطا كبيرا من المسؤولية عن تمديد أجل الخلاص والحسم. والائتلاف هو الأكثر بروزا في هذا التقصير بحق الشعب السوري بكل فئاته، لكن هناك تقصير كبير أيضا من جهة قادة الفصائل المقاتلة الذين تصرفوا كامراء حرب لا يفكر أحدهم إلا بفصيله ومنطقة سيطرته بدل أن يشكلوا قيادة وطنية تفكر بمصير البلاد بأكملها وتضع استراتيجية متكاملة لمواجهة النظام وحسم الصراع فيها لصالح تلبية تطلعات الشعب نحو الحرية والكرامة والديمقراطية والمساواة التامة بين جميع مكونات الشعب السوري وأفراده. وأنا لم أكف عن انتقاد هذه السياسات القصيرة المدى والانتحارية والدعوة لتشكيل مجلس موحد ببرنامج وطني واضح والتخلي عن الترهات التي يتمسك بها العديد من الاطراف تحت غطاء ديني ومن دون غطاء. لكن كل محاولاتنا لجمع الفصائل ودفعها للتخلي عن أجنداتها الخاصة والعمل من أجندة وطنية واحدة كانت من دون نتيجة للأسف. وهاهي المعارضة المسلحة والسياسية تقف الآن أمام امتحان التدخل العسكري الروسي السافر والتنسيق العسكري الروسي الايراني وبوسائل ضغط أعظم من كل ماشهدته من قبل.وليس أمامها خيار آخر سوى القبول بالهزيمة أو إعادة ترتيب أوضاعها لخوض حرب استنزاف طويلة لجيوش الاحتلال بعد أن تأخر الوقت.

* اذا استمر المجتمع الدولي والأقليمي في ترتيب الأوضاع بما يستفيد منه النظام ويستثمره لصالحه فماذا ينبغي للمعارضة فعله للتعويض عن ذلك ؟

 *  ينبغي اولا إعادة هيكلة القوى المقاتلة وتوحيد قيادتها ووضع خطة واستراتيجية وطنيتين وشاملتين لمواجهة طويلة المدى مع قوى الاحتلال الايرانية الروسية، وثانيا التنسيق مع الدول الحليفة بطريقة مختلفة عما كانت عليه حتى الآن، أي انطلاقا من اجندة الحرب الوطنية الطويلة وحرب العصابات، والعمل للحصول على التزامات واضحة من قبل هذه الدول، وثالثا السعي إلى إدخال العالم العربي الرسمي والشعب بشكل أكبر في الصراع وإعطائه دورا أهم في السعي لايجاد حل للأزمة التي سوف تزداد تفاقما ومعها ستزيد التهديدات للأمن الوطني لكل الدول العربية القريبة.

* ماذا عن الشأن الكردي , فالمجلس الوطني الكردي في سوريا ربط مصيره بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة , وهذا الأخير حسب رأي بعض لايولي لهذا المجلس الكردي الاهتمام اللازم ودون أي تحديد لمصير الشعب الكردي عبر الحل السياسي المنشود ؟

