الاعتقاد بأن سقوط النظام أصبح وشيكاً ووهم التدخل الدولي ساهم في إطلاق سباق تركة النظام!

2016-06-27 :: سوريتنا

ترجمة :

 

ألم يكن من الأفضل أن يركز أصحاب الفكر على بناء ورعاية منظومة فكرية للثورة بدل الانخراط في متاهات السياسية؟! “”

نحن كمثقفين لم يكن هدفنا تهميش المعارضة، بل هم من سعوا إلى ذلك.. ولهذه الأسباب فشلت محاولات توحيد القوى العسكرية.

 «نحن بحاجة إلى حوار جدي يناقش جميع قضايا الثورة ويطرح كلَّ أسئلتها بجدية ودون تردد من أجل الخروج من الأنفاق التي دخلنا أو تم إدخالنا فيها».

هذا ما يركز عليه الدكتور برهان غليون، الفيلسوف وعالم الاجتماع وأوَّل رئيس للمجلس الوطني السوري الذي تشكل عام 2012.لكن ألـَمْ يفشلْ هو شخصياً، ومثله جميع النخب والمثقفين السوريين الذين أيدوا الثورة وشاركوا فيها في بناء منظومة فكرية للثورة، ورعايتها وتطويرها، وبالتالي تحصين الثورة من الأخطاء والانحرافات؟!

يطرح د. غليون، مدير معهد دراسات الشرق في جامعة السوربون الفرنسية في هذا اللقاء، العديد من القضايا باعتبارها مركزية في أزمة الثورة السورية، لكنه لا يستطيع تقديم إجابات كبيرة تساهم في الخروج منها، بل يؤكد أن الحلول تحتاج جهداً جماعياً، يبدأ أولاً بإيجاد إطار جديد تلتقي فيه كل أطياف الثورة وتتحاور بجدية من أجل إيجادها.

ومن أجل ذلك، فإن “سوريتنا” تبدأ بفتح صفحاتها لحوارات أسبوعية مع القادة وأصحاب الفكر والمؤثرين في الثورة السورية، علّ ذلك يساهم في خلق مستوى جديد من الحوار من أجل الثورة، لا يكون هدفها الإثارة والهجوم، بل الكشف عن كل الجراح أمام المختصين بها، على أمل إيجاد العلاج المناسب لكل منها، أو بالأحرى، الدفع باتجاه ذلك.

 

 * في سياق حديثه عن الثورة الثقافية الجزائرية عام1925، يقول مالك بن نبي: «إن فرنسا تمكنت من وأد هذه الثورة عندما نجحت بجرِّ من أشعلها من المثقفين والمفكرين إلى ميدان السياسية وأشغلتهم بمتاهاتها عن القيام بدورهم التنويري والثقافي».

إلى أي حد ينطبق ذلك على النخب من المفكرين والمثقفين السوريين – وأنت واحد منهم – من الذين انخرطوا في الثورة، لكنهم انشغلوا بالسياسة عن دورهم الفكري؟!

*المثقف الذي لديه حدٌّ أدنى من الارتباط بشعبه وبالمجتمع لا يمكن له في أحداث كبيرة، وخاصة في الثورات أن يبقى على الحياد أو بعيداً عن هذه الأحداث أو على الهامش، متذرِّعاً بأن وظيفته ثقافية ولا علاقة له بالسياسة.

السياسة ليست علماً مغلقاً لا يمكن لغير المتخصصين أن يمارسوها، بل هي بالمعنى الحديث الذي نشأ مع الدولة الحديثة، والذي أنهى فكرة أن السياسة حكر على الطبقة النبيلة، وأعادها ملكاً للشعب عامة، وكل فرد من هذا الشعب سياسي، بمعنى من المعاني، وبالتالي، فمن غير المعقول أن تطلب من الحرفي أو التاجر أو المعلم أو الطالب أن يلعب دوراً في ثورة يتقرَّر فيها مصير المجتمع، ثم تطلب من مفكر وفيلسوف، أو مثقف أو عالم أو أديب، أن يبتعد عن السياسة، أو أن تقول له: أنت

مهمتك أن تفكر فقط!

