الاختيار الديمقراطي في سورية

2002-04-25 ::

ترجمة :

   حوار لؤي حسين

 

في بداية عام 2002 كنت في زيارة خاصة إلى سورية وتلقيت هاتفا من لؤي حسين يشرح لي مشروعه في إصدار كتاب تشارك فيه مجوعة من أهل الرأي في سورية يكون بمثابة فتح حوار جدي وموضوعي بين أنصار الاتجاهات الديمقراطية التي عبر عنها بعض المثقفين في ربيع عام 2001 من خلال الدعوة لاصلاح سياسي وإحياء هيئات المجتمع المدني من جهة, وأنصار الاتجاهات الرسمية التي تدعم برنامج الحكومة والنظام القائمين والتي تدعو إلى تأجيل الاصلاح السياسي إلى ما بعد الاصلاح الاقتصادي وتعتبر دعوة إحياء المجتمع المدني دعوة مشبوهة تعكس واقع اختراق المثقفين من قبل الأفكار وربما السفارات الأجنبية, كما تؤكد, لتبرير الحفاظ على الوضع أو الصيغة السياسية القائمة, على الخصوصية السورية. وبالرغم من شعوري بأن نوعية المشاركين من الطرف الثاني لا تعبر عن التزام جدي من قبل اصحاب السلطة في الحوار تاركة المهمة إلى مثقفين ليسوا في مناصب المسؤولية ولا يحسبون تماما على النظام, إلا أنني وجدت الفكرة مفيدة وضرورية لتذويب الجليد الذي خلفه اعتقال عشرة من نشطاء الحركة الديمقراطية على شتى أطيافها في ايلول من عام 2001 بين أصحاب السلطة عموما وأصحاب الرأي. ووعدت الناشر خيرا.

بعد عودتي إلى باريس تلقيت أسئلة الكاتب والناشر لؤي بالبريد الاليكتروني ,ولكن, نظرا لانشغالاتي العديدة في تلك الفترة, لم تسنح لي الفرصة لقراءتها بسرعة. وعندما وجدت الفرصة لذلك بدت لي الأسئلة منحازة كثيرا لصالح أصحاب السلطة واتهامية بحق من تسميهم المعارضة, وهم ليسوا في واقع الأمر سوى مجموعات صغيرة نجت بأعجوبة من مذبحة السياسة ويكاد غياب المنافذ وانعدام الهواء يتركها تختنق ببطء في الأقبية المعزولة البعيدة عن أعين الجمهور والرأي العام. وقد وجدت في هذا الكثير من الظلم, وأفقدني هذا الشعور حماسي للإجابة عنها.

لكن عند عودتي الثانية إلى سورية بدت لي الأمور أكثر يأسا مما كنت أعتقد. ومما ساهم في تغيير رأي الأول ما عاينته, إلى جانب التدهور الخطير في المناخ السياسي, من رغبة قوية لدى بعض الأصدقاء الذين التقيتهم من المثقفين في أن أشارك معهم في إخراج هذا الكتاب الحواري إلى النور.  وهكذا وجدتني أقبل المساهمة من دون اقتناع كبير. وخلال لقاءين جمعاني مع لؤي في أحد مقاهي حمص المغلقة, وتحت الضغط والاحتجاج المتواصل لابنتي الصغيرة مي التي كانت ترافقني أثناء المقابلة, خرجت أول صورة من المقابلة.

في باريس تلقيت المقابلة محولة نصا بالبريد الاليكتروني. وأثناء قراءتي لها بدت لي الموضوعات التي تثيرها ذات أهمية كبيرة بالنسبة للنقاش الدائر في سورية. أما طبيعة الأسئلة التي أثارت استيائي في البداية فقد وجدتها هذه المرة, بالعكس تماما من المرة الأولى, على غاية الأهمية, وذلك بالضبط لأنها تنطلق من التشكيك بالمعارضة والديمقراطية معا. وكانت معرفتي بلؤي قد تعمقت خلال لقائنا في حمص, فساد اعتقاد عميق عندي بأنها تعكس التشكيك الطبيعي والمشروع لقطاع كبير من الرأي العام السوري الديمقراطي أو النازع نحو الديمقراطية بجدارة القوى التي تتصدى لمهام التحويل الديمقراطي والمعارضة معا وصدقيتها أكثر مما تعكس التشكيك بمباديء الديمقراطية والمعارضة ذاتهما. وفكرت أن الإجابة الموسعة أو بالأحرى المشبعة عن هذه الأسئلة قد تكون اليوم مهمة ضرورية لمساعدة الرأي العام السوري بجميع قطاعاته وتياراته, بما فيها الرسمية, على التعمق في فهم القضايا النظرية المطروحة وتحثه بالتالي على اتخاذ موقف أكثر صحة من المطالب الديموقرطية أو على صياغة رأي عام ديمقراطي أكثر وضوحا. وهكذا ظهرت الطبعة الثانية من المقابلة في الصورة الجديدة التي يضمها هذا الكتاب. وكانت الصعوبة التي واجهتني بالأساس هي التوسع في عرض المشاكل العديدة التي ضمتها الصورة الأولى من المقابلة من دون أن أبتعد كثيرا عن طروحات النص الأول. بيد أن المشكلة التي سيواجهها الناشر ستكون أصعب من ذلك إذ سيصبح من الصعب عليه إدماج مقابلة بحجم كتاب في كتاب جماعي, كما كانت الفكرة الأولى, من دون الإخلال بتوازن الكتاب المشترك. لكن, بصرف النظر عن صدوره في صورة مستقلة, يشكل هذا الكتاب, في مضمونه وغايته معا, مساهمة المؤلف في الحوار الجماعي ذاته الذي أراد له الناشر لؤي حسين أن يكون تعدديا أكثر ما يمكن وحرا أكثر ما يمكن. وله وحده الفضل في ظهوره للوجود.

 

برهان غليون

 

 مصير الاشتراكية

* هل يمكن الحديث عن أزمة اجتماعية سورية بهذا الشمول دون تحديد النظام/النمط الاقتصادي ـ الاجتماعي المهيمن، أو الصاعد في سورية؟ يأتي هذا التساؤل بعد ملاحظة أن الخطاب السياسي «المعارض» لم يتطرق السوري. ولاحظنا خلال فترة نشاط المنتديات غياب طرح الحل الاشتراكي من قبل أصحابه السابقين. كذلك لم نسمع منهم ترويجاً للرأسمالية. لهذا الموضوع بل عوّم الحديث عنه. وكذلك فقد
غابت كلمة الاشتراكية عن خطاب السلطة السياسي منذ أكثر من عشر سنين.ونذكر أنه، لوقت قريب جداً، كانت الغالبية العظمى للأحزاب والمفكرين داخل تحالف السلطة ومعارضيه،ماعدا القوى الدينية، ترى في الحل الاشتراكي أفق التطور الاجتماعي الاقتصادي والثقافي هل مازال السؤال مشروعاً: أي خيار نريد: الاشتراكية أم الرأسمالية؟ أم أن هذا السؤال مؤجل لأولوية السياسي على الاقتصادي كما يقولون. وبالتالي تحقيق «الديمقراطية» أولاً، ومن يفوز بالاقتراع ـ أي بالسلطة ـ « يقرر» الاقتصاد و«يوجهه»؟

* التساؤلات المختلفة المطروحة، تبين أنه بالإضافة إلى بقية الأزمات التي نذكرها مرارا، وهي حقيقية، اقتصادية وسياسية واجتماعية, هناك, أزمة ايديولوجية. هذا صحيح، توجد أزمة مفاهيم ورؤية. وتعني هذه الأزمة أن هناك شعورا عميقا بأن المفاهيم والنظريات التي كنا نستخدمها في السابق من أجل فهم النظام الاجتماعي الذي نعيش فيه -  ليس في سوريا وحسب بل في كل مكان - وإعادة بنائه على أسس جديدة وتوجيهه نحو غايات جديدة، كما كانت تريد الاشتراكية, بأن هذه المفاهيم وهذه النظريات لم تعد ناجعة. لقد اصبحت قاصرة, في الشكل الذي عرفناها عليه, ومن دون تطوير وتعديل, أي من دون نقد مفهومي عن تلبية الحاجات لتي نطلبها منها وهي مساعدتنا على حل ألغاز الواقع الاختباري وفك عناصره وجعله أكثر شفافية أو أكثر نفوذية من قبل الوعي ومن ثم  توجيهنا من أجل السيطرة عليه بشكل أفضل وتحويله بما يتفق مع غاياتنا وأهدافنا وقيمنا المجتمعية. وقد كانت الاشتراكية كنظرية تمثل في الوقت نفسه أداة لتفسير الواقع الاختباري الاقتصادي والاجتماعي معا ورؤية عقائدية موجهة تدفع الى الأخذ بنظام اجتماعي تكون العدالة في مركز القيم التي يستند اليها من حرية ومساواة وتضامن الخ.

والواقع أن ازمة الفكرة الاشتراكية لا تقتصر على الوضع السوري ولا يمكن فهمها بالانحصار في فضاء الفكر والسياسة السوريين.  فهي  تتعدى الآفاق المحلية لتشمل الفكر الاشتراكي في العالم كله. والاشتراكيون السوريون ليسوا مفصولين عن العالم، عن الاشتراكية العالمية. فقد تبنت بعض الأوساط السورية مفهوم الاشتراكية ونظرية الاشتراكية بالارتباط، أو نقلاً عن، أو تأثّراً بالتيارات الاشتراكية العالمية. وسعياً وراء فهم هذه الأزمة  وتجاوزها، ومن أجل إعادة تأسيس الفكر الاشتراكي وبلورة طروحاتة الجديدة المنسجمة مع تطورات  القرن الواحد والعشرين، شكلت الأممية  الاشتراكية لجنة مهمة من المثقفين الاشتراكيين الدوليين يترأسها رئيس الوزراء الاسباني السابق غونزاليس. ولا تزال تدور داخل هذه اللجنة نقاشات موسعة حول الموضوعات ذاتها التي نناقشها في الفكر العربي مثل أثر العولمة على الفكرة الاشتراكية ومكانة السوق في الاقتصاد الجديد ومسألة تطوير الصيغة الديمقراطية لمشاركة اكبر عدد ممكن من الناس. و قد شاركت أنا نفسي في بعض الندوات التي عقدتها هذه اللجنة في مناطق مختلفة من العالم. ويعتقد بعض المحللين اليوم في فرنسا بأن سقوط رئيس الوزراء الفرنسي السابق  وزعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي ليونيل جوسبان في الدور الاول من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أفريل 2002 امام  مرشح أقصى اليمين القومي في فرنسا (جاك ماري لوبين) يرجع الى هذه الأزمة ويعكسها في الوقت نفسه. فقد انمحت معالم الاشتراكية حتى لم يعد الرأي العام الفرنسي يدرك بشكل واضح الفرق بين سياسات الحزب الاشتراكي وسياسات الاحزاب اليمينية. مما يعني ان الحزب الاشتراكي لم يعد في نظر الكثيرين اشتراكياً، أي لم يعد له المضمون الذي كان يجعل منه ذلك الحزب. وهكذا لم يعد هناك فرق لدى الرأي العام اليساري السابق بين أن يصوت لشيراك الليبرالي اليميني او لجوسبان الليبرالي اليساري. وهذا ما دفع بالكثير من المصوتين الى التخلف عن الادلاء بأصواتهم وكانت النتيجة صعود نجم اليمين المتطرف الذي استفاد من ضعف حماس اليسار لمرشحه.

دكرت هذا المثال كي أبين أن المشكلة ليست سورية وإنما عالمية. وإذا كان هناك تهرب من مواجهة المشكلة، عند الكثير من الاشتراكيين السابقين بل الشيوعيين، في سورية وغيرها,  فهو ناجم في نظري عن أسباب متعددة كثير منها موضوعية ومنها ذاتية وهي مترابطة. فمن الناحية الموضوعية ماذا يمكن أن تعني الاشتراكية, وجوهر سياساتها كان سيطرة الدولة على أدوات الانتاج وبناء الاقتصاد المخطط وتحسين شروط معيشة العمال, في عصر العولمة الذي تلغي فيه الرأسمالية المتعدية الجنسيات الحدود السياسية ويصبح فيه الاندماج في السوق العالمية الأمل الوحيد للاقتصادات الصناعية والنامية في تجنب التهميش أو التقادم والهرم أو التأخر التقني والعلمي والتعلق بحبل الانجازات التقانية ونقل الخبرات العلمية وجذب الاستثمارات الأجنبية؟ من السهل نظريا صرف النظر عما يجري في العالم واعتباره امرا لا يعنينا لكن ينبغي تحمل النتائج العملية لهذا الخيار وهي أكبر مما يمكن أن تحتمله أي دولة بما فيها الدول الكبرى الصناعية, وفي مقدمة هذه النتائج العزلة الاقتصادية وتراجع الانتاج والانقطاع عن مجرى التجديدات التقنية وتفاقم البطالة وتهلل الآلة الانتاجية والخروج في النهاية من دورة الحضارة العالمية. وهذا ما نعرف بدايته نحن في سورية بسبب تأخرنا الكبير في السعي إلى التفاعل مع التطورات العالمية الاقتصادية والتقانية والعلمية. وهو ما سوف نعاني منه الامرين في السنين القليلة القادمة ارتفاعا مذهلا في البطالة وتفاقم الفقر كما لم نعرفه من قبل وتقادما محزنا للمؤسسات الاقتصادية وانحطاطا كارثيا في الادارة والخبرة العلمية والمدنية. لم يبق إذن في هذا العالم الجديد الذي نشأ ونحن في غيبوبة عنه نتصارع فيما بيننا على فتات موائد السلطة والنفوذ الشخصي والمحسوبية أي قيمة للدفاع عن سيطرة الدولة على وسائل الانتاج أو تكليفها بالاشراف على التخطيط الاقتصادي بديلا عن الاعتماد على علاقات السوق.  بل إن الدولة نفسها تسعى اليوم الى الخروج من المأزق الذي تعتقد أنها وضعت نفسها فيه وتحاول بأرخص الأثمان أن تتخلص من القطاع العام لتحد من الخسائر ولا تجد في أغلب الأحيان من يقبل بامتلاكه حتى بأرخص الأثمان. 

ويترجم هذا الوضع الجديد بمواقف مختلفة ومتباينة على المستوى الذاتي عند أولئك الذين كانوا يدافعون عن الاشتراكية كخيار استراتيجي. فقسم من هؤلاء سيفقد أصلا الايمان بالفكر الاشتراكي بعد انكشاف النقائص التي أسفرت عنها العديد من التجارب الاشتراكية والشيوعية الماضية وينتقل من دون مناقشة او انتقاد ذاتي نحو اليمين. وسيظهر قسم آخر من الاشتراكيين الذين يمكن تسميتهم بالمرجئة الذين يعتقدون, من دون أن يتخلوا عن النظرية الاشتراكية, بأن من الأفضل تعليق البت بالموضوع الآن مع ممارسة سياسات ذرائعية (براغماتية) لان المعطيات لا تزال غير كافية للحسم في النقاش ولا يزال من الضروري اعطاء وقت أوفر لهذا الموضوع حتى تتبلور الطروحات المختلفة بصورة أفضل, وليس هناك ما يبرر الاستعجال في إغلاق المناقشة. وسيبرز قطاع ثالث من الرأي العام الاشتراكي التقليدي الذي يبدو انه حسم امره بتبنى مفاهيم جديدة وصيغ جديدة لإعادة بناء الفكر الاشتراكي على أسس ليبرالية كما تمثل ذلك نظرية الطريق الثالث التي يأخذ بها بعض الاشتراكيين الأوروبيين، والتي بلور أفكارها بشكل نظري أكمل الفيلسوف الاشتراكي  البريطاني غيدنز. وهناك بالاضافة إلى ذلك قطاع من الاشتراكيين أو الشيوعيين الذين لم يشعروا بأن شيئا قد تغير في العالم ولا يرون في سقوط الدول الاشتراكية والشيوعية تعبيرا عن أي أزمة داخلية بقدر ما يفسرونه بالمؤامرات الخارجية الأمبريالية.

وما نشهده  في العالم نجد ما يماثله في هذا المجال في سورية والعالم العربي عموما. فنحن أيضا لا نزال مترددين في حسم النقاش حول مصير الفكر الاشتراكي ولا تزال المعطيات الموضوعية, أعني تبين كيف ستنتظم أمور السياسات والاقتصادات الدولية التي لا نتحكم بها في النهاية والتي نحتاج اليها لحسم مثل هذا النقاش المهم جدا, غير كافية من الناحية العملية والنظرية على حد سواء.
هذا ما يفسر في نظري لماذا لم تطرح مسألة الاختيار الاشتراكي في المناقشات الدائرة حول الاصلاح والتغيير في سورية. لكن لا يعني عدم اثارة هذه المسألة التخلي عن الفكرة الاشتراكية من قبل من كان يتبناها بالضرورة كما لا يعني بالضرورة ايضا اعتبار الأخذ بها تحصيل حاصل, ولكنه يعني ان هناك شعورا حقيقيا بأن موضوع النقاش لا يمكن أن يحسم بعد وأنه في انتظار أن يحسم هناك مسائل عاجلة أخرى واساسية بالنسبة للاصلاح ينبغي التصدي لها, ولا يمكن إلا أن يساعد حلها على تحسين شروط حل المسألة الخاصة بموضوع النمط أو النظام الاقتصادي. ومن وجهة نظري الشخصية لن يقف التاريخ عن الحركة اذا تعرضت الفكرة الاشتراكية لهزة مهما كانت عنيفة, ولا ينبغي أن ننتظر حتى يتوصل الاشتراكيون ونحن منهم الى رؤية نهائية واضحة حتى تبدأ مسيرة الاصلاح ونتخلص من ركام الخراب الحاصل باسم الاشتراكية ذاتها كما حصل في العديد من البلدان الشيوعية. كما أنه لا ضرورة هناك ولا حتمية لربط الاصلاح بحسم مسألة الاختلاف النظري داخل الاشتراكية أو بين الاشتراكية والليبرالية وليس حسم هذه المسألة النظرية والايديولوجية هو المدخل الحتمي والذي لا يمكن تجاوزه من أجل فهم معطيات الأزمة السورية وعوامل الخروج منها. فنحن لا نعيش خارج العالم ولم تكن نظريتنا الاشتراكية نظرية خاصة بنا من بين جميع الأمم والدول. وقبل أن نفكر بالاقتصاد من وجهة نظر اشتراكية أو رأسمالية ينبغي علينا أن نفكر بالمباديء الأولية لأي إقتصاد. ففد افتقدنا إليها تماما واستبعدناها من فكرنا كليا باسم التخطيط والتنمية والعدالة والعداء للأمبريالية والرأسمالية. ونحن ندفع اليوم وسوف ندفع غاليا ثمن تنكرنا لمنطق الاقتصاد من حيث هو كذلك وتجاهلنا لقوانينه الحقيقية حتى لو اعترفنا بأنها قوانين نسبية.

وليس هناك أي شك في أننا نستطيع الشروع في الاصلاح وتحقيق نتائج مهمة جدا لصالح الاقتصاد والمجتمع والدولة معا بالاعتماد على الأساسيات, أي المفاهيم السليمة والبسيطة المعتمدة  في كل مكان اليوم. فلا شيء يمنعنا متى ما خرجنا من عدميتنا الاقتصادية التي نميناها باسم الاشتراكية من التفكير في  الدور الجديد للدولة ومراجعة نظرتنا لمسؤوليتها امام المجتمع وضمان استقلالها عن القوى الخاصة التي تميل الى خطفها لصالح القوى المتحكمة. ولسنا بحاجة لحسم الخلاف الايديولوجي من أجل محاربة الفقر والتهميش والبطالة التي أصبحت الخبز اليومي لأجيالنا الجديدة والتي تقوم بها كل الدول بصرف النظر عن عقائد أحزابها الحاكمة ولا من أجل العمل على ايجاد التوزيع العادل نسبيا للثروة عن طريق تحسين الخدمات الاجتماعية والسياسات الضريبية. ولا نحتاج للحسم في أمر الاشتراكية أو الديمقراطية بل ولا بلورة سياسات إقتصادية ناجعة وفعالة حتى نسعى إلى حد أدنى من التطبيق السليم والنزيه للقانون والقضاء وإلى التخلي عن منطق العسف والاستبداد والاعتداء على حريات الناس وحقوقهم. تحقيق كل هذا لا يتوقف أبدا على حسمنا لمسألة أي نمط اقتصادي نطبق أو نتبنى. وأمامنا على الاقل عقد كامل من العمل والجهد الجماعي من أجل بناء النسيج المجتمعي الحي الممزق وإعادة الشعور إلى المجتمع بأنه مؤلف من أفراد واعين وعاقلين وأحرار لهم حقوق وعليهم واجبات, أي لإعادة الثقة عند الناس بأنهم بشر لا يختلفون عن الآخرين ويستحقون الحياة في إطار قانوني وأخلاقي فعلي ولا يساقون بالعصا والجزرة. والتقدم في هذا الطريق شرط ضروري كي يكون الحديث في الاشتراكية وغير الاشتراكية أمرا ذا معنى وإلا فسيبقى كلام في الفراغ. إن برنامج الاصلاحات الأساسية الذي ندعو إليه هو برنامج الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتوحد من حوله جميع المعنيين بالشؤون الوطنية من اشتراكيين وغير اشتراكيين, وليبراليين ورأسماليين. فهو إلى حد كبير برنامج إعادة بناء الدولة السورية على أسس الاعتراف المتساوي بالمواطنية وإلغاء العزل والتهميش والاستهتار بالمسؤوليات الوطنية والتبذير والفساد واستغلال النفوذ والسطو على موارد الدولة والتلاعب بمصير الأفراد.  بل إن هذا البرنامج لا قيمة له ولن يكون برنامجا وطنبا إذا كان غير قادر على تحقيق إجماع القوى الاجتماعية الرئيسية من حوله وتوحيدها في عمل وطني مشترك وموحد للانقاذ. 

 لكن, فيما وراء هذه الظروف الخاصة السورية, يبنغي القول أن هناك ضرورة لمراجعة مفهوم الاشتراكية القديم ذاته. فقد بقي مرتبطا ارتباطا قويا بمفهوم الانتاج ونمط الانتاج بل بنمط ملكية وسائل الانتاج. والحال أن هذا التخفيض لمفهوم الاشتراكية إلى مستوى مفهوم نمط الانتاج ثم  علاقات الملكية التي تمثله في هذه النظرة قد كان سببا رئيسيا في خراب الفكرة الاشتراكية لأنه سمح بتغييب الصعيدين السياسي والفكري تماما وألغى التفكير بطبيعة الدولة ووظيفتها الرئيسة كإطار لتكوين المواطنية وضمان الحريات وتوسيع فرص التعبير الفكري والثقافي للأفراد وحولها, من دون أن يشعر أحد بالخسارة الجوهرية, إلى إدارة للقهر والقمع والكبت الفردي والجماعي. وهذا هو الذي يفسر السهولة التي نمت في حضنها أجهزة المخابرات والأمن المختلفة من دون أن يبرز في وجه هذا النمو داخل المجتمع أي احتجاج أو اعتراض. وهكذا تحولت الدولة الحديثة التي نشأت كإطار جديد لتنمية المواهب والحريات والمبادرات الفردية في مقابل الدولة الاقطاعية أو الدينية القهرية الى أكبر دولة بربرية عرفها التاريخ, كما شهدت على ذلك تجارب معسكرات الاعتقال والغولاغ في الاتحاد السوفييتي السابق. لقد أفرغت نفسها من أي شكل من أشكال السياسة كيما تصبح آلة عسكرية لا هدف لها سوى تجريد الأفراد من حرياتهم وكسر ارادتهم وتدمير استقلاليتهم الشخصية واستتباعهم وطحنهم في سبيل تحقيق مئة بالمئة من الأمن المطلق, أي  لقد تحولت الى نظام من الضبط الاجتماعي والسيطرة السياسية والفكرية الشاملة على المجتمع. وبعد أن ترسخ مفهوم هذه الدولة الوحشية لم تعد هناك حتى حاجة الى تبرير قهرها والتذرع بأنها وسيلة لضمان السير الصحيح للاقتصاد الاشتراكي. لقد أصبح وجودها بديهة وصارت ضرورة إعادة إنتاجها هي التي تحكم الاقتصاد والمجتمع والعلم والتربية معا, أي صار من الضروري بناء الاقتصاد وتأهيل المجتمع وتربية أبنائه منذ الصغر بما يضمن إعادة إنتاج هذه الدولة المتوحشة التي تحتمي بالاشتراكية. وهذا هو الأصل الطبيعي لتنامي اقتصاد  الدولة البيروقراطية والعاملة لصالح الطبقة البيروقراطية العسكرية والمدنية وأساس التفكيك الرسمي للعرى الاجتماعية ومنع تكوين الجمعيات والأحزاب والهيئات المدنية والسياسية على اختلاف أشكالها وأنواعها وهو السر كذلك في تجنيد الاطفال الصغار من سن السابعة في منظمات خصوصية لتدريبهم قبل أن تنضج أذهانهم على مباديء الحياة في الدولة البيروقراطية الهمجية, أي في الواقع على انمحاء الارادة والشخصية والوعي أو على عدم الاختيار .
هذه الطبعة اللاإنسانية والمشوهة للاشتراكية تحتاج في بلادنا وفي البلاد الاخرى على السواء الى النقد والرمي في سلة المهملات ولا ينبغي الترحم عليها ولا العودة الى التساؤل حول جدواها. ولا شك أن تخبط الناس في فهم العلاقة بين ما عاينوه من فظائع ارتكبت باسم الاشتراكية ضد الانسان والمباديء الانسانية العظيمة التي استندت اليها أو نبعت منها الدعوة الاشتراكية هو الذي يضع الناس في حيرة من أمرها ويجعلهم يعلقون التفكير بها أو ينتظرون قبل أن يصدروا الحكم القاطع عليها. وبالتأكيد لم نساعدهم نحن المثقفين كثيرا لا في العالم العربي ولا في العالم أجمع على الخروج من هذا التخبط لأننا نحن أنفسنا كنا واقعين أيضا في الحيرة نفسها. إذ كيف يمكن لفكرة تدعو لتحرر الانسان ومساواته وتطبيق العدالة الاجتماعية والانصاف أن تنتج كل هذا القهر والاذلال وامتهان الكرامات وأن تصبح غطاءا لحكم مجموعات من الجلادين الساديين الذين يمعنون في التعذيب والقتل وسفك الدماء من دون أن يعرفوا لماذا يعذبون ويدافعون عن نظام من دون أن يخطر ببالهم ولو للحظة أن يتساءلوا لماذا يحكمون وما هو هدف الحكم والنظام؟ وكيف يمكن لعقيدة التحرر والإنعتاق البشري أن تحول النظام الى آلة تنكر الانسان ذاته بل تحوله هو نفسه الى آلة تسير وتعمل من دون أن تطرح على نفسها لا تساؤل ولا سؤال؟

نقد الفكر الاشتراكي لم يكد يبدأ بعد وهو سيحتاج الى جهد كبير في المستقبل حتى يكتمل. لكننا نستطيع أن نقول منذ الآن أن ما شهدناه هو انحراف خطير في مفهوم الاشتراكية ولا علاقة له بالاشتراكية كما أرادت لنفسها أن تكون. وسبب هذا الانحراف أخطاء متعددة : ابستمولوجية ونظرية واجتماعية وتاريخية  كبيرة هي التي خلقت شروط انحراف الحركات السياسية والرجال. وقد تحدثنا سابقا عن اختلاط مفهوم الاشتراكية ذاته ومفهوم نمط الانتاج. ويمكن أن نشير كذلك بسرعة على المستوى النظري الى الانفصام العميق الذي حصل بين الفكر النظري والواقع أي بناء الفكر الاشتراكي على تامل منطقي وإخضاع الواقع الانساني الحي لمعادلات منطقية من دون فحصها في الواقع نفسه أو من دون التساؤل عن أثار تطبيقها. ونحن نشير هنا من دون شك إلى مسألة غياب الفكر النقدي وسيطرة الفكر المذهبي المغلق. 

لكن النقد لا يكتمل إن لم نشر كذلك إلى أصول وتكوين القوى الاجتماعية التي سيطرت على الدولة والحكم خلال ما يسمى بالحقب الاشتراكية. وبالمثل فإن انحراف الاشتراكية لا يمكن أن يفهم من دون التعرض الى السياق التاريخي الذي طبقت فيه والذي تميز بحدة الصراعات الطبقية والقومية والحروب الساخنة والباردة العالمية والاقليمية. ونستطيع منذ الآن أن نقول إن التقاء المفاهيم المختلطة والملتبسة والمتشابهة كما يقول القرآن بالنزوع الجامح الى السلطة عند بعض الجماعات والفئات الاجتماعية وبروح الانتقام الاجتماعي أو الأقوامي أو العشائري لا فرق قد تقود بل هي تقود لا محالة الى كوارث اجتماعية تتجاوز في آثارها بما لا يقاس الكوارث الطبيعية. فقد أضاعت كارثة الشيوعية السوفييتية على الدول التي أصابتها قرنا كاملا ولا يزال من غير الممكن معرفة كيف سيكون بمقدورها تجاوز التبعات الثقيلة لما خلفته الطبعة اللاإنسانية لهذه الاشتراكية.

 

لكن المهم اليوم هو أن ننجح في أن نتعلم من هذه التجربة السلبية الحذر والحيطة تجاه الشعارات والأفكار التي تبدوا واضحة وبسيطة وهي تنطوي أو قد تنطوي على مهاوي قاتلة. وأن نستفيد منها في سبيل العودة الى الفكرة الاشتراكية الصافية والسعي الى إعادة بنائها على أسس سليمة. وهنا سنجد أن الاشتراكية قبل أن تكون نظاما اقتصاديا ونمطا من علاقات الملكية او التملك هي رؤية إنسانية للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد أو اعتقاد عميق بإمكانية بناء هذه العلاقات التي تقوم في الطبيعة على الصراع والاقتتال والأنانية والقوة والتمييز بين البشر والظلم وانعدام المسؤولية الجماعية على أسس انسانية. ولذلك فإن الاشتراكية تتطابق تماما مع الديمقراطية باعتبارها نظاما يقوم على تأكيد انسانية الانسان وينطلق من الاعتراف بالقيم الأساسية التي تؤسس لهذه الانسانية وفي مقدمها الحرية والمساواة والعدالة ويضيف عليها قيمة أساسية يركز عليها هي عدالة التوزيع للثروة المادية والمعنوية. ومن الممكن استبدال كلمة الاشتراكية اليوم من دون الوقوع في أي تناقض أو خطأ بعبارة الديمقراطية الاجتماعية أي الديمقراطية التي ترفض أن تقصر نفسها على ضمان الحريات الفردية وتسعى فيما وراء ضمان هذه الحريات السياسية والمساواة القانونية بين الأفراد الى تعميق الحريات الاجتماعية والعدالة الاقتصادية والمساواة في تأمين فرص الارتقاء والتقدم لجميع الأفراد بالتساوي وبصرف النظر عن أصولهم الأقوامية والطبقية والمذهبية. ومن هنا فإنها تلح على مفهوم العدالة الاجتماعية أو الانصاف بحيث لا يمكن لانسان أن يعيش مترفا وأخوه الانسان يعيش في فقر مدقع وذلك مهما كانت الاسباب. فالانصاف يعني ضرورة التضامن داخل المجتمع بين جميع الأفراد والفئات والطبقات بحيث يتاح لكل إنسان أن يعيش في شروط إنسانية. لكن الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم على نفي الحريات الأساسية والمساواة القانونية والأخلاقية. إنها بالأحرى تعميق لهما لا بديلا عنهما. فلا تعني المساواة أن يكون جميع البشر متماثلين ومتشابهين في الامكانيات والمواهب والموارد, وهم ليسوا كذلك ولن يكونوا ولكنها تعني أنه لا ينبغي الانتقاص من حقوق أحد أو إضافة حقوق واعطاء امتيازات لأحد في القانون أو والعرف  بسبب اختلاف هذه الموارد أي بسبب القوة أو الطبقة الاجتماعية أو الانتماء الديني أو المذهبي أو العشائري أو العائلي.  وهو يترجم في الحياة اليومية بمبدأ تكافؤ الفرص بحيث يستطيع ابن الفقير وابن الغني, ابن الفلاح وابن المديني, ابن المسلم وابن غير المسلم,  الوصول في شروط واحدة وحسب معايير واحدة الى أي منصب أو وظيفة من وظائف الدولة والمجتمع وأن على السلطة العمومية أو الدولة حتى تكون دولة مساواة أن تضمن عمليا وقانونيا تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص هذا.

لكن الاشتراكية تعني, أكثر من ذلك, التزام الدولة بتحقيق الشروط التي تجعل من تكافؤ الفرص الشكلي, أي القانوني من حيث هو حق, تكافؤ فرص فعلي وحقيقي متزايد. مما يفترض تحويلات عميقة واستثمارات كبيرة وطويلة المدى مادية وثقافية ايضا تساعد على رفع مستوى منافسة الفئات الأفقر وتمكنها من الاندماج العميق في دورة الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية. فتكافؤ الفرص الذي تقره الديمقراطية يبقى ناقص التطبيق بل مجرد حق لا تطبيق له مثلا في مجال التعليم إذا تركنا المسألة مرتبطة بالامكانيات الخاصة بكل طبقة وعائلة. فمن المؤكد أن الاغنياء هم وحدهم الذين يملكون امكانية ارسال أبنائهم الى مدارس يحصل فيها الطلبة على تكوين علمي يساعدهم على الاندماج في العملية الاقتصادية أو السياسية بينما لا يستطيع أبناء الفقراء أن يخرجوا من دائرة التعليم الضعيف الذي لا يؤهلهم للحصول على أي مناصب إطارية مهمة. ومن واجب النظام الاشتراكي أن يؤمن, عن طريق المنح الدراسية أو التعليم العام, فرصا مماثلة لأبناء الطبقات الفقيرة. هكذا لا يبقى حق تكافؤ الفرص حقا قانونيا شكليا أو رسميا من دون تجسيد في الواقع وفي الوقت نفسه تصان المساواة الأساسية القانونية بين الطلبة فيما يتعلق بكل شروط الدراسة: أي أمام معايير القبول في المدارس والجامعات ومعايير النجاح ومعايير الحصول بعد التخرج على مناصب الشغل الخاصة أو الرسمية. أما ما يمارس عندنا من تمييز يكاد يكون عنصريا بين الأفراد في معايير القبول في الجامعات حتى لو كان لصالح الفئات الفقيرة فهو معاد لمبدأ المساواة والديمقراطية ولا يمكن أن يقود كما حصل بالفعل إلا إلى خراب التعليم ذاته وفساد معايير العمل والبحث والنجاح الدراسي. فإذا كان من الممكن للطالب الريفي لأنه ريفي أو لمن هبط بمظلة عسكرية أو لمن انتمى إلى حزب أو منظمة شبيبية أن ينال نقاطا أعلى من غيره في المدرسة ويدخل الى الجامعة بمعدلات قبول أقل من الآخرين وأن يحصل على منصب وظيفي رسمي بشروط أقل من الآخرين بسبب انتماءاته السياسية أو أصوله الثقافية أو المذهبية فما سنحصل عليه ليس مساواة أفضل بين الأفراد ولا ارتقاءا بمستويات تكوين أبناء الفقراء أو المهمشين وتمكينهم من الحصول على مناصب أفضل ولكن تخريب العملية التعليمية والهبوط بجيمع الطلبة الى مستوى أدنى وتزويدهم بشهادات تمنعهم جميعا من الاندماج في أي دورة اقتصادية مفيدة, وفيما وراء ذلك, إلى تدمير الاقتصاد نفسه وحرمانه من الأطر العلمية والتقنية الحقيقية.

كما أن الاشتراكية لا تستقيم مع التخلي عن الحريات الأساسية الفردية والجماعية. فقبل أن يكون هناك عدل ينبغي أن يكون هناك إنسان عادل وقادر على استبطان معنى العدل والتضامن والتعاون والتكافل الاجتماعي. فلا يمكن الحديث من دون الحرية والاستقلالية الشخصية عن فرد ولا مواطن وبالتالي لا عن عدالة ولا مساواة ولا حقوق وإنما عن عبيد مسيرين من قبل سلطة هي التي تفرض ما تشاء وتقرر ما تشاء ولم يختر أحد منهم لا التعاون ولا التضامن ولا الانصاف. وقد تفتن العدالة المفروضة بالقوة ومن دون الحرية أو على حسابها بعض المهمشين والفقراء للوهلة الأولى لما يمكن أن تقدمه من فرص سريعة لارتقاء أقلية بسيطة تسيطر على مقاليد السلطة وتعيد توزيع الثروة إراديا ومن دون حساب. لكن عدا عن أن مثل هذا التوزيع لا يمكن أن يفيد إلا أقلية بسيطة من المجتمع قبل أن يخرب منطق استقرار هذا المجتمع ونمو الاقتصاد والانتاج فإنه سرعان ما يقود الى عكس ما كان يطمح إليه. فالعبودية أي حرمان الأفراد من استقلالهم الشخصي وحقهم في تقرير شؤونهم بأنفسهم وإلغاء إرادتهم من أجل التمكن من تسييرهم من الخارج بطريقة آلية هي منبع الظلم والتمييز بين الناس وتكوين الطبقات الثابتة واستخدام الانقسام العصبوي بين الجماعات للاحتفاظ بالسلطة. فالحريات هي التي تؤسس الفرد, أي تؤسس استقلاله الشخصي وتميزه عن غيره وخصوصيته وبالتالي إمكانية إضافته الخاصة الفكرية والعملية للمجتمع. وهي اساس تكوين الانسان كإنسان بالمقارنة مع الاجتماع الحيواني الذي تسيرة الغريزة وتميز سلوكه الجماعي بالتالي الآلية أو القوة الميكانيكية.

لا مساواة إذن من دون حرية ولا حرية من دون كفالة شروط ناجعة وفعالة من قبل السلطة العمومية لجميع الأفراد بالتساوي لتبادل المعرفة والمعلومات و للتعبير عن أفكارهم ونشرها وتوزيعها وموقفهم ولتنظيم أنفسهم بما يمكنهم من التأثير بصورة مدنية أي سلمية على القرار العمومي السياسي الذي يمس حياتهم في حاضرهم ومستقبلهم, وهو شرط مشاركتهم اذن في السياسة ومساهمتهم في تقرير مصيرهم. 

وبالمثل ليس هناك عدالة من دون حرية. فالغاء شرط الحرية يعني مباشرة التمييز بين الأفراد وخلق شروط التفاوت فيما بينهم والحاق بعضهم بالبعض الآخر. وتكون العدالة ممكنة من دون الحرية في حالة واحدة وهي تصور الانسان كحيوان واعتبار أن انصافه ماديا أو اقتصاديا من حيث تقارب مستويات الأجور يغني عن انصافه في ميدان المشاركة السياسية أو التعبير عن الفكر والرأي والشعور. وهو يفضي كما دلت على ذلك تجربة النظم السوفييتية الى التمييز الفاضح بين شعب يعيش على مستوى الكفاف المادي ونخبة تحتكر لنفسها القيم والخيرات المعنوية من مناصب سياسية ووجاهات وموارد ثقافية. وبالعكس إن العدالة والانصاف لا يمكن أن  يتحققان من دون الحرية إذا تخلينا عن النظرة البدائية السائدة للثروة الاجتماعية ونظرنا إليها نظرة جديدة موضوعية واعتبرنا أنها تشمل توزيع القيم المادية والمعنوية معا. وفي هذه الحالة لا يمكن القبول بأن تحتكر نخبة صغيرة لوحدها القيم المعنوية والرمزية لأي سبب كان وتحت أي مبرر كان من دون أن تلغي مبدأ العدالة والانصاف. إذن ليست الحرية بديلا عن العدالة والمساواة ولكن شرطا لهما وليس هناك أي أساس يمكن أن يحل محل الأساس الثاني أو يتنافس معه أو يكون سابقا أو لا حقا له.

وإذا كنا نلح هنا على مفهوم السلطة العمومية وواجباتها ونقول أن على السلطة العمومية أو الدولة الاشتراكية أن تحقق ذلك فليس هذا في سبيل تبرئة المعارضة ولكن لأننا نتحدث عن مجتمع منظم أو في إطار مجتمع منظم. ولا مجال للحديث عن الاشتراكية ولا عن العدالة والمساواة والحرية من دون مجتمع منظم. والمجتمع المنظم يفترض وجود سلطة عمومية. والسلطة العمومية هي المسؤولة عن وضع قواعد هذا التنظيم وكفالة تطبيقها. 

هل المعارضة السورية اليوم بعيدة عن الأخذ بمثل هذه المباديء؟ لا أعتقد ذلك, فهذا هو الذي يجعل منها معارضة أصلا. وبالعكس من الواضح أن السلطة هي التي  تدافع عن الخط المقابل وتحاول أن تغطي على الخيارات اليمينية المتطرفة القائمة على أولوية منطق الاقتصاد وجذب الاستثمارات والمعونات الأجنبية وتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي وتكريس سياسات العزل والتهميش والحرمان من الحقوق والتمييز بين المواطنين حسب الانتماء الحزبي والاجتماعي والمناطقي وذلك من خلال الدفاع عن نمط انتاج دولوي أو يضمن سيطرة الدولة الشاملة على وسائل الانتاج وكل وسائل إعادة الانتاج الاجتماعي ومن خلال الاحتفاظ الايديولوجي واللاعقلاني بنمط توزيع للثروة المادية والمعنوية ليس له من الاشتراكية أي نصيب, وهو لا يخدم الا مصالح الفئات المسيطرة عليه ويضمن لها مراكمة الثروات اللازمة لتحولها من يرقة فقيرة وضعيفة بحماية شرنقة الدولة الى فراشة تطير في فضاء الرأسمالية العالمية. فهو الانبوب الاصطناعي الذي تستطيع هذه الطبقة أن تحول من خلاله موارد الدولة والمجتمع الى جيوبها وهو  الاطار القانوني لتفريخ الرأسمالية العالمية اللقيطة القائمة على تهريب الرساميل المحلية من الدول النامية ومص دماء الاقتصادات الوطنية الصغيرة لصالح التراكم الرأسمالي العولمي.  وهذه الخيارات هي التي تفسر أن المجتمع السوري لم يعش في أي حقبة سابقة حالة من التفاوت الطبقي الفاضح والواضح والصارخ كما يعيشها اليوم. ويظهر التحليل الموضوعي للسياسات الاجتماعية الجديدة بالرغم من كل المظاهر الخادعة كما تظهر نتائجها في توزيع الثروة الوطنية أنه لم يُبذل أي جهد، وليس هناك نيَّة لبذل أي جهد, لتخفيف هذه الفوارق. بل أن مسألة الفقر لا تُبحث ولا تُناقش في سوريا رغم أنه يتبين من الاحصاءات المتداولة دوليا أن نسبة كبيرة من السكان قد تتجاوز النصف يعيشون تحت حد الفقر بالمعايير العالمية المقبولة.

وفي مواجهة تخلي السلطة عن الاختيارات الاشتراكية الحقيقية الانسانية والاخلاقية لصالح شكل من اشكال ملكية الدولة العقيمة والهادرة للموارد يمكن أن نقول بحق أن المعارضة التي تستمد قيمها من أفكار الاشتراكية حتى قبل أن تعيد تأسيس نفسها وتجدد شبابها هي الوحيدة التي لاتزال تحمل راية الفكر الانساني وقيم المساواة والعدالة والديمقراطية والمواطنية وحقوق الانسان. فليس التيار الغالب عند المعارضة, بالرغم من النقائص العديدة البارزة في فكرها,  هو تيار التخلي عن جوهر الفكر الاشتراكي ولكن العكس من ذلك. وربما كان أفضل ما يميز هذا الفكر الاشتراكي في سورية, مثله مثل الفكر الاشتراكي في العالم, هو بالضبط شفاؤه من الايمان الأعمى والمريض بأن قضية التنمية مرتبطة فقط بالنظام الاقتصادي سواء أكان نظام  السوق أو النظام الاقتصادي المخطط, أو مرتبطة بسياسة الاستثمار وجذب الاستثمار أو بمنطق الريح الذي يشكل جوهر الفكر اليميني الليبرالي والنيوليبرالي اليوم.