 *  القادة الكرد ككل السياسيين السوريين الآخرين لعبوا ورقة الانفراد أو العمل المنفرد بدل العمل صفا واحدا كما كان ينبغي ضد النظام. وقد استعجلوا اقتسام الحقوق والغنائم قبل أن يحين الوقت خوفا من أن يخسروا قضيتهم الخاصة إذا لم يركزوا عليها من البداية. ولا شك أن البعد القومي الحاد لقضيتهم قد شجعهم على ذلك. والنتيجة غلبت المشاعر القومية الخاصة على المشاعر الديمقراطية التحررية الجامعة التي حركت السوريين جميعا، وساهموا مع غيرهم بتقسيم القوى وتشتيتها حتى لو ان قدرتهم على التنظيم كانت أفضل من الفصائل الثورية الأخرى. وقد تردد قادة المجلس الوطني الكردي الذي كنت من محاوريه في الحقبة الأولى من تشكيل المجلس الوطني بين الخيارين، القومي الخاص والوطني السوري الديمقراطي الجامع،وبين العمل المستقل والعمل من داخل الاطار السوري في المجلس الوطني ثم الائتلاف. فلم ينجحوا في الاندماج العضوي في الحركة العامة للمعارضة ويتحولوا إلى طرف فاعل فيها ولم يفلحوا في الانفصال عنها وتشكيل قوة وطنية مستقلة بعيدة عن تلاعب الدول الأجنبية. وللحقيقة هذه كانت على درجات متفاوتة سمة العمل العام عند أغلب الفصائل والحركات والأحزاب والتجمعات السورية. فأضعنا الخيار الوطني بين تيارات قومية وإتنية وعشائرية وتيارات دينية، وغابت سورية ومصالحها كدولة وجماعة وطنية عن الصورة. وأخشى أن نخسر كل شيء ولا نخرج لا بأجندات خاصة ولا بالأجندة الوطنية الديمقراطية الجامعة، وتكون النتيجة دمار البلاد وانهيار النظام لكن مع عجز واضح عن إمكانية إعادة بناء الدولة والمجتمع. كانت نصيحتي للحركات السياسية الكردية ان يشاركوا في الثورة الديمقراطية كطرف أصيل حتى يمكننا معهم في ما بعد أن نتزع من جميع السوريين وبرضاهم ما يحقق تطلعات الكرد وآمالهم المشروعة بأن تحفظ هويتهم ويكون لهم اليد الطولى في تسيير شؤونهم في المناطق ذات الغالبية الكردية. وهذا ما كانت أعتبره ولا أزال محتوى الحل الديمقراطي للمسألة الكردية في سورية الآن، بانتظار أن تتغير الظروف حتى تقوم الدولة القومية الكردية إذا كان الاكراد يريدون قيامها. لكن حرص قادة الاحزاب الكردية على أن يميزوا أنفسهم منذ البداية عن عموم الحركة الديمقراطية السورية ويعملوا على مسار مختلف وبتحالفات مختلفة أيضا وخاصة بهم، وأن يضمنوا منذ البداية حقهم في تقرير مصيرهم، جعلهم يجدون انفسهم في مسار مواز واحيانا مخالف لمسار الثورة السورية. واضطر قسم منهم إلى البحث عن ضمانات في الخارج، فاستعدوا بعض قطاعات الرأي العام السورية وعمقوا شكها بنوايا قادتهم وأثاروا شكوك الدول المجاورة أيضا ولم يكسبوا من الدول الغربية وروسيا التي أظهرت الدعم لهم سوى وعودا قد تتبخر كما تبخرت من قبل الكثير من الوعود الدولية للقوميات الاخرى وفي مقدمها القومية العربية.

* كلمة أخيرة ماذا توجه لشعبنا الكردي والمجتمع السوري برمته بما يطمئن على مستقبل سوريا الجديدة ؟

 *  آمل أن يتخلص الأكراد من شكوكهم يتغلبوا على عدم ثقتهم بأخوانهم وشركائهم السوريين جميعا، وأن يندمجوا في الجماعة الوطنية السورية، ويعملوا لإعادة بنائها كجماعة مدنية تعددية تعترف باختلافاتها المثرية، متحررة من العنصرية والتمييز ومنفتحة على القيم الانسانية، قيم العدالة والمساواة والأخوة، وأن يلعبوا الدور الذي لعبوه سابقا في تاريخ سورية وكان دورا قويا ومشرفا، في الثقافة والسياسة والعسكرية والاقتصاد معا. هم جزء لا يتجزأ من الشعب السوري الذي يفخر وينبغي أن يفخر بتنوعه القومي والمذهبي، وبالتعايش بين جميع الأعراق والأديان الذي أنتج روح المدنية والحضارة السورية المتميزة . في اعتقادي، الأكراد السوريون هم سوريون في ثقافتهم وتطلعاتهم، بالرغم من علائق الأخوة والقرابة اللغوية مع أكراد تركيا والعراق وايران، تماما كما أن العرب السوريين سوريون في ثقافتهم ونمط حياتهم وعلاقاتهم وفهمهم للقومية والدين، بالرغم من علائق القرابة اللغوية والاخوة التي تجمعهم بالعرب الآخرين، المحيطين بهم. إن التحدي للعرب والأكراد وغيرهم من القوميات والمذاهب الدينية في سورية هو نفسه، وهو تكوين وطنية حية، أي أخوة فوق القومية وفوق المذهبية تؤسس لروح إنسانية جديدة افتقدناها في كل الاقليم لصالح الايديولوجيات التقسيمية والتوتيرية والاستعدائية، وتجفيف منابع القيم المدنية الجامعة. وهذا هو التحدي الذي تشهده جميع دول المنطقة من دون استثناء، وهو مطروح على الجماعات القومية والدينية بنفس المقدار. إما أن نكون بشرا قبل أن نكون عربا وكردا وأشوريين وشركس وأرمن وتركمان أو لا نكون شيئا على الإطلاق، بمعنى إننا لن نكون لا عربا ولا أكرادا ولا أشوريين وسريان وتركمان وغيرهم ما لم نكن قبل ذلك وأساس آدميين بما تعنيه الآدمية من قيم إنسانية وأخوة دفينة صادقة. وفي هذا الميدان وفي مواجهة هذا التحدي أريد لأبنائي الأكراد ان يتنافسوا مع العرب والترك والفرس وغيرهم لا في العصبية الدينية أو القومية التي قادتنا جميعا إلى التهلكة. وهذا هو الطريق لبناء سورية المستقبل، سورية الأمل والمثال لجميع السوريين وشعوب المنطقة. وهذا هو طريق الوفاء الحقيقي لدماء شهدائنا الأبرار.