 

* ما عنيته، وما قصده مالك بن نبي، هو أن السياسية تسرق المثقف من دوره الثقافي والفكري، وبالتالي يفتقد الجميع هذا الدور وتخسر الثورة أهم حواملها وهو مشروعها الفكري. أليس هذا ما حدث معك ومع غيرك من المثقفين الذين أيدوا الثورة؟

* بالنسبة لي، لا أعتقد أن الأمر كان على هذا النحو، بل أرى أننا كنا كمثقفين في الموقف الصحيح، ليس خلال الثورة وحسب، بل وقبلها، عندما لم يكن عملنا الفكري منفصلاً عن التفكير بوضع بلدنا السياسي ومصير شعبنا ومجتمعنا، لأنه كان لدينا شعور، ونحن نشتغل بالفكر والفلسفة وعلم الاجتماع، أننا نفعل ذلك بالدرجة الأولى  لكي نعالج مشاكل مجتمعنا.

بل على العكس، أنا أرى أنه لم يكن هناك عدد كافٍ من المثقفين العرب خلال مرحلة الربيع العربي ممن خانوا طبقتهم “طبقة النخبة”، ونزلوا إلى الشعب وحاولوا أن يتفاعلوا معه ويشاركوا عملياً في معالجة مشاكله. ثم أهم من ذلك، دعني أقول: إن المثقف الذي ينتظر لحظة قيام الثورة حتى يفكر ليس مثقفاً ولا مفكراً. من فكَّر فكَّر من قبل، وعليه، فمن المنطقي أن يكون لديه الوقت الكافي ليساهم في النقاش وينشر الوعي.. للتفكير وقت وللعمل، أي للسياسة، وقت آخر.

 

* لكن الثورة السورية أيدتها نسبة معقولة جداً من المثقفين ورجالات الفكر السوريين، أليس كذلك؟

*هذا صحيح، لكن أنا أتحدث على المستوى العربي، أما على المستوى السوري، ورغم أن هناك من بقي مبتعداً عن الثورة من النخبة، إلا أنه وبشكل عام، قد لعبت هذه الفئة دوراً إيجابياً في معارضة النظام حتى قبل الثورة.

فمثلاً، الذين صنعوا ربيع دمشق منذ عام 2000 هم المثقفون والفنانون والكتاب والصحفيون، ومن انخرط من هؤلاء الممثلين والمؤلفين والموسيقيين والشعراء بالثورة مازال جزءاً منها رغم كل شيء.

 

* ساهم أصحاب الأحزاب المحنطة في تشتيت فكر الثورة وإرادتها، وعملوا على كسر عفوية الثورة الشعبية وأضعفوا روحها. لكن هل استطعتم المحافظة على دوركم المنتظر كقادة وصناع فكر رغم انخراطكم العميق بالسياسة.. أنت شخصياً هل استطعت ذلك، رغم أنك كنت رئيساً للمجلس الوطني في البداية؟!

*أتصور أنه عندما كنت رئيساً للمجلس الوطني، كنت أعبّر فعلاً عن الدور والمكانة التي أخذها المثقفون وأصحاب الفكر والأدب والفن في الثورة والمعارضة، وعليه فلم يكن من قبيل الصدفة أن يقع الاختيار على برهان غليون كمثقف وكاتب ليشغل هذا المنصب، وهذه قضية معبرة جداً.