 إن ميزة الفكر الاشتراكي الجديد وقيمته معا تنبعان من أنه أصبح يرى في الاشتراكية خيارات تقوم على توفير شروط تحقيق انسانية الانسان أي تنمية حريات الأفراد وحقوقهم وتوسيع دائرة ومساحة آمالهم وأشكال مساهمتهم ومشاركتهم في الشأن العام وتنوع أفكارهم وعقائدهم ورفض الفكر الواحد والمرشح الواحد والزعيم الواحد, أي رفض أن يخفض الانسان الى آلة حيوانية لا مطلب لها سوى ملء البطن وتعظيم الاستهلاك. إن هذا الفكر الاشتراكي الجديد يرى في الحاجات السياسية والثقافية والعاطفية واحترام الذات والانعتاق والتحرر من المخاوف وكل اشكال القهر والمسكنة والخضوع والاذلال شروطا لا تقل قيمة في تحقيق سعادة الانسان عن تحقيق الحاجات المادية بل تفوقها لأنها هي التي تميز الانسان عن الحيوان. وهي التي تجعل منا بشرا متضامنين ومتفاعلين لا ذئابا ووحوشا كاسرة يأكل بعضنا بعضا من دون شعور ولا وجدان ولا ذرة من تأنيب الضمير.

والخلاصة أن الحديث عن أزمة الفكر الاشتراكي ومراجعته العميقة لنفسه لا ينفي أنه لا تزال هناك مسلمات حتى الآن تميز أصحاب الخيار الاشتراكي والحركات السياسية الاشتراكية أو التي لا تزال تنتمي الى الاشتراكية عن أصحاب الفكر اليميني وحركاته على تعدد أشكالها المتطرفة والأقل تطرفا. وهذه المسلمات هي التي تفسر بقاء الاحزاب الاشتراكية واستمرارها في التنافس على قيادة المجتمعات في العالم أجمع. ومن هذه المسلمات الأساسية التي يشترك فيها الفكر الاشتراكي في كل مكان رفض التسليم المطلق لمنطق الاقتصاد أو اعتبار الربح والربحية والانتاج والانتاجية هي المعايير الرئيسية لقياس تقدم المجتمعات أو أساس استقرار النظام المجتمعي. فمنطق الربح والانتاج لا يمكن أن يُقيم نظاماً اجتماعياً لوحده من دون النظر في القيم الاجتماعية من عدالة ومساواة وحريات وأخلاقيات ومعاني فكرية وثقافية ومن نظم قانونية ومدنية تساهم في تأمين شروط تحقيق الناس لأنفسهم وتأمين سعادتهم. وهذه الابعاد الانسانية هي التي يتم التركيز عليها اليوم في إعادة بناء النظم المجتمعية التي خربتها الشمولية والبيروقراطية والديكتاتورية والفاشية في الحقبة السابقة في العديد من المجتمعات وهي التي تشكل جوهر الرؤية الجيدة للنظام الاجتماعي.

وربما كان من الأفضل منذ الآن العودة إلى المفاهيم البسيطة الأولى التي تميز بين اليسار واليمين لإعادة تأسيس أو لتجديد مفهوم الاشتراكية ذاته. فالذي ميز اليسار عموما منذ نشوء المصطلح هو جعله تقدم المجتمع أو النظام المجتمعي مرتبطا بتقدم مسألة الحريات وحقوق الانسان الفرد واحترامه وسعادته ضد الايديولوجيات اليمينية الدينية والزمنية التي تركز على الانتاج والأمن والنظام والتمسك بالتقاليد والقيم الثابتة القديمة. وقد حصل في القرن الماضي انقلاب حقيقي أدخلته بصورة غير مقصودة النظرية الماركسية التي شددت على أثر العوامل الاقتصادية في تحديد مصير المجتمعات وفهم مضمون النظم المجتمعية. فصار مفهوم الاشتراكية والشيوعية لصيقا بفكرة التركيز على القاعدة الاقتصادية وصارت السياسة الاشتراكية مرتبطة ارتباطا وثيقا بسيطرة الدولة على وسائل الانتاج والتحكم بالإدارة الاقتصادية. هكذا صار اليسار إقتصادويا وصار اليمين هو الذي يركز خلال كل حقبة الحرب الباردة على القيم الانسانية ويتباهى يتأكيد الحرية والدولة القانونية. والحال أن جوهر مضمون اليسار خلال التاريخ الحديث هو التأكيد على القيم الانسانية في وجه قوى السوق والتجارة والدولة التسلطية.

ويمكن القول أن ما نعيشه منذ انهيار التجربة الشيوعية التي كانت المسؤولة الرئيسية عن فساد مفهوم الاشتراكية واليسار هو العودة القوية عند الفكر اليساري إلى جذوره الفكرية التاريخية. وليس فشل الشيوعية وإفلاس النظم الشمولية بشتى أشكالها وانواعها هو وحده الذي يساهم في هذه العودة إلى الينابيع. فينبغي القول أن هذه العودة تعبر أيضا عن حركة موضوعية قوية تتنامى بموازاة تنامي الثورة التقنية والمعلوماتية نفسها وتعيد بما لا يقبل الجدل مركز الثقل في العملية الاجتماعية إلى المعرفة وكل ما يتعلق بالقيم المعنوية الرمزية والأخلاقية التي تبدوا أساسية اليوم في استقامة الحياة المجتمعية الاقتصادية والسياسية والفكرية معا. وهكذا صار مقياس انسانية الانسان أو دخول الانسان في الانسانية ودمجه في دورتها الحية مرتبطا بمدي مشاركته في القيم المعنوية وليس في القيم المادية, أي في الحريات والحقوق الفردية المعنوية والسياسية وفي الثقافة والاستهلاك الثقافي المتنامي, وبالتالي في تجاوزه للتخفيض الاقتصادي والكمي. ومن الواضح أن هذا المنظور يكاد يكون متناقضا تماما مع المنظور التقليدي الذي كان سائدا من قبل والذي كان يربط اليسار بالتأكيد على التوزيع العادل للثروة المادية وعلى العلاقات الاقتصادية والقانونية.

وأنا من الذين يقولون أن العولمة، وباعتبارها مدفوعة بعناصر موضوعية، ظاهرة حتمية. لكن هناك عولمة ليبرالية تخضع لمنطق الاقتصاد والتجارة؛ وتُخضع كل شيء لمنطق الربح؛ أي عولمة يمينية رجعية أمريكية أساسا, وهناك عولمة أخرى يسارية اجتماعية تحررية تنظر إلى الناحية الاجتماعية وإلى الناحية الثقافية، وتهتم بمصير المجتمعات ككل، أي أنها ليست مدفوعة فقط بالبحث عن الأرباح وتوسيع نطاق التجارة، بل تنظر إلى مسألة ضمان حد أدنى من التوازن داخل المجتمعات وفيما بينها أيضا على الصعيد العالمي، وتسعى لصون ودعم الثقافات المتعددة ضد منطق السوق الذي يهدد باكتساح ثقافات كثيرة لصالح تعميم ثقافة واحدة هي ثقافة الاستهلاك والصرعات التقنية وغير التقنية على حساب موت الأداب والفنون المتنوعة والتنوع الثقافي المثري. وهذه العولمة اليسارية والاجتماعية لا يمكن أن تتحقق فقط من خلال التسليم بمنطق الاقتصاد. إن تحقيقها يحتاج إلى العمل الجماعي الدولي وتطوير وسائل المفاوضات المتعددة الأطراف التي تستطيع وحدها أن تأخذ بالاعتبار مشاكل ومصالح المجموعة الدولية برمتها ولا تكون مجرد غطاءا لاضفاء الشرعية على علاقات النهب والاستغلال والتبعية والسيطرة العالمية.

 

وإذا أردنا تطبيق هذا التمييز بين اليسار واليمين  على الساحة السياسية السورية فسوف نكتشف مركزية الديمقراطية وموقعها الحاسم في الصراعات القائمة بين تيارات المجتمع والفكر المختلفة. فجوهر عقيدة اليمين السوري المحافظ والرجعي اليوم, سواء داخل الدولة أو في محيطها وعلى هامشها, هو رفض الديمقراطية بكل معانيها والدفاع عن الوضع القائم والسعي إلى الحفاظ على الأمر الواقع ورفض أي تعديل في النظام المجتمعي والسياسي القائم. وينضوي تحت راية هذا التيار أفراد ينتمون إلى الفئات المسيطرة على السلطة وعلى موارد الدولة المادية والمعنوية. وهم يدركون أن أي تعديل في النظام المجتمعي يعني لا محالة تهديد الامتيازات المكرسة والسيطرة الشاملة على موارد الدولة وحق التصرف بها كما لو كانت ملكية خاصة شرعية. وليس لدى هؤلاء أي سبب كي لا ينزعوا, في سبيل الدفاع عن امتيازاتهم هذه, الى استخدام وسائل العنف وتبرير ديكتاتورية الأجهزة والعمل يجميع الوسائل من أجل تدعيم نزوعات النظام الفاشية. 

وبالعكس, إن الذي يميز موقف قوى اليسار السورية كافة هو التشديد على أولوية التغيير السياسي بما يعنيه من تغيير قواعد اللعبة الاجتماعية وإشراك جميع الأفراد في قيم المسؤولية السياسية والمناقشة الفكرية والمساواة الأخلاقية والقانونية والاحترام المتبادل. وينضوي تحت لواء هذا التيار أفراد ينتمون في الغالب إلى الشعب المهمش والمخرج من عقود من اللعبة السياسية وكذلك مثقفون وأبناء طبقات وسطى خاصة مستبعدة من أي مشاركة وممنوعة حتى من التعرف على هويتها بل عن قول رأيها في ما تفرضه الطبقة المسيطرة من سياسات. ومن الطبيعي أن تشعر هذه القوى المتعددة وبالرغم من تعددها وتنوع فكرها ومصالحها بأن تعديل عمل النظام وتغيير قواعد اللعبة السياسة لا يمكن إلا أن تكون في صالحها وأن تتيح لها فرصا أكبر للمشاركة في الحياة العمومية والتأثير في القرار العام واستعادة احترامها لذاتها وتكوين نفسها كطبقة سياسية واعية لنفسها وليس فقط كطبقة اقتصادية. فهي تشعر عن حق أن احتكار البيروقراطية الرجعية للحياة السياسة والفكرية معا تدميرا لها وإغلاقا لآفاق مستقبلها.

وفي المقابل يدافع اليمين العادي او اليمين الوسط عن نموذج للتغيير يقتصر على تحسين شروط الانتاج الاقتصادي والعمل الاداري مع الاحتفاظ بقواعد اللعبة السياسية كما هي. وهو يضم أفرادا ينتمون إلى الصف الثاني من النخبة المسيطرة والمالكة لوسائل الانتاج والتوزيع والسلطة والقانون, داخل الجيش والإدارة والقطاع العام والحزب والدولة عامة. فهؤلاء يشعرون أن آفاق التقدم المفتوحة أمامهم أصبحت محدودة جدا. وأنه من دون النجاح في إزاحة الجيل الأول الذي يحتكر كل المواقع والمناصب والموارد فليس أمامهم أي فرصة حقيقية للتقدم والارتقاء. فالاصلاح الاقتصادي يتيح لهم التحرر نسبيا من طغيان البيروقراطية الذي أصبح يهدد النظام الاقتصادي كله بالافلاس والانهيار ويسمح لهم بأن يحتفظوا بالمواقع التي يحتلونها أو يمكنهم من الدفاع عنها ويحميهم من السقوط الى مرتبة المهمشين والمحرومين والمستبعدين الذين لا قيمة لهم ولا وزن مهما كانت مؤهلاتهم وقدراتهم, أي إلى مرتبة أغلبية الشعب وعامته. أما المحافظة على قواعد اللعبة السياسية من دون تغيير فهي تضمن لهم أن يحتفظوا لأنفسهم وحدهم بقطف ثمار ما يمكن أن يأتي به الاصلاح الاقتصادي وتجنب أن يذهب قسم كبير أو صغير منها إلى الطبقات والفئات الأخرى الشعبية. وتغيير قواعد اللعبة السياسية يعني فتح النظام السياسي والفكري والاعلامي أما تعديل قواعد اللعبة الاقتصادية الذي يطالب به اليمين الاصلاحي فهو يقتصر على فتح النظام الاقتصادي في سبيل الحصول على رساميل واستثمارات ومساهمات خارجية جديدة تحرك الاقتصاد والتجارة وتدعم السوق المحلية.  فاليمن الفاشي واليمين البيروقراطي الاصلاحي كلاهما يعاديان الديمقراطية بقدر حرصهما على أن يحتفظا لأنفسهما بالسيطرة الشاملة على الموارد والمواقع العمومية أو على الموارد الجديدة المحتمل أن يولدها الاصلاح.

ومشكلة اليمين الاصلاحي هي أنه يعيش في مفارقة ويرفض لضعفه وتهافته الاختيار. فهو يدرك من جهة أولى  أنه لا يستطيع أن يفرض برنامجه على النخبة البيروقراطية المتوحشة المسيطرة التي تريد مشاركته في ثمار عمله بالاحتفاظ بقواعد اللعبة الاقتصادية القائمة كما هي ما لم يحظ بدعم شعبي قوي وواضح يردع هذه الفئة العليا, ولكنه يخشى من جهة ثانية أن يؤدي فتح النظام السياسي هذا الى دخول الفئات الأخرى المهمشة والمستبعدة من أي حقوق أو مشاركة في قرار الى ساحة العمل العمومي وبالتالي احتمال نجاحها في فرض تغيير قواعد اللعبة السياسية. ولذلك فهو يدين نفسه بالشلل والهامشية داخل النظام لأنه يجمع في الواقع بين عجزين : العجز عن الاصلاح الاقتصادي الذي يستحيل تحقيقه من دون تغيير المناخات والأطر النفسية والسياسية والقانونية والعجز عن الانفتاح السياسي الذي يطرق الأبواب. وهذا ما يفسر في النهاية نجاح اليمين الرجعي في استعادة زمام المبادرة بسرعة وفرض وصايته على برنامج الاصلاح.

بالتأكيد لا تبدوا الامور واضحة الى هذا الحد في ذهن اليسار السوري الذي لا يزال يبحث عن نفسه والذي جمدت تفكيره عقود طويلة من امتناع التفكير والنقاش والمناظرة الوطنية عموما وخضعت قطاعات المعارضة العريضة فيه لاصناف مختلفة من العنف والقمع والاضطهاد. لكن من الواضح أيضا أن اليسار السوري مثله مثل اليسار العالمي احتفظ بالفكرة الرئيسية التي تشكل محور قيمه وتفكيره وهي الدفاع عن حرية الانسان واستقلاله وكرامته ضد كل أشكال القهر والاضطهاد والحرمان من الحقوق والحريات. كما تمسك بمبدأ رفض التسليم في قيادة المجتمعات وإدارتها لهوس المنطق الاقتصادي المحض والاستسلام للحسابات الاقتصادية الفجة كما وقف, ولا يزال, موقفا نقديا من العولمة التي لا تزال سجينة الفكر الرأسمالي المتوحش أي الاقتصادوي البحث ايضا.


وللعودة الى السؤال الأصلي الذي طرحته حول مصير الاشتراكية أقول إن على الفكر الاشتراكي العالمي أن يرفض التوحيد بين الاشتراكية و مسألة نمط علاقات الملكية الاقتصادية. وهذا يعني أيضا أن عليه أن يرفض تحويل عملية تنظيم الاقتصاد ذاتها الى قضية مبدئية أو ايمانية كما كان يفعل من قبل عندما عممت الماركسية اعتقادا واسعا بأن البنية التحتية هي التي تتحكم بالبنية الفوقية وأنه من المستحيل إحداث أي تغيير في المجتمع من دون البدء بتغيير علاقات الملكية الاقتصادية وتأميم قطاعات الإنتاج وإلغاء سيطرة رأس المال. اليوم أنا أعتقد أن مسألة الملكية الاقتصادية ينبغي أن تخضع لمناقشة عقلانية وبراغماتية. فلا ينبغي أن يصبح الدفاع عن القطاع العام مذهبا أو أساسا لمذهب وبالأحرى أن يكون الدفاع عن القطاع الخاص مذهبا مقابلا أيضا كما يفعل الليبراليون. إن ما يشكل مبدءا ومذهبا في الفكر الاشتراكي الحديث ما بعد انهيار جدار برلين ينبغي أن يكون هو الحرية ودولة القانون والعدالة والكرامة الانسانية أي كرامة كل فرد منها. أما الادارة الاقتصادية فينبغي التعامل معها من منطلق النجاعة والفاعلية والشروط والامكانات المتوفرة في كل مجتمع. فإذا لم تكن هناك طبقة رأسمالية صاحبة رسالة استثمارية انتاجية من المستحيل أن تكتف الدولة يديها وتوكل أمرها للشيطان. وبالعكس لا أرى ما هي مصلحة الدولة في أن تخنق المبادرات الفردية وتحرم المجتمع من الخدمات التي يمكن ان تقدمها طبقة اصحاب مشاريع ومستثمرين نشيطة ومنتجة.

باختصار إن الخطأ الذي وقعنا فيه في الماضي هو المطابقة بين الرأسمالية واقتصاد السوق والاشتراكية واقتصاد التخطيط. وأرجعنا كل الاطار الاجتماعي والسياسي والثقافي الى الاطار الاقتصادي او ألحقناه به. والحال أن الرأسمالية مثلها مثل الاشتراكية ليست نظاما اقتصاديا ولا يمكن تخفيضهما الى مستوى علاقات الاقتصاد. ان الرأسمالية هي نظام اجتماعي سياسي بالدرجة الاولى وكذلك الاشتراكية. ونظام السوق ليس سمة الراسمالية ولكنه سمة الاقتصاد الحديث ذاته. ولا يكمن التحويل الاجتماعي السياسي في الغاء منطق الاقتصاد الذي هو منطق السوق ولكن في اسلوب التعامل معه وضبطه. فالذي يميز الاشتراكية عن الرأسمالية في هذا المجال هو أن الرأسمالية تعطي للسوق وقوانين السوق القائمة على العرض والطلب الاولوية في النظام الاجتماعي السياسي الثقافي الذي تبينه وتجعل البناء المجتمعي بأكمله مستلبا لهذا المنظق أو تابعا له. أما النظام الاشتراكي فهو لا يلغي السوق ولا ينبغي أن يلغيه ولكن أن يسعى الى إخضاعه لمنطق أشمل وأعلى منه هو قانون الانسجام والتعاون والتضامن الاجتماعي, أي لمنطق بناء جماعة واحدة متضامنة وفرد حر ومستقل وقادر على تقرير مصيره والتأثير على الاقتصاد.

ومن المؤكد أن الفكر الاشتراكي السوري مثله مثل الفكر الاشتراكي العالمي لم يصل بعد الى وضوح كاف في هذا المجال أو أن مثل هذه الأفكار لم يتم تعميقها وتعميمها بما فيه الكفاية. ومازال النقاش، كما أسلفنا، متواصلا حول ذلك. لكن، وهذه هي النقطة الثانية من الجواب, لا يمنعنا عدم التوصل الى مفاهيم حاسمة وناجزة في الفكر الاشتراكي ولا ينبغي أن يمنعنا من مواجهة التدهور الاقتصادي والافقار المتزايد وانهيار الانتاج والانتاجية الذي نشهده كما لا ينبغي أن يمنعنا من التصدي للأوجه الأخرى من الأزمة, الأوجه الاجتماعية فيما يخص التوزيع الظالم للثروة المادية والمعنوية في البلاد, والأوجه السياسية المتعلقة باحتكار السلطة المطلق من قبل فريق صغير من الذين يمسكون بزمام الأمور وإلغاء كل أشكال الحرية والمساواة والحياة القانونية والجماعية السليمة.  فنحن بالتأكيد لا نلغي الأفق الاشتراكي مهما سيكون قرارنا بشأن نمط علاقات الملكية الاقتصادية السائد في المستقبل عندما نتحدث عن الديمقراطية كما أننا لا نلغي، كذلك، الأفق الرأسمالي. لأننا عندما نناقش مسألة الديمقراطية, وفي حدود الاستقلالية الخاصة بكل نظام مجتمعي كما ذكرنا في السابق, فنحن نبحث في أمور مختلفة ومن الضروري حسمها مهما كانت طبيعة العلاقات الاقتصادية أعني أمور  ممارسة السلطة والصيغ السياسية للعمل الاجتماعي والجمعي وكذلك أمور أساليب حل الخلافات الاجتماعية وايجاد  فرص للحوار الوطني يسمح لنا بالتوصل الى انضاج حلول لقضايا كثيرة اشتراكية وغير اشتراكية. ولهذا يبنغي فهم الكفاح من أجل الديمقراطية ومسألة التحويلات الديمقراطية ذاتها باعتبارها مدخلا وليس حلا ناحزا وجاهزا, لمواجهة مشاكل المجتمعات العربية وإطارا ملائما وضروريا لتفجير ديناميكية اجتماعية تسمح بالتفكير، وتسمح بإعادة النظر بالفكر اليساري، وتسمح بإعادة النظر بالفكر اليميني أيضا، هذا الفكر الموجود في سوريا مثل أي بلد آخر ويجب على أصحابه أن يطوروه ليصبح فكرا يمينيا عقلانيا متنورا وغير متعصب، وليس مُغلقاً ومتخلفاً.
بهذا المعنى تشكل التحويلات الديمقراطية المدخل السليم والصحيح الى الاصلاح لأنها تقيم اختياراتنا الجديدة الاصلاحية على نقاش اجتماعي ووطني فعلي وتسندها على قبول شعبي وتربطها بالتزامات اخلاقية وسياسية تساعد على تشجيع الناس على بذل الجهد والدفاع عن السياسات المختارة باعتبارها تجسيدا لقرارات وتوجهات نابعة من داخل الافراد والمواطنين وليست مفروضة عليهم بالقوة او بالاذعان. والديمقراطية تشكل المدخل السليم والضروري أيضا لأنها تضمن وعليها أن تضمن الحقوق والحريات: حريات التعبير والحريات الفردية وحريات التنظيم، والمنافسة بين التيارات المختلفة داخل الحقل الاجتماعي. إنها تشكل المدخل الاجباري الذي يمكن المجتمع السوري من أن يرى قضاياه ومشاكله بوضوح أكثر، ويرتبط بالنقاش العالمي أكثر، سواء فيما يتعلق بالنقاش حول الاشتراكية أو غيرها. وأن يكون مساهماً في هذا النقاش العالمي ليتوصل بنفسه وبجهوده الخاصة إلى نتائج، دون انتظار الآخرين ليحلوا له مشاكله. وبالتالي فهي تساعده على إنضاج حلول  تأخذ بعين الاعتبار خصوصياته ومعطيات البلد الخاصة، وتحول فكره من فكر عاطل وخامد الى فكر نشيط وحي وفاعل. والحال أنه لايوجد عندنا اليوم بسبب الحرمان من المشاركة والحوار أي موقف أو فكر متبلور في أي ميدان. وحتى فيما يتعلق بالقطاع العام والاقتصاد المخطط الذي قامت عليه السياسات الاقتصادية منذ عقود طويلة  مازالت تصوراتنا متخبطة ومختلطة ولا يزال من الصعب على المسؤولين اتخاذ قرار واضح في الموضوع. وبالرغم من أن السلطة القائمة تبنت اليوم السياسة الليبرالية المطلقة بدون قيود في الكثير من القطاعات، فإنها لا تزال متمسكة بالقطاع العام الذي تحول بسبب الترهل وسوء الادارة واستغلال النفوذ والنهب المتواصل من قبل المسيطرين عليه الى ما يشبه المستحاثة الميتة. والسبب أن هناك فئة قليلة ممن يشكلون قاعدة النظام يجدون فيه الوسيلة الوحيدة للحفاظ على مواقعهم ومواردهم الخاصة. وهذا الوضع يجعل من القطاع العام الراهن قطاعا بعيدا جدا عن خدمة مصالح الناس ولا يمت الى النظام الاشتراكي ولا الى نظام التخطيط الاشتراكي بصلة. وأنا من الذين يعتقدون أن هذا الوضع يجعل من الصعب على السلطات اتخاذ أي قرار حاسم بشأن القطاع العام وبالتالي ترك المسألة تتعفن أكثر. ولا يمكن حسم أمر كهذا بما ارتبط به من معان وما يجسده من مصالح خاصة إلا من خلال نقاش وطني يمكن للحاكم أن يستند اليه ليبرر قراره ويحميه في أي اتجاه كان. وما ينطبق على القطاع العام وتراث النظام الاشتراكي الماضي الذي تخلت عنه السلطات اليوم عمليا ينطبق على قطاعات كثيرة أخرى سياسية واجتماعية وثقافية وتربوية مثل علاقة الحزب الحاكم أو أي حزب بالدولة واختلاطه بها والبرامج التربوية المتعلقة بالتبشير بعقيدة سياسية معينة داخل الصفوف الدراسية وتنظيم الاطفال الصغار والشباب في تنظيمات سياسية إكراهية لتدجينهم ومنعهم من تطوير ملكاتهم الفكرية والنقدية وتكوين آرائهم الخاصة بأنفسهم وبالتالي الاعتداء على حرياتهم العقلية.  إن التفكير في أمور كهذه واتخاذ القرارات الحاسمة بشأنها وهو ما يحتاج اليه أي اصلاح جدي للنظام البيروقراطي العقيم القائم لايقدر عليه فرد لوحده بسبب معارضة أصحاب المصالح الكثيرين ولا بد فيه من الاستناد الى المشاركة الشعبية في النقاش والعمل معا, مشاركة تتم على مستوى الوطن ككل ومفتوحة أمام الجميع.  ولا يمكن لأي حزب قائدا كان أم معارضا أن يقرر مكان المجتمع وباسمه ما هو الصح وما هو الخطأ, ما يحق لنا أن نفعل وما لا يحق لنا أن نفعل. ذلك أن أي حزب لا يمكن أن يصوغ الا الحلول التي تتماشى مع مصالح أصحابه. فهو بالتعريف ثمرة تحزب فئة من الناس للدفاع عن مصالحها ولا يمكن للفئة المتحزبة أيا كانت ومهما كانت شعاراتها وأفكارها أن تضع نفسها بديلا للمجتمع, أن تتحول الى المجتمع نفسه وتلغي الفئات والمصالح الأخرى.

وللأسف لا يزال النقاش في هذه الموضوعات والحديث عن المشاركة محرمين في بلدنا ليس بين عموم الناس وفيما بينهم فحسب ولكن أكثر من ذلك بين السلطة والفئة الحاكمة وبين المجتمع ذاته بل داخل دوائر السلطة نفسها وبين مؤسساتها المختلفة والمتعددة. وربما كان النقاش الوحيد المتاح هو ذاك الذي يحصل  في إطار القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم وفي حدود سعي هذه القيادة الى تكريس نفسها قيادة أبدية للمجتمع والى ضمان مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها.

يبين لنا هذا التحليل السريع بسهولة سبب الأزمة الفكرية والأيديولوجية التي نعيشها جميعا في هذا البلد, اشتراكيين وغير اشتراكيين, يساريين ويمينيين, سلطويين ومعارضين, أفرادا ومنظمات معا. ذلك أن إلغاء أي فرصة للنقاش الوطني الواسع والحر في كل القضايا المتعلقة بمستقبل البلد، وفرض الصمت على الجميع ومنع التداول في المعلومات وتطبيق قاعدة نفذ ولا تعترض, وهي تخفيض خطير حتى في قاعدة التربية العسكرية التي تقول نفذ ثم اعترض, والتي تقبل إذن المعارضة, لا يمكن أن تقود الى شيء آخر سوى تعميم ثقافة الإذعان ونفسية الإذعان ومنطق الإذعان. ولا يمكن لمثل هذا المنطق ولا لتلك النفسية أن تساعد في تطوير قدرة المجتمع, لا على مستوى الأطر ولا على مستوى الشعب العادي, على بلورة إجابات جديدة وناجعة ومبدعة للمشاكل والتحديات الكبيرة والعديدة التي تواجهها سورية مثلها مثل جميع البلدان الفقيرة والغنية على حد سواء. فكيف يمكن في هذه الحالة أن نخرج من الجمود ونتفق على طبيعة النظام الاقتصادي الذي نريد أن نقيمه، أو نوعية السياسات الاقتصادية التي نختارها للوصول إليه,  بل على أمور أبسط بكثير من هذا مثل تقييم السياسات الاقتصادية اليومية والبحث الموضوعي في نتائجها وجدواها وتبيان فيما إذا كانت تستجيب للحد الأدنى فقط  من العقلانية وخدمة مصالح جميع السكان أو غالبية السكان، أم أنها مصاغة فقط لتلبية مصالح مستثمرين أجانب أو بعض المستثمرين السوريين الذين نجحوا خلال الخمسين سنة الأخيرة في تجميع ثروات هائلة عن طريق استغلال النفوذ والسطو على أموال الدولة. وكيف يمكن في هذه الحالة أيضا التفاهم بين أبناء المجتمع الواحد حول طبيعة النظام السياسي الذي يريد السوريون أن يتعايشوا فيه أو من خلاله ويقبلون بمحض إرادتهم الخضوع لقوانينه وقواعد عمله. وينطبق الأمر كذلك على النظم المجتمعية الأخرى الأساسية مثل النظام القضائي والقانوني والتربوي وغير ذلك من نظم وقواعد عمل سادت في الماضي وظهر فسادها لكن لا يمكن للناس التفكير في استبدالها ولا في النقاش في بدائل سليمة لها.

 من المؤكد أنه في غياب المناقشة والمناظرة الوطنية الموضوعية والمفتوحة أمام الجميع والتي تشكل وحدها ضمانة كي تكون الحلول البديلة المقترحة معبرة ولو جزئيا عن مصالح الجميع أو على الأقل ليست مدمرة لها لا يبقى هناك مخرج آخر سوى تسليم الأمر كما هو قائم الان للبيروقراطية الأمنية والعسكرية والإدارية تقرر فيه حسب رؤيتها الخاصة ومصالحها وحاجات استمرارها في السيطرة على مقدرات البلاد ومواردها الكلية من دون مساءلة ولا ضابط قانوني أو سياسي أو أخلاقي. وطالما امتنعت السياسة كفعل تفكير حر واختيار شخصي للأفراد وممارسة للضغوط السلمية المتبادلة داخل المجتمع الواحد فمن الطبيعي أن تستقر الأمور في يد فئة قليلة حاكمة ومن الطبيعي كذلك أن تنزع هذه الفئة إلى استخدام القوة المجردة وحدها لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي.

والنظم التي لا تستند إلى أي خيار شعبي حر ولا تقبل بأي مساءلة سياسية يومية ولا تسمح بأي احتمال تناوب على السلطة تتحول بالضرورة إلى نظم قوة أي قائمة على القوة المحضة. ونظم السيطرة بالقوة لا بالإقناع ولا بالتداول ولا بالتآلفات والتسويات السياسية ولا بالتفاهمات الفكرية هي تلك التي لا تعرف في تعاملها مع البشر سوى لغة العنف والقوة سواء أكانت قوة القهر أو قوة الضغط والابتزاز. وهي تحول المجتمعات لا محالة إلى قطيع أو تفرض عليها التصرف مثل القطيع, لا يسأل رأيه، وما عليه إلا أن يطيع. فالسلطة أو القائمين عليها يتصورون أنفسهم رعاة والراعي هو الذي يقرر وحده مصلحة قطيعه ولا يسأل خرافه عن رأيهم ولا رغباتهم. وهو الذي يقرر كذلك ما يفعله بالقطيع، أيأخذه إلى المرعى أم يهبط به إلى المسلخ. والخروف أو الثور الذي يبتعد قليلا عن القطيع أو يبدو أنه يخرج عنه ليس له دواء سوى الضرب أو النهر.

إن الذي يبين الفرق بين نظام القطيع ونظام المجتمع البشري هو أن الأول يحكم من خارجه ومن نوع غير نوعه والثاني يحكم بآليات التفاعل والحوار والتفاوض بين أفراد يحكم فكرهم وعملهم الوعي والضمير والمباديء والقوانين والمصالح المدركة والمشروعة. أما الثاني فهو نظام قائم على قوة السيطرة المادية المرتبطة بالغريزة أم بعصا الراعي لا فرق. لكن من المستحيل, الا بتحويل البشر الى حيوانات لا وعي ولا ضمير ولا مباديء تنظم تفكيرها وممارستها, بناء نظام بشري منتج بالقوة المجرد وحدها أو من خلال السيطرة بالقوة. وأن أي نظام كي ينال الحد الادنى من الصدقية والقبول وبالتالي حتى يوفر الحد الادنى من شروط العمل المنتج والتفكير العقلاني والضمير الاخلاقي والذوق الفني لا بد لنه ان يقوم على مباديء وقيم وأهداف وغايات انسانية, أي مقبولة بالوعي وذات معنى وقيمة للانسان.

تشكل القوة عنصرا مهما في تثبيت النظام من دون شك لكنها ليست الجوهر الذي يؤسس النظام أو يمكنه من البقاء. إن هدفها هو التدخل الجزئي عند بعض الأفراد الذين يتجاوزون لسبب أو آخر القانون والقاعدة والعرف المجمع عليها ويضعون إرادتهم بديلا للإرادة الجمعية أو أعلى منها. فهي وسيلة مكملة للمبدأ ولا قيمة لها من دون المبدأ. والذي مكن العرب من أن  يقيموا سلطنة عظيمة في الماضي وأن يصبحوا أمة وثقافة عالمية كما هم اليوم ليست قوة القبائل البدوية التي اعتمدت عليها الفتوح ولا وحشيتها وتوحشها وإنما الرسالة التي استندت اليها القوة في البداية ثم أصبحت هي المصدر الرئيسي للحمة الاجتماعية بقدر ما خلقت الولاء والانتماء لقيم ومباديء وتقاليد, أعني رسالة الاسلام والدين نفسه من حيث هو رسالة, وبقدر ما ترجم وفسر كرسالة انسانية ولصالح الانسان.

 إن الذي يميز بين المجتمع القديم والمجتمع الحديث داخل الاجتماع الانساني التاريخي الواسع هو أن المجتمع الحديث يحث على مشاركة جميع الناس بكل القرارات التي تتعلق بحياتهم وطبيعتها، بل يجعل من هذه المشاركة الواعية والمعبر عنها بصورة عملية وطقوسية أساس التفاهم والتلاحم والتعاون والتكافل بين أبناء المجتمع ومن دونها ليس للمجتمع أي شرعية قانونية أو مشروعية أخلاقية. أما نظام المجتمع القديم فقد كان يستمد قوته من قدرة العقيدة التي يمثلها على خلق  الإذعان والخضوع  لقرار شخص يمكّنه موقعه الديني أو الارستقراطي أو العسكري أو الإداري من إضفاء الشرعية على إلغاء رأي وإرادة الناس ومصادرة الحق بالقرار والاستفراد بالسلطة. وهذا ما يريده اليمين المحافظ والرجعي السوري اليوم.

 لاتكمن المشكلة الحقيقية إذن في عدم تبلور الفكر الاشتراكي أو انعدام الوضوح في فكر المعارضة, اشتراكية كانت أم لا, ولكن في غياب الاعتراف بالشعب والمعارضة معا وحقوقهما في الوجود والتعبير عن مصالحهما وأفكارهما كما تكمن في غياب أي أطر وطنية للحوار العام يعكس احترام السلطة القائمة لارادة الناس ورغباتهم ويشجعهم على الاجتهاد في التفكير والمشاركة في المسؤولية والانخراط الطوعي في النشاطات السياسية التي لاتعني شيئا آخر في مجتمعات اليوم سوى تنمية التزام جميع الأفراد بالمصالح العمومية وحرصهم عليها في مواجهة تقديس المصالح الفردية والجزئية العائلية أو العشائرية أو الجهوية.  وليس هناك حوار ومسؤولية وطنيين من دون الاعتراف بحقوق الأفراد وبحقهم في المساهمة في صنع القرار الذي يتعلق بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم. وليس هناك أحد اليوم في المجتمعات الحديثة يقبل بأن يترك امر تقرير مصيره ومستقبله بيد غيره, بما في ذلك الابناء داخل الأسرة الواحدة الصغيرة. إن أطفال اليوم يرفضون أن يختار لهم أباؤهم الملابس أو الأحذية التي يلبسونها ويراد لملايين الناس العاقلين والراشدين أن يقبلوا بتسليم امر اختيار نظام الحكم والادارة واستخدام الموارد العامة والقانون والموت والحياة لفئة صغيرة من البرقراطيين العسكريين أو المدنيين الذين أسكرتهم ولا يمكن الا أن تسكرهم السلطة المطلقة التي يملكونها وتجعل منهم كواسر ضارية بالنسبة للمجتمع ولموارده العامة معا.

لا تعني المشاركة بالطبع أن يتحول جميع الافراد الى  مسؤولين أو وزراء. كما لا تعني أن يكون الجميع خطباء ورجال سياسة وفكر. وإنما تعني أن لجميع الأفراد, لمجرد كونهم مواطنين, حقوقا متساوية. والحق في الكلام وفي المشاركة هو الذي يضمن للمواطن, عندما يشعر ان مصالحه مهددة, بالتدخل واستخدام الوسائل التي يقدمها له النظام العام للدفاع عن حقوقه ومصالحه وفي مقدمها حريته وكرامته الشخصية. إن الإقرار بحق الجميع في المشاركة والكلام والتعبير يعني أن لديهم الضمانات حتى لا يتحولوا الى مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو تزال عنهم صفة المواطنية كما حصل في العديد من الحالات. وتأكيد هذه الضمانات  يتطلب أيضا  ايجاد وسائل التعبير الحر من فرص وأمكنة ومواقع ووسائل تقنية ومراكز متاحة للجميع ومفتوحة أمام جميع الآراء وليست حكرا على رأي واحد. فلم يعد في العالم كله اليوم دولة خارج العالم العربي, بما في ذلك الدولة العنصرية الرسمية الوحيدة المتبقية في العالم وهي اسرائيل  تحرم مواطنبها من التعبير الحر عن آرائهم وأفكارهم ومواقفهم في صحافة حرة وتعددية ومفتوحة. ولم تعد هناك دولة واحدة خارج العالم العربي لا في أفريقيا ولا في آسيا تعامل مثقفيها على أنهم قاصرين وتعاقبهم بأحكام قاسية ولا إنسانية لمجرد تعبيرهم عن آرائهم وإفصاحهم عنها في جلسات عمومية. وليس هناك خارج العالم العربي نظام سياسي واحد يتصرف على أساس أن الحزب الحاكم له وحده الحق في احتكار وسائل الاعلام العامة من إذاعة وتلفزة وصحافة مكتوبة واعتبارها ملكا صافيا له ومنبرا خاصا تستخدمه الفئة الممسكة بالسلطة لإدامة حكمها وبسط نفوذها من دون رقيب ولا حسيب. فاحتكار هذه الوسائل العامة لا يعني فقط مصادرة الموارد العامة لمصالح فئوية وجزئية فحسب ولكنه يعني أكثر من ذلك احتقار السلطة والحزب الحاكمين للمجتمع واعتبار جميع أفراده من القاصرين أخلاقيا أو عقليا أو سياسيا, وبالتالي معاملتهم على أساس قاعدة التفوق من جهة والدونية العنصرية من جهة ثانية.

 

 

  2 –اليسار الديمقراطي

 * طوال عقود مضت كانت الاشتراكية خيار المعارضة والسلطة، وبذلك عُبيء الشعب على أن الاشتراكية هي حلمه لحل كل مشاكله. وبغض النظر الآن عما إذا كانت القوى اليسارية قد حسمت بعض المسائل المركزية في النظرية الاشتراكية، نسأل: لماذا غيبت هذه المقولة عن خطابها ولم تعلن للناس إن كانت هي إلى الآن اشتراكية أم تخلت عن هذا الخيار؟ مع العلم أن الناس مازالوا لم ينتبهوا إلى أن السلطة والكثير من المعارضة قد ألغت فكرة الاشتراكية، ومازالوا يتساءلون، عقب أي قرار: أين الاشتراكية؟!!

* لا شك  أن انهيار التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي أحدث زلزالاً على صعيد الفكر الاشتراكي. وقد كان من الصعب على الاشتراكيين تجاوز ما حصل بسهولة واستعادة التوازن. ولا يزال الوضع على ما هو عليه تقريبا الا في ما ندر. والاشتراكيون السوريون ليسوا الوحيدين الذين يشعرون بالحرج في العودة الى الحديث في الاشتراكية قبل ان تتبلور لديهم رؤية واضحة ولكن الاشتراكيين الأوروبيين أيضا. فهم كذلك  يبحثون عن هوية جديدة. لكن بالرغم من أن الجميع  يبحث عن هوية بالمعنى الفكري والأيديولوجي العام، لكن هذا لا يعني أن اليسار يفتقر كليا للرؤية التي تميزه عن اليمين. إذ  يوجد من دون شك نواة لرؤية جديدة في الفكر الاشتراكي. 