 

* بمعنى أنكم كنخب، شعرتم في تلك اللحظة ومع هذا الاختيار أنه رُد لكم الاعتبار بمواجهة الديكتاتورية وتهميش النظام لكم طوال عقود؟

*  هذا صحيح، وفي الوقت نفسه، وهو الأهم، كان ذلك يمثل اختياراً سياسياً وأخلاقياً يعبر عن تطلعات هذا الشعب العظيم وهذه الثورة وقيمها في الحرية والكرامة والتطلع لدولة القانون والمساواة.. إلخ، وبالتالي، فإن اختيار برهان غليون لم يكن مجرد اختيار شخص وحسب، بل كان اختياراً لمشروع سياسي ومنظومة قيم وفكر،

وهو يعكس الوعي والتطلع الحضاري الذي كان يدفع إلى الثورة.

 

* الذي كان.. ها أنت تقول هذه الكلمة كما يقولها الجميع اليوم “كان” عند حديثهم عن الثورة السورية، بل وعن الربيع العربي ككل.. هل فعلاً أصبح كل ذلك في خبر “كان”؟

*أقصد الاختيار، وقد مضى، لكن جوهر الثورة لم يتغير، إنما تعرضت الثورة إلى انتكاسات كبيرة وعديدة من دون شك، وقد لعبت النخبة السياسية الحرفية الذين اعتقدوا أن لديهم وحدهم الخبرةَ السياسية، دوراً كبيراً في تضييع فرص الثورة وتشتيتها عن أهدافها!

وقد صعب عليهم تقبل أن يلعب مثقفون من خارج دائرة منظماتهم دوراً بارزاً في الثورة، اعتقاداً منهم أنهم هم الوحيدون الذين يملكون الحق في قيادتها، وهذه حرفتهم ومسؤوليتهم، وهكذا دخلت المناورات والمحاصصات إلى قلب المعارضة، وعملت على تعطيل بزوغ قيادة وطنية موحدة أو مرجعية حقيقية للثورة، وأجهضت في النهاية كل التشكيلات والائتلافات الوليدة.

والواقع أن هذا السلوك لم يكن جديداً على المعارضة السياسية التقليدية، فهذا ما ميز أيضا ممارستها خلال حقبة “ربيع دمشق”، حيث اعتبر قادة الأحزاب دائماً أن السياسة هي مهنتهم، وأن المثقفين متطفلون عليهم، وفي أحسن الأحوال يمكن الاستفادة منهم كواجهات تستخدم لإخفاء خطط هؤلاء وأولئك والمناورة على الآخرين والرأي العام، من خلال إصرارهم على صبِّ تيار الثورة الشعبية المتدفق في قوالب أحزابهم الضيقة واليابسة، وخداع الجماهير حتى تنضوي تحت قياداتهم السرية التي كانت تخشى الظهور العلني.

ساهم أصحاب الأحزاب المحنطة في تشتيت فكر الثورة وإرادتها، وعملوا دون أن يدروا على كسر عفوية الثورة الشعبية وأضعفوا روحها، وفي النهاية وجدوا أنفسهم مهمشين من قبل الشعب وخارج حركة التاريخ.

 

* لماذا لم يستطع المثقف مواجهة السياسي هنا؟ هل لأن الملعب لم يكن ملعبه فعجز عن ذلك؟!

* لا، ليس هذا هو السبب، بل هناك أسباب متعدِّدة، أولها، وإلى جانب روح النرجسية التي يتسم بها غالباً سلوك المثقفين أنفسهم وتغذي لديهم المنافسة والحساسيات المفرطة، فإن رجال المعارضة التقليدية كانوا أكثر تنظيماً منهم، وكان لديهم تكتلاتهم وتجربتهم في هذا الشأن، على عكس المثقفين الذين كانوا أفراداً.

ثانياً، القوى السياسية كان لها علاقات سابقة مع الدول، فأقامت اتصالات وطورت هذه العلاقات وبنت تحالفات تمكنت من خلالها أن تحيّد المثقفين والشباب الثائر.

أيضاً هم استطاعوا أن يؤمّنوا أموالاً من مصادر مختلفة، وكانت لديهم ميزانيات سمحت لهم بالتحرك بشكل أكبر من أصحاب الفكر، ناهيك عن علاقاتهم مع الصحافة والإعلام والتي استخدموها لإسقاط غيرهم.

فمثلاً لو عدنا للفترة الأولى من عمر المجلس الوطني، سنرى الكم الهائل من الهجوم الذي كان يشنه إعلامهم على المجلس وعلى رئيسه بسبب ومن دون أي سبب، وأحياناً بهدف واضح وعلني، هو إزاحة هذا الشخص أو ذاك وإيصال من يريدونه واجهة يستمرُّون من ورائها في قيادتهم السرية المفترضة للأحداث.

 في الأحداث الكبيرة لا يمكن للمثقف أن يبقى على الحياد ولا يمكن أن نطلب من الجميع ممارسة السياسة ونقول للمثقف: إن وظيفتك التفكير فقط!

 

* لكن هل سيطروا على الشارع أيضاً، وبالتالي هم من جعل هذا الشارع ينفض عنكم؟

*هم لم يسيطروا على الشارع، بل خربوا الشارع وقسموه.

 

* إذاً من الذي سيطر على الشارع إذا لم تكن القوى السياسية التقليدية ولا النخب الفكرية؟ لمن ترِك الشارع؟ ولمن تركت الثورة؟

* الشارع تعرض لضربات قوية من مختلف الأطراف.

أولاً – النظام تعامل بوحشية مع قادة الحراك على الأرض من الناشطين، فقتل من قتل واعتقل من اعتقل، وهجر البقية.

ثانياً – القوى السياسية التقليدية تنافست على السيطرة على فعاليات الثورة والحراك الشعبي فعملت على تقسيمه، فمنذ البداية تم تقسيم الناس بين إسلاميين وعلمانيين، وسلفيين وجهاديين، وأهل مدن وأهل ريف، وتدخليين ومعادين للتدخل الخارجي، وأكثريين وأقليات.. إلخ.

وهذا ما حصل أيضاً على المستوى العسكري، فبدل تشكيل قوة عسكرية وطنية موحدة، حاول كل طرف أن ينفرد بتشكيله الخاص، فشكّل الإخوان المسلمون هيئة حماية المدنيين، وشكل غيرهم تنظيمات أخرى، ثم قامت الدول من خلال سياسة الدعم بتقريب هذه المجموعة أو تلك لتكريس هذه الحالة.

لقد فشلت جميع محاولاتنا في المجلس الوطني لتوحيد الفصائل ووضع حدٍّ للتشكيلات المنفردة الخاصة، بسبب تنافس القوى والتيارات السياسية الإيديولوجية وإصرارها على العمل بشكل منفرد، ثم انتقلت قاعدة المحاصصة التي دمرت المنظمات السياسية، وعلى رأسها المجلس الوطني ثم الائتلاف إلى الميدان العسكري، وفي النهاية من سيطر على قوى الثورة فعلياً وانتزع القرار من أي قيادة سورية وطنية، هي الحكومات التي احتكرت تقديم الدعم ورفضت أن يمر هذا الدعم عبر الأطر السياسية الائتلافية.

 

* ألا تعتقد أن وَهمَ دنوِّ أجلِ النظام وسيطرة هذه الفكرة على جميع القوى السياسية المعارضة قد لعب دوراً كبيراً في تسريع الانقسامات أو خلقها، بحثاً عن أكبر حصة ممكنة من تركة النظام؟

*بالتأكيد، الاعتقاد بسقوط وشيك للنظام وكذلك الوهم عند البعض بتدخل دولي وشيك لإسقاطه، كما حصل في ليبيا، ساهم بشكل كبير في إطلاق هذا التنافس والسباق، وأعتقد أن المعارضة التقليدية، التي فوجئت بالثورة الشعبية، ولم تكن يوماً تؤمن بإمكانية العمل الشعبي ونجاعته، تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية في انتشار هذه الكذبة.