وإذا أردنا أن نقارن ثوابت الفكر اليساري وما يميزه بالعمق عن الفكر اليميني، في كافة البلدان وفي سوريا أيضاً، فعلينا أن نشير الى قيم أساسية مثل: رفض التفاوت الفاحش في توزيع الثروة المادية والمعنوية سواء على مستوى الافراد او الطبقات، والبحث عن العدالة الاجتماعية وعن المساواة وتأكيد مفهوم دولة القانون. البحث أيضاً بشكل جدي ـ وهذا أظنّه الإضافة الجديدة عند اليسار العالمي ـ عن حدّ أدنى من التوازن في العلاقات بين المجتمعات على المستوى الدولي، أي بين الشعوب على مستوى المعمورة. ونلاحظ اليوم، أيضاً في هذا السياق كيف أن معظم حركات مناهضة العولمة تطرح مشاكل التوازن بين المجتمعات، منتقدة سيطرة الشمال على الجنوب. وهناك عنصر جديد دخل على الفكر الاشتراكي المعاصر، لم يكن موجوداً، سابقاً، وميزه عن اشتراكية القرن التاسع عشر، هو فكرة حماية البيئة واحترام توازنها الطبيعي. وقد غدت مسألة أساسية جداً، سواء ما يتعلق منها بالبيئة الثقافية أو البيئة المادية. ونحن نعتبر أنها قضية مهمة جداً. ونستطيع أن نميز في هذا التوصيف للفكر اليساري العالمي ما يتمتع به من نظرة جديدة لمسألة الثقافة.، فهو يرى أن الناس بحاجة للثقافة ولحقوقهم الإنسانية كحاجتهم البيولوجية.
وبالمقابل فإن الفكر اليميني على مختلف تياراته يجمع على اعتبار أن الأولوية ينبغي أن تعطى للاقتصاد وتحريك الاقتصاد, وأن النمو أو  بالأحرى التزايد الكمي هو الذي يتحكم بجميع العلاقات والحسابات الاجتماعية, وأن منطق الربح والانتاجية هو الذي يحكم مفهوم الاقتصاد. فالمهم في المجتمع هو تأمين التوسع الاقتصادي أو ارتفاع متوسط الناتج المحلي للفرد وارتفاع معدل النمو الاقتصادي العام. والسياسة الامريكية هي التي تجسد اكثر من أي سياسة عالمية أخرى هذا الاستلاب الاقتصادوي الذي يعتقد انه بقدر ما يحصل التوسع الاقتصادي يمكن للمجتمع أن يحقق توازنه ويقدم وسائل الحياة والسعادة للجميع, وليس هناك أي حاجة لسياسات اجتماعية نشيطة تصحح عمل القوانين الاقتصادية ومنطق الريح ورفع الانتاجية. ولذلك فالمهم في هذه السياسة هو فتح الأسواق وخلق سوق عالمية واحدة، دون الاهتمام بنتائج هذه السياسة على الشعوب. بل ربما يرى الليبراليون الرأسماليون، أن مجرد فتح الأسواق سيزيد الاستثمارات وبالتالي سيؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة ونمو اقتصادي أو فرصٍ نمو اقتصادي كبيرة  أمام عالم الجنوب وعموم المجتمعات، رغم أن التجربة أثبتت خطأ ذلك تماماً. وما يميز هذا الفكر أيضا  ضَعُف احترامه للبيئة وعدم اهتمامه بمسألة العدالة الاجتماعية بوصفها مسألة مستقلة وأصيلة. فهي في نظره تابعة للمسألة الاقتصادية ومن يبذل جهدا كافيا يحقق مستوى جيدا من الدخل والحياة. ولذلك لا ينبغي للمجتمع أو للسلطات العامة التي تمثله أن تتدخل كثيرا في موضوع توزيع الدخل وعليها أن تترك الأفراد أن يحققوا بجهودهم الذاتية البحتة ما هم قادرون على تحقيقه. وليس من مهام الدولة القيام بدور الموازن أو الضامن للعدالة الاجتماعية. كما أن هذا الفكر لا يهتم كثيرا بمسألة المساواة أو العدالة أو التوازن بين المجتمعات وعلى مستوى العلاقات الدولية. فهو يرى في التفاوت الهائل في حظوظ التنمية والفقر المتزايد في المجتمعات النامية ثمرة طبيعية لكسل هذه المجتمعات أو عجزها عن تكييف سياساتها مع حاجات السوق ولا يفيد في شيء مساعدتها إن لم تقم هي نفسها بتغيير سلوكها والانفتاح على الأسواق الخارجية. بل إن قسما كبيرا من الرأي العام اليميني يؤمن بأن المجتمعات غير الأوربية والغربية غير مؤهلة لاكتساب المعارف والتقنيات الضرورية لتقدمها وأن ما تعيشه من تأخر يعكس طبيعة ثقافتها التقليدية أو اللاعقلانية. وهذا يفسر كيف انتقل قسم كبير من الرأي العام الليبرالي التقليدي إلى الفكر اليميني المتطرف الذي يعتقد أن عليه حماية التراث الغربي الخاص الحضاري ضد البربرية وأن أوربة والعالم الغربي الذي يشكل امتدادا لها أو لنفوذها الثقافي هي التي تُشكل الفضاء الوحيد الملائم لتحقيق قيم الحرية والعدالة والمساواة القانونية والأخلاقية وأن الشعوب الأخرى لا يمكن أن تعرف قانونا آخر غير قانون التعصب الديني والتضامن القبلي والحكم الاستبدادي الأعمى والممارسة الهمجية. وما فكرة صراع الحضارات ـ التي هي آخر نتاج الفكر الليبرالي الفلسفي ـ إلا تجسيدا متأخرا للانتكاسة العميقة التي عرفها الفكر الليبرالي الكلاسيكي، والتي دفعت به إلى تبني طروحات تنهل من معين الفكر المحافظ بل العنصري الذي يميز بين المجتمعات على أسس ثقافية بعد أن يجعل من الثقافات نظما ثابتة جوهرانية لا تتغير. وبذلك يضمن  الابقاء على التفاوت الصارخ  بين مجتمعات الجنوب والمجتمعات الشمالية ويبرر هذا التفاوت ويضفي عليه الشرعية العقلية.  فشعوب الشمال هي وحدها التي تُعتبر قادرة على أن تحقق قيم الليبرالية وما تنطوي عليه من عناية بالحريات، وبالارتقاء بقيم المساواة بين الأفراد، وبمفهوم الفردية الحرة المسؤولة. أما شعوب الجنوب فهي غير قادرة على أن تصل إلى هذا المستوى من التفكير الأخلاقي ولا يمكنها إلا أن تعيد انتاج نمط الحياة والسلوك والتفكير الذي تمليه عليها  حضاراتها وثقافاتها الخاصة.

هكذا نلاحظ كيف أن الفكر الليبرالي الذي كان ذا رؤية كونية يتحول اكثر فأكثر عن إنسانيته وعالميتا السابقة ليصبح فكر الانغلاق والانطواء على النفس، ويتقوقع على مديح أوروبا، وأميركا، والبلدان الصناعية، معتبراً شعوب الجنوب ذات خصوصية ثقافية تجافي الكونية والعالمية. إنه يصبح فكر أقليات،ويريد أن يعامل الشعوب الأخرى التي لا يرى فيها الا الخصوصية كما تُعامل الأقليات في بلدان الشمال. ويتضح تخفيض قيمة الثقافة وما تنطوي عليه من قيم في الفكر النيوليبرالي من خلال مايدور من صراع بين الولايات المتحدة الامريكية واوروبا في اطار مفاوضات منظمة  التجارة العالمية. فالولايات المتحدة تصر على التعامل مع الثقافة كما لو كانت سعلة تجارية مثلها مثل أي سلعة أخرى. وبالمقابل تسعى اوربة من منطلق الدفاع عن ثقافتها القومية الى إقرار الاعتراف بما تسميه الاستثناء الثقافي. لكن لا أحد منهما يرى في العمق الاهمية الحاسمة للثقافة من حيث أنها تمس عملية تكوين ضمير الفرد وآلية تكوين الوعي لديه، ومن حيث  أنها تعبر عن شخصية الشعوب، وعن هوية الشعوب وبالتالي عن استقلالها وحياتها.

 

وهذه القيم هي التي تحدد مواقف اليسار في العديد من القضايا الحاسمة بالمقارنة مع مواقف اليمين. وهذه المواقف واضحة في العالم، وكذلك، بشكل ما، في بلداننا. لكن ما ينقص اليسار هو صياغة جديدة وشاملة فلسفية ونظرية لهذه المواقف تكرس مضمون ومعنى النقلة النوعية التي حصلت منذ القرن التاسع عشر في هذا الفكر. فالفلسفة والرؤية الايديولوجية هي التي تحطمت وينبغي استبدالها. لكن القيم الأساسية التي كانت وراء تطوير هذه الفلسفة أو التي دفعت لنشوء هذه الفلسفة لم تتغير كثيرا وإن اغتنت بقيم جديدة. فما زلنا نحمل القيم نفسها ونسير بالمباديء ذاتها التي كانت تُسيّر اليسار القديم. فالعدالة الاجتماعية بقيت قيمة ثابتة لم يتغيّر أثرها ولا مركزيتها بالنسبة لهذا اليسار. لكن الذي تغير هو الطريقة الجديدة التي نعتبرها أسلم وأصح لتحقيق العدالة وضمانها. فقد كان الغاء الملكية الخاصة في وسائل الانتاج هو الذي يبدو معبرا عن الصيغة المثلى لتحقيق هذه القيمة في الفلسفة السابقة. وكان هذا نابعا من اعتبار أن البنية التحتية هي التي تتحكم بالبنية الفوقية وأن الملكية الخاصة وما يرتبط فيها من علاقات استغلالية وفي مقدمتها ملكية رأس المال لا يمكن ان تتماشى مع العدالة الاجتماعية. الآن نحن نعتقد أن من الممكن من خلال تطوير أليات الدولة القانونية وإخضاع الاقتصاد الرأسمالي لمنطق الحفاظ على الانسجام والاتساق الاجتماعي وبالتالي للحاجات والقيم السياسية من حرية ومساواة وعدالة وتضامن وطني, أن نقيم أشكالا من العدالة أكثر مرونة وفاعلية وتناغما مع حاجات الفرد الى الحرية والمسؤولية والمبادرة الذاتية. وبالعكس تبدو لنا الصيغة التقليدية المستندة الى التأميمات الشاملة صيغة بيرقراطية فاسدة تقضي على حرية الفرد وتقتل روح الاجتهاد والعمل والانتاج وتقود الى الروتينية والجمود والفساد ولا يمكن تصورها من دون نظام السيطرة الشاملة للحزب الحاكم.

هذا لا يعني التقليل من دور الدولة في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية لكن يشير الى نوعية او نمط الدولة المتدخلة, هل هي دولة البيرقراطية التي تتصرف من دون مسائلة أم الدولة الديمقراطية المستندة الى انتخابات نزيهة والتي ترجع باستمرار إلى الشعب وتخضع لمراقبته وإشرافه وإرادته المعبر عنها بصورة دورية وليس مرة واحدة والى الابد. كما أنه لا يعني امتناع وجود قطاع عام في الاقتصاد. ففي بلدان مثل بلداننا لا يمكن لمثل هذا الموقف الليبرالي المجرد أن يعني شيئا آخر سوى استقالة الدولة الاجتماعية والوطنية والتخلي عن مسؤولياتها. فما دامت الرأسمالية المحلية ضعيفة وفقيرة في الرسالة والامكانات والموارد والعلاقات الدولية معا وما دام من الصعب تصور نشوء طبقة رأسمالية حية من النمط الليبرالي الذي عرفته البلدان الصناعية – بينما السائد هو طبقة من المافيات أو شبه المافيات التي راكمت رساميلها عبر وسائل السرقة والغش والمصادرة والاستيلاء المختلفة- يبقى على الدولة في هذه البلدان مسؤولية رئيسية في بناء الهيكلية الاقتصادية للمجتمع, لكن ليس بالضرورة بالاساليب والطرق البيرقراطية والتسلطية البدائية.

والقصد من هذا القول إننا لم نعد نتصور العدالة لصيقة بشكل مطلق بنمط الادارة البيرقراطية الحكومية للاقتصاد التي أطلقنا عليها في الماضي اسم الاشتراكية خطأ ولكنها مرتبطة بأليات واجراءات قانونية وسياسية وأخلاقية مستقلة نسبيا عنها ربما كان أفضل من  يعبر عنها مفهوم المجتمع المدني بمنظماته الحرة والطوعية. ولم يعد أحد يعتقد بعد فشل التجربة الاشتراكية البيرقراطية الشمولية أن تحقيق العدالة رهن بإلغاء السوق وملكية رأس المال والملكية الخاصة للشركات الاقتصادية. فالعدالة قيمة إنسانية تستمد حياتها وقوتها من الايمان بها والعمل المستمر لتعميقها, فهي مرتبطة بالحياة السياسية والاجتماعية في حين أن الإدارة الاقتصادية تستمد معناها ومضمونها من النجاعة وتحسين الانتاجية والاستغلال الأفضل للموارد, أي من الترتيبات العقلانية لا الاخلاقية والايديولوجية. إن السوق آلية اقتصادية لكن طريقة ضبط السوق والتعامل معها مسألة سياسية واجتماعية على أساسها تتحدد طبيعة النظام المجتمعي القائم.

وما يقال على العدالة كقبمة أساسية من قيم الفكر اليساري يقال أيضا على المساواة، فالذي ميز اليسار تاريخياً هو تأكيده على تعميق المساواة بين الأفراد بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الاجتماعية في مقابل تأكيد الفكر اليميني على أهمية الاعتراف بالتمايزات والتراتبيات الطبقية والاجتماعية والعائلية والفكرية والاخلاقية والقومية, أي داخل الدولة الواحدة وعلى الصعيد العالمي. والواقع أن فكر اليسار يتماهى بشكل أكبر اليوم مع قيم المساواة والحرية بقدر ما يتراجع الفكر الليبرالي عنها لصالح التمسك بقيم الانتاجية والفعالية والنمو الاقتصادي في الداخل وعلى المستوى العالمي. لقد حصل ما يشبه قلب الأدوار في العقود الثلاث الأخيرة. فقد درج الفكر اليساري في السابق على المساومة على قيم الحرية والمساواة القانونية والتساهل في تطبيقها انطلاقا من الايمان بأهمية العنف أو القوة في تحويل المجتمعات ودفعها الى السير بوتيرة أسرع حسب منطق التقدم التاريخي والانسجام مع هذا المنطق. وكان الفكر الليبرالي يركز بالمقابل على الاحترام الدقيق للحريات السياسية الرسمية ولمباديء المساواة القانونية بصرف النظر عن أي شيء آخر بوصفها مصدر شرعية الدولة وأي سلطة عمومية. بيد أن الفكر الليبرالي نحا أكثر فأكثر نحو اليمين منذ ذلك الوقت, خاصة بعد زوال الحرب الباردة وانهيار التجربة السوفييتية ومعها القوة الشيوعية كقوة منافسة عالمية, وأصبح محور تركيز الفكر الليبرالي الجانح بقوة الى اليمين الاحتفاظ بوتيرة نمو وتزايد اقتصادي قوية. بل إنه لم يعد لليمين العالمي خطاب آخر منذ تكوين منظمة التجارة العالمية سوى خطاب الحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي داخل التراب الاقليمي لكل قطر وعلى صعيد الكرة الأرضية كلها. وأصبح اليسار الذي تراجع عن مواقفه التقليدية التي كانت تركز أساسا على محورية العملية الاقتصادية هو المدافع الأول عن القيم السياسية والمعنوية للانسانية, بل إن الدفاع عن هذه القيم هو الذي أصبح يميزه في العالم كله عن اليمين بعد أن تخلى عن أوهام بناء المجتمع على أسس بيرقراطية ولم يعد يأخذ بمفهوم نمط الانتاج الاشتراكي أو الاقتصاد المؤمم. وربما كانت هناك علاقة بين تبدل مجموعة القيم المرجعية لأي تيار سياسي اجتماعي وموقعه من السلطة أي من الهيمنة العقائدية والجيوستراتيجية. فقد كانت الحرية والمساواة القانونية والعدالة من القيم المرجعية الأساسية لليمين العالمي عندما كان هذا اليمين يواجه منذ أكثر من قرن هجوما عقائديا وسياسيا قويا من قبل قوى المعارضة اليسارية التي تشبثت لفترة طويلة بقيم تركز على الدور الحاسم للعملية الانتاجية ولصيغة التوزيع العادل للثروة الاجتماعية المادية. وبالعكس فإن اليمين العالمي يشعر بنفسه اليوم أنه القطب المنتصر على عموم الساحة العالمية عقائديا وسياسيا ويجنح كما لم يحصل في أي حقبة سابقة إلى التخلي عن قيمه المرجعية التقليدية لصالح التركيز على قيم التمييز الاجتماعي والقومي الواضح وتقسيم الانسانية الى حضارات متصارعة ومتفاوتة في المدنية ويثمن استخدام القوة ويقدم قيم الحفاظ على الأمن والاستقرار العالمي وتدمير القوى الاحتجاجية في حرب كونية شاملة على قيم الحفاظ الدقيق على الحريات الفردية والحقوق الانسانية.

وفي المقابل نجد الفكر اليساري يميل إلى التأكيد على راهنية الانفتاح القومي العالمي وإدانة سياسات السيطرة والهيمنة العالمية. وهو ما يفسر موقفه من العولمة ودفاعه عن إعادة النظر في العلاقات بين الشمال الصناعي والجنوب الفقير. وقد أعطى السياق الجديد راهنية جديدة لفكرة الفردية الكلاسيكية في الثقافة الليبرالية وتطويرا كبيرا لها. فقد كانت الفردية مطابقة تقريبا للمواطنية وللمساواة بين الأفراد في الحقوق والواجيات. بيد أنها تميل اليوم الى التحرر من الأطر الوطنية لتعبر عن تضامن انساني عبر الحدود وفيما وراءها. وهو ما يسعى الى تجسيده مفهوم حقوق الانسان والتمييز الذي يتضمنه بين الانسان من حيث هو مواطن خاضع لدولة ذات سيادة يقرر مصيره فيها وتقرر مصيره عبر العالم في مواجهة الدول الأخرى من جهة والانسان من حيث هو فرد في جماعة انسانية تتجاوز الدول ويتضامن أعضاؤها فيما بينهم بصرف النظر عن سيادة هذه الدول وضدها. ولا يكتفي هذا المفهوم بالاعتراف بحقوق متساوية للأفراد داخل بلدانهم كل على حدة ولكنه يتضمن الاعتراف بحقوق متساوية لجميع أبناء البشرية على اتساع المعمورة.

وفي هذا السياق الجديد الذي يمكن أن نسميه ما بعد القومي تطور أيضا مفهوم القانون ومفهوم المساواة معا ليستوعب بشكل أكبر التفاعل المتزايد بين الكتل البشرية والمشاكل الناجمة عنه. فهو يضيف الآن إلى مبدأ المساواة التقليدي بين الأفراد داخل المجتمع الواحد  مفهوم المساواة بين الثقافات بما يعنيه ذلك من احترام ثقافة الاخر وخصوصية الأقليات, أي احترام حقوق الآخر الجمعي. وهذا إغناء جديد لمفهوم المساواة والتسامح والاحترام المتبادل.

طبعا لا تزال مجتمعاتنا بعيدة نسبيا عن هذه التحولات العميقة التي تمس القيم المرجعية للتيارات السياسية والعقائدية المختلفة ومن ورائها للانسانية. وهذا أحد مظاهر التهميش الذي تعاني منه. فالتهميش لا يعني البقاء خارج دائرة الاستثمارات المادية والتقنية والدورات العلمية والفنية الجديدة وإنما أيضا خارج دائرة التحولات الفكرية والقيمية والمعنوية. بل إننا لا نزال نصارع في بلادنا من أجل تحقيق القيم المرجعية البدائية أو المؤسسة في الحداثة السياسية والأخلاقية المتعلقة بالمساواة القانونية والأخلاقية العميقة بين الأفراد. ونطمح إلى بناء دول قانونية تعتمد بالفعل على قانون وتحترم القانون وتنظر الى الأفراد بصرف النظر عن قرابتهم للسلطة ورجالها وانتماءاتهم الدينية والعشائرية والعائلية والمناطقية، وبعيداً عن حجم  ملكياتهم وثرواتهم. فنحن لا نزال نعيش داخل دول ومجتمعات لا تعترف بحق الفرد في الوجود بشكل مستقل عن إرادة الدولة وأجهزتها وأحزابها ونقاباتها المعتمدة ولا تسمح له بالتعبير عن رأيه ولا بممارسة حرياته وتميز بشكل رسمي بين الفرد والفرد على أساس انتمائه السياسي أو العقائدي أو العشائري أو العائلي أو الريفي أو المديني أو الطبقي.

 

 

3 –الديمقراطية والديمقراطية السورية

 * هل أفهم من حضرتكم أن الحاسم الآن هو الاتفاق على الحريات والديمقراطية؟
* إن ما قلته عن إعادة بناء النظرية الاشتراكية، لا يلغي ضرورة اتخاذ موقف واضح ومتفق عليه…


* هل يمكن أن يكون هذا الموقف مشترك بين السوريين بغض النظر عن الاشتراكيين حصراً؟

* لا يمنع وجود برنامج للاشتراكيين، وجود برنامج ديمقراطي أوسع، يضم الاشتراكيين، وغير الاشتراكيين. وأنا أرى اليوم أنه من أجل التحول المطلوب لإصلاح الأوضاع ككل في سوريا، لا بد من بناء محور يستقطب كل الديمقراطيين حول ما نسميه برنامجا ديمقراطيا، اشتراكيين وأنصاف وأرباع اشتراكيين، ويمينين معتدلين، وليبراليين عقلانيين، ووطنيين يريدون الإصلاح وتطور البلد، وليس الاغتناء والإثراء الشخصيين على حساب المجموع. هؤلاء جميعاً يجب أن يضمهم قطب ديمقراطي يعطي للحياة السياسية في البلاد ثِقلا جديدا وقوة جديدة تساعدها على الانتقال نحو ما ذكرته سابقاً: إلغاء نظام الوصاية الأبوية أو السياسية أو الحزبية على المجتمع وإعلان عهد الحرية والمساواة بين جميع الافراد والاعتراف بحقوق الإنسان واستقلاله وحرمته, وتكريس المواطنة كوضعية قانونية متساوية ومشتركة قائمة على الاعتراف بالشعب كمصدر للسلطة والقبول بقاعدة الاحتكام الدوري والمنظم له, وفي النهاية, إلغاء الامتيازات القانونية وغير القانونية الاستثنائية وبناء دولة مواطنين لا عزبة إقطاعية يتحكم فيها وبمصير سكانها أسياد متوجون ومخلدون لا يسألون عما يفعلون تدعهم ميليشيات لا ترمي الطاعة لغيرهم ولا تخضع هي نفسها لقانون غير إرادتهم وأهواءهم.


* المقولة المركزية في حوارنا هي الديمقراطية، وبدأتُ بالسؤال عن الاشتراكية لأدخل من الاقتصاد باعتبار البعض يقول إن الديمقراطية لم تظهر إلا في المجتمعات التي ينظمُها اقتصاد السوق. وبالعكس كل المجتمعات غير الرأسمالية لم تعرف الديمقراطية. وخلال هذه الفترة، تحول مفهوم الديمقراطية في الخطاب السياسي والثقافي السوري إلى لفظة سحرية وحلت محل لفظات سابقة لها مثل: الاشتراكية أو الشريعة الإسلامية أو الوحدة العربية. وأصبحت رجاءً وأمنيةً أكثر منها برنامجاً واجتهاداً.
الالتباس الحاصل الآن، ما هي هذه الديمقراطية التي يقول بها الجميع، من داخل السلطة ومن خارجها، هل هي الديمقراطية الشعبية، الثورية، الإسلامية، العربية، التي نادوا بها طوال عدة عقود من السنين والتي أعطت الشرعية لسلطات أسموها لاحقاً استبدادية أو(الاستبداد العادل)؟ أم أنها الديمقراطية الليبرالية، البرجوازية، الغربية، الإمبريالية، التي هاجموها وكفّروها طوال تلك العقود؟ أم أنها اشتقاق جديد لم يحسموا أمرهم بعد بتعريفها ووضع الحدود لها؟
وهل عدم الحسم هذا ناجم عن عجز معرفي، أم تلاعب لفظي، أم عن سبب آخر؟
وهل من علاقة بين الحريات الفردية، خاصة حرية الاعتقاد، والديمقراطية؟
وهل الديمقراطية هي فقط شكل انتخابي؟ أم أنها ثقافة شاملة؟

* قدمت عدة أسئلة بعرض واحد


* لكي تختار منها ما شئت وترتبها كما تشاء.

* ما هي الديمقراطية التي نريدها لسورية ؟ هذا هو كما يبدو لي التساؤل الحقيقي الذي يبرز في مجموعة الاعتراضات والاسئلة التي طرحتها. وجوابي أنه اذا أردنا الوصول الى جواب مقبول وأن لا نرهن تفكيرنا بالنماذج والتصورات  القديمة الليبرالية والشعبية والبيرقراطية ولا نتوه في سحر الاسماء الكثيرة ونضيع المسألة العملية, أي ما نريده من تغيير فعلي, في المماحكات النظرية, فعلينا أن نميز بين عدة مستويات للديمقراطية كما تطرح اليوم في سوريا وفي الكثير من المجتمعات المشابهة لها في ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية.
المستوى الأول هو المستوى النظري، أي مستوى المفهوم في صورته المجردة وكما تبلور حتى اليوم في الادبيات السياسية العالمية للتعبير عن مجموعة متباينة من النظم التي تجمعها خصائص واحدة أو مشتركة. والمستوى الثاني هو المستوى التاريخي الواقعي. وهو يعني أن ننظر إلى الديمقراطية من حيث هي تجربة حية لا مجرد مفهوم نظري وأن نفحص تحققها في بلد محدد ونعاين كيف يتفاعل الواقع التاريخي كل مرة مع المفهوم بصورة مختلفة وخلاقة. وهنا سنجد العبقرية الابداعية للتاريخ, أي كيف أن التحققات العينية للمفهوم يمكن أن تكون بلا حدود ولا نهاية. والمستوى الثالث هو المستوى الايديولوجي وهو يعنى بالديمقراطية من حيث هي خطاب تعبئة اجتماعية في الصراعات السياسية. وسوف نكتشف هنا أيضا الأشكال المختلفة وأحيانا المتعارضة لاستخدام الديمقراطية في الصراع الاجتماعي للحصول على الشعبية وبالتالي الخطابات الديمقراطية المختلفة أيضا حسب ما إذا كان المقصود تشجيع المجتمع بالفعل على الانخراط فيها وتشرب قيمها أو إضفاء الشرعية على ممارسة سياسية معينة وعلى النضال الخاص بطرف ما أو لنيل الحظوة في المحافل الدولية أو لتحسين شروط توقيع اتفاقيات تعاون وشراكة مع الدول الديمقراطية الصناعية. وهي مستويات ثلاث مختلفة تماما كثيرا ما ننزع الى الخلط بينها.

لكن قبل أن نستعرض كيف تعمل هذه المستويات الثلاث وتتفاعل في الحياة العملية للمجتمعات وتخلق في كل مرة مسارا خاصا للديمقراطية في كل قطر, أود أن أبدأ ببعض الملاحظات. الأولى لا تختلف عما ذكرته بالنسبة للاشتراكية وهي أن ما يجري في سوريا من تخبط وعدم وضوح في الرؤية وعدم بلورة المفهوم لا يعيب بأي حال الحركة الديمقراطية ولا ينبغي أن يشكل لنا عقدة خاصة. فهو لا يختلف أبدا عما يجري في بلدان أخرى كثيرة. وهذا يعود إلى أن الديمقراطية كخبرة وتجربة حية تتطور، كما يتطور أيضا مفهوم الديموقراطية ولا يظل جامدا وثابتاً. فبالرغم من مرور أكثر من قرنين على ممارسة الديمقراطية في معظم الدول الأوربية والغربية عموما لا يزال موضوعها ميدان بحث ومناقشة مستمرين من قبل الباحثين والمفكرين والسياسيين, ولا يزال هناك رجال سياسيون يصرحون كل يوم تقريبا أن أسلوب ممارسة الديمقراطية في مجتمعاتهم لا تعجبهم, ويعدون الجمهور بطبعة محسنة منها تمكن الناس والعامة بصورة أكبر من المشاركة الواسعة والمباشرة في القرارات السياسية والمدنية التاريخية واليومية التي تتعلق بحياتهم العامة، وتساعد على التخلص من ثقل البيروقراطية ومساوئها.

والثانية هي أننا عندما نطرح مسألة الديمقراطية هنا في بلدنا، فنحن لا نطرحها بإطلاق كما أننا لا نطرحها في الفراغ ولا لذاتها وإنما لما ننتظر منها من آثار ايجابية في تحقيق جملة من الاصلاحات الهيكلية الأساسية والضرورية وفي سياق تاريخي محدد, أي من منظور ظرف دولي واجتماعي واقتصادي معين, وفي إطار الأزمة الكبيرة التي نمر بها وما تفرضه علينا من ضرورة البحث عن إجابات ناجعة على تحديات معينة ومختلفة, وبعضها جديد تماما بالنسبة لنا ولغيرنا. ومن المفروض ان تلبي الديمقراطية التي نطرحها مطالب تتعلق بإطلاق العملية الاقتصادية التي تكاد تتوقف تماما بسبب المثبطات المختلفة, واحياء المجتمع وإثارة فضوله وشحذ إرادته وتعزيز معنوياته حتى يستعيد شيئا من روح المبادرة المقتولة تماما, وتحرير لأفراد من منطق الإذعان والاستسلام والتسليم للدولة وللمعونة الحكومية وتنمية الشعور بالمسؤولية الجماعية والتاريخية وبالتالي تحرير الانسان من الكساح الأخلاقي والسياسي والاجتماعي الذي أحدثته فيه عقود طويلة من الإمعية والصمت ونزع الشخصية والإرادة وتخدير الوعي الجمعي في ظل أنظمة الوصاية الأبوية, وبالتالي تفجير طاقاته الابداعية والانتاجية. أي أننا نتحدث عن الديمقراطية في سياق البحث عن نزع الخوف العميق من قلوب الأفراد وتشجيعهم على الخروج من السلبية والاستقالة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي تترجم باستفحال الفساد والفوضى والتسيب والاتكال.  كما أننا نتحدث عن الديمقراطية اليوم في سياق الشعور المتزايد باغتراب الدولة عن المجتمع ومع الأمل بإعادة تأهيل الدولة وتقريبها, بما فيها من أجهزة ووسائل وإمكانيات, من الجمهور الواسع وجعلها أليفة لديه وعونا له وإطارا لتعبيره عن آماله وتنظيم نشاطاته والتنسيق بين جهود أبنائه لا عدوا يتربص به ولا أداة ومركزا لا تنفذ موارده للتنكيل والقمع والقهر وتكبيل طاقات الأفراد وتحييد إراداتهم. ونحن نتطلع الى الديمقراطية في سياق إدراكنا المتزايد لما تمثله الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية من تحديات وحاجتنا في سبيل مواجهة ما هو قائم وما هو متوقع منها إلى دفع المجتمع الذي بقي عقودا طويلة منقطعا عن العالم ومنعزلا عن التطورات والمعارف والابداعات الكبيرة التي عرفها إلى المبادرة والانخراط المنتج والمبدع في هذه الثورة التي تتطلب وجود مجتمع مفتوح ومرتبط بالعالم القائم ومتفاعل معه أخذا وعطاءا. ونحن نتحدث عن الديمقراطية أيضا هنا في ظروف مجتمع يواجه منذ عقود طويلة وفي شروط شاقة صراعا مريرا وتاريخيا مع اسرائيل التي لا تزال تحتل جزاء من أراضيه والأراضي الفلسطينية وتسعى الى أن تفرض نفسها كدولة عظمى في المنطقة العربية ولديها من الامكانيات والوسائل العسكرية والسياسية والدولية ما يجعلها تطمح بالفعل الى أن تكرس نفسها القوة المهيمنة التي تخضع لها بقية الدول العربية وتسير حسب املاءاتها. وليس هناك في نظرنا وسيلة أخرى للرد على هذا التحدي إلا بالارتفاع بهياكلنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية إلى مستوى المواجهة المفروضة علينا, وهو ما يستدعي تخليص شعوبنا من الشلل الوطني والقومي والانساني الذي فرض عليها بسبب أنظمة التعقيم والإخصاء والتقزيم. 

لا ينبغي أن يغيب عن ذهننا إذن ونحن نطرح مسألة الديمقراطية ظروفنا الثقافية والنفسية والفكرية معا ولا محدودية مواردنا ومشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية ومهمات الاصلاح المستعجلة للدولة والمجتمع المدني معا والتحديات المتجددة العالمية والاقليمية وفي مقدمها وقف التوسعية الاسرائيلية ومواجهة النزعة الامبرطورية العالمية. ولا ينبغي أن ننسى أخيرا ونحن نطرح مسألة التحولات الديمقراطية أن تجربتنا في التنظيم الاجتماعي والسياسي وفي ممارسة الحد الادنى من المشاركة وكذلك ثقافتنا السياسية الديمقراطية المعتمدة على التعددية السياسية الشرعية والمنظمة وتنمية آليات التفاوض  والحوار العقلاني والتنافس السلمي البناء لاتخاذ القرارات العمومية والمصيرية, ضعيفتان جداً, وليس لدينا في الواقع في هذا الميدان أي تراكم يذكر. وعلينا بالتالي ان نبدأ تقريبا من الصفر. والتجربة التعددية الماضية التي عرفناها قبل الاستقلال وبعده بقليل والتي يحاول البعض اعتبارها مرجعا لم تكن إلا تجربة قصيرة وفقيرة ومضطربة لم تخلّف تراثا ديمقراطيا يعتد به لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العملية. وعلينا نحن في هذا الجيل والجيل الذي يليه أن نوطن الديمقراطية كمفهوم وكخبرة اجتماعية حية وأن نحقق التفاعل الخلاق بين هذا المفهوم النظري العام والكوني والواقع العربي والسوري الخاص والمحلي. فهل الديمقراطية من حيث هي مفهوم قابلة لأن تدخل وتندرج في إطار ثقافتنا العربية المعاصرة أم أنها كما يقول أعداؤها نبتة أجنبية وغربية لا تتفق مع ثقافتنا العربية الاسلامية؟ وهل الديمقراطية من حيث هي تنظيم للمجتمع قائم على الحرية والتعددية والمنافسة السياسية للتداول على السلطة تستطيع أن تتأقلم مع توازناتنا الاجتماعية العميقة وأن تساهم في إعادة بناء هياكلنا وقيمنا الاجتماعية بما يمكننا من التوافق مع معايير وقيم المجتمعات العصرية أم أنها ستبقى غريبة ولن تستطيع أن تخرق جدار الجليد الذي تمثله بنياتنا القديمة وهي محكومة, بالتالي, بأن تفسد أو تنهار من تلقاء نفسها تحت ضربات عصبياتنا القبلية وتنظيماتنا الأبوية أو البطركية ونزاعاتنا الطائفية وجهالة مجتمعنا وفقر طبقاتنا الشعبية؟ وهل يمكن لخطاب الديمقراطية السوري أن يكون شيئا آخر سوى شعارات طوباوية وأحلام مثقفين وأدوات للتعبئة الغوغائية عند بعض الأطراف السياسية في السلطة أو المعارضة؟

كل هذا يستدعي منا أن نفهم بالضبط ما هي هذه الديمقراطية وكيف يمكن أن تتفاعل وكيف تتفاعل بالفعل اليوم مع معطيات مجتمعنا وماذا يمثل خطاب الديمقراطية السورية ذاته في الوقت والظرف الراهنين.
إذا أخذنا الديمقراطية من حيث هي مفهوم نظري, وهذا هو المستوى الأول لتناولها, فسنجد أنها تشير الى نظام سياسي أو إلى أسلوب خاص في تنظيم المجتمع وإدارته علاقاته الداخلية. فكل مجتمع بحاجة، لكي يستمر وينتِج، الى تنظيمٍ يتضمن كحد أدنى وجود رؤية توجيهية سياسية وترتيبا للمسؤوليات والسلطات العينية وآليات للتنسيق بين الجهود وتثمير الموارد واتخاذ القرارات التي يحتاج إليها التسيير اليومي والطويل المدى للمجتمعات. وهذا هو ما تقوم به القيادة السياسية والاجتماعية التي تتجسد عبر الأحزاب والقوى السياسية والمدنية وتنبع منها. ومن الممكن أن تكون هذه القيادة كما كانت في التاريخ القديم مفروضة بفعل القوة العسكرية المحضة الناجمة عن تفوق عسكري وعشائري مثل, وهو ما أطلق عليه علماؤنا السابقين اسم حكومات الاستيلاء. لكن من الممكن تصور نمط جديد لتعيين القيادة الاجتماعية على مستوى الدولة وعلى مستوى المنظمات المدنية النقابية والمهنية والخيرية وغيرها هو نمط الاختيار المنظم من قبل جمهور المحكومين انفسهم وحسب مصالحهم لا مصالح الحاكم أو بقاء حكمه. وهذه الطريقة القائمة على مشاركة الجمهور العينية في تعيين القيادة وقبوله وتحت إشرافه ومراقبته عبر انتخابات دورية معلومة وشفافة ومن خلال مناظرة مفتوحة وعلنية بين المرشحين للقيادة لاثبات وجهات نظرهم والدفاع عن برامجهم واختياراتهم السياسية هي التي نسميها الطريقة الديمقراطية. وهي عكس الطريقة القائمة على الاستيلاء أو الحكم بالقوة والميراث سواء أكان ميراثا شخصيا أو حزبيا. ومن هنا عندما دخلت الممالك في نمط الحكم الديمقراطي حولت الملوك إلى حاكمين رمزيين يملكون ولا يحكمون. ذلك أن الحاكم ينبغي أن يكون حتما من بين أولئك الذين نالوا تصويت الجمهور ورضا الشعب وقبوله بعد معرفة ببرنامحه وتوجهاته وسياساته. فالديمقراطية ليست فكرة ولا قيمة ولا مفهوما للحرية ولكنها بالأساس طريقة في تنصيب الحكام أو القيادات السياسية الرسمية. فهي نموذج في تعيين القيادات واتخاذ القرارات وتحديد آلية تنفيذها وأسلوب ممارستها. وهي تبين كيفية اختيار الحاكم و حدود سلطته وصلاحياته وعلى أي أسس ينبغي له أن يمارس هذه السلطة. ولتحقيق كل ذلك بالشكل الأمثل تنص النظرية الديمقراطية في مفهومها الواحد على مباديء لا يمكن تحققها من دونها. أولها مبدأ سيادة الشعب التي تعني أن السلطة تصدر عن الشعب وتعود إليه وهو مرجعها، ومن هذا المبدأ ينطلق كل شيء. فالشعب مصدر السلطات وليس العدد القبلي أو المذهبي ولا التفوق العسكري ولا الالهام الشخصي. وهو بذ, أي الشعب, لك الحاكم الفعلي لنفسه ولا حاكم سواه أو مفروض عليه سواء أكان رجلا عبقريا أو ملهما أو فيه قبس من النبوة. ولكن حكم الشعب لا يمكن تحقيقه بصورة مباشرة ولكن عبر ممثليه الذين هم نوابه المعتمدين في المجلس أو البرلمان. ومن هنا أخذت الانتخابات أهميتها، لأنه عبر الانتخابات الحرة فقط، يمكن للشعب ممارسة سيادته باختيار ممثليه وقيادته. عكس سيادة الشعب، وعكس الديمقراطية، هي الوصاية التي تلغي سيادة الشعب وتلغي أي شكل للديمقراطية، مهما كانت الذريعة التي يستند إليها حكم الوصاية، كأن تكون وصاية ثورية، أي مساوقة الحكم للتاريخ وللقوانين التاريخية كما عبرت عن ذلك الحكومات الشيوعية التي اعتقد أنصارها بأنهم يسيرون حسب منطق التاريخ, أو قد تكون أبوية كأن يعتقد الحكام أنهم أدرى بأهل مكة من شعابها وأنهم يخدمون الجماهير الفقيرة والأمية ويعرفون مصلحة الشعب أكثر من الشعب نفسه ، ولديهم رؤية صحيحة يفتقدها الشعب. وقد تكون وصاية عرقية تقوم على الاعتقاد بالتفوق العرقي عندما يعتقد الحاكمون أن شرعية استمرارهم في الحكم والمحافظة عليه نابعة مما يتمتعون به ويرثونه من قيم فاضلة ومن نبالة خاصة بهم تجعلهم أقدر على رعاية الشأن العام وإدراك مسائل القيادة الاجتماعية كما كانت تفعل الملكية الارستقراطية والاقطاعية والنازية. وقد تكون وصاية قائمة على التفوق الفكري أو التنظيمي الفعلي أو الوهمي كما تعتقد الطغم العسكرية التي تقيم ديكتاتوريات دموية وقهرية على الاعتقاد بأن الشعب من دونها سيتحول إلى هشيم وفئات متناحرة ومتصارعة وأنها هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق الأمن والنظام والوحدة الوطنية, وأفضل رموزها الديكتاتورية الفاشية التي تعتقد أن شرعية استبدادها بالسلطة نابع من قدرتها على توفير القوة والشوكة الضروريتين لمنع المجتمع من الانفلات والخراب.

وليس هناك شك في أن الديمقراطية هي النظام السياسي الاجتماعي الوحيد الذي شهد انتشارا وتطورا كبيرا من حيث التطبيق والنظرية معا ولا يزال يشهد ذلك منذ قرنين على الأقل. أما الأنظمة الأخرى فقد اندثر اكثرها وآخرها النظام الشمولي الشيوعي وما شابهه, ولم يبق منها إلا الديكتاتوريات العسكرية التي لا تملك لا نظرية ولا مباديء ولا أفكار ولا سياسات ولكنها تتعيش على ما استطاعت أن تحتفظ به هنا وهناك من بقايا رصيد الحركات والفلسفات القومية وما ميزها من التركيز على الوحدة الوطنية الداخلية والحد من ديناميات التنافس الداخلي على السلطة في سبيل توجيه الطاقات نحو العدو الخارجي.

وسبب توسع انتشار نموذج القيادة الديمقراطية وازدياد الطلب عليها على مستوى ممارسة السلطة العمومية في الدولة أو ممارسة السلطة الخاصة داخل منظمات المجتمع المدني من منظمات أهلية وشركات بل وأسر أيضا أنه يتمتع بتفوق أخلاقي كبير على كل الأنظمة السياسية الأخرى ناجم عما يعبر عنه اشتراك جميع أفراد المجتمع في اختيار قياداتهم من تقدير لكل فرد وتعزيز لكرامة الانسان واحترام لعقله وإرادته واختياره. فرفض التعامل مع الانسان كما لو كان دابة يفرض عليها ما ينبغي أن تقوم به من دون أن يكون لها رأي أو وعي بما هو مفروض ولا إرادة ولا حق في التساؤل والتحاور والمحاسبة هو التعبير الأكبر عن هذا التقدم الأخلاقي الذي يشكل نواة وجوهر الثورة السياسية الحديثة. وهذا الاحترام للانسان بصرف النظر عن موقعه ودرجة تعليمه وثروته أو فقره هو أساس مبدأ المساواة بين الناس أيضا وعدم التمييز فيما بينهم في ميدان اختيار القيادة التي ستقودهم وأساس تحويل القيادة ذاتها إلى عمل إبداعي قائم على التفاعل بين الأفراد والقادة وتطوير وجهات النظر المتباينة والسعي إلى تعميقها عوض أن تكون أو بعد أن كانت قائمة على آليات الإخضاع والإذعان. وتعني القيادة الابداعية أن الأفراد لا يعتبرون أنفسهم عبيدا أي أذرعا إضافية لعبقرية سلطانية لا مسؤولية لهم في التكفير والتخطيط والتقويم وليس لهم إلا انتظار القرارات السلطانية حتى يطبقوا ما يؤمرون به بحذافيره ولكنهم أصحاب مسؤوليات أصيلة تجعل كل واحد منهم في ميدانه سيدا حقيقيا وتتطلب منها ذهنا إبداعيا وتأملا في نشاطه وتطلب منه تجديدا مستمرا أيضا في أساليب عمله وتطبيقاته. فالمجتمع ليس مجموعة أقنان ولا خلية نحل تعمل بالسليقة وإنما إرادات أصيلة ومتعددة وسيدة تستطيع كل منها أن تمارس دور القيادة أو تشارك فيه تفكيرا وتنظيما. ومن هنا ارتبطت الديمقراطية بالمجتمع الحديث الذي هو مجتمع أفراد مبادرين لا أقنان مسخرين. فمواقع المسؤولية والمناصب العليا مثلها مثل المناصب الدنيا مفتوحة بالتساوي من حيث المبدأ لجميع الأفراد بقدر ما يستطيع الفرد أن يراكم من معارف وقدرات وكفاءات. وليس هناك طبقة أو شريحة ثابتة وظيفتها الدائمة ومهنتها الحكم وجماعة لا دخل لها في المسائل السياسية.  كل فرد من أفراد الشعب الراشدين هو بمنطق الديمقراطية رجل سياسة, أي مصدر تفكير مستقل وقرار وشعور بالمسؤولية العامة معا. وسياسة الدولة ليست إلا التجسيد الأعلى والأكثر عمومية لنمط ممارسة السلطة واتخاذ القرار في جميع مستويات الحياة الاجتماعية من رئيس الورشة في المصنع إلى مدير الشركة إلى رئيس المنظمة المدنية إلى عضو المجلس البلدي.  وبالعكس إن غياب التفكير المستقل والقدرة على اتخاذ القرار والشعور بالمسؤولية العمومية أو تجاه الشأن العام هي السمة المميزة لكل أنماط الحكم غير الديمقراطية من القمة إلى القاعدة. فالسلطان إرادة متسلطة شخصية تخضع البلاد والعباد في حكمها لمصالحها الشخصية وتنتج كما كان يقول ابن خلدون حكم الشهوة في مقابل حكم العقل. وكل أصحاب المناصب الأدنى هم أيضا سلاطين صغار يديرون النشاطات العمومية الخاضعة لسلطتهم حسب مشيئتهم وما يلبي رغباتهم الشخصية. وهذا هو المصدر الرئيسي للفساد الذي عرفته جميع الدول الاستبدادية التاريخية من دون استثناء. فحكم الشهوة بالضرورة منبع للفساد.

فالفرد في الديمقراطية حاكم مثله مثل أي فرد آخر, يحكم نفسه بنفسه, لكنه لاستحالة الحكم المباشر في المجتمعات الكبيرة مضطر إلى أن يوكل أمره في ممارسة السياسة العملية واليومية الى الممثلين الذين ينتخبهم وينزع الشرعية عنهم في انتخابات دورية عندما يعتقد انهم لم يمثلوه التمثيل الحق أو لم ينجحوا في خدمة مصالحه لكنه لا يتنازل عن حقه الذي لا يمكن التصرف به في المشاركة في القرار.