أعتقد أن القمع الرهيب الذي واجهته هذه القوى والمنظمات طيلة عقود، وإقامة معظم رجالاتها لعشرات السنين أحيانا في السجون، وضعف ثقافتهم السياسية وانعزالهم عن التحوُّلات والتغيرات العميقة في بنية العلاقات الدولية، وقبل ذلك وأهمُّ منه، الانفصال الذي فرضه عليهم النظام الجائر عن الشعب، وإجبارهم على العيش فيغيتوات سياسية محبطة، لجميع هذه الأسباب، كان من الصعب عليهم أن يفهموا معنى الثورة ويتفاعلوا مع روحها الخلَّاقة.

كما كان من الصعب عليهم أيضاً فهم تغيرات العالم وما حدث فيه من تطورات، وهذا ما جعلهم يعتقدون، وبالحسابات التقليدية القديمة، أن هذا النظام، وأمام حركات الاحتجاج الواسعة المدعومة دولياً، واحتمالية التدخل العسكري السريع، باتت أيامه معدودة، وأن وقت الصراع على حجز مقاعد في النظام الجديد وتقاسم التركة قد حان.

 

* لكنك كنت رئيس المجلس الوطني الذي أُنشئ أصلاً لمحاكاة تجربة المجلس الوطني الليبي، والذي كان بدوره الخطوة السابقة على خطوة التدخل العسكري الدولي هناك.

* معك حق، وهذه كانت المعادلة الصعبة في المجلس، وقد كنت أدرك منذ اليوم الأول لتسلمي رئاسة المجلس الوطني أن التدخل الأجنبي سوف يتحول إلى مصدر نزاع خطير داخل المعارضة، فقد كان الرأي العام السوري منقسماً حول الموضوع، وكنت أعتقد أن التحدِّي الحقيقي أمام رئيس المعارضة هو أن يجد تسوية تحافظ على وحدة المعارضة والصف الثوري.

ولذلك، إذا رجعت إلى بيان تأسيس المجلس الوطني السوري، ستجد أن المجلس لم يرفض التدخل ولم يقبله، ولكنه قال إن أي تدخل قد يحدث، يجب أن يكون بالاتفاق مع المجلس الوطني وموافقته، وكان أملي من ذلك أن نحيد الانفجار داخل قوى الثورة والمعارضة إلى أقصى فترة ممكنة كسباً للوقت، علَّنا ننجح قبل ذلك في تأسيس موقع قوي، وفي الاحتفاظ باستقلال قرارنا الوطني كذلك، خاصة أنني كنت اعتقد أنه لن يكون هناك تدخل غربي، وتأكد لي ذلك منذ أول لقاء مع المسؤولين الأمريكيين والغربيين عموماً.

بيد أن هذه التسوية السياسية النظرية التي ظهرت في بيان تأسيس المجلس لم تصمد أمام الواقع طويلاً، ولم يلبث هذا اللغم أن تفجَّر وفجَّر معه المعارضة التي مالت بشكل متزايد نحو الكفاح المسلح، وكان السبب في ذلك إفراط النظام في الهمجية والقتل، مما جعل من التدخل الدولي مطلباً شعبياً بأمل إيقاف إجرام النظام، والاندفاع القوي للتيار السلفي والإسلامي عموماً في الثورة نحو المواجهة المسلحة، وفي موازاتها المراهنة على التدخل الأجنبي لحسم الموقف اقتداءً بليبيا.

 

* ماذا خسر المثقف وماذا كسب؟

* يقول د. برهان غليون تعليقاً على الميزان الذي نصبه البعض لتجربة الطبقة الثقافية في الثورة: «بالنسبة لنا كمثقفين وأصحاب فكر لم نخسر، بل ربحنا الكثير لأننا تفاعلنا مع مجتمعنا. صحيح أنه كان بالإمكان التركيز بشكل أكبر على المشروع الفكري، لكن في النهاية ليس هناك مثقف يعيش ولا يوجد ثقافة تنمو خارج السياق الاجتماعي، وما قيمة ومعنى الثقافة أمام مجتمع يفنى ويدمر ويموت؟».

في مجتمع يتعرض لأزمات خطيرة ومصيرية، لا يمكن أن تعيش ثقافة وتحظى بقيمة هذا الاسم إذا بقيت على الحياد أو لم تتفاعل مع ظروف المجتمع وصراعاته، ومَنْ غيرُ المثقفين يستطيع أن يساهم في فهم مشاكل المجتمعات وبلورة الحلول لمشكلاتها الحارقة؟ وكيف يمكنهم المساهمة في تغير المجتمعات من دون أن ينزلوا إلى معترك صراعاتها وينغمسوا في قضاياها ومشكلاتها؟ البديل عن ذلك هو أن نترك هذه المهمة للمستشرقين الذين مايزالون حتى الآن المنتج الأول للمعرفة التي لدينا نحن عن مجتمعاتنا.

 

* المثقف والهم العام

وفي إطار حديثه عن المثقف ودوره في المجال السياسي أيضاً، يقول د. برهان غليون: «كان لدينا شعور دائم أن هذا المجتمع بالظروف التي يعيش بها، يعيش وضعاً غيرَ صحيح، وأن وتيرة تقدمه وتطوره غير سليمة بسبب وجود أنظمة تعطل طاقاته، ومن ثم انصب تفكيرنا على كيفية المساهمة في تغير شروط حياة المجتمع السوري والعربي ككل.

الذي جعلنا مثقفين معروفين، وأنا أتكلم على نفسي على الأقل، هو أن تفكيرنا كان مرتبطاً بمآلات مجتمعنا العربي وتطوره، ولم يكن تفكيرنا نخبوياً منفصلاً عن الهمِّ العام، وكل من فكر خارج المجتمع أو بعيداً عنه، قد يكون أنتج أفكاراً كبيرة أو نظريات هامة، لكنه لم يحظ بأي دور أو حضور في مجال الواقع طالما أنه لم يكن مشغولاً بالهم العام لشعبه ومجتمعه».

 

* ثقافة “المكسب” وهيمنة التحزب

توسع الدكتور برهان في حديثه عن العلاقة التي سادت بين السياسي والمثقف في بداية تشكيل مؤسسات الثورة السياسية، ومما قاله في هذا الصدد أيضاً:

«نحن كمثقفين لم يكن هدفنا تهميش المعارضة التقليدية، بل هم كانوا يسعون إلى ذلك معنا.. نحن كان هدفنا أن نوحدهم مع بعضهم البعض أولاً ومع الشباب الثائر على الأرض كذلك، وأنا شخصياً لم أحضر الكثير من المؤتمرات التي سبقت تشكيل المجلس الوطني، ومنها على سبيل المثال مؤتمر أنطاليا وغيره، لأنني كنت مؤمناً أنه لا بد لأي عمل في هذا السياق من وجود مظلة جامعة، عمودها الفقري القوى السياسية المعارضة، لكن للأسف أداء المعارضة كان مخيباً للآمال».

كما أن مفهوم الحزبية «مسيطر على الجميع، فالكل يقدِم ما سيأخذه على ما سيبذله، والكل لديه أن ما سيحققه من مكاسب مقدَّمٌ على ما سيبذله من جهد وعمل.. جلهم ليس لديهم مفهوم الشعب، بل تحكمهم سياسة النفوذ وهذا ما يدمرنا إلى اليوم».

 

* مأزق المعارضة والمجتمع الدولي

كما ظهر طيلة فترة الحوار أن لدى الدكتور الكثير ليقول حول مسألة التدخل الدولي التي كانت تحتاج إلى توضيح مفصل، بعض تفاصيله أن موقف المجلس من التدخل الاجنبي في عدم المراهنة عليه، مع عدم استبعاده كما يقول.

ويضيف: «كان المجلس يرى في التركيز على قضية التدخل الدولي أنها خطة لتشويه الصورة السلمية والمدنية للثورة وتقسيم المعارضة، لكننا كنا نؤمن بحق المدنيين السوريين في الحماية الدولية حسب ميثاق الأمم المتحدة.