ويكمل مبدأ السيادة الشعبية قاعدة حكم الأغلبية السياسية. فالديمقراطية تعطي الحق في الحكم للأحزاب أو التآلفات الحزبية التي تحصل على أكثرية الأصوات وتترجم بالتالي رغبة أغلبية الناخبين وإرادتهم السياسية. وهذه والقاعدة ضرورية لحسم الخلافات داخل صفوف الجمهور المكون من جماعات مصالح وبالتالي برامج متباينة ومتصارعة بالطرق السلمية. ولا تشكل قاعدة الأغلبية حكما قيميا على برنامج الفئة الفائزة بالانتخابات. فمن الممكن أن تكون برامج الأحزاب أو التآلفات الخاسرة أفضل بالفعل من تلك التي صوتت عليها الأكثرية. لكن لو أدخلنا مثل هذا التفكير في الموضوع لاستحال حسم التنافس بين الأفراد بالطرق السلمية ولانتفت إمكانية التوصل لحل النزاع بالطرق السلمية السريعة المعتمدة على الحساب الاحصائي البسيط لعدد أصوات الناخبين المصوتين. 

ومن هنا ترتبط بقاعدة الانتخابات أيضا قاعدة جزئية ثانية هي قاعدة دورية الإنتخابات. وتعني دورية الانتخابات أن الجمهور الذي صوت لصالح فريق سياسي معين لم يفقد حقه في نزع الشرعية عن هذا الفريق إذا خان وعوده أو أخفق في تحقيق برنامجه أو تغيرت الظروف التي كانت تستدعي التصويت لمثل هذا البرنامج. فدورية الانتخابات تحفظ للشعب حق العودة عن اختياره الأول وتنطوي على الاعتراف بحق الخطأ وإمكانية إصلاح هذا الخطأ أيضا من خلال الانتخابات التالية الحتمية. فإذا أخل نظام بقاعدة الدورية هذه فقد الشعب سيادته على السلطة ونزعت القيادة لا محالة إلى الاستقلال بنفسها عنه وإلى استخدام موارد الدولة والمجتمع المادية والمعنوية لتخليد وجودها وتحييد الإرادة الشعبية إلى أبعد مدى ممكن.

الأغلبية والأغلبية مفردات تعبر عن تحولات الرأي العام أكثر مما تعكس وجود جماعات هوية. ولذلك فهي متحولة ومتبدلة باستمرار. فأغلبية اليوم يمكن أن تتحول في دورة انتخابية قادمة الى أقلية أيضا وهلم جرة. هكذا لا أحد في النظام الديمقراطي يملك حق الحكم الى الابد ومن دون ولاية تمثيلية محددة سلفا عبر انتخابات حرة ونزيهة ولفترة محددة وواضحة. وخلاف ذلك يشكل بالنسبة للديمقراطية مصادرة لإرادة الشعب واغتصابا للسلطة وخروجا عن الاجماع والمجتمع معا. وإذا نص الدستور على مثل هذا التنازل من قبل الشعب, حتى لو كان ذلك باختيار شعبي, عن سيادته, أي عن حقه في مساءلة السلطة من خلال انتخابات حرة نزيهة وتغييرها, وأسلم قيادته بشكل مطلق لحاكم دائم, شخصية اعتبارية كان أم طبيعية, فلن نكون عندئذ في إطار دولة ديمقراطية ولكننا ندخل في إطار دولة الحكم المطلق.
سيادة الشعب هي إذن  المدخل الأساسي والرئيسي للديمقراطية أو حكم الشعب, ومن دونها نكون خارج الحكم الحديث. وهو حال كل مجتمعاتنا العربية التي تعيش جميعها في حالة نظام الوصاية الدائمة وتحييد الارادة الشعبية لصالح فئة تعلن نفسها حاكما أبديا على البلاد وتقيد كل أشكال المشاورة أو الانتخابات الحرة بل تلغيها تماما في الكثير من الأحيان, باستثناء ما هو مقرر النتيجة مسبقا, ولا تقبل أن تطرح على نفسها مسألة مشروعية استمرارها في السلطة والأسس التي تقوم عليها طالما كانت موقنة من كون القوة المادية معها. ولذلك فإن معظم جماعاتنا الحاكمة لا تستمد سلطتها من الشعب أيضا ولكن في معظم الاحيان من القوة العسكرية المحضة أو من الدعم والتفويض الخارجي. و لا يستخدم الاستفتاء – وهو غير الانتخابات العامة الحرة والتنافسية – إلا في سبيل إضفاء غلالة من الشرعية الكاذبة على اختيارات وقرارات لم تؤخذ وما كان من الممكن أن تؤخذ بغير القوة المادية المجردة.

المبدأ الثاني هو سيادة القانون. فالذي يعطي للديمقراطية إمكانية التحقق هو خضوع السلطة ذاتها للقانون. فلا يمكن وجود دولة ديمقراطية يعتبر الحاكمين فيها أو المرتبطين بهم أو أجهزتهم الأمنية أنهم فوق القانون وخارج طائلة أي عقوبة مهما فعلوا. و إلا بقي الحال كما كان في العهد الإقطاعي، عندما كان السيد يحكم أقنانا محرومين من أي حقوق مدنية أو سياسية ويخضعهم عن طريق ميليشيا تابعة له ومستعدة للتدخل في أي لحظة لقمع أو معاقبة أي فرد يخالفه أو لا يسير في الطريق الذي رسمها له, ومن خارج أي إطار مؤسسي أو قانوني. وأي نظام يعتمد في بقائه واستمراره على آليات ووسائل غير القانون أي على القوة أو علاقات الاستزلام والمحسوبية والتبعية الشخصية لمسؤول أو زعيم والولاء لفريق أو لفئة أو لعشيرة أو لعائلة، لا علاقة له بالنظام الديمقراطي. إذ أن النظام الديمقراطي يشترط حكماً وجود قوانين تحكم علاقة الأفراد فيما بينهم بشكل واضح وثابت ومتساو وتنظم علاقة الرئيس بالمرؤوس، وتحدد صلاحيات وسلطات كل طرف في سلم ممارسة المسؤوليات العمومية. فالحكم عقد بين الحاكمين والمحكومين وبين المحكومين فيما بينهم والحاكمين فيما بينهم ايضا. وهذا ينطبق على مجتمعنا وأي مجتمع آخر. ويرتبط بسيادة القانون مفهوم آخر لا يمكن إلا أن يلازمه هو مفهوم دولة المؤسسات، فسيادة القانون تفترض, بعكس دولة المحسوبيات وعلاقات الولاء والتبعية الشخصية أو العائلية, تنظيم علاقات الأفراد عبر مؤسسات تقوم فيها العلاقات على أسس مجردة, عقلية وموضوعية لا تميز بين المواطنين ولا تلحقهم بغيرهم.
المبدأ الثالث هو المساواة. فالمساواة تعني قبل كل شيء المساواة القانونية والاخلاقية بين الأفراد بصرف النظر عن الطوائف والأديان والشرائع التي ينتمي اليها هؤلاء الأفراد. فالمجتمع الديمقراطي مكون من أفراد، كل فرد مستقل بذاته، ومساو لغيره في الحقوق والواجبات وأمام القانون, ويخضع مثله مثل أي فرد آخر  لقوانين واحدة وموحدة. أي أن القوانين لا تساوي فقط بين الجميع في المعاملة ولكنها هي ذاتها قوانين واحدة. وهذا ما يميزها عن القوانين التي كانت سائدة في القرون الوسطى والتي كانت تختلف بحسب اختلاف أصل الفرد أو طبقته الاجتماعية أو طائفته أو عشيرته وحسب ما إذا كان من فصيلة الاقطاعيين والامراء والنبلاء أو من فصيلة الأقنان والعبيد. فالمساواة هي عكس التمييز سواء أكان على أساس العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الاعتقاد أو الانتماء السياسي أو أي شيء آخر.
المبدأ الرابع هو الحريات الأساسية. وقد ارتبط مفهوم الديمقراطية بمفهوم الحرية لدرجة لم يعد من السهل على الانسان العادي التمييز بينهما. والسبب هو أن النظام الديمقراطي لا يمكن تصوره ولا تصور اشتغاله من دون الحرية التي هي الشرط الذي لا يستغنى عنه للتنافس والتباري بين القوى المتعددة واختيار القيادة من الأغلبية. ومن هنا تظهر الحرية وكأنها القيمة الأولى في نظام الديمقراطية كما تظهر الديمقراطية وكأنها بالتعريف النظام السياسي للناس الأحرار المتساوين. وبالفعل من المستحيل أن يكون المجتمع ديمقراطيا إذا انعدمت فيه الحريات السياسية الفردية والجمعية. وهي الحريات الفكرية مثل التعبير عن الرأي والحريات السياسية مثل حق التنظيم السياسي أو النقابي أو المدني العام لكل أصحاب المصالح ووجهات النظر والجماعات بهدف الدفاع السلمي والعلني عن وجهة نظرهم ومصالحهم. فمن دون حريات الرأي والتعبير والتنظيم لا يمكن وجود تعددية ومن دون تعددية لا يمكن وجود قوى اجتماعية تعبر عن مصالح المجتمع المتميزة وبالتالي وسيلة لتطوير وسائل سليمة وتفاوضية, أي سياسية, لحل النزاعات في المصالح والتصورات والآراء. ومن دون الحرية ليس من الممكن إذن تصور أي مساهمة خاصة من قبل الأفراد في الحياة العمومية أو مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في السلطة واتخاذ القرارات التي تتعلق بمصيرهم وتحمل المسؤولية في بناء مجتمعهم واختيار طبيعة نظامه. ولا تعي الحرية هنا الإباحة أو أن يفعل المرء ما يشاء ولكنها تشير إلى الحق الذي يمتلكه كل فرد في المجتمع في أن يكون صاحب قرار ومصدر قرار في كل ما يتعلق بنفسه ومجتمعه معا, أي أن يكون سيدا مثله مثل أي شخص آخر, وبالتالي فهي تعني قبل أي شيء آخر تربية الأفراد على قيم السيادة من رفض التبعية والاعتماد على الغير في تأمين الحياة الشخصية ومن شعور عميق  بالواجب والمسؤولية عن النفس وعن الجماعة. فالذي يعجز عن تسيير نفسه بنفسه ويعتمد في وجوده على قرارات غيره ولا يستطيع أن يأخذ مصيره بيده هو العبد الذي يترك لغيره أمره, أي لسيده. فالحرية شرط التكليف وممارسة العمل والالتزام بمسؤولية في تنظيم المجتمع والحياة العمومية.

وتحتاج ممارسة الحرية ألى شروط مادية وقانونية ومؤسساتية لا يمكن للديمقراطية أن تعيش من دونها. فحرية التعبير والتفكير تفترض وجود صحافة حرة فعلا وغير خاضعة للضغوط الحكومية أو الاقتصادية أو الدينية, كما تفترض وجود مؤسسات ومراكز ثقافية للنشر والبحث ومنتديات وأجهزة إعلام مفتوحة للجميع بالتساوي وليست حكرا على فئة محددة من أصحاب الرأي وبالتالي أداة في يد السلطة أو لممارسة السلطة. وحرية التنظيم تستدعي قوانين تكفل الحق في تكوين الجمعيات السياسية والمدنية تحت الإشراف المالي والإداري للسلطة العمومية كما تستدعي المنافسة الحرة والسلمية على السلطة المشاركة في الانتخابات السياسية والبلدية وغير ذلك. وتعني حرية الاعتقاد أن الفرد لا ينبغي أن يحاسب على اعتقاده أو أن يتعرض لامتحان ضمير أو أن يفرض عليه اعتقاد لا يتفق وضميره وليس من اختياره الطوعي سواء أتعلق هذا الاعتقاد بعقائد دينية أم سياسية. وهي تحتاج إلى ضمانات قانونية من قبل السلطة العمومية.

ومن حيث المبدأ تكون حرية الاعتقاد متضمنة في حرية التعبير لأن الناس عندما تعبّر فهي تعبّر عن اعتقاداتها سواء أكانت فلسفية أو دينية أو سياسية. لكن في مجتمعات مثل مجتمعاتنا نما فيها الحكم المطلق المستديم من جهة والامتثالية الاجتماعية المحافظة الموروثة عن عصور طويلة من الانحطاط والفقر والبؤس المادي والمعنوي من جهة ثانية ثقافة اجتماعية تسترية قائمة على الخوف من كشف الهوية والمواقف السياسية والتستر على الذات ونشاطاتها الخاصة وتوخي السرية في كل عمل خوفا من إثارة الغيرة أو الحسد أو العداء, هناك بالفعل انفصام كبير بين الاعتقاد والتعبير. ذلك لأن الناس مضطرة بسبب القهر والخوف من انتقام الحكام وحسد الجمهور أو نقمته الى النفاق، أي إلى التعبير عن عكس ما تعتقده. ومن يريد أن يعبّر عن اعتقاداته أو حتى عن حقيقته المادية يعرض حياته للخطر. لذلك تصبح الازدواجية أمرا طبيعيا وشائعا. أما في المجتمعات الديمقراطية الطبيعية، فليس لحرية التعبير معنى غير حرية التعبير عن الرأي والاعتقاد: الفكري أو السياسي أو الديني أو الشخصي. فليس هناك أحد يشعر أنه مضطر الى أن يخفي ما يؤمن به، بل على العكس, إنه  يتفاخر بعرض أفكاره على الآخرين لأن أفكاره واعتقاداته هي هويته الحقيقية, هي هو. وإذا طمسها فكأنه طمس نفسه وصار غير ماهو, وهو مضمون الاستلاب.
المبدأ الخامس هو  تداول السلطة الذي يعني أن الديمقراطية لا تقوم من دون إعطاء الفرصة للشعب في أن يعيد النظر في اختيار ممثله بصورة دورية أي كل عدة سنوات، ليقرر من جديد فيما إذا كان سيكلف من جديد الفريق الحاكم والقائد نفسه أم أنه يرغب في تغييره وتبديله لصالح فريق آخر. وذلك لأنه مع تغير الظروف التاريخية وتغير الاجيال والمشاكل والتحديات تتغير أيضا الاختيارات وربما القيم ذاتها كما تتغير الأفكار. وأكبر مثال على ذلك التغير الذي طرأ على الفكر الاشتراكي ذاته والخيارات التي كانت مرتبطة به. وعدم احترام مبدأ التناوب والتداول على السلطة من خلال انتخابات دورية يعني أن الفريق الحاكم يفرض نفسه وينصب نفسه قائدا من تلقاء نفسه ويحرم المجتمع من اختيار القيادة التي تتفق مع خياراته والتي يتفاهم معها ويتجاوب مع سياساتها. ولا يمكن أن يقود فرض الناس انفسهم كقيادة الا الى تدمير معنى القيادة ذاته وتحويلها من قيادة إلى سيطرة بالقوة وابقاء المجتمع في الواقع من دون قيادة لأنه لن يطيع باختياره القيادة المفروضة ولن يتفاعل معها ومع خياراتها ولكنه سيخضع لها أو يظهر الخضوع لها وفي الواقع العملي يقاومها بطريقة سلبية أو يهمشها أو ينأى بنفسه عنها ويهرب من التزاماته الوطنية والاجتماعية.

إن مبدأ تداول السلطة يهدف الى منع الانفراد بها واحتكارها وبالتالي تأبيدها بأيدي فئة أو حزب أو أي قيادة كانت وهو ما ينفي الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية والمحاسبة الشعبية.

والمبدأ السادس هو فصل السلطات. والمقصود فصل السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. بل إن مونتسكيو صاحب نظرية فصل السلطات يقول إن هذا الفصل هو شرط نشوء الحريات السياسية ومن دونه ليست هناك امكانية لوجودها. وبالعكس إن جمع السلطات هو الأساس البنيوي للاستبداد لأنه يلغي أي مراقبة ممكنة على أي سلطة كما يلغي أي موازنة ممكنة بين السلطات المختلفة وبالتالي إمكانية الحد من جنوحها لبسط نفوذها والتوسع فيه. فالفصل يفرض على السلطة التنفيذية الالتزام بالقانون ومن دون سلطة قضائية مستقلة تنزع السلطة التنفيذية الى التمدد والعمل بصرف النظر عن القانون ومن دون قانون. وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقتها بالسلطة التشريعية. فعدم استقلال هذه الأخيرة يجعل القانون في يد المنفذ ويتيح له أن يبسط سيطرته من دون أن يخاف من محاسبة أي سلطة أخرى تحد من تجاوزه صلاحياته. ففصل السلطات يعني في الواقع توازن السلطات وبالتالي ضمان مراقبة واحدتها للأخرى.  والديمقراطيات الغربية تسير باتجاه تعميق هذا الفصل، واعطاء السلطة القضائية صلاحيات أكبر تجاه السلطة التنفيذية لدرجة تبيح للقاضي محاكمة رئيس الدولة، كما حصل في أميركا، وحتى في فرنسا.
هذا هو المستوى النظري المجرد لمفهوم الديمقراطية. وهو مستوى مفهومي أي لا يميز بين مجتمع ومجتمع وبلد وآخر. فإما أن تتحقق المباديء الأساسية المذكورة فيكون النموذج ديمقراطيا أو أن لا تتحقق ويكون في هذه الحالة غير ديمقراطي. فعلى مستوى المفهوم ليس هناك تنوع يذكر ولا تجارب خاصة تاريخية ولا حالات وسطية.

وعكس ذلك هو الأساس في فهم الديمقراطية من حيث هي  تجربة حية وتاريخية ملموسة. فالواقع أو التطبيق الواقعي هو أساس التمايز في النماذج والنظم الديمقراطية التي تختلف من بلد الى أخر ومن حقبة الى أخرى وتعكس التفاعل بين المباديء العامة النظرية والشروط الخاصة بكل مجتمع والظروف التي ولدت فيها. وهنا تكمن العبقرية الخاصة بكل تجربة وبتاريخها أيضا. والخصوصية لا تعني هنا تغيير المبدأ أو تحويره ولكن تتعلق بالأساليب والوسائل الخاصة التي تبدعها المجتمعات, إنطلاقا من مواردها المادية والمعنوية وظروفها الخاصة لتجسيد المبدأ ذاته في الواقع.  ومن هنا نقول إن الواقع الملموس غير المفهوم النظري. والنظم السياسية ليست ثمرة عملية تصنيع ارادية ولكنها نتيجة صراع مستمر بين قوى وجماعات وفئات عديدة لكل منها تاريخها ومصالحها وثقافتها وتحالفاتها وتطلعاتها وقيمها الخاصة. ومن المستحيل أن تقود الصراعات الداخلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في جميع البلدان بالرغم من اختلافها في التكوين الطبقي التاريخي بل أحيانا في نوعية الطبقات والقوى الموجودة إلي نتائج واحدة أو متشابهة. فكل نظام سياسي ديمقراطيا كان ام نصف ديمقراطي أم استبدادي هو نسيج وحده وثمرة تاريخ خصوصي حتى داخل منطقة واحدة ومتشابهة مثل المنطقة العربية.

وغالبا ما يعتمد نقاد النظرية الديمقراطية في الحكم على التجارب الملموسة وينطلقون من النقائص التي تعاني منها كي يبرهنوا على إخفاق النظرية أو عدم اتساقها وينكروها. والحال أن النقص في الواقع لا يلغي النظرية اللهم إلا إذا ثبت من جميع التجارب أو معظمها عدم اشتغالها فعلا وانفتاحها على وضعيات تشير الأمور فيها إلى عكس المباديء التي تقوم عليها.

فعلى مستوى الواقع التجريبي كل نظام ديمقراطي هو مغامرة تاريخية حقيقية, أي هو جهد متواصل لحل التناقضات ومواجهة مجموعة كبيرة من التحديات التي تتعرض لها المجتمعات من منطلقات احترام المباديء التي تحدثنا عنها. ولا تنجح النخب الحاكمة باستمرار في ايجاد الحلول للمشاكل الجديدة بسرعة, ولا توجد هذه الحلول بشكل جاهز في أي مجتمع من المجتمعات. وكثيرا ما تندفع هذه النخب في سعيها إلى ايجاد حلول سريعة وبأقل الأثمان إلى تجاوز قواعد الديمقراطية أو التضحية بجزء منها أو بها كليا. لكن هذا لا يلغي نجاعة الديمقراطية بقدر ما يدل على كسل النخب المنحرفة وعجزها ونقص مخيلتها الابداعية. وأفضل مثال على ما نقول هو ما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكبر وأعظم ديمقراطية في العالم اليوم في مواجهة التحديات الارهابية الجديدة التي تعرضت لها. فقد وجدت الادارة اليمينية في تجاوز المباديء والضمانات القانونية أسهل وسيلة للرد على التحدي الجديد ودفعها الخوف على سمعتها إلى اللجوء إلى أساليب في معاملة المتهمين المحتملين جعلت من كل عربي ومسلم عرضة للشبهات وموضوع اتهام مسبق.

 

فمنطق الواقع لا يتطابق تماما مع منطق النظرية. وهو يتضمن تجارب ومحاولات متباينة ومختلفة جدا بعضها عن البعض الآخر. وحتى في البلاد العربية التي تخضع بشكل عام لنمط متقارب من النظم السلطوية أو التسلطية يمكن تمييز بعض الانفراجات والتوجهات الديمقراطية او بعض ملامح التغيير الديمقراطي. ففي بعض البلدان القليلة مثل المغرب والأردن والبحرين جرت إنتخابات شرعية وحرة تشكل مقدمات هامة لتأسيس أطر ديمقراطية للممارسة السياسية وسعي إلى تحقيق حد أدنى من المشاركة والتداول على السلطة. وينطوي النظام السلطوي في مصر من دون شك على درجة كبيرة من التعددية الحزبية الشرعية كما أن هناك مساحة كبيرة لحرية الرأي تتيح وجود صحف معارضة قوية لا تخاف من إخضاع سياسات الحكومة للنقد العنيف وأحيانا سياسات رئيس البلاد.  لكن توفر هذا الجانب من الديمقراطية لا يلغي واقع أنه لا يوجد في مصر أي شكل من أشكال تداول السلطة ولا المشاركة فيها وأن ما يسود هو احتكار حزب واحد الحكم  وسعيه الى إعادة إنتاج سلطته بشتى الآليات القانونية ونصف القانونية وغير القانونية. وحتى لو كان بعضها قانوني بالنسبة للدستور القائم والمصاغ على قياس الحاكم، لكنها غير قانونية بالمعايير الدولية وبمقياس حقوق الإنسان. فلا يمنع إذن وجود ملامح ديمقراطية في بلد ما تعطيل ديناميكية أي تحول ديمقراطي فعلي وتأبيد الحكم حتى لو لم يكن هذا الحكم مطلقا أو فاسدا كل الفساد. وبالعكس هناك في العديد من البلدان العربية رفض شامل للتعددية الفكرية والسياسية مواز لرفض أي عملية مشاركة شعبية في السلطة أو تداول لها.

وهذا يعني أنه في التجربة العملية ليس هناك شيء إسمه الديمقراطية بالمعنى الواحد والنموذجي والسائد. هناك فقط تجارب وعمليات تحول ديمقراطي. فحتى في بلدان أوروبية هي اليوم مثال الديمقراطية وتتوفر فيها بالفعل شروط كبيرة لممارسة الحريات وفصل السلطات وشفافية السياسات واستقلالية القضاء وتداول السلطة بين الاحزاب ذات الاتجاهات المتباينة تظل هناك ممارسات عديدة غير ديمقراطية بل واحيانا متجاوزة للقانون بشكل أو آخر. وكمثال على هذه الممارسات ما يتعرض له الفرنسيون من أصل عربي أو المهاجرون العرب من تمييز في الحياة العامة السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية. وتشكل هذه الممارسات بالطبع انتقاصا من الديمقراطية وتهديدا لها.  لكن بسبب توفر الشروط الديمقراطية الأخرى خاصة الضمانات القانونية للفرد واستقلال القضاء والشفافية الاعلامية النسبية لا نعتبر أن الطريق مغلق أمام إصلاح هذه النقائص من خلال النقد والمعارضة. ومن المؤمل أن يساعد حوار عربي فرنسي جدي وموضوعي (وقد شاركت أنا نفسي في واحد منه في  29/4/2002  ) على تجاوز هذه النقائص وتحسبن وسائل مقاومة العنصرية وإقصاء واستبعاد العرب عن مراكز القرار، ومراكز الإعلام. فليس سبب الغياب الكبير للفرنسيين من أصول عربية عن مراكز القرار السياسي أو الاعلامي أو غيره خلل في مؤسسات الدولة الجمهورية بقدر ما هو نتيجة معاداة بعض الفئات او التجمعات أو اللوبيات المسيطرة عليها.  لكن هذا التمييز وإن شكّل انتقاصاً  من قيمة الديمقراطية الفرنسية، لا ينفي وجودها كأسلوب تنافسي سلمي لتعيين القيادة السياسية.

 

في الديمقراطية إذن, كما هو الحال في أي شيء حي, لا وجود لما هو ناجز ونهائي وكامل. ويجب النظر إلى الأمور بشكل نسبي. وهذا يعني أن أحدا لا يطالب بتطبيق حرفي أو منزل من فوق للديمقراطية. فتحقيق الديمقراطية في كل بلد مسألة تاريخية أي مرتبطة بالظروف الخاصة التاريخية والجيوسياسية والاقتصادية لوجوده وتطوره كما هي مرتبطة بقدراته وإمكانياته ونوعية ثقافته ووعيه وبتوازن القوى فيه، وكذلك حسب إيمان أغلبية أفراده بالقيم التي تمثل الديمقراطية. فإذا وجد مجتمعٌ ما لا يؤمن بالمساواة ولا بالحرية الفردية، بل يعتبرها مصدر خطر على المجتمع, ويعتبر أفراده أنَّ التمييز بين الناس أمر طبيعي, وأنهم ليسوا قادرين على حكم أنفسهم، بل بحاجة إلى آخرين أفضل منهم ليقوموا بهذه المهمة, وإذا كان هذا المجتمع ينظر الى نفسه بوصفه جمعا أو تضافر أو تآلف عصبيات وجماعات وعشائر وعائلات كبيرة متضامنة لا على أنه مكون من أفراد أحرار ومستقلين ولديهم الحق في التفكير والسلوك الحر والسيد بوصفهم كذلك, أقول إن مثل هذا المجتمع الذي يعتمد على ثقافة قديمة كهذه سابقة على الثورة السياسية والأخلاقية، سيجد صعوبة كبيره في أن يسير بالتجربة الديمقراطية إلى الأمام، وحتى أن يولد قوى سياسية ديمقراطية.
ومن هنا فإن لكل مجتمع طريقه الخاص للتحويل الديمقراطي، وهذا ما نجد أثره بارزا في المجتمعات الديمقراطية نفسها، التي تنسجم مع القيم السائدة فيه، ومع استقلاليته فقد يكون مُستعمرا أو مُسيطراً عليه أو ضعيفا أو محكوما بنفوذ خارجي، فلا يستطيع التصرف بدون إملاءات خارجية. كل هذا يؤثر على طبيعة النظام السياسي الذي سيختاره. ولهذا لا تناقش الديمقراطية على مستوى الواقع الملموس بالمطلق ولا في الفراغ ولكن في سياق الصراعات الاجتماعية والسياسية والجيوسياسية القائمة وبالارتباط بها أيضا في كل بلدٍ على حدة.

وعلى المستوى الثالث الايديولوجي الذي ذكرنا يمكن للاختلاف أن يكون أكبر من ذلك بكثير وأن يقود إلى التشكيك تماما بالديمقراطية عند أصحاب النوايا السيئة. فليس هناك شك أن الديمقراطية بقدر ما يزداد رصيدها السياسي والمعنوي تصبح عرضة لاستخدامات متباينة بل ومتناقضة تماما. فكما تستخدمها القوى الديمقراطية للتعبير عن برنامجها الحقيقي يمكن أيضا لقوى معادية في حقيقتها للديمقراطية أن تتقنع بها كي تجعل نفسها متماشية مع القيم السائدة في الساحة الوطنية أو الدولية. فهي على هذا المستوى من الوجود مجرد خطاب تعبئة دعائية يستفيد أو يحاول أن يستفيد من كل قيم أو مباديء قد تبدوا للرأي العام حاملة لآمال فعلية أو ذات صدقية. فالديمقراطية على هذا المستوى ليست مفهوما نظريا يؤخذ من حيث اتساقه الداخلي وصلاحيته أم عدم صلاحيته, كما أنها ليست تجربة حية تقيم من حيث هي نازعة للتطابق مع المفهوم النظري لها أم بعيدة عن ذلك ولكنها خطاب سياسي ينظر إليه من حيث قدرته على التعبئة والتجييش والحشد. وما يمكن أن يحصل في الواقع أو فيما بعد في التطبيق يمكن أن يكون مناقضا تماما لخطاب التعبئة والصراع السياسي هذا. وهو الأمر الذي خبرناه في موضوع الاشتراكية في العقود الماضية حيث حققت بعض الشرائح الاجتماعية باسم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية أكبر عملية تحويل للثروة المادية والمعنوية لصالحها وعلى حساب الأغلبية الشعبية التي كانت تنادي باسمها وتعلن انتماءها لها.

نستطيع إذن حسب غايتنا وأولوياتنا ومقاصدنا أن نشير الى المفهوم فنبين نقائصه أو نشير الى التجربة الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك فنؤكد أن الديمقراطية لا تلغي هذه العيوب او تلك كما نستطيع أن نشدد على الاستخدام السياسي لخطاب الديمقراطية فنقول إن الديمقراطية شعار يستخدمه البعض والكثير من القوى من دون أن تعي تماما مضمونه ومن دون أن تؤمن به بالضرورة ايمانا قويا وحقيقيا وبالتالي أن نشكك في وجود حركة ديمقراطية فعلية أو قابلة للتحول إلى حركة ديمقراطية. لكن كل هذا لا يمكن ان يلغي الأسئلة المطروحة على سورية اليوم: هل تحتاج سورية الى نظام يتيح مشاركة أبناء شعبها في مناقشة وصوغ القرارات التي تتعلق بمستقبلهم ومصيرهم أم من الأفضل لهم ترك ذلك لمجموعة من الأجهزة الرسمية بالتعاون مع خبراء وتقنيين محليين وعالميين مثل خبراء البنك الدولي والتسليم لهم في عملية بناء السياسة الوطنية؟ وهل يتماشى الابقاء على نظام المراقبة الشاملة المفروض على الفرد مع أهداف وحاجات التنمية والتقدم التقني الزاحف اليوم؟ وهل لا يزال نظام الوصاية والسيطرة الشاملة والتحريك الآلي للبشر قابلا للحياة والاستمرار ؟ وأخيرا هل هذا النظام لا يزال مقبولا أخلاقيا, بالنسبة لمجتمعاتنا ولأي مجتمعات أخرى, ويستأهل الدفاع عنه والاستماتة دونه بالفعل ؟

جوابي على هذه الأسئلة جميعا بالنفي. وهذا هو أساس التزامي بالتحول الديمقراطي في سورية كما هو الحال في جميع البلاد الأخرى. بالتأكيد عندما نتحدث اليوم عن التحويل الديمقراطي في بلد كسورية فليس الهدف تطبيق وصفات جاهزة ولا اختراع ديمقراطية من العدم, ولا تقليد أي بلد آخر لا الولايات المتحدة الامريكية ولا حتى السنغال أو الدول الافريقية والآسيوية التي تمارس فيها اليوم انتخابات نزيهة الى حد كبير ويعترف فيها للأفراد بحقهم في مساءلة السلطة وقول رأيهم فيها. ولكن الهدف هو تأكيد ضرورة التغيير وبناء هذا التغيير على مباديء إنسانية سليمة وناجعة أو بالأحرى التفكير بالتغيير الذي يفرض نفسه على الجميع ويقر بحتميته الجميع على أسس ومن منطلقات سياسية وأخلاقية صحيحة, أعني ديمقراطية. إن الهدف هو أن نسترشد في سعينا للتغيير والاصلاح بالقيم والمباديء الديمقراطية وبالتالي أن نحدد هدفا ومناهج لهذا التغيير الذي يمكن أن يأخذ وقتا طويلا. لكن المهم أن نعرف إلى أين نحن متجهين وماذا علينا أن نصلح وكيف نصلح وبأية أساليب ولصالح من. وأنا أعتقد أنه من دون أن تكون لدينا رؤية واضحة, وفي نظري ينبغي أن تكون رؤية ديمقراطية, للتغيير فلن يكون هناك أي تغيير ولكن تضييع للوقت ودوران في الفراغ لتأكيد نفوذ وبقاء مؤسسات ليست صالحة للعمل والانتاج والاستثمار البشري بعد ولا يمكن للدفاع عن بقائها إلا أن يزيد في هدر الطاقات وتهديم الامكانيات وتثبيط همم المجتمعات.

أن المجتمعات التي تتغير أو تبحث عن التغير حتى لو كان ضمن دائرة التحديث والتطوير بحاجة الى هدف مرشد ومقنع حتى يمكن للأفراد أن يعرفوا إلى أين هم ذاهبون ويقبلون ببذل الجهود والقيام بالتضحيات التي يتطلبها الاصلاح. ولا أعتقد أن الحفاظ على نظام الاستبعاد والتهميش ونزع الارادة وقتل الوعي وامتحان الضمير يشكل هدفا مثيرا بالنسبة للأفراد ودافعا لبذل الجهد الذي يحتاجه التغيير. قد يكون محمسا لبعض المستفيدين من الأوضاع لكن ليس على هؤلاء ينبغي المراهنة لتحقيق أي تغيير ايجابي.

ثم إنه إذا كان للتغيير معنى فهو في مساعدة الناس على التحرر والانعتاق وتطوير ملكاتهم العقلية والابداعية التي لا تعيش وتنتعش من دون الحرية والمساواة والعدالة, وهذا هو المضمون الحقيقي للتنمية البشرية اليوم. ومن دون ذلك لا يعني رفع القوة الشرائية, هذا إذا كان ذلك ممكنا بالفعل في ظروف قتل الانسان وسحق روحه المعنوية, إلا زيادة العلف والعليف. وإلا فمن أجل ماذا يريدون من الناس الاستقامة وبذل الجهد؟ وفي سبيل أي مستقبل يطلبون منهم الصبر والخضوع والطاعة والانتظار؟

ومنذ البداية أحدثت السلطات سوء فهم كبير بخصوص الاصلاح أو التطوير والتحديث بسبب غياب مفهوم واضح للاصلاح واللعب على الكلمات من أجل مقايضة الحريات السياسية بالقوة الشرائية. وهكذا أخذ الناس يعتقدون أن الاصلاح يعني تحسين قدرتهم الشرائية عن طريق رفع المرتبات. والحال إن الرفع الحقيقي لهذه المرتبات غير ممكن من دون تحسين مستوى العمل والانتاج. ولهذا لم يكن امام السلطات إلا اللجوء إلى الحيلة والخداع. فما تقدمه للناس عن طريق رفع المرتبات تأخذه في اليوم ذاته من خلال زيادة حجم الضريبة وتحرير أسعار العديد من المنتجات. ولن يمر وقت طويل حتى يشعر الشعب بانه خدع وأنه لم يحقق أي إنجاز.

إن الاصلاح يحتاج بالعكس من رفع المرتبات إلى تضحيات كبيرة على مدى متوسط حتى يمكن تشغيل الآلة الاقتصادية بالفعل وزيادة الانتاج. ومن أجل تشغيل هذه الآلة لا بد من إجراءات اجتماعية وسياسية وفكرية هدفها تحرير الانسان وفك إساره وتشجيعه على العمل وبذل الجهد, ومحاربة الفساد بالفعل وإعادة النظر في واقع توزيع الثروة والتفاوت الفاحش في مستويات المعيشة بين من يسيطرون وهم قلة صغيرة على موارد البلاد وأغلبية المجتمع التي تعيش على الفتات. وهذه الاجراءات التي تنم عن الاعتراف بحقوق الناس واحترام كرامتهم وحرياتهم ومساواتهم مع غيرهم هي التنازلات الوحيدة التي تستطيع الحكومات الاصلاحية فعلا أن تقوم بها وتقدمها ثمنا للتضحيات المادية الكبيرة التي تطلبها من الأفراد لتحقيق النجاح في إصلاح الاقتصاد. بينما تسير سياسات الحكومة في الطريق المعاكس تماما لهذا, أي أنها تحاول أن تشتري بتحسين وهمي للقوة الشرائية عند الأفراد استمرار المجتمع في تنازله عن حقوقه المدنية والسياسية وتمديده لسلطة الفئات التي أوصلت الوضع الاقتصادي إلى ما هو عليه من سوء وفساد.

نحن نعرف أن الخيار الديمقراطي يتطلب تضحيات كثيرة ويحمل مخاطر محتملة عديدة أيضا ويحتاج الى جهد تنظيمي وتثقيفي وتنموي كبير لكن ندرك أيضا أنه يستحق ذلك. فنحن لا نرمي من خلاله إلى التغني بالحريات أو مماثلة المجتمعات الاخرى ولكن إلى ايجاد شروط تكوين الانسان وتربيته من حيث هو انسان حر واع وصاحب قرار, أي جعله انسانا فاعلا وقادرا وسعيدا في الوقت نفسه. فالديمقراطية مهمة لما تنطوي عليه من امكانية موضوعية لتحرير الانسان ومساعدته على الانعتاق من أغلاله وتكوين الشخصية الانسانية الاخلاقية بالدرجة الاولى. ومن أجل هذا فهي ربما كانت الهدف الوحيد الذي يمكن أن يعببيء المجتمع ويثير حماسه ويفجر طاقاته الكامنة أو يخرجه على الأقل من الخمود والشلل وانعدام الرجاء.

وعندما نقول إن الديمقراطية ليست نظاما جاهزا ولا وصفة سحرية ناجزة فنحن نعني أن المسألة تتعلق باختيار البرنامج الذي سنطبقه في السنوات القادمة والطريقة التي سنتبعها لتحقيق هذا البرنامج الذي سيأخذ سنوات طويلة ولا نتحدث عن اختيار الحل. فالديمقراطية ليست حلا ولكنها هي ذاتها تحديا يتطلب منا بذل جهد خاص لانجازه. إن تحرير الانسان وتربيته ودفعه الى الثقة بنفسه والاعتماد على ذاته والمشاركة في تحمل مسؤولياته كل ذلك هو هدف في ذاته لا وسيلة لغايات أخرى بل هو الهدف بامتياز. وليست السياسات الأخرى التي لا بد من بلورتها في الميادين الاقتصادية والقانونية والعلاقات الدولية وغيرها إلا وسائل للوصول إلى هذا الهدف. ولذلك ربما كان من المثير للتشوش الحديث عن تطبيق الديمقراطية بدل الحديث عن تطبيق برنامج ديمقراطي. فبالرنامج يهدف الى التحويل والتغيير حسب مباديء معينة. والمهم أن نقر بهذه المباديء حتى تدخل التجربة أو نضع أقدامنا في عتبة تاريخ الانتقال نحو النظام الجديد المنشود. فهذا البرنامج يشكل نوعا من العقد الاجتماعي لأنه يتضمن التزامات من قبل السلطة تجاه المجتمع ويقدم للمجتمع وثيقة يستخدمها في مساءلته السلطة عن انجازاتها ومحاسبته لها. ومن دون برنامج ليس من الممكن السير في أي اتجاه ولا تحقيق أي تحويل أو تغيير ولا وجود أي فرص للمساءلة والمحاسبة والمراجعة على الاطلاق. 
إن المضمون العميق للبرنامج الديمقراطي في سورية، ليس بناء الديمقراطية، بل وضع حد للنظام الشمولي، وتفكيك آليات عمل هذا النظام الذي أثبتت تجارب الشعوب العديدة كما أثبتت تجربة العقود الماضية عندنا أنه غير صالح لتحقيق الاهداف التي خطها لنفسه وفي مقدمها التصدي للفقر والتفاوت الطبقي والاستقلال السياسي والثقافي والتنمية الاقتصادية وبناء الانسان أو الفرد الحر والمبدع. إن الديمقراطية التي نتحدث عنها ليست إنزال المجتمع السوري في نظام جاهز وناجز وإنما بالعكس برنامج عمل متعدد الاوجه لتحرير الانسان في سورية ودفعه الى العمل وبذل الجهد لتحسين ظروف حياته وتعميق ثقته بنفسه وبقدراته الذاتية. ولا قيمة للديمقراطية في هذا البرنامج الوطني الا بقدر ما هي مفتاح لتكوين الانسان القادر على حل مشاكله بنفسه وبالتالي مفتاح مواجهة المشاكل الكثيرة الاخرى الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية. فليس هناك شك اليوم أن تدهور الوضع السوري في جميع المجالات لم يكن سوى نتيجة عملية شل المجتمع وتحييد عناصره وتهميشه وإخراجه من دائرة القرار وبالتالي تمكين الكواسر من أصحاب المصالح الضيقة من التهام موارده وتركه فقيرا يائسا وبائسا معا من دون أمل ولا قدرة ولا مستقبل. فالسوريون يعتبرون  الديمقراطية, تماما كما حصل بأوروبا الشرقية, عنوانا لإزالة وحل أسس أزماتهم. وهذا هو المضمون الحقيقي للدعوة للديمقراطية في سورية. وهذا ما أدركه النظام نفسه عندما بدأ يتكلم عن التغيير وعن ضرورة احترام الرأي الآخر قبل أن يعود ليتكلم عن التطوير والتحديث، وعندما أدرك الحاجة للانفتاح، قبل أن يقصر هذا الانفتاح على المفهوم الاقتصادي الذي ينادي به النظام الدولي بهدف جذب الرساميل والاستثمارات الأجنبية ويستبعد من مفهومه ما هو أهم, أعني  الانفتاح على الشعب وعلى الأفراد وفتح باب الحرية، حرية الأحزاب وحرية التفكير حتى تدخل الرياح الجديدة والنظيفة. هذا ما سعت المنتديات السورية التي أثارت حفيظة قوى الأمن الى أن تحققه, أعني إتاحة الفرصة لأبناء الشعب ليعبروا عن أنفسهم وحاجاتهم وإرادتهم وآمالهم. فلا يوجد مجتمع لا يقف في يوم ما ويتناقش ويسائل نفسه عما فعل ويتحقق مما فعل ويدقق في نتائج جهوده وفي الأسس التي قام عليها هذا الجهد. وتزداد الحاجة الى مثل هذا التساؤل بشكل أكبر عندما لا تكون النتائج مرضية كثيرا. إن السعي نحو إعادة الاعتبار للانسان الفرد والجماعة معا على حساب آلة التأطير والتنظيم والسمهدة والشل السياسي والمعنوي, والعمل في سبيل تطبيق أنزه للقضاء ومشاركة أكبر للمجتمع في القرارات التي تتعلق بالشأن العام, والاعتراف بالحقوق السياسية للشعب وبالتالي بحق المعارضة في الوجود, والبحث عن عدالة أكبر وإدارة أفضل لموارد البلاد المادية والانسانية, وتوسيع هامش حريات التعبير والتنظيم المدني والسياسي و تأكيد مبدأ المساواة وسيادة القانون وتداول السلطة وفصل السلطات وفتح الحقل السياسي أمام المنافسة النزيهة, هو ما يشكل جوهر البرنامج الديمقراطي.

إن البرنامج الديمقراطي يقدم لنا غايات واضحة وأهدافا محددة للاصلاح الذي نتحدث عنه. فإذا بقيت أردد أنني سأصلح وأغير وأطور واحدث لكن من دون أن أحدد لنفسي أهدافا اجتماعية ولا غايات انسانية ولا وسائل ولا سبل واضحة للعمل فلن أستطيع أن أفعل شيئا ولن أصل الى أي مكان. فلا عمل متسقا من دون الاستناد الى مباديء واضحة ولا مباديء من دون الالتزام بقيم إنسانية مقبولة ومثيرة للحماس والالهام, ولا ممارسة تاريخية عقلانية من دون تحديد أهداف ووسائل مناسبة.

من هنا يمكن القول جوابا على سؤالك أن اتجاه التغيير كان من الوضوح بالنسبة للناس الذين رفعوا شعار التحول الديمقراطي لدرجة لم يشعروا معها بالحاجة الى تكرار تعريف الديمقراطية بل الانشغال الزائد بمفهومها. ولم يكن في ذهن الناس نموذجا محددا للديمقراطية بقدر ما كانت تحركهم مبادؤها المرتبطة بالانسان وحقوقه وهو الذي كان الضحية الرئيسية لنظام السلطة الآلية أو بالأحرى لآلة السلطة البيرقراطية.  فقد كان الأساس هو الدفع نحو الخروج من نظام السلطة الشمولية. فما يطالبون به اليوم في سورية ليس له علاقة بالديمقراطية كما نشأت في الغرب، بل حتى كما يناضلون من أجلها في آسيا اليوم. أن دعوة الديمقراطية في سورية نشأت استجابة لحاجة أساسية وهي التحرر من نير السلطة البيروقراطية الشالة والمجمدة. فهي مرتبطة مباشرة بالمشاكل الخاصة التي تعاني منها سورية، وفي مقدمها حالة الإقصاء والتهميش التي يعاني منها الشعب منذ خمس وثلاثين سنة، والحاجة القوية إلى الاعتراف بوجود مجتمع له وجود وحضور وحقوق وقيمة أمام سلطة تتصرف كما لو كان المجتمع أداة في خدمتها بدل أن تكون أداة في خدمة المجتمع كما هو منطق الدولة والسلطة العمومية. هذا هو مضمون الدعوة الديمقراطية في سوريا، وهذا هو التحدي
الكبير الذي يواجهه مفهومها وتواجهه حركتها العملية أيضا: أعني القدرة على الرد على حاجة المجتمع السوري العميقة الى التحرر والانعتاق والمصالحة مع الذات ومع التاريخ والحضارة. 

 

 

4 –الديموقراطية والرأسمالية والليبرالية

 * لم تقل لي رأيك بالعلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية…الخ؟

* لا شك أنه على المستوى التاريخي، لم يكن ممكناً أن نتصور نشوء نظام ديمقراطي بدون التطور الذي حدث على المستوى الاقتصادي أو بدون القفزة النوعية التي أتاحتها الرأسمالية في  مستوى تطور قوى الانتاج وعلاقات الانتاج والعمل أيضا. فإمكانات نشوء الديمقراطية أو ولادتها الجديدة لا يمكن عزلها عن التطور الرأسمالي, أي عن الشروط التي خلقتها الرأسمالية سواء الاقتصادية منها أو السياسية أو الاجتماعية التي تتضمن تحرير الافراد من الارتباط بالسيد الاقطاعي أو بالانتماءات والولاءات التقليدية العشائرية أو الدينية لتجعل منهم بالأساس أفرادا أحرارا على الأقل من الناحية الاقتصادية, أي يبيعون قوة عملهم في سوق حرة مفتوحة. لكن هذا الارتباط هو ارتباط إمكان لاحتمية. فهذه الشروط نفسها يمكن أيضا, وهو حاصل بالفعل في بلادنا مثلا, أن تقود إلى توليد أسوأ أنواع الديكتاتورية أي الفاشية والنازية. فالديكتاتوريات الحديثه نشأت من الشروط ذاتها التي ولدت فيها الديمقراطية أي الرأسمالية والاقتصاد الصناعي والتفريد الاجتماعي وتحطيم العلاقات والولاءات العصبوية التقليدية. من هنا يمكن القول إن الرأسمالية خلقت شروط الإمكان لكنها ليست السبب في نشوء النظم الديمقراطية. ثم إن الراسمالية ليست هي العامل الوحيد الذي خلق شروط إمكان نشوء الديمقراطية الحديثة ولكنها عامل بين عوامل أخرى. ومن الأصح أن نقول إن الديمقراطية الحديثة هي ثمرة استثمار الامكانات التي خلقتها الحداثة بما تشمله من طفرات روحية وفكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية معا. لكن شروط الامكان لا تعني التحقق العيني الحتمي. فالديمقراطية لم تنشأ كنظام تاريخي ملموس عن الطفرات التي مثلتها الحداثة بصورة تلقائية. لقد كانت ثمرة تراكم طويل للمكتسبات وللانتصارات الصغيرة والكبيرة التي حققتها قوى اجتماعية عديدة في الدفاع عن وجودها المستقل وعن مصالحها وتصورها للدولة والمجتمع أيضا. وبالمعنى نفسه نقول إن النقابات مثلاً لم يكن من الممكن تصورها من دون الحداثة ومن دون الرأسمالية التي ميزت نظامها الاقتصادي لكنها لم تولد كهبة من قبل الرأسماليين للعمال ولكنها تكونت عبر التضحيات الكبيرة التي قام بها العمال وبسببها. وليست صحيحة أبداً فكرة مبكانيكية التلازم بين الديمقراطية والرأسمالية. بل إنني من الذين يعتقدون أن الرأسمالية ما كان من الممكن أن تستمر وتنجح كنظام اقتصادي لو لم تضطر تحت ضغط القوى الاجتماعية التي كونتها هي نفسها إلى رأسمالية ديمقراطية. ولو أخفق المجتمع في السيطرة عليها وفي دمقرطتها لكان الاحتمال كبيرا أن تنحو الرأسمالية نحو نظام شبيه بما نعرفه في مجتمعاتنا, أي نحو اقتصاد المضاربة الاقتصادية الذي ينطوي عليه أي توحيد بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية. فالديمقراطية هي التي عدلت في بنيه الرأسمالية وجعلت منها نظاما اجتماعيا قابلا للحياة والتطور بقدر ما أدخلت على حساباتها الاقتصادية والربحية المحضة التي درسها ماركس بدقة حسابات سياسية واجتماعية ثم أيضا فكرية وأخلاقية.

ومن هنا لم تعد الرأسمالية هي أسلوب عمل ومنطق كل رأسمالي على حدة, أي البحث المجرد عن الربح وإنما تحولت إلى نظام اجتماعي يخضع فيه البحث عن الريح إلى معايير أكبر هي معايير الحفاظ على الاستقرار والتوازن الاجتماعي والسير بموازاة الأهداف والغايات الاجتماعية. فالديمقراطية ليست النظام السياسي الذي يعكس تحكم رأس المال بالمجتمع وإنما هي بالعكس من ذلك تماما النظام السياسي الذي يعبر عن نجاح المجتمع في التحكم بمنطق رأس المال وإخضاعه لأهداف أعلى وأكبر من مراكمة الأرباح عند كل رأسمالي. وهذا يعني أن نجاح النظام الديمقراطي واستقراره وبقاءه حتى اليوم اعتمد ولا يزال يعتمد على ما راكمه المجتمع من وعي وثقافة وما ولد فيه من تطلعات إنسانية وغايات وقيم أخلاقية جديدة مرتبطة بالحرية وما حققه الأفراد المنظمون في إطار ما نسميه المجتمع المدني من خبرة تنظيمية وكفاحية. ومن الممكن لهذا النظام أن يضعف أو يتعرض للانهيار حتى مع استمرار الرأسمالية عندما يضعف وعي الأفراد وايمانهم بالحرية وعندما تخور إرادتهم في الدفاع عن مشاركته في السلطة ويزول شعورهم بالمسؤولية الجمعية. وهذا يعني أخيرا أن تراكمْ رأس المال لا ينتج بنفسه أي ديموقراطية ولا يحتاج إليها وأن الديمقراطية ليست مشتقة مباشرة من أي صعيد اقتصادي ولكنها مرتبطة بصورة أكبر بمستوى الوعي وتنظيم المجتمع لنفسه وتمكنه من انتاج إرادة جماعية قوية ومتسقة وكذلك بميزان القوى السياسي وبشكل أكبر اليوم بميزان القوة الجيوسياسية والجيواستراتيجية.


* باقتصاد السوق. هل هذا الارتباط عرَضي وغير ضروي؟

* نعم غير ضروري كما ذكرت للتو. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد ارتباط بينهما. فقد خلقت الرأسمالية شروطا إقتصادية تساعد على نشوء نظام سياسي جديد بقدر ما ساهمت كما قلنا بانتاج الفرد كفرد عامل ومستقل بعمله عن غيره وغير محتاج إلى إعادة إنتاج الولاءات التقليدية والعصبيات القديمة التي نعرفها. لكن خلق الرأسمالية لهذه الشروط ليس كافيا لنشوء نظام ديمقراطي. ومن الممكن أن تحصل هذه الشروط من دون أن يعرف مجتمع ما الديمقراطية. بمعنى آخر إن الديمقراطية لا تشتق مباشرة من الرأسمالية وإن ارتبطت بها. فشروط الامكان لا تعني حتمية التحقق. وفي حال غياب العوامل الأخرى الفكرية والسياسية التي عملت على تكوين قوى اجتماعية منظمة وواعية وذات غايات انسانية واضحة من المؤكد أن اقتصاد السوق لا ينتج ديمقراطية ولكن ديكتاتورية عاتية. فالعلاقة بين الديمقراطية واقتصاد السوق الرأسمالية صحيحة بالمطلق لكن ليس في التاريخ الملموس. وبالمطلق يعني هنا أن التطور الاجتماعي والسياسي والفكري الذي تحتاجه الديمقراطية لم يكن ليتحقق من دون التقدم الكبير الذي قامت به الرأسمالية بالمقارنة مع النظام الاقطاعي السابق السلطاني أو المفتت.

أما في ما يتعلق بغياب الديمقراطية في التجارب الاشتراكية فينبغي عدم التعميم. إذ لم تغب الديمقراطية عن التجارب التي كانت تسمي نفسها الاشتراكيات الديمقراطية. لكن الاشتراكية الديمقراطية تيار قديم أدانته البلشفية الماركسية وأصبح فيما بعد تيارا يحسب أكثر على الليبرالية. لكنه في الحقيقة تيار اشتراكي. والأصح أن نقول إن جميع التجارب الاشتراكية التي استلهمت النظرية الماركسية سواء أكانت تجارب شيوعية أم قومية اشتراكية رفضت الديمقراطية واعتبرتها نظاما سياسيا لا يتفق ونقل السلطة إلى الطبقات الشعبية أو العمالية الكادحة. وهذا هو في الواقع أصل الخطأ الذي حكم على جميع هذه التجارب بالفشل. فبعكس ما كان يقال, الديمقراطية هي التي مكنت الطبقات غير الرأسمالية من لجم منطق الربح والتراكم الرأسمالي. وكان ثمن ذلك تكوين الطبقات الوسطى وتوسعها بشكل كبير في النظم الحديثة حتى أصبحت الديمقراطية مرتبطة في النظرية السياسية الشائعة بوجود هذه الطبقات الوسطى. وبالفعل إن الديمقراطية لا توجد من دون هذه الطبقات الوسطى التي تشكل عامل التوازن في الصراع بين المنتجين المباشرين وأصحاب الرساميل المستثمرين. والتحولات الديمقراطية ليست في مصلحة الطبقة الوسطى فحسب ولكنها هي الشرط الرئيسي لتكوينها وخلقها. ومن دون ديمقراطية لا يمكن نشوء طبقة وسطى مستقلة وفاعلة وقادرة على أن تملأ وظيفة التوازن السياسي فتخضع منطق الربح المرتبط برأس المال من جهة ومنظق زيادة الأجر إلى منطق إعادة إنتاج المجتمع, أي منظق السياسة والثقافة والتقدم الاجتماعي الشامل معا.

إن الخطأ الذي وقع فيه اليسار المعادي للديمقراطية, وينبغي القول إنه كان هناك يسار معاد بصراحة للديمقراطية في الحقبة الماضية, هو أنه كان ينظر إلى نظامها بوصفه النظام الذي يوافق مصالح الرأسمالية ويضمن سيطرتها. والسبب في ذلك هو أنه كان يلغي من حسابه أصلا مفهوم الطبقة الوسطى ولا يرى فيه أي قيمة تحليلية أو اجتماعية. إن المجتمع مقسوم في نظره إلى طبقتين أساسيتين متناحرتين والباقي فراغ أو برجوازية صغيرة متذبذبة أو أفراد لا قيمة لهم : طبقة المأجورين الذين لا أمل بحصولهم على أي مكسب وبالأحرى على حريتهم من دون قلب نظام الرأسمالية من أساسه ومنه نظام الديمقراطية الذي نما تاريخيا في سياقه, وطبقة أصحاب رأس المال التي لا هدف لها سوى تخفيض الأجر إلى حده الأدنى حتى تزيد من نسبة أرباحها. والواقع أن التجربة التاريخية أثبتت خطأ هذا التصور المانوي للمجتمعات وأن التكوين الطبقي للمجتمعات أكثر تعقيدا وتنويعا بكثير من ذلك, وأنه حتى داخل الطبقة المأجورة وتلك المالكة لرأس المال هناك تناقضات وتوترات وصراعات, وأن حل جميع هذه الصراعات وترتيب البناء الاجتماعي المتنوع وبث الانسجام فيه لا يمكن أن يحصل من دون هامش كبير من المرونة وإمكانية الحركة هو الذي تضمنه الديمقراطية, وتنشيء عليه الطبقة الوسطى أيضا, فتصبح مفيدة لأصحاب رأس المال كما هي مفيدة لغيرهم لأنها الوحيدة التي تضمن تحويل المجتمع من ساحة حرب بين طبقتين مجردتين إلى مجتمع موحد وقادر على البقاء والحركة والتقدم إلى الأمام بالرغم من الصراع والانقسام. والتجارب الشيوعية وشبه الشيوعية التي عرفها القرن العشرون دلت على أن إلغاء هذا الهامش من الحريات لا يساعد على خلق مساواة أفضل بين الناس وإنما يلغي قبل أي شيء آخر الطبقة الوسطى ويدفع بالفعل المجتمع إلى الانقسام العميق والكامل بين نخبة بيرقراطية مفصولة عن الشعب ومتماهية مع الدولة الاشتراكية وبالتالي مالكة للسلطة السياسية وللسلطة الاقتصادية والفكرية معا وشعب متساو في الهامشية والعبودية والاغتراب.

و لا شك أن الماركسيين قد لعبوا دورا كبيرا في ترسيخ هذا العداء للديمقراطية عند اليسار عموما. فهم أول من نشر النظرية التي تقول بأن الديمقراطية هي النظام السياسي للبرجوازية الذي يقابله بالنسبة للطبقة العاملة نظام ديكتاتورية البروليتاريا. وعن هذا التصور نشأ التمييز المعروف بين الديموقراطية السياسية التي بدت لهم  شكلية لاقيمة لها لأن سيطرة البرجوازية تستمر عبر الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والديمقراطية الاجتماعية التي هي وحدها ديمقراطية حقيقية لأنها تؤمن سيطرة الشعب أو الطبقات الكادحة على وسائل الانتاج. وهذا هو الأصل النظري لمفهوم الديمقراطية الشعبية الذي ستطلقه النظم الشيوعية على نفسها في مواجهة الديمقراطيات الغربية المنافسة والتي هي في هذا المنظور ديمقراطيات برجوازية.

لا تنطلق النظرية الماركسية في تقريرها شكلية الديمقراطية من فراغ. فمن المؤكد أن الملكية الخاصة لوسائل الانتاج تضعف كثيرا من قدرة الطبقات غير المالكة على المشاركة في السلطة السياسية وتجعل الديمقراطية بالتالي مهددة بسيطرة أصحاب الأموال أنفسهم. ومهما حاولت الدولة أن تكون محايدة في علاقتها مع الأفراد أو الطبقات المتنازعة  ومهما عملت لفرض احترام القانون ومشاركة الأفراد بصرف النظر عن وضعهم الاجتماعي في انتخاب الممثلين الحكوميين فإن امتلاك قسم من المجتمع لموارد كبيرة جدا بالمقارنة مع الأفراد الآخرين لا يمكن الا أن يخل بالتوازن. ويكفي أن نشير الى سيطرة أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة على الصحافة والاعلام وقدرتهم على تمويل الحملات الانتخابية المكلفة لؤلئك الذين يمثلونهم.

لكن الديمقراطية بقدر ما تعكس استقلال السلطة السياسية عن السلطة الاقتصادية تشكل أيضا وبالأساس ضمانة لغير مالكي وسائل الانتاج أو لغير الرأسماليين في تكوين قوة مقابلة سياسية أو نقابية تحميهم من السيطرة المطلقة لأصحاب السلطة الاقتصادية. وهذا هو الدور الذي تلعبه ولعبته الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في الديمقراطيات الغربية والذي سمح بنشوء نظم سياسية تنحو نحو مزيد من العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد. وبالعكس دلت التجارب الشيوعية جميعا على أن غياب الديمقراطية السياسية وبالتالي الضمانات القانونية والحريات الفردية يقود حتما الى نشوء نخبة مطلقة الصلاحية تجمع بين يديها جميع السلطات وتعمل على إعادة إنتاج رأسمالية بيرقراطية جامدة ومتسلطة ومجحفة بحقوق الأفراد جميعا عمالا وغير عمال.

والقصد إن أهمية الديمقراطية تنبع بالضبط من ضمانها فصل السلطات وبالتالي ضمان استقلال السلطة السياسية أو ايجاد سلطة سياسية مستقلة فعليا عن السلطة الاقتصادية, سواء أكانت سلطة رأسماليين أو اشتراكيي دولة, ومن ثم قادرة على تحييد هذه السلطة الأخيرة ولو جزئيا إزاء عملية بلورة القرارات الاجتماعية. وقد دلت التجربة أيضا أن الديمقراطية السياسية تنجح في ذلك أكثر بكثير مما نجحت فيه ديكتاتورية البروليتاريا. وإدراك هذه الحقيقة هو الذي دفع الماركسيين أنفسهم إلى التخلي عن ديكتاتورية البروليتاريا قبل عقود من انهيار الكتلة السوفييتية. فالضمانات القانونية التي تقدمها الديمقراطية وينبغي أن تقدمها لتحقيق الممارسة الفعلية للحريات العامة ومنع الغش والتزوير والتلاعب بأصوات الناخبين واحتكار الإعلام أو تحيزه لطرف دون آخر, كل هذا يساعد ولا بد أنيتساعد على منع أصحاب رؤوس الأموال والمتمولين من استخدام امكانياتهم المادية في سبيل الالتفاف على استقلال السلطة السياسية. وهذا ما ترمي إليه في الديمقراطيات الناضجة قوانين مراقبة تمويل الأحزاب ومشاركة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية لجميع المتنافسين والاشراف على حرية الاعلام وموضوعيته النسبية من قبل مجلس وطني للاعلام مكون من شخصيات وطنية مستقلة ويعترف لها بالنزاهة والارتفاع عن التحزبات الجزئية. لكن التهديد لهذه الاستقلالية لا يأتي في مجتمعاتنا من جانب أصحاب رؤوس الأموال فحسب ولكن ربما بشكل أكبر من طرف مراكز قوى متواطئة داخل الدولة ومتحالفة مع قوى مافيوية الطابع أو عصبيات قبلية أو عشائريةأو محسوبيات.

ولعل أصل الخطأ النظري هنا في مسألة العلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية هو الخلط أو المزج بين منظومة الديمقراطية ومنظومة العدالة الاجتماعية. فليس من المؤكد ولا الضروري بالفعل أن تترافق الديمقراطية بنظام توزيع عادل للثروة, أو بالأحرى ليس هناك داخل النظام الديمقراطي آليات خاصة وواضحة لتحويل المساواة القانونية والأخلاقية إلى مساواة اجتماعية. ومن هنا تبدو الديمقراطية, خاصة في مرحلتها الأولى كما لو كانت نظام المساواة السياسية الشكلية التي تهدف إلى التغطية على عدم المساواة الفعلية في الصعيد الاقتصادي. والواقع أن مهام كل منظومة وغاياتها مختلفة تماما عن الأخرى. فغاية الديمقراطية هي منع احتكار السلطة أو التلاعب بها أو اغتصابها من قبل فئة محدودة أو طبقة وسوء استعمالها. وهي ليست مؤهلة لوحدها لتحقيق العدالة في توزيع الثروة الاجتماعية. فضمان العدالة مرتبط بمنظومة اخرى هي السياسات الاجتماعية التي ينبغي تطويرها في إطار الديمقراطية والتي لا يمكن أن تنتج تلقيائيا منها. والحيلولة دون سيطرة فئة واحدة على السلطة السياسية وممارسة سياسة استبدادية مفروضة على المجتمع ضد إرادته ممكنة بصرف النظر عن طبيعة النظام الاقتصادي إذا ضمنت الدولة الديمقراطية حرية جميع الأفراد والقوى وإمكانية وفرص التعبير عن أنفسهم وحقهم في تكوين الروابط والجمعيات الحرة كما ضمنت مشاركتهم جميعا وبظروف متساوية مشاركة فعلية في انتخاب ممثليهم ومراقبتهم لهم وتنحيتهم عن السلطة عند إخفاقهم. وهذا ما يهدف إليه تطبيق مبدأ المساواة القانونية والأخلاقية والسياسية والآن التمويلية بين جميع القوى والأفراد. لكن مع ذلك, وبعكس ما كانت تيارات اليسار غير الديمقراطي تعتقد, دلت التجربة في البلدان التي شهدت استقرارا طويلا للديمقراطية على أن النظام الديمقراطي لم ينجح في تحقيق التداول الطبيعي على السلطة بين التيارات والقوى السياسية المختلفة الليبرالية والاشتراكية فحسب ولكنه نجح أيضا في إقناع جميع الأطراف, عمالا ورجال أعمال, بأهمية وضرورة التضامن الاجتماعي والاجماع على تحقيق ما يمكن أن نسميه الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية في سبيل تعزيز الاستقرار الاجتماعي. ولم يضطر من أجل تحقيق ذلك الى نزع الملكيات ولا إلغاء طبقة البورجوازية وتحطيم علاقات اقتصاد السوق. وربما يشكل العمل على ضمان الاستقرار والتضامن والاجماع المهمة الرئيسية للدولة الديمقراطية الحديثة اليوم. وكما نشاهد في أوروبا الديمقراطية, تلعب الدولة دورا حيويا وكبيرا في التخفيف من الفوارق بين الطبقات فتعيد توزيع الدخل عن طريق الخدمات الاجتماعية وتهتم اهتماما فعليا بالفئات الاجتماعية المحدودة الدخل حتى لا يكاد يوجد في البلدان الاوربية اليوم إنسان، حتى لو كان غير مواطن، إلا ويحصل على دخل يكفيه ضروريات الحياة, إن كان عجوزاً أو عاطلاً عن العمل أو مهاجراً. وهذا ما يشير إليه مرتب الحد الأدنى للحياة الذي يعطى لجميع المقيمين والمواطنين الذين لا يحصلون على عمل, مع الضمان الصحي ايضا. ولا تكاد الفوارق بين أدنى الأجور وأعلاها تتجاوز في هذه البلاد نسبة 1 إلى 12، بينما تتجاوز فوارق  الأجور في العالم الثالث والدول العربية منها  1 إلى 150.

لا تضمن الديمقراطية تحقيق العدالة من تلقاء نفسها وهذا ليس هدفها كما قلنا ولكنها تساعد على تحقيق توزيع أكثر عدالة للسلطة السياسية أو تعمل على الأقل على عدم اغتصابها والسيطرة عليها واحتكارها وممارستها بصورة مطلقه من قبل أي طرف من الأطراف الاجتماعية أو أي فرد. والواقع أن تحرير السلطة السياسية من سيطرة أصحاب المال والسلطة الاقتصادية لا يمكن أن يكون إلا لصالح الفئات الأضعف والأفقر لأنه يمكنها على الأقل من التأثير في التوزيع الاقتصادي للثروة عبر إعادة توزيع السلطة بصورة أفضل. لكن هذا يتطلب بالفعل درجة من النضج الاجتماعي والسياسي عند الأفراد. فمن دون هذا النضج يستطيع أصحاب المال الالتفاف على العدالة السياسية وإفسادها. ومن هنا لا يمكن للديمقراطية مهما كانت صحيحة وناضجة أن تغني عن معركة بناء الإنسان فكريا وثقافيا وسياسيا وعن معركة فعلية لتحقيق العدالة في موازاتها. فلا تلغي معركة الديمقراطية معركة العدالة وإنما بالعكس تتطليها وتزيد من إرادة تحقيقها عند الأفراد الأحرار لكن المعدمين في الوقت نفسه.

وهذا هو الذي يفسر كيف تطورت الديمقراطيات الصناعية التي كانت تكرس بالفعل سلطة أصحاب المال والمصالح الكبرى إلى ديمقراطيات إجتماعية أو شبه إجتماعية تنظر إلى المجتمع ككل وتقدر حاجة الاستقرار والانتاج الاجتماعي لعمل أكبر في ميدان تقليص الفوارق بين الطبقات. فبقدر ما تترسخ الديمقراطية السياسية وما تتضمنه من الاعتراف المتبادل بسيادة الأفراد ومساواتهم وحقوقهم التي لا يمكن التصرف بها يزيد النزوع داخل المجتمعات التي تمارسها الى التضامن الاهلي والقبول الطوعي بالتضحية في سبيل محاربة التهميش والفقر والمرض. وهذا نابع من وجود منظومة سياسية واجتماعية وثقافية مفتوحة أمام الجميع وكذلك تنامي الشعور الانساني والوطني. وفيما عدا ذلك لا يمكن تصور قيام عدالة مطلقة أو مفروضة تدعو جميع الناس إلى أن ينالوا أو يأكلوا أو يلبسوا مثل بعضهم البعض وليس هذا من الأمور المطلوبة والمرغوبة لأنه غير ممكن من جهة وربما غير ناجع أيضا من جهة ثانية.


*  أليس الذي عرضته هو نفسه نظرية الديموقراطية الليبرالية؟

* لا، هو جوهر الديمقراطية الاجتماعية أو اليسار الديمقراطي. الليبرالية اليوم لم تعد مع الديمقراطية ولكنها تشكل التهديد الرئيسي لها بعد اندحار الفاشية وانحسار الشيوعية.


* أقصد ما أسميناه سابقاً ديمقراطية ليبرالية أو غربية أو رأسمالية قاصدين تلك الديمقراطية غير الثورية أو الشعبية والاشتراكية.
* إذا كنت تقصد أن ما أعرضه ليس له علاقة بما كنا نسميه الديمقراطية الشعبية فهو صحيح تماما. وربما كان علي أن أذكر هذا منذ البداية. فمن المسلم به اليوم أنه لم تعد هناك أية أوهام حول ما كان البعض يسميه ديمقراطية ثورية أو شعبية. كما لم يعد لهذه النماذج أي شرعية في أي بقعة من بقاع العالم. ونحن نعتبر أن الكلام فيها لا قيمة له إلا إذا الهدف منه التغطية على الديكتاتورية. فالديمقراطية التي نقصدها اليوم عندما نتحدث, عند جميع الاشتراكيين في العالم, بعد تجربة الديمقراطيات الشعبية الشهيرة, هي بالتأكيد ما كنا نسميه الديمقراطية السياسية. وبالتأكيد تشترك هذه الديمقراطية الاجتماعية مع الديمقراطية الليبرالية في القيم الجوهرية التي هي في الواقع قيم الحداثة السياسية وليس لها علاقة بالنظام الليبرالي التجاري أو الرأسمالي. فالحرية والمساواة بين جميع الأفراد والعدالة والتضامن والأخوة الانسانية, هذه القيم جميعا ليست قيم الليبرالية ولكن قيم الحداثة. وكما تسعى الليبرالية إلى ترجمتها في الواقع العملي على حسب مصالحها وتصوراتها فنحن أيضا نحاول ترجمتها حسب مصالحنا وتصوراتنا. وعلى سبيل المثال يشكل الأمن الأهلي قيمة مشتركة بيننا وبين النظم التسلطية أيضا. لكن كل منا يرى تحقيق الأمن للمواطن وللمجموع بأساليبه وطرقه ووسائله الخاصة المتميزة. فالسلطات الديكتاتورية ترى في كل حركة وقول وبالاحرى في أي نقد تهديدا للأمن القومي جميعا وتستخدم أقسى الوسائل لردع الناس عن الكلام أو النقد. وهي لا ترى وسيلة لتحقيق الأمن سوى باستخدام التهم المختلقة والعقوبات المشددة وتعميم المنافي والسجون. وبالعكس إن الديمقراطية تختلف في تحديد طبيعة التهديدات ذاتها فلا تنظر إلى نقد سياسات الدولة من قبل المواطنين اعتداءا على أعراض الدولة والمسؤولين فيها ولكن حقا مكفولا للجميع بل واجبا على كل فرد. إنها تحدد بشكل أدق الداء والدواء فلا تجعل داءا ما هو نشاطا صحيا وطبيعيا ولا تستخدم مدفعا رشاشا للانتقام ممن قام بخدش حياء القائم على السلطة أو صاحب المسؤولية. 

القيم الديمقراطية هي نفسها, لكن ترجمتها في الواقع هي التي تختلف, ونحن لا ينبغي أن نفكر بإقامة ديمقراطية شعبوية ولا أن نسعى إليها بأي شكل ولكن علينا أن نعمل في سبيل بناء ديمقراطية سياسية اجتماعية.

 
* لماذا إذن الخطاب المعارض السوري لم يتعرض لهذا الموضوع.

*ربما لأن المقابلة بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الشعبية لم يعد موضوعا مطروحا للنقاش. وقد تخلى الرأي العام في العالم كله عن مفهوم الديمقراطية الشعبية وهجره باعتباره جزءا لا يتجزأ من عدة الدولة الشمولية التي أصبحت وراءه ولم يعد هناك من يعتقد لحظة واحدة بأنها خيارا يستحق الدفاع عنه والعناء. وهناك في الواقع إجماع بين القوى السياسية القائمة بما في ذلك قوى السلطة التي كانت تقيم شرعية وجودها على تطبيق الاشتراكية والديمقراطية الشعبية على تناسي هذا المفهوم السيء الحظ. وأصحابه الحقيقيون من بيرقراطية الدولة الشمولية تخلوا عنه وصاروا يخجلون من التحدث به أو إثارته.


* لكن هذه المقولة هي التي أعطت الشرعية للسلطات المستبدة. فكرة القوة والعنف الثوري، ومبدأ الثورة…

*نعم, ربما. لكن أحدا لا يطرح اليوم شعار الثورة الاشتراكية, اللهم إلا قاضي محكمة أمن الدولة لتبرير أحكام استثنائية على متهمي الرأي. فقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي، والأزمة التي دخل فيها الفكر الاشتراكي وخاصة الشيوعي، إلى إخراج هذه المقولات من دائرة التداول والنقاش تماما. فمن يستطيع اليوم أن يتبنى قضية الديمقراطية الثورية من دون أن يتهم بعقله أو بانتمائه إلى زمن مضى وانتهى ؟ لا أحد يدافع عنها اليوم في العالم، لا في دول الاتحاد السوفييتي القديم ولا في أوروبا الشرقية بلد منشْئها


* بتلك البلدان، قامت الأحزاب التي كانت تؤمن بالشرعية الثورية، وأجرت نقداً ذاتياً، وتبرأت من شعاراتها الثورية، لكن في سورية لم نسمع بأمر كهذا، .ولم تسمع جماهير هذه القوى بذلك…

معك حق تماما في ذلك. لكن السبب هو أن أحزاب السلطة تقيم شرعيتها كما ذكرت على التمسك بالشعارات الثورية وليس لها مصلحة أن تقوم بنقد ذاتي لنفسها بل إن مصلحتها تكمن في أن تتظاهر بالاستمرارية والوفاء للشعارات القديمة حتى عندما تنقلب انقلابا كاملا في سياساتها وتصبح الرأسمالية وجذب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع الملكية الخاصة والعودة إلى أسعار السوق هي مطلبها ونموذجها المثالي المتبع. ومن دون ذلك ستضطر إلى الاعتراف بالخطأ وتفقد بالتالي الهالة المقدسة التي أضفتها على نفسها وزعاماتها وتضطر إلى ايجاد مبررات شرعية لتشبثها بالسلطة واحتكارها لها واستمرارها في الضرب بيد من حديد على كل من ينزع إلى مساءلتها أو طلب كشف حساب لانجازاتها. أما أحزاب المعارضة إذا كان من الممكن الحديث بالفعل عن أحزاب فقد كانت أقصى طموحاتها أن تحافظ على نفسها وتلملم جراحها خلال أكثر من ثلاثة عقود. ولم يكن لديها في الشروط التي عاشت فيها أي قدرة على التفكير وبالأحرى على ممارسة النقد الذاتي. وهي لم تبدأ بإصدار نشرات وبيانات لا تزال على كل حال تعامل معاملة السرية إلا منذ أشهر معدودة.

لكن من دون شك آن الأوان كي تقوم الأحزاب السياسية السورية جميعها، بما في ذلك الحزب الحاكم إذا أراد البقاء, بإعادة بناء فكرها على أسس جديدة, ومنظلق هذا البناء هو لا محالة النقد الذاتي الذي لا بد منه كي تستعيد أيضا صدقيتها لدى الرأي العام. وليس لمثل هذا النقد علاقة بالتهشيم الذاتي. فما ذكرته هنا عن أزمة الفكر الاشتراكي مثلا لا يضر في نظري أبدا بهذا الفكر ولا يدفع إلى التشكيك بصحة مقدماته النظرية والأخلاقية ولكنه يظهر بالعكس حيوية هذا الفكر وقدرته على التصحيح الذاتي. فليس من الخطأ أن يُغيّر الفكر طروحاته عندما تثبت التجربة أن الأفكار التي كان يدعو إليها لم تكن صائبة. فالإنسان القوي والعقلاني والسليم هو الذي يكتشف خطأه ويعترف به ولا يخشى تصحيحه. وبالعكس, أن الذين لا يكتشفون أخطاءهم ولا يعترفون بها ويخشون من تصحيحها هم الضعفاء الذين يسقطون ضحايا لها وإذا كانوا مسؤولين يقودون مجتمعاتهم معهم أيضا إلى موقع الضحية.


* أنا أرى أن قيادات القوى السياسية وبعض المفكرين، لديهم هذه الأفكار، لكنها باقية برؤوسهم لم يبوحوا بها لقواعدهم وأنصارهم الذين ما زالوا يعيشون على  طروحات الثورة والاشتراكية. لماذا لا يخبرهم هؤلاء القادة بذلك؟ هل هذا ناجم عن عجز معرفي، أم عن تلاعب بالألفاظ؟

* الواقع أن المشكلة لا تتعلق هنا بصلاح معرفة القيادات ولا بإخلاصهم بقدر ما تتعلق بالمناخ الثقافي والسياسي الذي ساد لفترة طويلة في البلاد. ومع ذلك هناك الكثير من القياديين الذين يبذلون جهداً كبيرا لتجاوز الفكر القديم, لكن قائد حزب لا يستطيع أن يغيّر عقلية جميع أفراد الحزب أو الرأي العام إذا لم يتغير المناخ العام في البلاد.


* لم أقل أنه لم يغيّر، بل لم يطرح هذه الأفكار. وأنت اعتبرت أنهم لم يصرحوا ولم يطرحوا ذلك، لأنهم اعتبروا ذلك تحصيل حاصل.

* بالاجمال, وباستثناء عناصر قليلة استفادت من تجربتها الماضية وأعادت النظر في الكثير من مسلماتها, لا تزال قوى اليسار تحمل عندنا بالاجمال نفسية وعقلية وأيديولوجية ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي والتجربة السوفييتية. وهي عندما لا تتخذ موقفا واضحا من الطروحات القديمة فليس ذلك بسبب افتقارها بالضرورة  للشجاعة الأدبية أو السياسية ولكن  لأنها لا تزال بالفعل, هي نفسها في حيرة من أمرها, وربما غير مستعدة لقبول الحقائق الجديدة. إنما يبقى السبب الرئيسي في نظري العزلة التي يعيش فيها القادة والرأي العام السوري معا والتي تمنع الجميع من معرفة المعطيات التاريخية المتغيرة ومن التفاعل مع الأفكار والمناقشات الدائرة في العالم الخارجي الذي شهد تحولات فكرية وسياسية استثنائية في العقود الثلاثة الماضية بقينا نحن في معزل تام عنها. فنحن تعيش في الواقع في حلقة مغلقة منذ أكثر من أربعين عاما ولا نزال غارقين إلى الرأس في لجة المنطق الدعوي والايديولوجي القديم. الدولة تستخدم التعليم والاعلام والشارع والأحزاب لبث عقيدتها وطروحاتها وإقناع الناس بها من دون نقاش ولا تساؤل ممكن ولا اعتراض والمعارضة تدافع عن وجودها الرمزي من خلال التأكيد على قيمها وأفكارها الايديولوجية الخاصة ورموزها وبالتشبث أيضا بتراثها العقائدي الذي هو تراث السلطة ذاتها. ليس هناك لا نقاش موضوعي ولا حوار ولا مناظرة. وفي ظروف غياب أي ممارسة سياسية وحسم السلطة أبديا بالدستور لصالح الحزب الحاكم لم يعد هناك معنى ولا سبب لتطور أو تطوير أي مناقشة نظرية موضوعية وعقلية جدية في المجتمع ولدى النخبة السياسية. والواقع أننا نعيش في حرب ايديولوجية كما نعيش في حرب سياسية. وفي الحرب ليست الحقيقة الموضوعية هي المهمة ولكن تشويه صورة الخصم وتسويد صفحته وتغييبه إن أمكن عن الوجود. في مثل هذه الشروط من المستحيل أن تتطور حياة ثقافية وفكرية سليمة ويحصل التفاعل بين الداخل والخارج والتواصل الحي بين القيادة والقاعدة على مستوى المجتمع ككل وعلى مستوى كل حزب وتنظيم اجتماعي على حدة. وفي مثل هذا المناخ الذي يلغي حرية التعبير ويفرض الرقابة على الضمير ويحرم كل أشكال التفكير والبحث والحوار والتواصل وتبادل الرأي الحر والصادق في البلاد لا يختفي أي فكر نقدي أو إصلاحي أو عقلاني فحسب ولكن يزول الشعور بالمسؤولية الأدبية عند القيادة الفكرية والسياسية معا. فقد عشنا إلى اليوم في مجتمع لا يشعر فيه أي مسؤول, في الحزب المعارض أو الحاكم, بأن عليه واجبات تجاه أحد, ولا يعتقد فيه أي مواطن بسيط أيضا أن له حقوقا على المسؤولين مهما كان موقعهم. الكل عاش على الاعتقاد بأن المهم هو أن يؤمن نفسه ويدافع عن مكتسباته وينطوي على أسرته الصغيرة ولا يهتم ولا يناقش ولا يعرض نفسه للأذى. فأي حديث في الحقوق والواجبات وأي تذكير بالمسؤوليات يبدو وكأنه بداية التفكير والنقاش والسؤال وبالتالي النقد, ويعرض الانسان لمخاطر هو في غنى عنها. لقد عشنا ولا نزال إلى حد كبير في مجتمع الاستقالات الشاملة : السياسية والاقتصادية والفكرية والروحية الجماعية والفردية, أي مجتمع التسيب الكامل أيضا.

فلم تنعدم ثقة الانسان بالانسان الآخر فحسب ولكن انعدمت ثقة الانسان بنفسه ولم يعد هناك صدقية لأحد ولا قيمة لشيء. وقد تجاوزت المشكلة الصمت والخمول الناجمين عن تسلط قوى الأمن ومنطقه على النظام أو جمود المعارضة وتكلسها العقلي, أي تجاوزت الصعيد السياسي ذاته لتمس مجال التكوين النفسي والأخلاقي والفكري للافراد.

وما يخفق المناخ السياسي العام في الوصول إليه في هذا المجال يحققه النظام التربوي السائد الذي فقد أهدافه العلمية والتأهيلية ليتحول إلى زريبة للشبيبة أو وسيلة لتكوين أشباه المواطنين وأشباه الرجال الذين لا رأي لهم ولا كيان ولا عقيدة. وهم يتنازعون على كسب بعض العلامات الإضافية بالتحايلات السياسية عن طريق الانتساب للحزب أو لشبيبة الثورة أو العمل مع أجهزة الأمن. ولا يهمهم سوى الوصول إلى هدفهم مهما كانت الوسيلة. فهم مستعدون للأخذ بكل الآراء المفروضة عليهم والايمان بكل ما يطلب منهم والتلون بكل ما يحيط بهم. ولذلك فنحن نجد أنفسنا أمام رأي عام ليس له أي متطلبات أخلاقية أو نظرية ويسخر من الجدية والفعالية. إن شعاره هو "مشيها" و "يومين وتمضى". وهو يقبل بكل ما يعرض عليه ولا يعتقد أن هناك ما هو أفضل أو أن لديه الحق أو الصلاحية أو التأهيل ليطالب بأفضل مما يقدم له. إن حلمه الرئيسي وغايته هو أن ينجح في الحفاظ على البقاء. حشيشة طالبة معيشة فحسب. ونحن نجد أنفسنا أمام أجيال أضاعت أي تفكير جدي ولم يعد باستطاعتها أن تتصرف لا بحسب اعتقادات ولا قناعات خاصة بها ولكن بحسب اعتقادات وقناعات الغير. وتنتظر أن تعلن الحكومة وممثلوها عن مواقفهم قبل أن تفصح عن أي رأي.

وهذا ما أسميه الانتحار العقلي الجماعي. فهو يجمع بين الاختلاط الفكري والخراب الأخلاقي والتخبط الروحي وغياب الأمل والتفكير في المستقبل تماما إلا من حيث هو مراكمة لوسائل الوقاية والدفاع. وهو انهيار أخطر من الدمار الاقتصادي، وأكثر أثرا من التفقير والقهر.

وهذا هو العمق الحقيقي للأزمة التي نعيشها. وما لم ننتبه لذلك فجميع الإصلاحات التي نتحدث عنها سوف تكون حبرا على ورق. إذا كان الانسان ليس إنسانا والسياسة ليست سياسة والفكر ليس فكرا فلن يكون هناك لا اقتصاد ولا دولة ولا ثقافة. والمجتمع المدمر إنسانيا والمحروم من كل القيم والمعاني التي تجعله يتطلع إلى المستقبل ويحلم ويأمل لا يبني ولا يصون ولا يتأمل ولا يفكر. أنه يتدحرج فحسب. وهو لا يستطيع مهما فعل أن يحل مشاكله ولا أن يواجه التحديات الكبيرة التي تنتطره وبالأحرى أن ينجح في التعايش مع, ولا أقول في استيعاب, ثورة تكنولوجية وعلمية تتقدم بسرعة الصوت.

حتى يستطيع مجتمعنا أن يواجه التحديات ينبغي أن يتحول إلى مجتمع حي وفاعل وواثق من نفسه ومؤمن بذاته وبقدراته. والحال أن النظام المجتمعي مبني كله على أساس تيئييس الانسان من وضعه وخلع المجتمع من ذاته وتجريده من إرادته ونزع ثقته بنفسه. ومن هنا فإن التحدي الأكبر والأول للمجتمع السوري هو أن يسترجع وعيه وإرادته وثقته بنفسه, أي ذاته, كي ما يتحول إلى ذات قادرة وفاعلة. ولا يمكن لهذا أن يحصل إلا بتغيير كل أساليب ومناهج الحكم والإدارة والتربية والتعليم والتأهيل. وجعل الحرية غاية النظام الاجتماعي أي جعل بناء الرجال الأحرار هدف النظام في مستوياته المختلفة وإطلاق حرية التفكير والتعبير وتشجيع الأفراد على معرفة الواقع ومواجهة الحقيقة والتعامل بشفافية والتخلص من أساليب خداع النفس والالتفاف على الواقع والكذب على الذات والهرب من المسؤولية. فإذا لم يتعودوا شيئا فشيئا على أن يعاملوا أنفسهم كرجال كاملين وليس كأنصاف أو أرباع أو أشباه رجال, ولم يقارنوا أنفسهم بغيرهم من الشعوب بدل أن يعيشوا مع مشاعر استبطان الدونية والاستسلام للاعتقاد بالخصوصية السلبية التي تجعلنا ننظر إلى أنفسنا على أننا أقل درجة أو درجات من المجتمعات الأخرى ومختلفين عنها لا نعرف معنى الحرية ولا الحياة الجمعية السليمة ولا المصلحة الوطنية ولا التفاهم ولا الاتفاق ولا التنظيم ولا التعاون ولا العمل الاحترافي السليم ولا تحركنا الا غرائزنا ومصالحنا الفردية الضيقة وميولنا الحيوانية, فليس لنا أي أمل في التقدم على أي مدرج من مدارج الرقي البشري. هذا هو التحدي الكبير.