في النهاية لم يحصل التدخل الخارجي ضد الأسد، لا بل لم يحصل أي تدخل إنساني لحماية المدنيين كما تنصُّ مواثيق الأمم المتحدة، ودخلت الثورة في حرب غير متكافئة وتشكلت الفصائل المقاتلة بمعزل عن أي قيادة سياسية موحدة، ونشأ شرخ كبير بين المعارضة السياسية والثورة المسلحة لم نستطع ترميمه، ومانزال نعاني منه حتى الآن».

 

* خداع التجربة الليبية!

لكن الأهم من هذا وذاك أن الدكتور غليون يشدَّد على أن السوريين – وبالرغم من كل ما حصل من غدر بالثورة وإجحاف بحق المدنيين السوريين، ولقاء تضحيات غير مسبوقة – «نجحوا في هزيمة النظام عسكرياً، مما اضطره هو إلى طلب التدخل الأجنبي المزدوج الايراني والروسي، وعلى نطاق واسع ضحى من أجله بكل ما تبقى له من صبغة النظام والدولة والسيادة الوطنية».

ويضيف: «لا شك أن ما حصل في ليبيا غشَّ كثيراً السوريين، بحيث اعتقد الجميع أن ما حصل هناك سيتكرَّر لدينا، رغم أن الدبلوماسيين الغربيين لم يكفوا عن إخبارنا بأنه لن يكون هناك أي تدخل عسكري دولي، والواقع أن الذي عمم الفكرة هو إعلام النظام وحلفاؤه، الذين كانوا يبالغون في تضخيم خطر التدخل الغربي من أجل التغطية على التدخل الإيراني الذي لم يطل الوقت قبل أن يصبح علنيا.

 

* غليون مقابل الأسد!

في لحظة من اللحظات، وبعد اختيارك لرئاسة المجلس الوطني وضعت بمواجهة بشار الأسد، وسادت بين السوريين عبارة: «هل رئيسك غليون أم الأسد؟.. بماذا أشعرك هذا الوضع؟»

يجيب برهان غليون والدموع تغالبه: «مرةً كنت أجري حواراً حول الثورة على قناة الجزيرة مباشر وكانوا ينقلون في الوقت نفسه مظاهرة من الداخل، وفي تلك اللحظة مرت أمامنا لافتة تحيي برهان غليون.. وقتها دمعت عيناي من التأثر.

لقد شعرت إلى أي حد هذا الشعب عظيم، فكم اتهموه بأنه شعب متطرِّف ومتعصب وطائفي.. إلخ، ومع ذلك فشخص مثلي يعيش منذ أربعين سنة في فرنسا وتعلم في الغرب ويدرِّس في جامعة السوربون، وعلماني كما يسميه الكثيرون، ومع ذلك يختاره الشعب لتمثيله، فهذا أمر عظيم بلا شك، ولا يعني برهان غليون كشخص أبداً، بل فيه رد اعتبار من الشعب لذاته ضدَّ كل من اتهمه.

 

* الرئيس برهان غليون!

سألت الدكتور برهان على سبيل التخفيف من وطأة الحوار الذي كان قد امتد أكثر مما كان مقرراً: ماذا خسر العالم لأن برهان غليون لم يصبح رئيساً لسوريا؟ فأجاب:

«هذا الكلام أكبر مما يمكن أن يكون قد فكر فيه أحدنا، وأنا شخصياً لم أفكر ولا في أي لحظة أنني يمكن أن أكون رئيساً لسوريا.. كانت قمة سعادتي ونشوتي هي في انطلاقة هذه الثورة بهتافات وشعارات ومبادئ تشبهني وتمثلني.. ثورة عظيمة وأخلاقية، وكان كل همي منصباً على استثمار هذه الأوراق التي طرحها الشعب لتمكينه من تحقيقها.

 

 

حاوره عقيل حسين