 

 

 5 – الانقسامات الاجتماعية

* كأن كل ذلك مسؤوليات السلطة…
* تقصد النظام. بالتأكيد. فمصير الشعوب معلق بأساليب أدارتها وتنظيمها وقيادتها السياسية. والإدارة العقلانية للموارد والتنظيم الصالح للأفراد والسياسة العقلانية للمجتمعات تساعد على تنمية الثروة العامة وتفجير ينابيع البذل والموهبة الحية. وبالعكس تعمل الإدارة الفاسدة والتنظيم الرديء وسياسة كرش المجتمعات كما يكرش قطيع الماعز أو الماشية على هدر الموارد وقتل المواهب وتهريب الكفاءات الحقيقية وتعظيم الفئة الوصولية ومن ثم تدمير فرص التقدم والنمو. ولم تصل المجتمعات المتقدمة إلى ما وصلت إليه إلا بفضل مؤسساتها وقوانينها وقواعد عملها وأساليب ممارسة السلطة السياسية والاجتماعية الديمقراطية فيها لا بسبب العصا الغليظة التي كان يستخدمها قادتها لسوقها كالقطعان ولا بفضل الجزرة أو الرشوة التي كانوا يقدمونها على سبيل الإغراء. لا بد لنا أن ندرك في الحقيقة أن ما نعيشه اليوم من أوضاع هو من إنتاج مؤسساتنا وفي مقدمها نموذج الحكم وممارسة السلطة وأن هذه المؤسسات هي نفسها ثمرة اختيارات سياسية سواء أكان ذلك في الاقتصاد أو في المجتمع أو في التعليم والتربية أو في التكوين والتأهيل الفكري والديني. أحد أمرين إما أن المجتمع كان سيء التكوين والتأهيل ولم يستطع النظام الحاكم تغيير شيء فيه بالرغم من كل الجهود الجبارة التي بذلها, وفي هذه الحال ينبغي التسليم بأن مجتمعنا أو إنساننا بعكس جميع البشر الآخرين منقوص الانسانية وأنه يعاني من نقص أخفق النظام بعد ما يقارب الأربعين عاما من الحكم المطلق والسيطرة الشاملة على القرار والموارد معا في ايجاد حل لهذا النقص والقصور, بل في فهم أسبابه, وفي هذه الحالة عليه سحب الدروس من هذه التجربة واتخاذ الموقف المناسب المترتب عليها والبحث عن موقع آخر يستحق أكثر "التضحيات". أو أن سياسات النظام واختياراته الثقافية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية لم تكن مناسبة ولا عقلانية وما كان بإمكانها إذن أن تساعد المجتمع على الترقي والتقدم وتجاوز نقائصه البدئية. ولا يمكن رفض كلا الفرضيتين لأن ذلك يعني إلغاء التفكير العقلي بالشؤون الاجتماعية والتهرب من المسؤولية او الاستهانة بالوعي السياسي عند الحاكمين والمحكومين أو معاملتهم كقاصرين عقليا والتخلي عن مبدأ  المحاسبة الجماعية والوطنية. وهذا يقود لا محالة الى الأخد بمبدأ عبثية السياسة ولا مسؤوليتها وإغلاق كل أفق التفكير في الماضي والمستقبل معا.

 والقصد أن تاريخ المجتمعات تصنعه المجتمعات نفسها والمسؤول في كل مرة عن هذا الصنع هي النخب التي تتولى مناصب المسؤولية فتتخذ القرارات وتتحكم بتوزيع الموارد المادية والبشرية وإدارتها وتخصيصها.

بالتأكيد لا تعمل السياسة في اطار مجتمع مثالي لا عندنا ولا عند غيرنا. فالمجتمعات لا تولد كاملة ومكملة ولديها جميعا تناقضاتها ونقائصها ومشاكلها الداخلية وأحيانا الخارجية. ولذلك فهي بحاجة دائما للتطوير والتغيير والتجديد وذلك من خلال تجديد رؤاها ومؤسساتها ووسائل تنظيمها الادارية والقانونية. ومن هنا لا يمكن للنقائص أن تبرر أو تفسر الإخفاق. فعندما نتحدث عن مسؤولية فنحن نتحدث عن نشاط واختيارات واعية وسياسات مطبقة من قبل بشر لديهم وعي وإرادة ورؤية. ولا نتحدث عن مسؤولية عندما يتعلق الأمر ببنيات قبلية أو نقص في الموارد أو كوارث طبيعية.  في المجتمع السوري نقائص من دون شك لكن من مسؤولية قياداته السياسية والفكرية والاقتصادية والادارية أن تجد المناهج والأساليب والوسائل التي تساعده على إصلاح هذه النقائص وتجاوزها. وعندما لا يحصل ذلك فالمسؤولية تقع بالضرورة على القيادات لا على الأرض والتربة والسماء ولون شعر البشر أو جلدهم والحظوظ العاثرة.

ومع ذلك أنا لا أنكر مسؤولية المجتمع كإرادة جمعية وبقدر ما يمكن الحديث عن وعي اجتماعي وسلوك اجتماعي مختار. فمن المؤكد أن المجتمع لم يستطيع أن يتصرف كقوة منظمة وفاعلة قادرة على أن توقف النخب التي صادرت ارادته عند حدها وتمنع تدهور الموقف. وبهذا المعنى يمكن أن نقول إن حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم منذ ما يقارب الأربعين عاما ليس هو المسؤول حصرا عن كل ما حصل, وأنه ليس هو ذاته سوى ثمرة هذا المجتمع ومكثف نقائصه وقيمه السلبية من أنانية وفردية  وعصبوية ومحسوبية وتنكر للذات وغياب الرؤية الجمعية وروح المسؤولية, أقصد مجتمع  ما بعد الاستقلال الذي تكون منذ خمسين سنة, بطبقاته المختلفة وأحزابه المتعددة ومثقفيه الذين كانوا يؤيدون في غالبيتهم وبنوايا حسنة نموذج مجتمع شمولي, يساريا كان أم دينيا. وهو لا يختلف في ذلك عن كل الفكر الثوري الاشتراكي الذي لم يأخذ بعين الاعتبار مسائل الثقافة والفكر ومسائل الأخلاق بما ينبغي من الاعتبار وكل الفكر الليبرالي المنفعي الضيق الأفق والمتمسك بالتبعية والاقتداء وكل الفكر الاسلاموي التصفوي الذي لا يريد إصلاح الواقع التاريخي والحضاري القائم ولكن يبحث عن واقع حضاري وتاريخي بديل ينفي ما هو موجود ولا يهتم إلا بإنكاره وتشويه صورته, كل هؤلاء  يشاركون في هذه المسؤولية. ولا شك أن هناك علاقة مباشرة بين هذا الفكر السائد بشتى صوره, الشمولية والتبعية والارتدادية التي تعاني من فصام حقيقي مع الواقع الحي والتاريخي من جهة, ونظام السلطة المطلقة من جهة ثانية. فكل منهما يحتاج الى الأخر حتى يعيد انتاج نفسه ويستمر. فالسلطة بما تملكه من هيمنة على التفاعلات الاجتماعية هي التي تشكل الضامن أو الكفيل الشرعي أو غير الشرعي لإعادة التوازنات الفكرية والمادية القائمة. ومن دون تغيير قواعد ممارسة السلطة داخل الدولة وداخل الحزب وداخل الجمعية الأهلية وداخل المصنع ومؤسسة الانتاج وداخل الاسرة نفسها وداخل الفرد تجاه نفسه وما يتميز به من خنوع للأوهام والهلوسات والرغائب الأكثر تناقضا, ليس هناك أي أمل في أي تغيير جدي, وبالتالي في المستقبل. فلا يمكن لنظام التلقين وعبادة الشخصية والهوس بالشعارات الجوفاء والمراقبة على الضمير والمعاقبة على التعبير عن الرأي  وفرض معتقدات إكراهية تجبر الأفراد على الغش والكذب واتباع سلوك مزدوج ولا أخلاقي أن يقود الى شيء آخر سوى تفاقم الفوضى والاضطراب وتواصل الخراب.

و من باب تحصيل الحاصل أن لا يكون من الممكن في أوضاع كهذه حصول أي تراكم ايجابي في القيم المادية والمعنوية تماما كما أنه من تحصيل الحاصل أن مثل هذا النظام غير قادر على توليد معارضة ايجابية وعقلانية ونقدية, قوية وديناميكية وغير متعصبة بينما معظم أعضائها قضوا عمرهم في السجون والمنافي. كما أن من الصعب نجاح مثل هذه المعارضة, اذا صدف وبقي قسم منها على قيد الحياة في ثنايا النظام الاجتماعي القائم والجيوب الهامشية التي يتركها من دون مراقبة شالة, في أن تنمي داخل صفوفها ما يكفي من القيم الانسانية والعقلانية أي من الكرم النفسي الذي الذي يمكنها, بالرغم من التخريب الأخلاقي والثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي القائم من الاستمرار في مواجهة المستقبل بروح تفاؤلية. باختصار إن  نقائص المجتمع وضعف تكوين الأفراد وتساهلهم أمام الاغراءات  والخروقات وخوفهم وكرههم للتضحية لا تخفف من مسؤولية نظام الحكم والإدارة في شيء. فالسلطة خلقت من أجل مساعدة المجتمعات على التخلص من عيوبها والتقدم ماديا وإنسانيا ولم تتطور أنماط التنظيم والإدارة والحكم في العالم إلا بسبب وجود نخب كان همها بناء مؤسسات تساعد مجتمعاتها على تحسين شروط عملها وعيشها ومضاعفة فعاليتها ومردود نشاطها وتعظيم دورها في الحضارة. ولا أحد ينكر اليوم أن الشعب الروسي مثلا قد أضاع ما يقارب القرن من الزمن بسبب ما ابتلي به من نظام فاسد لا يصلح لتعظيم جهد الجماعات ولا لتحسين شروط حياتها ولا لتحقيق سعادتها.

 

* سأعود لمسألة حرية الاعتقاد، مستفيداً من مثال مصر الذي أوردته. ففي مصر مثلاً التي فيها مساحات لحرية التعبير كما قلت، نجد دوماً خطاباً يطالب بإدانة أو اتهام مثقفين بدءاً من حيدر حيدر مروراً بالمطالبة بإلغاء جنسية البعض أو محاكمة البعض. أردت أن
أقول من هنا أن الخطاب الثقافي لدينا ما زال يخوّن ويتّهم ويكفّر مخالفيه، وأرى أن الخطاب الثقافي المعارض مدان أكثر من خطاب السلطة.

* تهام المثقفين والمطالبة بإسكاتهم لا يأتيان عادة من قبل المعارضة إلا إذا حصرت المعارضة في تلك القوى الصغيرة الأكثر تطرفا ممن نسميهم الاسلاميين, وبعضها تكفر إسلاميين آخرين أيضا. وهناك من دون شك قطاعات من الرأي العام تصغي لهم. لكن هذا ليس من سمات المعارضة العربية الديمقراطية ولا من الظواهر الاجتماعية الغالبة. فبالرغم من كل التوترات والتناقضات والحروب الداخلية والاقتتال الوحشي لا يزال التسامح الفكري هو الغالب عموما على موقف الرأي العام العربي في كل مكان. ولا يزال رفض التعصب والتشدد والتكفير خطابا قويا وبارزا في وسط هذا الرأي العام.

لا يعني هذا ان المجتمع بريء من العيوب والنقائص. مثل هذا المجتمع غير موجود في أي مكان. ولا يعني هذا كذلك أن المعارضة بمجملها بريئة من التلاعب بعواطف بعض القطاعات الشعبية والعزف على بعض الأوتار التعصبية. لكن ليس هذا ولا ذاك هو السمة الغالبة عليهما كما أن من الصعب اعتباره المسؤول عن الأزمة الفكرية والعقائدية التي نعيشها وما تخلقه من مناخ الحرب الفكرية وإنما يرجع الأمر إلى النظام الثقافي, المرتبط هو نفسه بالنظام السياسي, والقائم على منع الحوار والجدل والنقاش والتفكير المشترك وفرض الأمر الواقع الفكري والعقائدي على الجميع عبر الاحتكار الرسمي لوسائل الاعلام وتأكيد شعارات الجيش العقائدي والمدرسة العقائدية والدولة العقائدية أي المتحزبة لفريق سياسي وايديولوجي واحد ومن ثم إلغاء استقلالية الحياة الثقافية وربطها مباشرة بالسلطة واستخدامها كأدوات للتمكين لهذه السلطة وضمان بقاءها. هذا هو النظام الذي يخلق الفقر في المواهب والأطر والقيادات وينشر الجو الفكري المشحون والمتوتر الذي يدفع البعض إلى مواقف موتورة كما يدفع البعض الآخر إلى تضخيم هذه المواقف والمبالغة في حجمها ويجعلنا نعيش جميعا في حالة من المواجهة الفكرية والنفسية والثقافية المستمرة والخوف ويحول مجتمعنا الواحد إلى مجتمعات منفصلة ومتعددة متنابذة لكل منها ثقافته وقيمه وتطلعاته وآماله وآلامه. إن تحويل الثقافة إلى أداة لخدمة السلطة السياسية والدفاع عنها والحفاظ عليها, لا يمكن أن يقود إلى شيء آخر سوى إلغاء الثقافة نفسها كمكان وفرصة للتواصل والتقارب والتماهي بين الأفراد والجماعات الناشئين في ظروف وبيئات ثقافية واجتماعية مختلفة ومتباينة وبالتالي ترك الأفراد من دون أرضية ولا مرجعيات مشتركة وموحدة. وليس التكفير المتبادل الذي نشهد بعض مظاهره من فترة لأخرى هنا سوى التعبير العلني عن العجز الذي يعاني منه الأفراد داخل هذا النظام الثقافي عن التعرف المتبادل والتحقق من العناصر الجامعة لهم فعلا.  فلا يبقى شيء يجمع هنا بالفعل بين أفراد المجتمع المكون بشكل أساسي من مجتمع الدولة وما يحيط به ويلتف حوله والمجتمع المهمش والمستبعد الذي تسعى ثقافة السلطة أو الخاضعة آليا للسلطة إلى عزله وإخضاعه وتحييده. وليس رفض الاعتراف المتبادل إلا الجواب الطبيعي على هذا العجز عن التعارف بسبب القضاء على وسائط التعاون والتبادل والتواصل وبالتالي التفاهم الفعلي والعقلي بين البشر.

وليس من قبيل الصدفة أن السلطة المطلقة التي تدفع بسياسات السيطرة الأحادية التي تمارسها إلى الانقسام والتشظي الاجتماعيين هي أكثر من يستخدم نتائج هذا التشظي لتبرير وجودها كسلطة مطلقة مفروضة من فوق والدفاع عن حقها في التمديد الأبدي لنفسها. فهذا التفكيك العملي للمجتمع هو الذي يسمح لها بالوجود والبقاء ويضفي على سياسة الاستبداد التي تمارسها قسطا من الشرعية الوهمية أو الكاذبة.
وهذا يعني أن سلوك المجتمع بقطاعات رأيه المختلفة بما فيها المعارضة تجاه الدولة وتجاه ممثليها أو المرتبطين بها أو المشتبه بارتباطهم بها, فالأمر واحد, لا يمكن أن يفهما بمعزل عن سلوك السلطة ذاتها تجاه المجتمع وقواه السياسية والفكرية المعارضة وغير المعارضة. لا يمكن مثلا لسلطة أن تتلقى مديح أصحاب الرأي وهي تخنف أي رأي يختلف مع تصورات منظريها وأصحابها. وبالمثل إن لكل سلطة أو نظام سلطة نمط المعارضة الذي يستحقه لأنه هو المسؤول عن وجوده في الظروف والأوضاع الذي يوجد فيها وأسلوب عمله معا. فالمعارضة التي تتربى في مدرسة الديمقراطية والنزاهة الوطنية والشفافية السياسية والاقتصادية وتقاليد الاحترام للقانون والقضاء المستقل والصحافة الحرة والتوازن الصحيح بين السلطات في إطار احترام الدستور وعدم التلاعب به وتحت إشراف صحافة حرة تعكس مختلف تيارات الرأي العام وتساهم في بلورتها وتقدم لها فرص التعبير الحر عن نفسها تختلف اختلافا نوعيا ومطلقا عن المعارضة التي تنمو كنبتة وحشية في مناخ من القهر والقمع والتهديد بالموت الدائم والتعذيب الجسدي والنفسي وسيف الاعتقالات والتجريم المسلط باستمرار والمحاكمة على النوايا والاعتقادات واستسهال الاتهام بالعمالة للسفارات الأجنبية وباللاوطنية لأبسط إختلاف في المواقف والآراء. وعلينا أن نكمل القول المأثور المعروف : كما تكونوا يولى عليكم بقول آخر أثبتته التجربة التاريخية الحديثة هو : كما يولى عليكم تكونوا, أي أن أسلوب الحكم والولاية هو العامل الأول في تكوين أخلاق الناس العامة وسلوكهم الاجتماعي. فالديمقراطية مدرسة لتخريج الأفراد الأحرار والمسؤولين تماما كما أن الديكتاتورية هي مدرسة لتخريج الأفراد المنافقين والانتهازيين والخائفين وعديمي الشعور بالمسؤولية الفردية والاجتماعية معا. والسلطة التي تتبنى نمط حكم لا يعترف بحقوق الأفراد ولا يحترم حرياتهم واستقلالهم لا ينبغي أن تنتظر من مواطنيها أن يعترفوا بحقوقها عليهم ولا أن يحترموها ولا أن يقدروها ويطيعوها. وعندما تستسهل السلطة الخروج على القانون أو الالتفاف عليه لإخراس الناس أو حرمانهم من حقهم في التعبير عن الرأي أو المنافسة والمشاركة السياسية الطبيعية فهي تعلمهم في الوقت ذاته استسهال الخروج على القانون أو الالتفاف عليه والعبث به. وليس هناك منطقة في العالم اليوم تلجأ فيها السلطة العامة إلى تخوين الأفراد المختلفين معها في الرأي كما هو الحال في منطقتنا, وبالمثل ليس هناك منطقة يتنكر فيها الرأي العام علنا وصراحة للحكومات ويتهمها بالضلوع في المؤامرات مع الدول الأجنبية كما هو الحال في هذه المنطقة.

لا عجب إذن إذا وجدنا مناظرتنا الفكرية السياسية تراوح منذ عقود حول التخوين والتكفير. السلطة تخون الاسلاميين الذين أصبحوا قوة المعارضة الرئيسية في ظروف انعدام إمكانية المعارضة الديمقراطية وتتهمهم في وطنيتهم وتربطهم بخدمة المصالح والقوى الاجنبية بينما يكفر الاسلاميون السلطة ويتهمونها بالمروق والخروج على الدين وترك الشريعة والخضوع للإرادة الأجنبية في سبيل البقاء في الحكم واستغلال النفوذ. فمناظرتنا السياسية الفكرية تحولت إلى تخوين متبادل ولا شيء غير ذلك على الإطلاق فلم يعد هناك مجال لا لمناقشة السياسات العملية ولا لبلورة التصورات الاستراتيجية ولا للمشاركة في المناقشة العالمية حول مصير البشرية. وإذا كانت أطراف من المعارضة الاسلاموية قد كفرت دينيا وتكفر فئات من السلطة ومن المعارضة غير الدينية أيضا, فإن السلطة المطلقة كفرت سياسيا وعقائديا المجتمع كله واعتبرت أن المؤمنين الوحيدين بالوطنية والقومية والموثوقين في خدمة المصالح العليا للدولة والامة والمجتمع هم المنتمون الى حزب السلطة الحاكم وعقيدتها فقط وما تبقى من الشعب متهم ومحروم عمليا من حقوقه المدنية والسياسية ما لم يثبت العكس ويعلن جهارا نهارا عن ولائه وخضوعه وتسليمه الأمر للقيادة القومية أو القطرية. 

إن السلطة العمومية لا تستطيع أن تسن قاعدة وتعمم استخدامها الى ما لا نهاية من دون أن تخلق المناخ المناسب كي تستخدم أطراف أخرى في المجتمع القاعدة ذاتها لأهداف أخرى. ذلك أن الدور الاساسي للدولة بالتعريف هو تحديد القواعد والمعايير التي تسير المجتمع في جميع مستوياته وجميع أعضائه. فإذا كانت هذه القواعد ظالمة أصبح الظلم هو القاعدة والعدل هو الاستثناء. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن السلطة المطلقة قد أعطت لنفسها الحق في العقود الماضية تحت تأثير ايديولوجيات وتنظيمات مستوردة بالمعنى الحرفي للكملة من المعسكر السوفييتي ومنقولة عبر أجهزته ومؤسساته الى الشرق, في إلغاء حرية التعبير والتفكير بوضعها اليد على كل الصحافة ووسائل الاعلام وتجييرها كليا لخدمة عقيدة واحدة وفرض هذه العقيدة على الأفراد بل على الأطفال الصغار الذين تحرم جميع المواثيق الدولية تجييشهم العقائدي قبل أن يكتمل نموهم العقلي وتتكون ملكاتهم التمييزية والنقدية. كما أعطت لنفسها الحق في فرض نمط الحكم والنظام السياسي من دون أن تترك للمجتمع أي فرصة للمراجعة أو المساءلة أو المعارضة واعتبرت أن قرارات الحزب صائبة بالضرورة ولا يمكن مناقشتها ولا نقدها ولا مراجعتها. فهي بالتالي كلام ملهم مقدس لا يدخله الباطل. لا بل إن السلطة قد اعتبرت حتى سياساتها الاقتصادية خارجة عن امكان واحتمال النقد. وحتى عندما غير الحزب الملهم والمعصوم نظرته الاقتصادية وقرر أن ينمي اقتصاد السوق ويقوم بالاصلاح الاقتصادي الميمون ويفتح أبواب البلاد على السوق الرأسمالية ويعتمد على صناديق التمويل الدولية وعلى جذب الاستثمارات الاجنبية التي كان مجرد الحديث فيها يعتبر عمالة للامبريالية والصهيونية, لم يجد أن من المفيد إن لم نقل من الضروري فتح نقاش وطني, بل تقني بين المختصين المختلفين, حول الموضوع, ولا تقديم أي شرح أو تفسير للرأي العام, ولو من باب سقط العتب والاعتذار للأعضاء الحزبيين المشبعين بالاشتراكية والعداء للرأسمالية عن تغيير النهج والاعتقاد. 

ولا يزال من المحرم التشكيك بنجاعة نمط ممارسة السلطة القائم الذي تعتبره القيادة هو النمط الوحيد الذي يتفق وخصوصية سورية والمجتمع السوري لكن من دون أن تبين للناس طبيعة هذه الخصوصية وتبين  ما هي هذه العناصر الاستثنائية التي تميزها حتى يصبح من المستحيل أن تقبل أي نمط آخر من ممارسة السلطة السياسية. فقرارات السلطة المطلقة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية نهائية مثل أحكام المحاكم الاستثنائية وصالحة كالنصوص المقدسة لكل زمان ومكان ومن يتعرض لها بأي نقد أو تحليل يمكن أن يعرض نفسه لتهم قد تصل إلى الخيانة الوطنية أو الاعتداء على الدستور أو المساس بهيبة الدولة أو التحريض على العصيان, وكلها تتراوح العقوبة فيها بين الاعدام والسنوات الخمس القياسية.  ومن الصعب أن لا تتأثر المعارضة ,  في حال نجاحها في البقاء على قيد الحياة -  وهو أمر مشكوك فيه - بهذا المناخ التجريمي والاتهامي والتكفيري الدائم الحضور في وعي الناس جميعا صغيرهم وكبيرهم مثقفهم وعاملهم مؤمنهم وكافرهم. ففئات المعارضة لم تأت من الخارج ولا تعيش في الفراغ ولكنها مكونة من هؤلاء الناس أنفسهم الذين يتعرضون كل يوم وكل ساعة لامتحان الانسجام والتوافق مع عقائد النظام وطقوسه وعباداته. وهي مكونة من الأفراد أنفسهم الذين تمتحن كل يوم ضمائرهم ليفرز الخبيث فيهم عن الطيب في مسائل التعيين والتوظيف والتعليم والادارة والمسؤولية والترقي في الدرجة المهنية. ينبغي أن يكونوا ملائكة حتى يحتفظوا بصفاء نظرهم واستقامة ضميرهم ومقدرتهم على التمييز السياسي والعقلي وكي لا ينقادوا, مثلهم مثل الكثيرن من أصحاب المسؤولية المسيطرين في كل مكان, لأهوائهم وغرائزهم البدائية.

ومع ذلك لا يبرر هذا لأحد, بما في ذلك أطراف المعارضة على اختلاف ألوانها وبصرف النظر عما تعرضت له الاستسلام لإغراءات التكفير والاتهام المعاكس. فشرعية المعارضة مرتبطة بتفوقها الأخلاقي على النخبة الحاكمة وإلا لم يعد لها ما يبرر وجودها. لكن ربما كان العزاء في هذا أن فئات المعارضة, على عكس جماعات النظام, ليس لديها اختيارات كثيره لممارسة القهر والقمع والمراقبة على الضمير وإلغاء الحريات. فهي لا تملك وسائل إعلام قومية ممولة من قبل المجتمع ولا سجونا ولا قوانين طواريء ولا قوات أمن. 

وما حدث في مصر من اعتداء على الحريات الفكرية من قبل بعض الجماعات لا يمس المعارضة الديمقراطية أبدا. بل من الصعب اعتباره تعبيرا عن ميل المعارضة العربية الطبيعي إلى التكفير خاصة وأن هذا التكفير لم يأت هنا من المعارضة ولكن من مؤسسات الدولة أو تابعة للدولة. إنه يعبر بالعكس عن مناخ التوتر والسعار الكلامي الذي يقود إليه الاحتقان السياسي. وهو ثمرة التنافس والمزاودات الدينية وغير الدينية التي تنشأ بين الدولة والمجتمع وداخل صفوف القوى الاجتماعية والاسلامية نفسها بسبب نقص الحريات وغياب التفاهم والاعتراف المتبادل. وهنا بالذات عبرت طلبات الحظر على حرية الفكر التي أطلقتها بعض القوى الاسلامية المحافظة التي تجد لنفسها ممثلين في الأزهر, وهو مؤسسة حكومية في مصر وتابعة للسلطة, عن إرادة السلطة الدينية الرسمية المحافظة على تأكيد وجودها وتثبيت مواقعها في مواجهة ما تتعرض له من تهميش على أيدي السلطة السياسية وما تواجهه من مزايدات من قبل القوى الاسلاموية المتطرفة أيضا. فالأزهر الممثل للسلطة الدينية التقليدية لا يريد أن يبدو أقل حرصا على الدين ولا اهتماما بالتقيد بالشريعة الاسلامية من هذه القوى. ففي مناخ تحتكر فيه السلطة السياسية والاجتماعية من قبل فئة واحدة حاكمة ويحرم فيه تداولها والمشاركة فيها ويختفي فيه كل هامش للمنافسة الصحية يصبح تأكيد الوجود والحفاظ على البقاء هو شاغل جميع القوى وبرنامجها الوحيد. لكن غياب إمكانية تأكيد هذا الوجود عن طريق المشاركة الإيجابية, يجعل من إحراج الآخر المسيطر وإظهار القدرة على ايذائه وتحدي إرادته هو السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف. وأكاد أجزم بأنه ليس لتحريم الكتب والنظريات من قبل بعض الشيوخ أو العلماء أي علاقة بهدف ديني حقيقي, وأن التكتل المحافظ في الأزهر لم يمنع كتاب هذا الكاتب أو يطالب بملاحقة ذاك بسبب ما يعتقد عن حق بخطر كتاباتهما على الدين أو بسبب شعوره بوجود تهديد فعلي للاعتقاد والايمان الاسلاميين.  بل إن كثيرا من الاسلاميين المتنورين قد طالبوا بوقف التكفير لأنه يشكل اشهارا لا مثيل له لأفكار المتهمين وكتبهم. إنه بالأحرى  تعبير عن تطور الساحات الموازية وغير الشفافة للحرب السياسية أو التعبير عن استمرار السياسة المحرمة سياسيا بوسائل أخرى غير طبيعية وغير سياسية وبالتالي غير عقلانية. وهو وسيلة لتذكير السلطة الدينية -  التي لا تزال تملك أوهاما كبيرة حول نفوذها الفعلي -  بوجودها وتأكيد دورها الاجتماعي الذي يضمن لها الاستمرار في عالم الصراع القاتل من أجل الحفاظ على نفوذها الاجتماعي المهدد من قبل السلطة المطلقة والحركات الدينية المنافسة الأخرى.

لكن ينبغي القول أيضا أن السلطة ليست محايدة في هذا الصراع. وغالبا ما تلجأ هي نفسها إلى أسواق السياسة الموازية لحل التناقضات الاجتماعية في إطار منع تكوين سوق سياسية حرة حقيقية. وكثيرا ما قامت السلطة بتأجيج المشاعر الدينية أو باللعب على الأحقاد الطائفية في مصر كما هو الحال في غيرها من البلاد العربية. وبالعكس, إن المعارضة الديمقراطية هي التي تصدت في مصر ولا تزال تتصدى لهذه الأساليب الموازية وتفضحها. وفيما يتعلق بالأحداث المذكورة وقفت السلطة العمومية مع محافظي الأزهر والقوى المعارضة الديمقراطية هي التي دافعت عن حرية التعبير.

إن أحداث التكفير ومنع نشر الكتب والافكار التي تتورط فيها بعض تيارات الرأي الاسلامي الرسمية أو الأهلية لا علاقة لها على الاطلاق بالمعارضة الديمقراطية بل هي نتيجة لتغييب هذه المعارضة وإضعافها في المجتمع. والمعارضة الديمقراطية هي المتضررة الوحيدة منها. إن منبعها هو التوتر النفسي العميق الذي يبعثه اللعب بحرية التعبير والاعتقاد وحرمان المجتمع جميعا من حياة سياسية وبالتالي فكرية ودينية سليمة وشفافة. وهي تعكس درجة الفساد الفكري والديني الذي تقود إليه سياسة الحظر على الأفكار وتقييد الحريات. فالخلافات الطبيعية التي كان من المفروض أن تعكس نفسها في مناقشات عقلية وسلمية لا تجد مجالا للتظاهر والخروج مع منع الحريات الا من خلال الاساليب والطرق الملتوية والمواجهات الدموية. وكل ذلك يرجع بالأساس الى عجز النظام السياسي, وهو هنا النظام المصري, عن التطور نحو نظام مفتوح يتيح لجميع القوى الاجتماعية المتباينة المصالح أن تنشيء تعبيرها السياسي الحر والمناسب, ولجميع القوى السياسية الموجودة في الساحة أن تتنافس بمناخ من الشفافية والنزاهة والعلاقة الصحية بالمجتمع والرأي العام للوصول الى موقع السلطة والمسؤولية. فهذا الانسداد الكبير في النظام السياسي هو الذي يخلق مناخ الاحباط العام ويحول الصراع من صراع على تداول السلطة والمسؤولية الى حرب مواقع ونفوذ داخل الفضاء الاجتماعي يسعى من خلالها كل طرف الى تأكيد حضوره في الميدان ليس عن طريق ما يحققه من انجازات للمجتمع, فهذا ممتنع عليه بسبب التهميش الذي يعيشه, ولكن من خلال ما يمكن أن يسببه من مشاكل ويحمله من تهديدات للنظام. وهو ما نشاهده على مستوى العلاقات الدولية التي تسيطر عليها اليوم القوة الأمريكية أيضا. فبإثارته المشاكل أمام النظام يطمح الأزهر وجماعته الى تأمين مشاركته في الحياة العمومية حتى لو كان ذلك بوسائل غير صحية. وما يفعله الأزهر تفعله الكثير من القوى الاجتماعية المنبوذة بوسائل أخرى وللسبب ذاته. إذ ما هو ممكن للأزهر بسبب وضعه اليد على مورد رمزي كبير بالنسبة للمجتمع ليس ممكنا لغيره بالتأكيد. وهذا ما يقود إلى ما أسميه بحرب المواقع المستمرة في حياتنا السياسية. فلا وجود عمومي ممكن ولا تأكيد للحضور والنفوذ وبالتالي المشاركة في الحياة العمومية إلا بالمقاومة السلبية والحرب غير العلنية. ولا يستطيع أحد أن يفرض اعترافه في ساحة سياسية مغلقة ومحرمة إلا بقدر ما يظهر قدرته على خرق المحرمات وكسر جدران العزلة والمنع. ولذلك تتحول السياسة أيضا إلى تراشق بالقذائف والشتائم والاتهامات والتخوين المتبادل. ويحل التناحر الدائم بين جميع القوى الواقفة بعضها للبعض الآخر بالمرصاد محل التعاون والتفاهم والحوار والتداول. وهذا ما يفسر ما نشهده في جميع الدول العربية من تنابذ وانعدام ثقة وصراع لا يرحم بين العلماء والأحزاب الحاكمة منها وغير الحاكمة والجيش وقوى الأمن والإدارة وغيرها من مراكز القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تتكون في هذا النظام في وجه بعضها البعض وتدخل في تنازع وتنافس عدائي يدفع بها الى التفتت الدائم والانقسام. وحرب المواقع هذه هي حرب التحييد المتبادل أيضا. فكل من لا يستطيع التعبير عن نفسه وتأكيد وجوده بوسائل ايجابية أي بالمشاركة في الانجاز يسعى إلى تحقيق هدفه بمنع الآخر من الانجاز وسد السبل أمامه وإضعاف فرص نجاحه. هذا هو قانون أو منطق العمل في نظام احتكار السلطة العمومية وانعدام التداول الحر والسليم بها من قبل أطراف المجتمع المختلفة.
لكن حرب التحييد المتبادل لا تمثل رد الفعل الحتمي على انعدام تداول السلطة أو التعويض عنه فحسب وإنما تؤسس أيضا لمنطق اقتسام الغنائم في الدولة وتوزيع الموارد الوطنية على قاعدة ميزان القوة. فالذي يفرض نفسه بأي وسيلة كانت : قرابة عائلية أو قوة عسكرية أو مركز نفوذ داخلي أو خارجي, يؤهل نفسه بالضرورة للمشاركة في الغنيمة وتقاسم الثروة ويطمح عن جدارة في أن يحصل على نصيب من العقود والكمسيونات والمنافع والكرامات يعادل قدرته على تهديد التوازنات الداخلية. ومن هنا يختفي مفهوم الفساد نفسه. فالحصول على المزايا الخاصة لا يبدو في وعي المرتشين ولا مستغلي النفوذ خرقا للقاعدة والعرف والأخلاق ولكنه يبدو بالعكس تماما من ذلك بمثابة تكريس للقانون السائد وللعرف المقبول وللأخلاق "الخصوصية" "الوطنية". وكل من يحصل على مزايا تبدو في الأحوال الطبيعية لا قانونية يعتبر أنه لم يحصل في الواقع إلا على حقه وأنه لو لم يأخذ هو الرشوة لأخذها خصمه ومنافسه. فهو لم يسء لأحد ولكنه نفع نفسه. والواقع أن سيطرة منطق توزيع الغنائم على حساب منطق التداول على السلطة كأساس للاعتراف بالأهلية بين قوى النخبة المتعددة يعني في الوقت نفسه زوال الشعور بالمصالح العمومية وفناء التفكير من وجهة نظر الارتقاء بشروط حياة المجتمعات كموضوع للسياسة والممارسة العمومية. إن النظام التوزيعي يعطي للجميع الانطباع, وأعني جميع المتنافسين على السلطة والنفوذ, بأنه لا يوجد في الواقع إلا مصالح خصوصية, ومن حق كل فرد أن يدافع عن تعظيم هذه المصالح الخاصة. وبالمقابل يبدو المعارضون الذين يذكرون بالمصلحة العمومية ويطالبون بنشر رؤية أشمل للمسائل السياسية والاقتصادية الوطنية وكأنهم هم الغشاشون والمخادعون الذين يخفون سعيهم لدخول ميدان تقاسم المنافع وراء شعارات أخلاقية ووطنية لا أساس لها من الواقع والحقيقة. فغير المستفيد أو الباحث عن تعظيم منافعه الشخصية لا بد أن يكون مزاودا أشرا يسعى إلى زعزعة النظام والاستقرار ويعمل من دون أن يدري وربما بوعي لخدمة الدول الأجنبية العدوة.  وينبغي للنظام أن يبذل جهدا أكبر في الكشف عن هؤلاء المزاودين وتحييدهم أو كف يدهم مما يبذله لكشف المسيئين للمصالح العامة ومعاقبتهم. فمشكلة هؤلاء معروفة وبسيطة هي الانتفاع الشخصي أما صاحب المباديء فهو فهو يتطلع إلى السلطة ويسعى إلى قسمة جديدة يخرج فيها القائمين ويحل محلهم. هكذا لا يعود الفساد ظاهرة خطيرة ولا شاذة ولا يظهر في عين صانعيه خروجا على المباديء ولكن ممارسة طبيعية وتعبيرا عن النفس الانسانية الحقيقية. إنه كارثة طبيعية.

والواقع أن الدولة لاتشجع بالضرورة على الفساد ولكنها تدفع إلى تكاثره واستفحاله بضربها المستمر لأصحاب المباديء وتحييدهم ومعاقبتهم. فهم بالنسبة إليها الخطر الفعلي لأنهم يظهرون بالضبط معارضة فعلية, حتى لو لم ينطقوا بكلمة واحدة, للأساس الذي يقوم عليه النظام ويبني عليه قاعدته الاجتماعية, أعني قاعدة تقاسم الغنائم والرشوة المنظمة المعممة.

والواقع أن مجتمعات التحييد المتبادل وتقاسم الغنائم هي الوجه المقابل للمجتمعات الفعلية التي لا تقوم ولا تستمر إلا بسبب خلقها شروطا أفضل لتبادل المنافع وزيادة المكاسب القانونية والفكرية والسياسية والحضارية والاقتصادية عند الجميع. فهي إذن مجتمعات مضادة للاجتماع تماما كما نتحدث عن المادة وضد المادة.  ولا يكسب فيها الأفراد شيئا ولكنهم يخسرون جميعا لصالح فئة تقل عددا باستمرار من المسيطرين سيطرة متزايدة أيضا وعائلية أكثر فأكثر على مقدرات البلاد. ففي هذه المجتمعات يحل قانون التخويف المتبادل أي تبادل الأضرار والأذى محل قانون تبادل المنافع كأساس لبقاء الاجتماع والحفاظ على وحدة النظام. ففي الأصل يبعث اللقاء في إطار مجتمع واحد وثقافة ودولة وتاريخ مشترك مشاعر تقارب وتراحم بين الناس ويعمق التعاون والتضامن والتفاهم والثقة بين الأفراد. ويعمل هذا التعاون على تعظيم فرص كل واحد منهم في التقدم وتحسين الأحوال. ومن هنا يعتبر تبادل المنافع هو مبرر وجود المجتمعات وبقائها. فإذا انعدم تبادل المصالح والمنافع أو ضعف لم يعد لوجود المجتمعات واستمرارها بشكل مستقل عن غيرها قيمة وأصبح من المحتم أن تندمج بغيرها من المجتمعات الأخرى التي نجحت بشكل أفضل في الاحتفاظ بقيم النزاهة والصدق والثقة والتعاون والتفاهم والتنظيم, أي بالقيم التي تمكنها من تحقيق التراكم المادي والمعرفي والتقني التي لا بد منها للارتفاع بمستوى حياة أفرادها وضمان استمرارهم يعيشون على مستوى معايير حضارة عصرهم. وهذا هو أساس نشوء الإمبرطوريات التاريخية التي ضمت شعوبا كثيرة مختلفة وقامت على أنقاض دول قومية أو شبة قومية لا تحصى.

وإذا كانت نظم اقتسام الغنائم بالرغم من قدراتها التحييدية الكبيرة للأغلبية الاجتماعية لا تخلو من تناقضات داخلية ولا من التنافس والصراع بين أطراف النخب النافذة وأحيانا من الحروب الذاتية والاقتتال الدموي فيما بينها إلا أنها عاجزة عن تجاوز منظقها والانفتاح على أي تغيير أو تبديل في قاعدة عمل النظام. إن الاقتتال يشكل فيها آلية طبيعية لإعادة ترجمة ميزان القوى الفعلي والمتبدل على الأرض في ساحة توزيع الغنائم وتقسيم الفيء. بل إن هذا الاقتتال يساعد على استقرار النظام ويدعمه بقدر ما يسمح للأطراف الجديدة الصاعدة من ايجاد سبيلها للنفوذ والحصول على نصيبها من الجنة بالوسائل الطبيعية أقصد حسب منطق التقاسم لا منطق التداول.  وهذا الادماج المستمر للقوى الجديدة في دورة تداول المغانم هو الذي يمكن النظام من التغطية على انعدام تداول السلطة وتغيير قواعد الحكم كما يساعده على تهميش وتحييد القوى الأخرى التي تحولها قوى التحالف المسيطر نفسها الى قوى منشقة, أي خارجة عن القانون ومعادية للنظام وبالتالي مستبعدة من أي مسؤولية ومجردة من جميع الحقوق. إنها قوى إجرامية تعمل ضد النظام ولا يمكن إلا أن تكون متحالفة مع القوى الأجنبية.

ومن الصعب تصور مخرج من هذا النظام أو أي تغيير له من  دون تصور نشوء ديناميكية تنافس سياسي جديدة تزعزع استقرار منطق التوزيع القائم للغنائم والمكارم والمكاسب وتفرض آلية جديدة لتداول السلطة السياسية وتوزيعها, أم من منطق المسؤولية الجماعية وتراكم الثروة والخبرة الوطنية. وهذا هو ما ترمي إليه النضالات الديمقراطية والعمل لتوسيع دائرة الحريات ونقل الصراع من الميدان الاقتصادي إلى الميدان السياسي والفكري. ففي البقاء في المستوى الاقتصادي وحده سواء أتعلق الأمر باقتصاد السوق أو اقتصاد التخطيط, ليس هناك أي أمل في المس بمنطق نظام تقاسم المغانم وزعزعته. لكن من دون شك يمكن للقوى الديمقراطية وينبغي عليها أيضا أن تستفيد من التناقضات الخطيرة التي يقود إليها نظام توزيع الغنائم هذا والتسيب وانعدام المسؤولية العمومية الذي يتميز به والذي لا يمكن أن يؤدي إلى شيء آخر سوى التقهقر الاقتصادي والاجتماعي وهدر الموارد والتسيب وسوء الإدارة والخراب العام كما حصل في أوربة الشرقية, أقول يمكن لها أن تستفيد من هذا في سبيل تعزيز فرص تبني الخيار الديمقراطي, سواء في أوساط الرأي العام أو داخل إطارات الدولة نفسها التي ستشعر في فترة ما بأن من غير الممكن الاستمرار في إدارة الدولة من دون مراجعة أساليب الحكم والإدارة وترشيد عمليات الاستثمار والقرارات السياسية.  ولا شك أن التركز المتزايد والحتمي  للسلطة والثروة في يد القوى الأكثر قرابة من مركز النظام, وذلك بموازاة التقهقر والتراجع العام, وفي ظروف من التهميش المتفاقم والتحييد الموسع لجميع القوى الأخرى سوف يهدد عملية إعادة إنتاج نظام اقتسام المغانم بصورة طبيعية أو يحكم عليه بالإخفاق في معالجة توترات النظام ويدفع العديد من الفئات الملتفة حول النظام إلى الانفكاك عنه خاصة على مستوى إطارات الدولة.

 

6 – الدولة والمجتمع المدني

*  هل الوضع القائم الآن في سورية على صعيد انتماءات السوريين إلى المرحلة قبل الفردية، من قبلية وطائفية وعشائرية، تعيق أي برنامج ديمقراطي تقوم به السلطة أو غيرها لتحقيق مناخ ديمقراطي وحصراً انتخابي؟ أم يجب العمل أولاً على تفكيك هذا الانتماء على الصعيد الثقافي والتشريعي.

* أنت تشير هنا إلى أحد الاعتراضات الرئيسية لأنصار استمرار الوضع السياسي الذي يقيد الحريات والمشاركة الشعبية في الحياة السياسية على الديمقراطية. فهم يقولون أن المجتمع السوري غير ناضج بسبب عشائريته وطائفيته وتعصبه وتخلفه الثقافي والفكري للانتقال لنظام الحرية وبالتالي فلا بد من البقاء في اطار النظام الشمولي الذي يضمن على الاقل الاستقرار والوحدة الوطنية. والحال أن السؤال الذي يطرح هو التالي : هل يساعد نظام السلطة المطلقة على ايجاد حلول حقيقية ودائمة وإنسانية لمشاكل البنى العصبوية والطائفية والعشائرية وبالتالي يمكن اعتباره مرحلة انتقالية ضرورية على طريق الوصول إلى نظام الحرية أم أن نظام البيرقراطية الشمولية هو الذي يغذي الروح العصبوية بل يعمل على انبعاثها وإعادة احيائها ؟ وهل وجود البنى العصبوية يشكل إدانة لمجتمعاتنا بالبقاء تحت نير الحكومات المفروضة إلى أجل غير مسمى وحرمانها من فرص التقدم نحو نظم سياسية إنسانية وبناءة وايجابية أم أن العكس هو الصحيح, أي أن التحولات الديمقراطية والاستثمار في وعي الأفراد وتكوينهم وفي بناء مواطنية الفرد أي تحويله إلى مواطن حر ومستقل وفاعل وآمن لا يحتاج لدعم عصبيته الخاص أو طائفته ليكون بشرا سويا, أقول ام أن الديمقراطية هي التي تساعد المجتمع على الخروج من الطائفية والعشائرية ؟ هذا هو السؤال الحقيقي. والواقع أن من يستعرض تاريخ سورية مثلها مثل جميع المجتمعات الأخرى العربية وغير العربية يعرف أن العصبوية هي سمة من سمات النظم الاستبدادية القديمة والحديثه ونتاج مباشر لها ومرتكز وجودها. ولم يكن المجتمع السوري في أي حقبة سابقة عصبويا ومراهنا على العصبيات العائلية والطائفية والعشائرية كما هو عليه اليوم. والسبب بسيط وواضح: بقدر ما تغلق على الفرد ابواب المواطنية من حيث التكون ومن حيث الممارسة ومن حيث العقيدة وبقدر ما يحطم أساس الانتماء الوطني الجامع الذي هو المساواة القانونية الفعلية ويترك الفرد عاريا أمام قانون العسف والتعسف الأمني وغير الأمني تعود الولاءات العصبوية الى الظهور ويضطر الفرد, حتى لو تملك ثقافة حديثة وقيما لم تعد ذات علاقة كبيرة بقيم العشائرية والطائفية القديمة, الى العودة الى إحياء الاطر التقليدية والاحتماء بها لضمان أمنه أو لتحقيق الحد الأدنى من الثقة والتكافل والتواصل والتفاهم مع أقرانه. وكل السياسات المتبعة منذ عقود في ميادين السياسة والمجتمع والثقافة معا والقائمة على التمييز العلني والرسمي على أساس الولاء أو الانتماء أم الاعتقادات السياسية أو القرابة العائلية أم القرابة الجغرافية أم القرابة الثقافية تقود إلى قتل فكرة المواطنية وروحها التي هي المساواة القانونية الفعلية المعبر عنها بمبدأ تكافؤ الفرص أمام الجميع بالتساوي. فهل في المجتمع السوري الراهن تكافؤ فرص, وهل تفكر السياسة السورية بخلق شروط أفضل لتحسين اشتغال مبدأ تكافؤ الفرص أم أن القاعدة هي قاعدة المحسوبية والزبائنية والانتماء الحزبي والقرابات العائلية والعشائرية والمعارف ؟  هذا هو السبب في استمرار العصبوية بمختلف أشكالها. فعصبوية مجتمع اليوم هي نتاج الاختيارات السياسية والنظم وقواعد الادارة والحكم. وليست هناك مجتمعات لا تتغير ولا تتحول. إنما كي تتحول ينبغي أن تغير قواعد الحياة الاجتماعية التي تعتمد عليها. وحكم السلاطين اعتمد دائما على التراتب الهيكلي للعصبيات والملل والنحل ولم يكن يهتم ببناء الفردية المستقلة ولا يمكنه أن يتعايش معها. فالفرد الحر المستقل عن عشيرته وطائفته وروح التعصب لقريته أو حيه في ظل نظام يحرم الحرية ويفرض على الفرد الطاعة والانخراط القسري في تنظيمات جاهزة أو الايمان الاجباري بمبادي واعتقادات لم تنبع من تفكيره وليس له اقتناع بها, أقول إن الفرد الحر والمتحرر من العصبويات الجماعية بحاجة كي يعيش ويستمر إلى نظام الحرية, أي إلى الديمقراطية. ثم ألا تتعامل السلطة ذاتها مع المجتمع من منظور العصبوية عندما تستبدل في البحث عن التوازن الاجتماعي داخل المؤسسات وأمام مناصب المسؤولية, معيار الانتماءات الجهوية أو السياسية المذهبية بدل أن تطبق معيار الكفاءة الفردية والأهلية المهنية ؟ 

كي نخرج بالمجتمع السوري من العصبيات التقليدية, ويبنغي أن بكون هذا أحد أهداف أي نظام سياسي قادم, وأن نفكر بالنظام السياسي القادم من منظور مكافحة العصبوية هذه, ينبغي أن نحل عند كل فرد محل وضعية التابع : لسيده أو طائفته أو حزبه أو مدينته أو قريته, وضعية المواطن, أي أن نضع الأفراد جميعا في شروط ممارسة المواطنية ونساعدهم على السلوك كمواطنين. وشروط المواطنية خمسة. أولها الحرية. فالفرد الذي ليس حرا في تفكيره واعتقاداته السياسية أو الدينية أو الفلسفية وفي سلوكه واختياراته طريقة حياته وحكمه وعمله وعلاقاته الاجتماعية ليس مواطنا ولكن تابعا لغيره وخاضعا له. هذا هو مفهوم الحرية من عهد الديمقراطية اليونانية ولم يتغير اللهم الا فيما يتعلق يالغاء طبقة العبودية التي ميزت الدولة الأثينية. فلا مواطنية مع العبودية والانتقاص المبدئي من الحريات الأساسية والسياسية بشكل خاص مهما كان حجم هذا الانتقاص.

وشرط المواطنية الثاني المساواة القانونية. فالذي يميز المواطن عن القن والمحسوب والزبون والعبد وكل أشكال التبعية الشخصية الأخرى السابقة على الدولة الحديثة هو وجود قانون واحد ينطبق على الجميع ومساواة الجميع في الحقوق والواجبات وإذن في الجزاءات والعقوبات أمام القانون. ومتى ما طبقت في الدولة قاعدة التمييز بين أبناء الست وأبناء الجارية, حتى لو كان ذلك في حدود ضيقة, انتفت قاعدة المساواة وفسد مفهوم المواطنية أو صار استقراره صعب المنال. وقاعدة ذلك أنه لا مواطنية مع التمييز في الحقوق والواجبات وفي الاختيار للمسؤوليات وفي تأمين المنافع والفرص والامكانيات. 

وثالثها السيادة, أي المشاركة في القرارات العامة وفي مقدمها قرارات اختيار الحكام وتنصيبهم وعزلهم مما يجعل الدولة خاضعة للمواطنين أو دولة المواطنين ويمنع ان يتحول المواطنون حتى لو كانوا متساويين وأحرارا الى وسائل لخدمة الدولة أو إلى عبيد لها. فالفرد الذي يحرم عليه المشاركة في الحياة السياسية لمجتمعه ليس فردا حرا بالمعنى السياسي ولا سيد مصيره. والذي ميز المواطن منذ عهد اليونان أيضا مشاركته في القرار السياسي, وفي مقدم ذلك في اختيار الحكام والمسؤولين السياسيين. وهذا يعني لا مواطنية من دون تنظيم انتخابات حرة دورية والتزام الحكام بقواعد تداول السلطة القانونية والشرعية.

ورابعها العدالة. والعدالة تعني هنا الحد الأدنى من التكافل الاجتماعي الذي يشكل القاعدة الحقيقية للشعور بالقرابة السياسية ويبعث روح الأخوة بين الأفراد المتباينين في الإرث البيولوجي والاقتصادي والثقافي والرمزي. فلا مواطنية مع سياسة الأنانية الفردية وانعدام المسؤولية الاجتماعية في إدارة الموارد الوطنية وتجيير المنصب لخدمة المصالح الخصوصية وغياب السياسات الاجتماعية الناجعة والفعالة.

خامسها ثقافة مدنية قائمة على الاحترام المتبادل وتقدير الانسان والفرد من حيث هو فرد وإنسان بصرف النظر عن أي اعتبار آخر. وهو أصل دعوة حقوق الانسان. وينجم عن ذلك تقديس الحياة البشرية والسعي الى تجنب الصراعات والحروب والوسائل العنيفة في الحصول على المنافع الخاصة واحترام حقوق الآخرين وآرائهم ومصالحهم والشعور بالمسؤولية تجاههم وتجاه مصالحهم الخاصة. وهذا هو الذي ينمي مشاعر الولاء والانتماء للجماعة ويخلق بالتالي ما نسميه في العصر الحديث الجماعة الوطنية في معارضة الجماعة القبلية أو الدينية, أي جماعة المواطنين الاحرار المتساوين المتضامنين المتكافلين الأسياد المتعاقدين في إطار الدولة على تبادل المنافع المادية منها والمعنوية وفي مقدمها حماية حرية الافراد وحقوقهم. وحماية هذه الحريات الفردية وتلك الحقوق الانسانية هي مصدر شرعية وجود الدولة ذاتها والجماعة الوطنية بالمقارنة مع الجماعات الدينية والقبلية. وهي منبع القومية أو الوطنية كنزعة فكرية وكشعور في مقابل العصبية الطائفية أو العشائرية أو الجهوية.

فالمواطنية ليست كلمة أو شعارا يرفع ولا نظاما جاهزا يطبق ولكن استراتيجية لتكوين المواطنية وتحويل الأفراد إلى أناس أحرار مسؤولين ومتضامنين. إنها آلية عمل وبناء لا أسلوب تقاسم للسلطة أو للثروة القائمة أو لولاء الأفراد. ومن حيث هي استراتيجية  عملية تتضمن الديمقراطية جهدا متواصلا واستثمارات بعيدة المدى على جميع المستويات الفكرية والتربوية والسياسية والاقتصادية لتكوين الأفراد مدنيا ولدمجهم في سيرورة القرار الاجتماعي المشترك والعمل الناجع والقانون الواحد والسيد والمساواة الحقيقية والهوية السياسية. والحال أن كل السياسات التي قامت عليها نظم احتكار السلطة وما يتبعها من اقتسام غير عادل للثروة وتقنين الامتيازات السياسية والمادية والرمزية وتحويلها الى مغانم قبلية من تفاوت هائل في المداخيل وتمييز بين المراتب والمقامات وما رافقها من إخضاع الفرد للدولة وتسخيره لخدمتها واحتكار المواطنية من قبل الفئات السائدة واستسهال نزع صفة الوطنية عن غيرها, أقول هذه السياسات تتضارب مع التنشئة المدنية وتنمية حس المواطنية ومعرفة الأفراد بالحقوق والواجبات الاجتماعية. وقد قادت في جميع الدول التي عرفت النظام الشمولي إلى انهيار الروح القومية بل إلى تدمير النسيح الاجتماعي, حتى في تلك البلدان التي كانت تتمتع بشخصية تاريخية قوية. وخير مثال على ذلك روسيا ذاتها وما وصلت اليه من تفريط باستقلالها وسيادتها على يد أبنائها. في هذه النظم يموت المواطن لصالح تنمية المولى والتابع والموالي والخادم والمخبر. وما بينهم لا يبقى للفرد كي يحتفظ لنفسه بالشعور بأنه إنسان مستقل حر ومسؤول سوى العودة الى الدين والعشيرة والقبيلة وثقافة الجماعة الحميمية التقليدية.

إن العلاقات والروابط الاجتماعية القائمة في سورية اليوم على أساس العشيرة والطائفة والعائلة تعيق كثيرا واكثر من أي حقبة سابقة بالتأكيد الانتقال نحو الديمقراطية التي تفترض وجود الفرد السيد والحريات الفردية معا. وهي تلقي بمسؤولية كبيرة جداً على الحركة الديمقراطية التي ستبقى ضعيفة لأنها تحتاج كي تنمو الى  أفراد نجحوا في أن ينتزعوا أنفسهم من هذه الضغوط القوية التي تعرقل استقلال الفرد وحرية تفكيره. وهذه المسؤوليات تفرض عملا ثقافيا واجتماعيا كبيرا ومستمرا لمقاومة نزعة العدمية الوطنية لصالح المصلحة الفردية والانتماء العصبوي. لكن بالعمل الجاد على توسيع دائرة  المشاركة الفعلية في الحياة السياسية والثقافية والفكرية في المجتمع وبالمحاربة الفعلية للممارسات التمييزية والسعي المخلص لتعزيز الثقة بالقانون وسيادته سوف تكتشف أي حكومة ديمقراطية وبأسرع مما تتوقع انهيار العصبويات السريع لصالح عودة الشعور بالمواطنية. ذلك أن العودة إلى الروابط التقليدية ليست اختيارا حقيقيا لدى الأغلبية الاجتماعية ولكنها عودة إضطرار دفعت إليها العزلة والتهميش والاغتراب السياسي والخوف من المستقبل ومن المجهول والحاجة إلى الحد الأدنى من التواصل والحميمية والثقة الاجتماعية. لكن الروابط التقليدية تشكل في الوقت ذاته سجونا ومنافي للفرد الحر والمتحرر من قيم وتقاليد الماضي والطامح إلى أن يعيش حضارته العصرية. ولا ينتظر الأفراد إلا الفرصة المناسبة للهرب منها والتحلل من التزاماتها العبودية أيضا أو شبه العبودية. ولا يعبر وجود المعارضة السياسية الديمقراطية حتى الآن وإصرار المثقفين على القيام بدورهم لتنمية الانتماء الوطني وتعميق الوعي المدني إلا عن هذا الطموح والأمل بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية على أسس صحية وعقلانية, أي سياسية. لكن ليس هناك شك أيضا في أن حرمان المثقفين والمعارضة الديمقراطية من القيام بمسؤولياتها في هذا الميدان سوف يؤثر كثيرا على إمكانيات تعزيز الانتماء الوطني والشعور بالمسؤولية الجماعية ويزيد من احتمالات الوقوع في شرك الصراعات العصبوية والنزاعات المرتبطة بها.

 

* ما هو الاستحقاق القادم أمام المجتمع السوري؟ هل هو استكمال الدولة الوطنية الدستورية؟ أم المجتمع المدني؟ أم الاثنان بالترافق والتزامن؟ هل يمكن قيام هيئات  مجتمع مدني تكون قيداً على سلطة الدولة «المستبدة»؟ وهل يمكن أن تكون مؤسسات الدولة «الأمنية» بنياناً أولياً للدولة الوطنية الدستورية ؟أم أن الاستحقاق القادم هو تأجيل المسألة الوطنية/القطرية لإنجاز الهم القومي التحريري؟ وهل الدولة الوطنية الدستورية (القطرية) يمكن أن تكون جنين دولة قومية؟ ومؤسسات المجتمع المدني ذات عمق قومي؟
وهل موجبات الدولة الدستورية والمجتمع المدني، إضافة للاستحقاقات الداخلية، التصدي للإمبريالية والصهيونية والعولمة والتجزئة العربية؟

* ليس هناك تباين في الأولويات بين الكثير مما ذكرت. فاستكمال الدولة الوطنية الدستورية لا يتحقق من دون وجود المجتمع المدني إذا كان المقصود بالدولة الوطنية دولة المواطنية والمواطنين لا دولة التماهي الجماعي في الايديولوجية والحزب الحاكمين باسم القومية. فهدف الدستور في الدولة الوطنية أو دولة المواطنين المتساويين ضمان الحريات والحقوق الفردية المتساوية للجميع, وتعني هذه الحريات حق التفكير والتعبير والتنظيم الحر للجمعيات والشركات والمؤسسات المدنية ولا شيء آخر. والأمر يختلف إذا كان الدستور يفهم على أساس تكريس حقوق الأقوى والأكثر قدرة على إخضاع الناس وتقييد حرياتهم وتوحيدهم بالقوة باسم المواجهة الوطنية وخوض المعركة ضد الصهيونية أم بدونهما.

وبالمقابل, لا ينبغي أن ننتظر من الدولة المطلقة أن تقبل بوجود مجتمع مدني أو أن تتساهل معه كما بينت التجربة عندنا بصورة واضحة. وبالتالي لا يمكن لهذا المجتمع, أي لمؤسساته التي لا يمكن إلا أن تكون ضعيفة وهشة في النظام الاستبدادي أن تنجح في تقييد السلطة المستبدة أو تمنع الاستبداد. فالمدنية لا تعيش في مناخ الاستبداد. والعنف المادي والمعنوي الذي يقوم عليه ويغذيه الحكم القهري لا يمكن أن يفرز إلا عنفا مماثلا وإرادة مشابهة في القهر واستخدام العنف. والدولة التي تبنى على الاجهزة الأمنية ومن حولها تبقي دولة رجال الأمن ومن يدور في فلكهم ولا يمكن أن تتحول مهما وضعت على وجهها من حجب ومناديل إلى دولة دستورية أو مدنية ولا أن تنتج قيم مواطنية بل ولا أي شكل من أشكال القيم الإنسانية.

لا يوجد مجتمع مدني من دون دولة ديموقراطية ولا توجد دولة ديموقراطية من دون مجتمع مدني، ولا تنطرح فكرة المجتمع المدني بالاستقلال عن الدولة، ولا يسبقان بعضهما، وهما مرتبطان ببعضهما لأنهما جزء من ثورة سياسية واحدة. ومن يقول أولاً الدولة ومن ثم المجتمع المدني، عليه أن يقول أية دولة. فلا وجود للمجتمع المدني في الدولة الاستبدادية ولن توجد الدولة الاستبدادية المجتمع المدني ولا تستطيع أن توجده مهما وعدت أو فعلت أو بقيت لأنها النقيض المباشر له. إن وجودها لا مبرر له ولا مقوم إلا القضاء على المجتمع المدني, أي حرمان المجتمع من تنظيم نفسه خارجها, حتى لا يتمكن من مزاحمة القائمين عليها أو تهديد امتيازاتهم وسلطتهم المطلقة والاستثنائية والأبدية. وبالمقابل لا توجد ديمقراطية من دون جمعيات وتنظيمات وأحزاب أهلية. والعكس صحيح، فوجود هذه الجمعيات والتنظيمات والأحزاب لا يمكن أن يتحقق من دون دولة ديموقراطية. فأساس الديكتاتورية إلغاء التعددية بكل أشكالها ومنع المجتمع من الدفاع عن مصالحه ضمن أطر تنظيمية مستقلة وخاضعة لإرادته. وإذا وجدت مثل هذه القوى انصهرت الديكتاتورية كالجليد تحت أشعة الشمس الحارقة. ولا شك أن النقاش الطويل الذي دار في سورية حول هذا الموضوع وأيهما أسبق المجتمع المدني أم الدولة يعبر عن التخبط العميق الذي يعيشه الفكر الاجتماعي والسياسي التغييري في هذه البلاد كما يعكس ربما بشكل أكبر انعدام شفافية النقاش والمناظرة الفكرية التي تخضع هنا لضعوط أمنية وغيرها خارجة كليا عن دائرة المناقشة العقلية وتتطور عبر المزايدات والمماحكات والتنافس بين الأشخاص والخوف من التعبير الصادق والحر عن الأفكار.

وفي ما يتعلق بالصراع التحريري الوطني ومقاومة اسرائيل لا ينبغي أن نخلط بين مسألتين، مسألة تنظيم المجتمع لنفسه، والأسس التي سيقيم عليها تنظيمه، من مجتمع مدني أو سواه، أو الصراع ضد إسرائيل. والتمييز بين هذه المسائل لا يعني أنها متناقضة أو منفصلة في الواقع ولكنه يعني أن علينا أن نعرف تمفصلها واحدتها مع الأخرى حتى تكون لدينا القدرة على أن نحدد جدول الأولويات والارتباطات. فالمجتمع غير المنظم من داخله ولكن الموحد بالقوة,  ليس قادراً على مواجهة الإمبريالية وإسرائيل. بل هو ليس مجتمعا على الإطلاق ولكن ركام من الأفراد المربوطين ببعضهم بالقوة ولا غاية تجمعهم ولا هدف يوجههم ولا مصير واحد ولا مصلحة. والتفكير بتحرير المجتمع من التناقضات والقيود التي تمنع تنظيمه من الداخل وتفاهمه وتعاونه واتفاقه على قيم وغايات وأهداف واحدة أو مشتركة ينبغي أن يسبق التفكير بمواجهة الإمبريالية، لأنه شرط هذه المواجهة. والذين يريدون مواجهة اسرائيل من دون إعداد المجتمع يغامرون بتقديم مكاسب جديدة للعدو مثلهم مثل أولئك الذين يبقون المجتمع في حالة الترهل والفوضى والانقسام على النفس باسم الصمود في وجه اسرائيل. ليس هناك أحد يستطيع أن يقدم حجة منطقية واحدة تجعل هدر حريات المواطنين والغاء حقهم في المساواة والعدالة والحياة القانونية السليمة والتعليم الناجع والإدارة الاقتصادية الفعالة والنزيهة والقضاء المستقل وغير التابع أو الفاسد شرطا لازما ولا بد منه لمواجهة اسرائيل والصمود أمام عدوانها. وبالعكس, إن عجز العرب الواضح عن هذه المواجهة وتسليمهم الأمر للولايات المتحدة التي سلمته بدورها لاسرائيل شارون ناجم بالضبط عن تهلهل التنظيم الاجتماعي المدني وبالتالي الفكري والسياسي والتقني والاقتصادي والإداري العربي. وإلا فلا شيء يمكن أن يبرر أو يفسر أن شعبا من حوالي أربعة ملايين نسمة يستطيع أن يواجه بنجاح وبتحدي أمة مكونة من ثلاثمئة مليون نسمة. أللهم إلا إذا اعتقدنا أن الاسرائيليين ينتمون جميعا إلى جنس الأبطال الاسطوريين كما أصبحوا ينظرون هم لأنفسهم بينما تنتمي شعوبنا لجنس العجزة والمرضى والمعاقين العقليين.

والأمر شبيه بذلك فيما يتعلق بمسألة الوحدة العربية والقومية. فقد سارت أمم وقوميات كبرى لا يشك أحد في تكونها سيرا مضطردا في العقود الخمس الأخيرة نحو التعاون والتفاهم والاتحاد بالرغم من الحروب العنيفة والدامية التي عرفتها فيما بينها في حين أن الدول العربية التي بدأت قبل أي جماعة أخرى في تكوين رابطة إقليمية بهدف تسريع خطى الاندماج والوحدة, وهي التي لم تكن قد عرفت حروبا فيما بينها وتشترك أكثر من أي بلدان أخرى في تاريخ وثقافة ولغة ودين غالبي واحد قد سارت أكثر من أي منطقة أخرى نحو التباعد والتشاحن والتنابذ والتفكك بل نحو الحروب الداخلية. فلم تساعد القرابة القومية الفعلية في تحسين شروط الاتحاد والتفاهم بينما لم تؤثر التمايزات القومية الواضحة والقوية الدول الأوربية من التقدم بسرعة نحو الاتحاد. والسبب في ذلك أن الدول الأوربية تسير بمنطق البحث عن تعظيم المنافع والمكاسب الاجتماعية لأفراد شعوبها وتتحرك بدافع الخدمة الوطنية الأهلية بينما تعمل دولنا التي سقطت فريسة نخب افتراسية بمنطق حماية النظم والمصالح القائمة بصرف النظر عن المصالح الوطنية والأهلية. فما الذي يمكن أن يدفع نخب نجحت في تحويل البلاد ومواردها الى ملكية خاصة تتقاسمها هي وأبناؤها وأحفادهم وأنصارهم ومحازبيهم, من دون رقابة ولا مساءلة, بصورة أبدية ولا نهائية,  الى أن تكون  وحدوية, أي إلى أن تتخلى عما أصبح بالفعل مزرعة شخصية وإقطاعة قرسطوية ؟ إن الوحدة لا يمكن أن تعني شيئا آخر بالنسبة اليها في هذه الظروف سوى التضحية بمصالحها وانتحارها الذاتي على مذبح أهداف مثالية لم تتعامل معها لحظة الا على أنها شعارات للاستهلاك والحصول على الشرعية الرخيصة. 
ويعكس النقاش القائم على المفاضلة بين القطرية والقومية أو الاختلاف حول الأولويات فيما يتعلق ببناء الدولة القطرية أو دولة الوحدة القومية في سورية غياب التفكير العقلاني والموضوعي في مسألتين معا : مسألة بناء الدولة القطرية ذاتها ومسألة تحقيق الوحدة العربية معا. وهو ينبغ من استخدام قضية الوحدة لأهداف الاستراتيجيات السياسية اليومية ويهدف إلى الهرب نحو قضايا ومسائل نظرية مصطنعة لتجنب القضايا الراهنة والتاريخية المطروحة وفي مقدمها طبيعة الدولة ذاتها قبل أن تكون قطرية أو قومية, ومن وراء ذلك مسألة بناء الدولة القطرية كدولة مواطنية بالفعل.

ومن البديهي أن لا يكون هناك وحدة ولا تعاون ولا تفاهم بين الدول العربية قبل أن تتحول هذه الكيانات الهشة والمفتقرة هي ذاتها إلى الثقة بنفسها ومعرفة واجباتها وقدراتها إلى دول حقيقية, أي قبل أن تتحرر من القيود التي تفرضها على تطورها ولقائها مع أفرادها وأبنائها السلطة المطلقة البيرقراطية والمصالح الشخصية والفئوية التي تكبلها وتفسد جوهرها فتحولها من أداة تنظيم وتسيير وتواصل بين الناس إلى أجهزة أمنية أي قمعية فحسب. وعندما تتخلص الدولة القطرية من هذا المس الذي أصابها وتتحول إلى دولة شعبها ومواطنيها بالفعل سوف نكتشف بسرعة لا جدوى الحديث الطويل في عصرنا الراهن عن التناقض بين القطرية والقومية وعن أهمية تحقيق الوحدة العربية. والتجارب التاريخية التي تجري أمام أعيننا تدل بما لا يقبل الشك أن الدول والأممم الاوروبية المتكونة تاريخيا وبقوة لم تكن بحاجة إلى البرهان على هويتها المشتركة ولا إلى إختراع أسطورة قومية حتى تسعى إلى التعاون وتنجح في تحقيق الاتحاد فيما بينها. فلم يعد من الضروري من منظور تطور إشكاليات العصر, وفي مقدمها العولمة والانفتاحات الاقتصادية, إضفاء المشروعية التاريخية أو الثقافية أو الأقوامية على مشروع تعاون اقليمي حتى نبرر قيامه تجاه الدول والمجموعات البشرية الأخرى ولا من أجل ضمان استمراره وقبوله من قبل الجماعات المتعددة والمتباينة المشاركة فيه. وقد برهن تكوين الاتحاد الاوروبي في العقد الماضي على أن السعي المشترك لتعظيم المنافع والمصالح المتبادلة يشكل اليوم, بصرف النظر عن القرابة الروحية أو الأقوامية أو الجغرافية, مصدرا كافيا بل المصدر الأهم لمشروعية العمل الوحدوي أو الإقليمي. بل لقد أظهر أنه أقوى أثرا وفاعلية في تحقيق الاتحادات اليوم من أي مصدر مشروعية آخر قائم على تأكيد الروابط التاريخية أو اللغوية أو الثقافية. وبالعكس, دلت التجربة العربية على أن إنتماء شعوب عديدة إلى تاريخ واحد وامتلاكها لغة مشتركة وعيشها في إطار ثقافة واحدة ووجود مشاعر وآمال وآلام واحدة عند شعوبها بل ونزوع هذه الشعوب بشكل قوي وجامع إلى الاتحاد لم يقربها من الوحدة ولم يؤسس فيها عوامل الاتحاد, بل لم يحول بينها وبين التمزق والانفصال وتكريس الوطنيات المحلية وتقديس الحدود القطرية التي أثارت العديد من الحروب.

فالعامل الحقيقي والحاسم اليوم في الدفع نحو الاتحاد ليست العناصر التاريخية مهما كانت قوتها, وهي قوية جدا في البلاد العربية, ولا التراث المشترك مهما كانت عظمته, وإنما وجود قوى اجتماعية منظمة وواعية لحقيقة الأوضاع والتحديات الدولية وفي الوقت نفسه حساسة للمصالح العليا الوطنية لشعبها لاعتمادها عليه وعلى قبوله وموافقته في تحقيق أهدافها واستمرار سلطتها ولاستمداد شرعية حكمها وبالتالي وجودها كنخب سيادية منه. فهي تجد نفسها مدفوعة لا محالة في هذه الحالة إلى التقارب مع الدول القريبة منها, سواء أكانت منتمية لأصول واحدة ام لا, كما هو الحال في جنوب شرق آسيا, في سبيل تحسين شروط نموها وتعظيم مصالح شعبها وبالتالي تأكيد مشروعية هيمنتها وقيادتها. والأمر يختلف عندما لا تكون النخب الحاكمة حساسة لمصالح شعبها العليا لأن مصيرها ووجودها في القيادة, أو بالأحرى, هنا, سيطرتها السياسية والاقتصادية, لا تعتمد على قبول الشعب ولا موافقته ولكن على القوة العسكرية المحضة المعدة بالتوافق أو الاتفاق مع قوى محلية عشائرية أو إقليمية أو دولية. فمن الطبيعي في هذه الحالة أن لا يكون عند هذه النخبة أي حافز إلى التقارب مع الدول القريبة منها وأن يكون ميلها الأقوى هو بالعكس نحو العزلة والانعزال الذين يقدمان لها فرصا أفضل للسيطرة المطلقة على المجتمع وإخضاعه وتحييده بعزله عن الشعوب الأخرى وحرمانه مع التضامن الاقليمي أو العالمي الذي يمكن أن يساعده على الدفاع عن مصالحه وعن نفسه ووجوده واستقلاله وحريته. والنخب العربية التي لا تقيم وزنا لشعبها بالمطلق ولا تسند سلطتها على استشاره شعبية وربما لا تقبل أن يكون وجودها مرتبطا بقبول الشعب وتشعر أن في ذلك إهانة لها وانتقاصا من عظمتها وجبروتها ليست معنية ولا يمكن أن تكون معنية بمصالح هذا الشعب العليا ولا بمصائرة التاريخية أو مستقبله. إن سعيها إلى تعظيم منافعها الخاصة وضمان أمن نظامها واستقراره من حيث هو نظام التمييز والمصالح والمواقع المكرسة الأبدية يدفعها بالعكس إلى أن تحلم بتحويل بلدانها من بلدان عصرية إلى إقطاعات معزولة تعيش خارج منطق الدولة الحديثة والقانون ومفهوم المواطنية. فهذا وحده هو الذي يضمن لها السيطرة الشاملة والكلية ويمكنها من تجريد شعوبها من حقوقهم ودفاعاتهم وتخفيضهم الى مستوى جماعات الأقنان العاملين في إطار التبعية الشخصية للسيد المالك بالمجان والسخرة. ومن يتأمل في مستوى المرتبات والأجور وشروط العمل وقوانين الإدارة والحكم والتسيير يدرك بسرعة كيف يتم تسخير البشر جميعا من أشباه مواطنين ومهاجرين, في إطار القمع الصارم المعمم وإلغاء أي حياة سياسية والحرمان من الحريات الأساسية, لخدمة النخب الحاكمة ويجردون من أي حياة أو آمال أو أحلام إنسانية حقيقية.

فعندما توجد النخب الاجتماعية التي تشارك شعوبها معاناتها وتفكر بالفعل في مصيرها ومستقبل أجيالها لا في مصالحها الخاصة لن تكون هناك أي عوائق لا ثقافية ولا دينية ولا لغوية ولا جغرافية ولا إقتصادية أمام مشروع التعاون والاندماج والاتحاد العربي. وسوف نكتشف أننا أضعنا وقتا ثمينا في تشييد النظريات القومية والنفخ فيها من دون طائل وأن الأمر أسهل من ذلك بكثير. فلا حاجة من أجل قيام الوحدة كما رأينا عند غيرنا لا إلى استخدام القوة العسكرية ومخاطبة النشامى ولا إلى التعبئة العقائدية ولا إلى اختلاق التماثل ولا إنكار الاختلافات والفروق والتمايزات من أي شكل كانت وبأي مستوى. كل ما يحتاجه الأمر هو التنادي لمفاوضات رسمية جدية تهدف إلى ايجاد تسويات بشأن المصالح المتضررة بسبب الاندماج ومن ثم التوقيع ببساطة على اتفاقات تعاون وتكامل أو اتحاد يجري تطبيقها واحترامها من قبل الجميع. ولن تجد مثل هذه الاتفاقات الهادفة للاندماج والموقعة من قبل حكومات منتخبة وممثلة فعلا لشعوبها أي اعتراض او احتجاج من أي نوع من جمهور البلاد العربية الذي لا يحلم بشيء آخر سوى الخلاص من سجون السلطات القمعية والاقطاعيات السياسية. فقد بلغ التطور التكنولوجي والمعلوماتي والاقتصادي, اليوم, مستوى لا يمكن فيها لأي دولة أن تحافظ على حظها في التقدم واستيعاب المكتسبات المتواصلة وأن تضمن مستقبلها ومستقبل أبنائها من دون التفاهم مع من هو قريب منها لإقامة تكتلات إقليمية تحسن من فرص التنمية عند الجميع. ثم إن التقدم التقاني زاد في مقدرة الشعوب التي لا تتمتع بصفات متشابهة وليس لها لغة واحدة أن تندمج في إطار كتلة كبيرة من دون أن تفقد الفرصة للتفاهم والتواصل والتفاعل ولا أن يكلفها مثل هذا التعاون تكاليف باهظة.

لكن وجود مثل هذه النخبة أو الاجتماعية التي تفكر من منطق المصالح العامة أولا ولا يقتصر تفكيرها على المصالح الخاصة أو استخدام سلطة الدولة التي تحتلها لخدمة هذه المصالح الخاصة ليس مسألة سحرية ولا علاقة لها بالقضايا الثقافية والأخلاقية. فغياب هذه النخبة في مجتمعاتنا لا ينبع من مساويء ثقافتنا أو ديننا أو مجتمعنا ولكن من انعدام الآليات السياسية التي تربط بين وجود النخبة في القيادة وبين موافقة المجتمع والجمهور. إنه الاستبداد نفسه. ويكفي أن نعيد الأمور إلى نصابها ونفرض قاعدة أن القيادة ليست جائزة تقدم للغالب والأكثر وحشية وبربرية وقساوة في الصراع ومعاملة الخصوم وإخضاع المجتمعات وإنما هي مسؤولية تولى إلى أولئك الأكثر كفاءة والذين يظهرون التزاما أكبر بالمصالح العامة ونزاهة أكثر في التعامل مع الموارد الوطنية. وهذا هو مبرر الاختيار الديمقراطي وهدفه, أعني وضع قواعد العمل لإنتاج نخبة سياسية وطنية قريبة من الشعب ومنشغلة بشاغله ومدافعة عن مصلحته وكذلك وضع قواعد العمل لتنحية النخبة السياسية التي تفقد قيم الممارسة الاجتماعية النزيهة وتفسد واستبدالها بنخب أخرى تكون جاهزة لتحمل مسؤولية القيادة الاجتماعية. وهذا هو المضمون الأساسي لمفهوم المعارضة السياسية ومن ورائه لمفهوم تداول السلطة بين الأغلبية الحاكمة والمعارضة.

إن ما يحول بين العرب وتحقيق حلمهم الوحدوي ليس غياب مقومات الأمة أو القومية ولا ضعف الوعي القومي بهذه المقومات أو عدم إدراك حقيقته العربية الواحدة كما فكرت النظرية القومية ولكن استقلال النخب الاجتماعية أو انفصالها الكامل النفسي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي أحيانا عن المجتمع الذي ولدت فيه وبالتالي غياب هذا المجتمع ومصالحه كليا عن وعي وتفكير وسلوك واهتمام النخب الحاكمة. هذا هو الذي يفسر لماذا تنظر هذه النخب إلى الديمقراطية فتجد أنها نظاما مستوردا ومرفوضا كما يردد منظروها دائما بينما لا ترى في سيارات الميرسيدس والفيلات الفاخرة المزودة بآخر صرعات الرفاهية والكماليات وكل أشكال البذخ الأخرى وهدر الموارد الوطنية نماذج غير مستوردة وإنما أصيلة في ثقافتنا ومجتمعاتنا وتراثنا. وإذا لم تضطر هذه النخبة إلى الاعتراف بالمجتمع ومصالحه فلن نعرف من حلم الوحدة العربية سوى اتفاقات واحدة هي اتفاقات  التعاون الأمني والمشاركة ولو من مستوى الدونية والتبعية في نشاطات الحرب العالمية المعلنة ضد الارهاب.


* بعض المفكرين، لليوم، يذيبون القطرية بالمسألة القومية. لكن كيف يمكن وجود انتماء أفراد إلى مؤسسات، كما ذكرت، بظل هذا الطرح؟ وما ارتباط فكرة المواطنة بهذا الموضوع؟

* سنا بحاجة لنعيد إنتاج التاريخ.  فأي بلد اليوم يحترم مبادئ الديموقراطية التي أوردناها يخلق شروط تحول الإنسان فيه إلى مواطن. فالمواطنة ليست إرثا بيولوجيا ولا حتى ثقافيا, إنها وضعية سياسية يعززها القانون وتنميها الثقافة والقيم الجديدة, قيم الحرية والمساواة والعدالة. وإذا كانت القاعدة المتبعة في البلد هي تكوين مواطنين أحرار فلا يمكن أن ينجم عن تلاحم أو اتحاد الاقطار المكونة من مواطنين سوى مواطنين أقوى وأشد. فالاتحاد الأوروبي لم يلغ المواطنية ولكنه أحدث مواطنة أوروبية جديدة أوسع وأكثر  ثقة بالنفس من سابقتها  المواطنية الفرنسية أو الالمانية أو البلجيكية. فلأن الاوروبيين دخلوا في الاتحاد كمواطنين ولأن الدفاع عن مكتسباتهم ووضعيتهم كمواطنين كان في أولوية المشروع الأوروبي لم يضع المواطنون مواطنيتهم ولكنهم أضافوا لها أبعادا وحقوقا جديدة جعلتها أكثر غنى واستقرارا. وليس بين مواطنية الفرد القطرية ومواطنيته الأوربية أي تناقض أو تعارض وإنما بالعكس كل منهما تساعد على تدعيم الأخرى بالحريات والحقوق الجديدة.

في العالم العربي ليس هناك ما يذاب طالما ليس هناك مواطنية أصلا. هناك أشباه مواطنين وحلما بالمواطنية عند بعض فئات المجتمع المتمردة.  وإذا لم يكن العربي مواطناً في بلده فلن يكون مواطنا في اتحاد عربي محتمل. وليس هناك أصلا أي أمل في أن يحصل مثل هذا الاتحاد بين بلدان الإقطاعية السياسية. والسؤال المطروح هو بالضبط كيف يمكن تحرير الفرد لكي يصبح مواطناً, وما هي فرص تكوين المواطن في العالم العربي.

 

7 – العلمانية والمواطنية وتحديات الأصولية الاسلامية

* هل توجد علاقة بين العلمانية والمواطنة؟ وما هي؟

* جوهر العلمانية عندما ظهرت في أوروبا كانت تأكيد فكرة تحييد الدين عن الدولة, أو تحييد دور الدولة الديني, بمعنى ألا يكون للدولة دور ديني وألا تدعم السلطة السياسية جماعة دينية ضد أخرى. وهو ما يمكن أن نسميه اليوم بالحيادية المذهبية للدولة الذي يشكل شرط تعاملها مع مواطنيها بالتساوي وكأفراد متساويين ومن دون النظر إلى أصولهم الدينية. والدولة الحديثة, دولة المواطنين, لا تتعامل مع الناس كجماعات أو مذاهب أو عشائر، بل كأفراد. فالديموقراطية, بالعمق, بما تعنيه من مساواة قانونية وأخلاقية بين الأفراد في الحقوق والواجبات, تفترض حياد الدولة الديني لكن لا تفترض محاربة الدين ولا العداء له ولا تجفيف منابع الايمان. فالعداء للدين هو أيضا عمل من طبيعة دينية وتبشيرية مناقض للعلمانية.   


* هل نفهم منك أن الديموقراطية والمواطنة تشترطان العلمانية؟

* العلمانية هي جزء من الرؤية الديمقراطية المواطنية بقدر ما هي شرط للمساواة بين الأفراد أمام القانون وفي المجتمع. لكن العلمانية ليست منتجة هي نفسها للمواطنية والديمقراطية. بل يمكن أن تكون سببا في عرقلة القضيتين. لهذا ينبغي أن نكون دقيقين في كلامنا. العلمانية شرط للديمقراطية بهذا المعنى حصراً. لكن لا, قطعا, إذا كان المقصود, كما هو شائع للأسف عند الكثير من العلمانيين في العالم العربي والإسلامي, إلغاء الدين من المجتمع أو حرمان الناس من حرية العقيدة وتقييد تعاملهم مع الدين أو كان يعني حتى أقل من ذلك, أي نشر العلمانية نفسها كعقيدة وفلسفة منافية للدين أو بديل له. فمن المؤكد أن لا علاقة لهذا مطلقا لا بالمواطنية ولا بالعلمنة. فليس من واجب الدولة ولا من صلاحيتها ولا من حقها العبث بالدين أو اتخاذ رأي فيه أو المشاركة في تفسيره أو تأويله. وليس من حقها كذلك التلاعب به واستخدام الشعور الديني عند الناس كما هو حاصل في جميع البلدان العربية تقريباً، بما فيها تلك التي تدّعي العلمانية، لتبرير سياساتها أو إضفاء الشرعية عليها أو على زعمائها وقادتها. ومثل هذا العبث يدفع لا محالة بعض أطراف المعارضة الى التلاعب بالقدر نفسه أو أكثر بالدين والسعي الى استخدامه لتحقيق مصالح ليست لها أي علاقة به.

والواقع أن العلمانية بهذا المعنى الايجابي الذي يفرض على الدولة الانصاف في التعامل مع مواطنيها وعدم التمييز فيما بينهم على أساس الدين والمذهب هي ضرورة لازمة للديمقراطية. فالدولة الاستبدادية يمكن أن تمارس التمييز بين أبنائها على أساس الدين لأن مبدأها هو العسف. لكن الدولة الديمقراطية لا يمكن أن تمارس التمييز الديني طالما كان أساسها احترام الحريات والحقوق الفردية وفي مقدمها حق الاعتقاد. ومن هنا فإن الديمقراطية تشكل كمفهوم سياسي تجاوزا للعلمانية وتحقيقا ايجابيا لها في الوقت نفسه وليست بحاجة إلى التذكير بها حتى تتحقق. كما أنه ليس هناك حاجة لانتشار عقيدة العلمانية أو نشرها كعقيدة وإقناع الناس بها حتى يكون هناك مساواة بين المواطنين أمام القانون. فالديمقراطية تعني حيادية الدولة الدينية وتضيف إليها ضمانة انعدام فرص التمييز من أي نوع كان على أساس الجنس أو الأصل أو القومية أو المذاهب السياسية.

لكن العكس ليس صحيحا. ذلك أن من الممكن تصور العلمانية في إطار سياسي غير ديمقراطي. وللتدليل على ذلك نذكر النظم الشيوعية. فليس هناك شك في أن هذه النظم كانت علمانية بالمعنى الشائع للكلمة, بل معادية رسميا للدين وذات سياسة تدعو إلى محو العقائد الدينية. لكنها لم تكن نظم مساواة بين المواطنين ولا نظم احترام لحرية العقيدة. بل كانت نظما دينية في الواقع أو يمكن اعتبارها دينية من حيث أنها تفرض على مواطنيها الايمان بعقيدة فلسفية معينة وتمنعهم من التعبير عن اعتقاداتهم المخالفة لها. ولا يغير من هذا المعنى كون العقائد التي تفرضها على المجتمع غير سماوية. ولهذا لا ينبغي الانخداع كثيرا بالخطاب العلماني على حساب الديمقراطية. فالعلمانية متضمنة في الديمقراطية لكن الديمقراطية ليست متضمنة في العلمانية. إن العلمانية من دون الديمقراطية هي غطاء لسلطة عقائدية تبشيرية دينية بشكل ما لكن لا تريد أن تعلن عن نفسها. ولذلك يتطلب إنضاج التفكير بهذه المسألة تطوير نقاش وطنيً صريحً وحقيقي نحدد به ماذا يعني مفهوم الدولة العلمانية، وماذا تعني دولة محايدة في موضوع الدين. وماذا نعني بحرية المواطنين في الاعتقاد، اعتقاد ديني أو غير ديني.

أنا أقول إن وظيفة الدولة ليست هداية المجتمع ولا تكوين أفكاره وعقائده الدينية وهي لا تملك الوسائل لذلك وبنيتها الخاصة كمركز للسلطة السياسية لا تؤهلها لذلك. وبالمثل ليس من وظيفتها تعميم أيديولوجيّةٍ ولو كانت غير دينية ولا أن تفرض مذهبا سياسيا أو فلسفيا ما على المجتمع، وإلا صارت دولة دينية ولو لم تكن هذه الأيديولوجيا دينية. لأنها بذلك تكون منحازة لطرف دون آخر. وهذا هو الواقع في الدول العربية التي تعتبر نفسها علمانية وهي في الواقع مذهبية ضيقة لا تختلف كثيرا عن نظام طالبان من حيث أسس عملها وقواعد تصرفها تجاه المجتمع. فالدولة تعتقد أن من واجبها هي أن تقرر  في ميدان السياسة والفكر والتفسير الديني ونوع الفن والأدب والشعر والقصة والرواية التي تستحق النشر وتحمل القيم الايجابية وتلك التي لا تستحق.  جوهر المسألة في العالم العربي, إذن, ليس أن الناس ضد حيادية الدولة, بل أن الدولة تستخدم سلطتها السياسية من أجل فرض فكر أحادي على المجتمع, سواء أكان دينياً أم غير ديني.

وأنا أميز في الحقيقة في مسألة العلمانية بين الزمنية أو العقلنة Secularisation  وبين العلمانية Laïcité. فالعقلنة أو النظر إلى الأمور من منظور العقل وعلى أساس مرجعيته لا على أساس النص ومفاهيمه الدينية هو حركة كونية ومسار عالمي موضوعي وحتمي مرتبط هو نفسه بالحداثة وما تمثله من تنامي سيطرة الانسان ككل على بيئته الطبيعية والانسانية المجتمعية, ولا يمكن فصله عنها. فلا يمكن أن استوعب الفيزياء والكيمياء وجميع علوم العصر من دون أن أجعل من البحث التجريبي والتفكير العقلي مرجعيتي الفكرية الأساسية. ولا يمكن أن أفهم القانون والمجتمع والصناعة والاقتصاد بل والتربية وعلم النفس من دون أن أعود إلى علم السياسة ومفاهيم السلطة والقوة والشرعية ألخ كما لا يمكنني أن أفهم القانون الذي يحكم المواطنية من دون أن أفكر على أساس القانون الوضعي المكون في مجلس شعب وعلى أساس تفكير واجتهاد الناس وخبرتهم. الحداثة هي قبل أي شيء آخر عقلنة أي بحث عن القوانين الموضوعية التي تحكم الواقع العملي وإعادة تأسيس النشاطات التي كانت حتى القريب مؤسسة على مرجعية ومفاهيم دينية على مرجعية عقلية, وبالتالي زمنية, تاريخية, إنسانية قابلة للصواب والخطأ ومؤهلة من دون أن تمس شرعيتها للتغيير والتبديل مع تبدل الخبرة الاجتماعية أو الرأي العام. فهي تعني تعامل الناس أكثر فأكثر مع الواقع كما هو أو بصورة مباشرة أكثر وشفافة وليس بالمرور عبر تصورات ومسلمات وقصص أو مفاهيم غيبية أو ألغاز. وهذا الاستيعاب الزمني أو الاستيعاب العقلاني للواقع، بعكس الاستيعاب الميتولوجي, يشكل اليوم الاتجاه الطبيعي والحتمي لجميع المجتمعات، العربية وغير العربية. ولا يمكن أن نَدخل الحداثة قبل, أو من غير الدخول في العقلانية.  ومن يراقب التطور التاريخي يكتشف بسهولة أن المقاربة الدينية التي كانت سائدة في جميع ميادين النشاط الاجتماعية أخذت تنحسر عن العديد منها إن لم يكن عن أغلبها لصالح المقاربة العقلانية. فالعلم اليوم هو الذي يسيطر على تعاطي الإنسان مع الواقع بما فيه الواقع النفسي واللاشعوري أي المتعلق بباطنية الانسان. وباتت كل العلوم تنزع الآن, بما فيها العلوم الدينية, الى تمثل نموذج العلوم الطبيعية, وإن لم يكن ذلك دائما عن حق أو لفائدة هذه العلوم.

لكن العلمانية كعقيدة ليست هي العقلنة أو العلمنة الموضوعية التي تنحو إليها بالرغم منها جميع المجتمعات في اللحظة التي تدخل فيها تاريخ الحداثة وهي غالبا لا تختار هذا الدخول أيضا ولكنه مفروض عليها. العلمانية هي عقيدة أو فلسفة أو ايديولوجية تمثل ترجمة الواقع الفعلي الذي هو العلمنة أو العقلنة التي تجلبها الحداثة في الذهن لكن لا تختلط به. فالعقيدة أو التصور ليس الواقع المتصور ذاته. فهو ذاتي ومتغير ومتبدل حسب المتصور بينما الواقع واحد وثابت وموضوعي أي لا يتعلق بالذات ولا بحالاتها المتبدلة. ولذلك هناك تجليات متعددة بقدر تعدد الثقافات والمجتمعات للحداثة وللعقلنة وبعضها يختلط بالدين أو بعقلنة الدين. فقد تنشأ العلمانية كعقيدة بموازاة العلمنة الواقعية أو العقلنة وقد لا تنشأ, من دون أن يعني ذلك أن المجتمعات التي لم تتطور فيها الفكرة العلمانية والعقيدة العلمانية لم تعرف العلمنة ولا العقلنة ولا الحداثة. وفي الواقع أن العكس هو الصحيح تماما. فأقلية من المجتمعات عرفت تطورا كبيرا في الفكرة العلمانية وفلسفتها بموازاة تطور العقلنة. وهي بشكل خاص مجتمعات أوربة وفي مقدمها المجتمع الفرنسي حيث كانت الكنيسة الكاثوليكية الحليف الأكبر للسلطة المطلقة والمدافع الأشر عنها. لكن في كل مجتمعات أوربة الطرفية وفي الولايات المتحدة ذاتها ومعظم البلاد الامريكية وكذلك في جميع بلدان آسيا وأفريقيا دخلت المجتمعات في واقع العلمنة-العقلنة من دون أن تصوغ لنفسها عقيدة واضحة في العلمانية ولم تحتج لها حتى تجعل من العقل مرجعها في التعاملات الاجتماعية جميعها الاقتصادية والسياسية والقانونية والفكرية.

وهذا التمييز في نظري مهم جدا لأنه يبين أنه, بعكس ما يشاع في الكلام شبه العامي للعديد من المثقفين الذين يتناولون الموضوع ويخوضون معركة العلمانية كحرب ضروس ضد الدين والمتدينين, ليس لدي المجتمعات العربية ولا غيرها مشكلة حقيقية في تقبل الممارسة المعلمنة أو الزمنية كما تصورها العلمانيون الأصليون. وما التشكيك الدائم للكثير من المثقفين والباحثين في قدرة العرب وثقافتهم على تقبل القيم الزمنية التي هي قيم العلمنة إلا دليل على أزمة العلم العربي الراهن نفسه والأزمة الايديولوجية التي تتجلى من خلال تفاقم اختلال فهم العرب من جديد لعلاقة الدولة بالدين، واختلال مفهوم الدين ذاته، وكذلك الموقف من حرية الاعتقاد والتفكير. وفي اعتقادي أنه طالما رفضت الدولة الاعتراف بحرية الاعتقاد ستبقى مسألة العلمانية ومعها حرية الاعتقاد والتفكير معلقة والأزمة مستمرة. فالدولة هي التي تسن قاعدة العمل وتعبد الطريق الذي يتبعه الأفراد. وإذا كانت هي أول من يخرق قاعدة حرية العقيدة فلا ينبغي أن نتوقع من الأفراد الخاضعين لها والمجبرين على مسايرتها أن يكونوا أكثر حرصا على التعددية الفكرية وفصل الاعتقادات الدينية عن العمل السياسي.
ومن هنا فأنا أقول ليست المشكلة انعدام العلمانية، بل إنها ـ كما يقول البعض عن حق ـ تغوّل الدولة على المجتمع, وكلمة تغول معبرة لأنها مشتقة من غول. وعندما تُحلّ هذه المشكلة، وتكف الدولة عن أن تتصرف كغول, تغتال العقل وتلغي الضمير وتقتل الروح وتغل أيادي الأفراد وأفئدتهم وتبعث الغل في صدورهم, سنجد الناس يتعاملون بتسامح أكثر على المستوى الديني والمذهبي والسياسي. أما اليوم فالتعامل الإنساني مفقود على جميع الأصعدة : صعيد تعامل المجتمع فيما بين أعضائه، وتعامله مع الدولة وتعامل التيارات الفكرية المتعددة والمتباينة فيما بينها وتعاملنا جميعا مع الخارج المختلف عنا. و جوهر العلمنة في العمق ليس شيئا آخر سوى إخضاع جميع النشاطات والمؤسسات والقوانين والقيم والسلوكات الاجتماعية للنقد والمحاكمة العقليين وأزالة أي نوع من التقديس عليها. ومن هذا الإخضاع للعقل ينبع استقلال المجتمعات الانسانية وحرياتها تجاه واقعها ومصيرها. وهذا هو جوهر الحداثة التي تعني أن الواقع الاجتماعي الذي نعيش فيه ليس قدرا ولا ثمرة منطق قدري لا يرحم ولا نستطيع معه شيئا وإنما هو ثمرة عملنا. ولذلك بقدر ما نحسن من مستوى وعينا وعلمنا بالواقع ونبني معرفة موضوعية لا رغبوية عنه, وبقدر ما ننجح في إخضاع سلوكنا الاجتماعي والفردي لقيم أخلاقية أي لمبدأ المسؤولية, نستطيع أن نتحكم بهذا الواقع وبالتالي أن نعظم من هامش حريتنا وسيطرتنا على مصيرنا الجمعي. والدولة التي لا تدرك ذلك ولا تعمل له لترتفع بمستوى معرفة أبنائها الموضوعية وترتقي بسلوكهم الأخلاقي وتسعى بالعكس إلى أن تحل محلهم وتتحول هي نفسها إلى قدر يسحقهم ويلغي حرياتهم تبقى دولة قرون وسطى مهما كان شكل أدوات التعذيب التي تستخدمها والكلمات التي تستخدمها في الحكم على السحرة وإحراقهم. ودولة كهذه لا يمكن إلا أن تثير ردود فعل عليها وضدها من النمط القرسطوي ذاته الذي تمارس به سلطتها. ومفهوم الدولة الاسلامية الشائع اليوم يؤكد تماما ذلك فهو ليس في الواقع إلا مقلوب الدولة الاستبدادية القائمة. فهو يهدف إلى إعادة بنائها على الأسس التغولية ذاتها لكن هذه المرة بمرجعية دينية.


* ناديتم بعقد اجتماعي جديد بين السوريين. ويُعتبر هذا مطلب مرضٍ أخلاقياً وعاطفياً، لكن هل قُورب واقعياً استناداً إلى تجارب الأمم الأخرى التي كانت تجاربها ليست واحدة ولا بسيطة. وقد فُهم القصد من مطلب العقد الاجتماعي هذا أنه عقد سياسي بين السلطة والتنظيمات السياسية الراهنة. ولم تكن هذه المقولة هي الوحيدة الملتبسة في الخطاب السياسي السوري، إن كان من ناحية السلطة أو المعارضين، مثل مقولة السلطة وأحقيته، والأقلية السياسية/الانتخابية، وثقافة الديمقراطية، والديمقراطية فُهمت بأنها الحريات. وفُهمت المصالحة الوطنية أنها مصالحة سياسية. وأن الحوار نقاش. والرأي الآخر وجهة نظر. والإصلاح الاقتصادي إحياء القطاع العام وإنهاءالقطاع العام. والقضايا الوطنية أنها القضايا القومية/العربية محلياً. والاختلاف ترف سياسي نمنّ به على الآخرين من موقع سلطتنا أو سطوتنا. أما المرأة والتعليم والطبابة، زخرفة ديمقراطية.
هل من ضرورة لتعميق فهم هذه المقولات والاتفاق عليها، لكي تبدأ المصالحة بين كل الأطراف لإنجاز الاستحقاق القادم، بشكل سلمي وعاجل وتراكمي؟
.* الالتباس في جميع هذه المفاهيم او سببه الأول هو رفض التفكير أو تقنينه ومنع الحوار والنقاش الوطني العلني والحر الذي يسمح للأفراد الذين يؤلفون مجتمعا واحدا بتوضيح آرائهم وبلورة تصوراتهم الجمعية والخاصة وتحديد معايير تفكيرهم وقواعد سلوكهم وبالتالي تكوين فكر موحد أو منهج مشترك في النظر إلى الامور والتعرف على الغايات المشتركة. والحال أن المجتمع السوري محروم رسميا وقانونيا بمراسيم مكتوبة ووسائل مادية من ذلك. فالصحف ووسائل الإعلام لا تزال منذ أربعة عقود حكرا على رأي واحد هو رأي موظفي الحزب الواحد والدولة ومن يفكر مثلهما. والحقيقة معطاة سلفا على يد زعيم واحد ملهم, والسياسة مرسومة سلفا على يد حزب معصوم ورجال سلطة لا يحتاجون حتى للحديث فيها أو الإفصاح عن مضمونها أمام العامة ولا للدفاع عنها. وأصحاب المناصب ينتقون من قوائم تعدها لجان مجهولة الهوية من دون أن يعرف أصحاب المناصب أنفسهم ولا أن يكون لهم هموم وطنية أو سياسية. في مثل هذه الحالة من الطبيعي أن لا تتطور مفردات السياسة المدنية ولا تتعمق وأن تكون للمفردات والمفاهيم معاني مختلفة وأن يتشبث كل فرد بما يلائم وضعه من هذه المفردات.

ومن هنا يصبح من الضروري العودة إلى أصول المباديء والمصطلحات والتذكير بها في سبيل بناء فكر موحد أو بالأحرى مرجعيات واحدة. وهذا هو دور المثقفين والصحفيين والكتاب.  فعليهم تقع مسؤولية السعي الى التغلب على هذه العقبات التي تعيق المناقشة الجمعية والتفاعل الذهني وتداول الافكار من أجل التوصل الى تفاهمات وأنماط مشتركة من النظر والمقاربة وبالتالي الى رؤية مشتركة أيضا وجماعية. وهذا هو المفهوم الحقيقي للثقافة.

تحدثت عن أقلية وأغلبية مثلا. ومن الواضح أن كل انسان يتمثل هذا المفهوم حسب خبرته الشخصية وحدود ثقافته ومصلحته المباشرة أيضا. فبالنسبة لأولئك الذين يفكرون من منطلق ديمقراطي وفي إطار الديمقراطية كنظام وكمنظومة قيم انسانية تعني الأغلبية ببساطة مركزا عموميا سياسيا أو وظيفة سياسية لا تخص فئة محددة وثابتة. ويتم تعيين صاحب هذه الوظيفة أو شاغلها الاجتماعي من خلال مقياس واضح ومحدد قائم على الأغلبية الحسابية التي تعبر عنها انتخابات حرة ونزيهة. ولا معنى لاستخدام مفهوم الأغلبية خارج هذا الاطار في الميدان السياسي أو الاجتماعي, ولا يصعب على أي فرد أن يدركها بالبداهة.

فالأغلبية  دور يوكله الرأي العام إلى تيار سياسي ايديولوجي لفترة محددة معلومة حتى يحقق برنامجا محددا أيضا ولا يعطيه لفئة انسانية أو لجماعة بصورة دائمة أو غير محددة. فهي تمثل الرأي العام في فترة معينة وإزاء قضية أو مجموعة قضايا محددة وتشير الى تيار الرأي الغالب أو السائد. وليس من الضروري أن يكون هذا الرأي السائد هو الصحيح ولا السليم ولا الدائم ولا المتفق مع القيم الدينية أو غير الدينية. فمن الممكن تماما أن تكون الأغلبية السياسية على خطأ من حيث المسلك والاختيار. لكن احترام رأي الأغبية مهما كان هو القاعدة في الديمقراطية, أي في السياسة. وطالما كنا مؤمنين بالديمقراطية فالأخذ بمبدأ الأغلبية هو الموقف الاجباري والصحيح معا. فهو يحدد منهجا لحل الخلافات داخل الرأي العام بوسائل سلمية ومنهجية بحيث لا تكون هناك ذريعة أو فرصة لتنازع يؤدي الى الشقاق وعدم التفاهم وربما الحرب والتدمير المتبادل. والأصل في هذا المنطق أنه طالما أن الجميع أقر بأحقية القيادة لمن يحصل على الأغلبية السياسية المعبر عنها حسابيا, وأن قاعدة الانتخابات الدورية تسمح بإعادة النظر في هذه الأغلبية, وتسمح للرأي العام أن يراجع موقفه وينتخب أغلبية جديدة, فليس هناك خوف من أن يستمر الخطأ أو أن يدوم. فلدى المجتمع دائما فرصة لتحسين اختياراته واستعادة المبادرة لتوزيع السلطة من جديد بما يضمن مصالحه.

ولو دققنا النظر فيما يحصل في العالم الديمقراطي لوجدنا أن الرأي العام يغير الأغلبية فعلا من فترة لأخرى, ويجب النخب المتنافسة على التداول فيما بينها لتقديم خيارات أفضل. وبتطبيق قاعدة الأغلبية والأقلية في الحكم يصبح صراع التيارات المختلفة الفكرية والسياسية على حيازة دور الأغلبية هو جوهر الصراع السياسي. وهذا يدفع جميع المتصارعين الى التقرب من الرأي العام والانصات له والحوار معه بعكس ما نعرفه اليوم في مجتمعاتنا حيث لا يشعر المسؤول لحظة أن عليه أن يقدم حسابا لغير خالقه. كما يحث النخب المتنازعة جميعا وعلى مختلف تياراتها على الاجتهاد لتحسين أدائها وإنضاح رؤيتها للمشاكل الاجتماعية والجد في تقديم الاقتراحات البناءة لمواجهتها. فالتوافق مع آمال الجمهور وابراز مقدرة أكبر على الإدارة وايجاد الحلول المبدعة والأصيلة يصبح كل ذلك هو الثمن الضروري لتحول الأقلية الى أغلبية في أوساط الرأي العام. وبالعكس إن غياب الانتخابات الدورية وإلغاء فكرة الأغلبية والأقلية السياسية لا يمكن أن يقود إلا إلى تكريس نخبة قيادية دائمة وثابتة لا تواجه أي تحد حقيقي لسيادتها وسيطرتها وتنزع بسرعة, كما بينت ذلك جميع النظم الاستبدادية والديكتاتورية والشمولية والفاشية, الى الفساد المادي والأخلاقي معا, وفي أعقاب ذلك الى إفساد المجتمع ذاته وتخريبه.

نحن نرى هنا أن الأغلبية لا توجد من دون الأقلية والعكس. فهما مترابطتان في النظام الديمقراطي. فلا يمكن للأغلبية أن تلغي الأقلية من دون أن تلغي نفسها لأنها تدمر القاعدة التي تقوم عليها وهي تداول السلطة عبر انتخابات دورية نزيهة وعامة. وبالعكس من ذلك يؤدي غياب تداول السلطة حسب قاعدة الأغلبية الانتخابية والأقلية التي تنتظر دورها لتكون أغلبية بدورها الى تكريس مفاهيم ثابتة للأقلية والأكثرية ليست سياسية ولا ايديولوجية ولكن ظائفية أو مذهبية أو عشائرية أو أقوامية. وفي هذه الحالة ليس هناك أي تداول ممكن للسلطة إلا عبر الحروب والصراعات الأهلية التي تتيح وحدها للفريق الذي بقي مستبعدا من المشاركة في السلطة أن يصعد اليها بدوره. ولا يمكن لمثل هذا النمط من التداول أن يخلق مفهوما آخر للحكم والسياسة سوى مفهوم استغلال السلطة والنفوذ واقتسام الغنائم من قبل جميع الجماعات, من عشائر وطوائف وأقوام تتداول على السلطة بالقوة والعنف. ولا يمكن أن يقود مثل هذا المنهج في إدارة الحكم والمجتمع إلا إلى تعطيل أي امكانية للتراكم الحضاري والتقدم وبالتالي إلى الخراب والموت. وهو جوهر ما عرفه المجتمع الأفغاني في العقود الماضية والذي انتهى, اذا كان من الممكن أن نقول ذلك بعد, باحتلال أجنبي للبلاد وبوضعها عمليا تحت الوصاية الدولية.
فمن خصائص مفهوما الأغلبية والأقلية في السياسة وبالنسبة للفكرة الديمقراطية أنهما غير ثابتين ودائمين, بل من المستحيل أن يكونا كذلك, وأن ما يكونهما ليست خصائص بيولوجية موروثة أو انتماءات دينية مفروضة بالولادة ومقدسة لا تتغير, ولا سيطرة بالقوة المادية لا تخضع لأي مساءلة, وإنما ببساطة ميل الرأي العام واختياراته الزمنية التاريخية المتعلقة بظروف وبانشغالات محددة ورؤى تاريخية متبدلة. ويكفي أن تتغير الظروف أو الانشغالات أو مراكز الاهتمام حتى يشكل الرأي العام بالانتخابات أغلبية جيدة ويحول الأغلبية السابقة الى أقلية. هذا هو المفهوم الوحبد الذي يستحق أن نركز عليه ونعمقه ونطوره في ثقافتنا السياسية بخصوص الأقلية والأكثرية, وما عدا ذلك لا يقودنا إلا الى صدامات وصراعات دموية لا تفيد لا أغلبية ولا أقلية.  وهذا المفهوم يعني أن الرأي العام الحر والمعبر عن موقفه واختياراته بحرية هو الذي يقرر لأي تيار من التيارات السياسية الفكرية المتنافسة يعطي موقع الأغلبية وموقع الأقلية، ومن الذي سيكلف بمهمة قيادة المجتمع والدولة لفترة محدودة قادمة, أي أن يكون في السلطة.


* أن يكون في السلطة، لكن هل له الحق بإلغاء الأقلية، أو تغيير الدستور.

* أن يكون له الحق في احتلال موقع السلطة يعني أن تكون له القيادة المؤقتة للمجتمع. ولا يمكن لهذا أن يعني إلغاء الأقلية ولا منعها من التحول الى أغلبية لأن ذلك يعني الاخلال بالشرط الديمقراطي المؤسس لمفهوم الأغلبية وهو التداول على السلطة حسب قاعدة الانتخابات الدورية المحددة سلفا. فإذا قرر فريق إلغاء الانتخابات الدورية أو حاول من خلال سن قوانين ودساتير استثنائية تأبيد موقعه في السلطة فهذا يعني أنه أخل بقاعدة التداول السلمي والسياسي للسلطة وفتح الباب لا محالة أمام الحرب الأهلية. فتداول السلطة هو أساس التفاهم الاجتماعي حول الحكم في الدولة الحديثة لأن غيابه يعني حرمان المجتمع وجميع الأفراد من حقهم الاساسي والذي لا يمكن التفريط به في اختيار حكامهم والسياسات التي ستطبق عليهم. والتداول إما أن يتم بالطرق السلمية, وهذا هو معنى الانتخابات الدورية ومبرر وجودها, أو يتم بطرق عنفية وهو ما يفسر تفجر الحروب الأهلية في العديد من المجتمعات التي لم تعرف الحياة الديمقراطية ولم تنجح في توطين آلياتها في بلدانها. 

 

* ما أرمي إليه تحديداً أن هناك تخوفا عند الكثيرين من أن تصل, في حال إعلان انتخابات حرة بالبلاد، قوى رجعية أو فاشية إلى السلطة وتلغي الديموقراطية، وبالتالي نكون كل ما فعلناه هو ديموقراطية لمرة واحدة. السؤال الآن: ما هي النقاط التي يجب أن يتفق عليها السوريون، والخطوات التي يجب أن يتخذونها للحيلولة دون الوصول إلى ذلك؟
.* التخوف موجود بالفعل ومشروع. لكن التحوط من الفاشية المحتملة لا يكون بتخليد الديكتاتورية أيضا أو بالتشريع لتأبيد النظم القائمة. وللأسف استخدمت هذه الحجة ولا تزال في الكثير من الأحيان من قبل البعض لتبرير الحفاظ على الأمر الواقع والتغطية على العنف وتغييب الأفق الديمقراطي وحدف الاختيار الشعبي الحر الى الأبد. وفي العديد من البلدان العربية سادت نظرية تقول, خاصة عند المثقفين : بما أن هناك خطرا إسلاميا فمن الأفضل البقاء تحت نير الحكم القائم مهما كان فاسدا وظالما بانتظار ما هو أفضل. والواقع أن هذه المحاكمة تعكس أزمة بعض القوى العلمانية وحيرتها أكثر ما تعبر عن واقع ومخاطر قائمة بالفعل. فهي تحصر الرأي العام بين خيارين أحلاهما مر : الديكتاتورية الصفراء والديكتاتورية الخضراء. وطالما بقيت القوى الديمقراطية في هذا الموقف فلن يحصل شيء آخر سوى تداول السلطة بالعنف بين الديكتاتوريتين.

والقصد أن من لا يعمل لنفسه لن يصل ولا ينبغي عليه أن ينتظر من الآخرين أن يعملوا له. فالديمقراطية لا تهبط من السماء. وليس للديكتاتورية العسكرية ولا للديكتاتورية الاسلامية أي مصلحة ولا دافع لتقديم الحريات المدنية والسياسية والمشاركة الشعبية وحكم القانون واحترام الفرد وضمان حرياته وحقوقه من الانتهاك على طبق من ذهب. وهذا ببساطة لأن تسليم الديكتاتورية بالقانون والحرية والمساواة لن يعني شيئا آخر سوى اتخاذ قرار الانتحار الذاتي.

بالتأكيد إن خطر نشوء ديكتاتورية إسلاموية في مكان الديكتاتورية الصفراء قائم بالفعل اليوم. لكن ليس لأن في ذلك أي حتمية تاريخية أو سياسية. وإنما بسبب تقصير القوى الديمقراطية وانعدام ثقتها بنفسها واستقالتها السياسية وعدم سعيها الى أن تكون هي نفسها البديل. فإذا انطلقت القوى الديمقراطية, بما تشمله من أفراد وهيئات ومنظمات, من فكرة أنها غير قادرة على مواجهة خصومها ومن التسليم بأنها لا تملك أي حظ في أن تربح المعركة في مواجهة الديكتاتورية الصفراء والخضراء معا ولا في أن تكسب تأييد الجمهور وولاءه, بردت همتها وتركت للقوى الاسلاموية أن تقود حركة معارضة النظام والاحتجاج على الأوضاع. وفي هذه الحالة ستترك الانطباع الصحيح لدى الرأي العام بأنها تخلت عن مسؤولياتها أو أنها غير قادرة على تحمل مسؤوليات الحكم والمعارضة. فإذا أظهرت أنها غير قادرة على مقاومة الاجتياح الديكتاتوري وغير مستعدة لاتخاذ قرار المقاومة تكون قد قدمت الجمهور الملوع بسوط الاستبداد هدية مجانية للقوى الاسلاموية أو غير الاسلاموية لكن غير الديمقراطية وغير السلمية. ولن يكون هناك أي عائق أمام هذه القوى كي تقود حركة الاحتجاج وتسخر النقمة الشعبية لحسابها ولصالح تحقيق مشروعها وبرنامجها. ووضع الرأي العام أمام هذا الوضع السيئ الذي هو الاختيار بين ديكتاتوريتين هو الاستراتيجية الوحيدة الممكنة اليوم للنظام كي يحافظ على بقائه لأنها الوحيدة التي تدفع إلى شل القوى الديمقراطية وتحييدها في المعركة الدائرة منذ ثلاثة عقود. وهذا هو الذي يفسر حرص الأنظمة العربية على إبراز القوى المتطرفة والمراهنة عليها وطمس القوى الديمقراطية والسعي إلى تفتيتها. فهي تبالغ عمدا في تصوير قوة الاسلامويين وفي التركيز عليها حتى تبرر نظام الغاء الحريات وتأبيد الأحكام العرفية.

ليس من الخطأ أن نخاف من أن تنقلب بعض القوى المتطرفة على الديمقراطية ولا أن نحسب لذلك ألف حساب. فهذا ما ينبغي أن نفعله. لكن لا ينبغي لهذا الخوف ولتلك الحسابات الوقائية الصحيحة أن تجعلنا نتخلى عن المشروع الديمقراطي أو نشك في قدرته على النجاح, وإلا فالنتيجة لن تكون انقلابا على الديمقراطية من قبل أقلية متطرفة ولكن استقالة سياسية جماعية من قبل القوى الديمقراطية قبل أن تبدأ معركة الديمقراطية والتحويل الديمقراطي نفسها.

نعم ليس هناك أي ضمانة, عندما نرمي بقوتنا في الميدان, كي نكون الرابحين  المؤكدين لا في مواجهة الأصوليين ولا في مواجهة السلطة الديكتاتورية. وقد سقطت بلدان أوروبا الشرقية الشيوعية سابقا جميعا تقريبا بعد انهيار الشيوعية تحت سيطرة الأحزاب الشيوعية من جديد بعد أن غيرت جلدها, وذلك لان هذه المجتمعات كانت مدمرة سياسيا ولا تملك أي منظمات قوية وخبيرة أخرى. ولا شيء يضمن أن لا يعود البعث إلى السلطة إذا خسرت القوى الديمقراطية المعركة ولم تعرف كيف تقود الصراع من أجل الديمقراطية. لكن لا تستطيع أي قوة سياسية أن تشرط دخولها في حلبة التنافس السياسي الوطني, خاصة عندما تضع نفسها كجبهة خلاص من الديكتاتورية, بضمانات من أي نوع كانت سوى ما تستطيع هي أن تنجزه وتبنيه لدى جمهورها والرأي العام. ومثل هذا الموقف الذي يحسم المعركة قبل أن تبدأ لصالح خصومه يظهر المعارضة السورية بمظهر الأطفال القاصرين لا الفاعلين الراشدين.  فالعمل من أجل مجتمع ديمقراطي يتمتع فيه الفرد بحرياته وحقوقه وكرامته معركة حقيقية وليست نزهة صيفية. وهي تواجه وسوف تواجه مقاومة عنيدة ولا إنسانية من قبل جميع القوى التي تستفيد من تحييد المجتمع وشلله لتحقيق مصالح شخصية وخاصة مادية أو عقائدية. لكن كما هو الحال في كل معركة تتوقف نتائجها واحتمالات النصر فيها على حجم الالتزام والجهد والايمان والتعبئة وسلامة الرؤية ووضوح طريق العمل ومنهجه عند كل طرف.

نعم, من الممكن أن تخسر الديمقراطية المعركة بالرغم من كل الجهود والتضحيات المبذولة وينتصر الاستبداد من جديد, ومن الممكن أن ينقلب عليها فريق ما من داخلها أو من خارجها ومن الممكن أن تخفق الحكومة الديمقراطية نفسها بعد النصر في تحقيق البرنامج الذي وضعته منذ البدء. لكن السؤال الذي ينبغي على كل فرد يرفض الديكتاتورية أن يطرحه على نفسه هو التالي : هل تستحق الديمقراطية بما تعنيه من بناء الحياة السياسية والاجتماعية على قيم الانسانية الحديثة في الحرية والعدالة والمساواة والدولة القانونية التضحية والمخاطرة أم لا؟ هل تستحق المحاولة؟

إن الذين يجيبون بنعم وينخرطون في معركة الديمقراطية ليسوا ساذجين بالضرورة ولا أكثر ايمانا ولا أقدر تضحية ولا أكثر وعيا ولا أقل عوزا, كما يعتقد البعض,  من الآخرين. إنهم الناس أنفسهم الذين نشاهدهم كل يوم يعاركون ويقاسون الأمرين من أجل انتزاع لقمة عيشهم  وتأمين سبل تربية أبنائهم. إن ما يحثهم على العمل ويعمق ايمانهم ويشحذ هممهم هو شعورهم بأنهم بالعمل من أجل تحقيق الأهداف الانسانية النبيلة وإقامة الحياة الاجتماعية على قيم أخلاقية بدل التسليم لقاعدة العنف والسيطرة بالقوة الوحشية والحيوانية يعطون معنى لحياتهم ويرتفعون بأنفسهم الى مستوى الحياة الانسانية أي الأخلاقية. فهم يؤمنون بأن الانسان لا ينبغي أن يعامل كالحيوان وأن نظام الديمقراطية الانساني هو وحده الذي يليق به وهو وحده الذي سينتصر في النهاية مهما كانت العقبات والعوائق. وأنه وإن قدر لهم أن يخسروا اليوم, وهو أمر غير حتمي على الاطلاق, فسيبقى أنهم عاشوا على مستوى اعتقاداتهم وأفكارهم ومبادئهم وأرسوا للأجيال التالية مباديء لا تخيب وأسسوا لحركة ديمقراطية لا يمكن إلا أن تؤثر على اختيارات الرأي العام في الحاضر والمستقبل وتؤسس لمحاولة جديدة تالية ستكون ناجحة من دون شك وتحقق الانتصار.

هناك ربما نوعا آخر من التخوفات التي لا يزال يصعب التصريح بها في سورية للأسف وهي تمس الأغلبية والأقليات بالمعنى الديني أو المذهبي. ولا فائدة من التغطية على ذلك. والسؤال الذي تطرحه هذه المسألة ليس جديا فحسب ولكنه شرعي وأساسي أيضا. فهل هناك خطر - في طل نظام ديمقراطي أو تحت غطاء نظام يقوم على الانتخابات والشرعية الديمقراطية, خاصة وأن تقاليد احترام الفرد وحرية ضميره واعتقاداته لم تترسخ بعد في المجتمع والدولة - في أن تفرض الجماعة الدينية أو المذهبيةالأكبر عددا حضورها وثقافتها وقيمها ورؤيتها على المجتمع كله, وبالتالي أن تضعف من المكانة التي تحتلها الأقليات المذهبية والأقوامية وربما من الحريات الدينية وغير الدينية التي تتمتع بها؟ الجواب نعم . هناك مخاطر من هذا النوع, خاصة وأن هناك شعورا واسعا بأن  هذه الجماعة هي التي ظهر عليها بشكل أكبر, وبسبب حجمها, الأثر المدمر ماديا ومعنويا لسياسات العزل والحظر على الفكر والحجر التي ارتبطت بنظام الأحادية الحزبية وتقاسم المغانم وتحييد القوى السياسية وتهميش المجتمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المفروض على المجتمع كله.

والواقع أن مخاطر المنازعات الطائفية تشغل الجماعات الصغرى أكثر مما تشغل الجماعة الكبرى التي تفتقر عادة للوعي الطائفي بالمعنى الحقيقي للكلمة وتعيش حالة التهميش على مستويات مختلفة وتفسرها تفسيرات متعددة أيضا. ولو تعمقنا في تحليل الموضوع قليلا لاكتشفنا ان عوامل كثيرة تحول داخل هذه الجماعة دون حصول المخاطر المحتملة أو تجعل من حصولها أمرا بعيدا جدا عن أن يكون حتمية لا مهرب منها. و من أول هذه العوامل أنه, بعكس ما يشيعه بعض المتطرفين من الفئات المستفيدة من الوضع الراهن, ليست الجماعة المذهبية الأكبر إلا من حيث المظهر جماعة واحدة. فهي ليست في حقيقة الأمر إلا اسما فضفاضا يغطي جماعات صغيرة متنافرة ومتباعدة, وربما أصغر كثيرا من بعض الجماعات التي تعتبر نفسها أقلية صغيرة. فهي منقسمة بالضروة وبالحتمية بسبب كبرها نفسه حسب معايير متعددة معظمها لا مذهبي. فلا شيء يجمع داخلها بين جماعة ريفية وجماعة مدينية, وفي داخل الجماعة الريفية والمدينية بين جماعات جهوية ومناطقية, وبين تيارات سياسية علمانية وإسلامية, وداخل التيارات العلمانية بين قومية وماركسية وديمقراطية, وداخل التيارات الدينية بين متطرفين ومعتدلين وأتباع للسلطة مهما كانت وأنصار للمعارضة. وهي مخترقة على المستوى  الأفقي بالضرورة أيضا بين طبقات غنية لا يهمها سوى مصيرها ومستقبلها وطبقات فقيرة تعيش في دوامة مشاكلها اليومية, وكذلك بين أحياء ومدن متنافسة ومتنابذة. وهي منقسمة على المستوى السياسي بين جماعات حاكمة أو مشاركة في الحكم وجماعات معارضة, وجماعات مستفيدة وانتهازية وجماعات مبدئية, وجماعات ترفض السياسة والعمل السياسي وتميل إلى الانطواء على نفسها والانسحاب من العالم العمومي, وهي تكاد تكون الأغلبية الحقيقية فيها, وجماعات منخرطة في الحياة العمومية والسياسية, وهي أقلية ضيئلة. وهذا الانقسام الذي يميز كل مجتمع وجماعة مجتمعية كبيرة لا يمكن أن تحكم بمجالس دينية أو مذهبية هو الذي يفسر نسبة المساهمة المحدودة التي تقدمها هذه الجماعة الأكبر عددا في الحياة السياسية الرسمية والأهلية والمعارضة معا. فليس هناك جماعة مفككة ويمكن أن تكون مفككة مثلما هي عليه ولا يمكن أن تكون غير ذلك. ولو كان من الممكن حصول هذه الوحدة التي تخيف الجماعات الأصغر لحصلت منذ زمن بعيد. وليس المانع منها القمع الذي يتعرض له المجتمع كما يتصور البعض. بل إن هذا القمع كان ينبغي أن يسرع في عملية التوحد والتفاهم والاندماج العصبوي لو كان هناك عصبية ممكنة. لكن هذا الاندماج والتوحد كي يتم ينبغي أن تتبناه, كما هو الحال في الوحدات الوطنية والطائفية والعشائرية, نخبة اجتماعية وتؤسس له نظريا وتنشر القيم الخاصة الضرورية لخلق ماهية مستقلة ومتميزة ورؤية ذاتوية مختلفة. والحال أن هذا غير ممكن اجتماعيا وتاريخيا لمثل هذا النوع من الجماعات الكبرى لأنه لا توجد جماعة بالأصل ولكن مذهبا عاما وعموميا منتشرا داخل البلاد وخارجها. ويكفي للتأكد من ذلك النظر الى عناصر النخبة الاجتماعية التي تحسب أو يمكن أن تحسب على أصحاب هذا المذهب. فهي ليست الأكثر نزوعا للعقائديات العلمانية فحسب ولكنها الأكثر رفضا للنظر إلى نفسها كنخبة مذهبية أو عصبوية لأنها تنزع بصورة تلقائية الى أن توحد نفسها مع مباديء انسانية. فمن, من المثقفين الكبار المحسوبين على هذه الجماعة الأكبر, يطرح نفسه, بل يقبل بأن يلحق بطائفة أو مذهب أو أن يكون ناطقا باسمها أو ممثلا لها وبالأحرى داعيا لوحدتها الدينية وموحدا ومنظما لعصبيتها المذهبية ؟ فحتى الاسلاميون الذين يشكل التعامل بالعقائد والقيم الاسلامية التقليدية رأسمالهم ورصيدهم الأساسي لا يستطيعون الحديث إلا بلغة مبدئية, أي باسم الاسلام كدين عالمي وليس باسم طائفة أو جماعة اسلامية محلية اللهم الا عندما يتعلق الأمر بحزب أو عصبة متميزة سياسية عقائدية.

ثم إن علينا أن ندرك, ثانيا, أن الحياة السياسية والثقافية والعمومية بشكل عام لا يصنعها العدد والرقم الكمي ولكن حيوية النخب ووزنها وديناميكيتها. ولو قارنا بين حجم نخب الجماعات المذهبية لوجدنا الوزن الحقيقي لكل منها في الحياة السياسية والعمومية بشكل عام. وليس من المؤكد أنه في  شروط الديمقراطية ووجود الضمانات الدستورية لحرية الافراد واعتقاداتهم أن لا تكون الغلبة في الوزن النوعي وفي التأثير الثقافي والفكري للنخب القادمة من أصول أقلوية أو ربما ريفية بصرف النظر عن المذهبية. فلا تمنع السيطرة العددية للبروتستنتية في الولايات المتحدة الأمريكية وللكاثوليكية في فرنسا مثلا النخبة الامريكية أو الفرنسية القادمة من أصول يهودية, سواء احتفظت بتقاليدها الدينية أم لا, من أن تمارس دورا ونفوذا أكبر بكثير من وزن جماعاتها الأصلية في هذه المجتمعات. حصل ذلك ويحصل في شروط حياة ديمقراطية لا ديكتاتورية. بل إن من المؤكد أنه من دون هذه الشروط الديمقراطية ما كان من الممكن لهذه النخب أن تمارس هذا الدور. ومثال روسيا هو الأفضل للتدليل على ذلك. فلم يكن دور النخبة الروسية من أصول يهودية تحت النظام السوفييتي يساوي شيئا أمام الوزن الذي أخذت تلعبه هذه النخبة نفسها اليوم بعد تغير النظام وتحوله نحو الديمقراطية. فهي تسيطر على اهم مراكز القرار الاقتصادي والسياسي والمالي والاعلامي معا, وبشكل ربما كان أقوى مما هو الحال في الولايات المتحدة نفسها. فالنظام الديمقراطي لا يضمن سيطرة الأغلبية المذهبية في أي مكان ولكنه يفتح الباب أمام النخب الديناميكية من أي منشأ كانت ويقدم لها إمكانية الارتقاء والتقدم من غير حدود. وهذه النخب هي التي كانت أكثر حماسا للديمقراطية في هذه المجتمعات لأنها تحررها من العزلة الطائفية وضغط الطائفة من جهة وتلغي قوانين التهميش التي تعمل على حرمانها من الارتقاء بنفسها ومواقعها السياسية والاجتماعية. فالدول الاستبدادية تسعى, بالعكس, إلى الموازنة بين الجماعات حتى تضمن التمثيل الشكلي والمظهري لجميع الأطراف في كل واحد زخرفي. وهذا هو الذي يفسر أيضا أن قوى العنصرية هي نفسها قوى الردة على الديمقراطية. وهي تتنامى في أوساط الجماعات الدينية الأكبر كما هو الحال بالنسبة للجبهة الوطنية التي يتزعمها لوبن في فرنسا في مواجهة تصاعد وزن النخب التي تنظر اليها كأجنبية أو غير ممثلة للروح القومية الاصيلة.

بالتأكيد ستظل هناك تيارات ومجموعات معادية أو عنصرية أو تمييزية كما هو الحال في كل الديمقراطيات التي نعرفها. وهذا ثمن بسيط للتطلع نحو حياة أخلاقية وسياسية إنسانية وسليمة بالنسبة لأغلبية المجتمع. لكن هذا لن يؤثر في سير الأحداث ولن يمنع هذه الأغلبية السياسية من فرض رأيها واختياراتها الأساسية تحت تأثير النخبة الاجتماعية وتوجيهها,  وبقدر ما  تظهر هذه النخبة أيضا قدرتها على التصرف كنخبة وطنية عقلانية وإنسانية واحدة وموحدة حول مباديء الديمقراطية وملتزمة بها. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه مشروع الديمقراطية في بلادنا وليس عجز الرأي العام أو الجمهور العادي المفترض أو المحتمل عن تجاوز قواعد اللعبة السياسية وانتهاك قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

والواقع أن المسألة والمخاطر المحتملة لا تتعلق بالجمهور والأغلبية المذهبية نفسها ولكن بسلوك النخب الاجتماعية. فهل النخب السورية المنبثقة من جماعات مذهبية وجهوية وسياسية وعقائدية مختلفة ومتنوعة قادرة على رد التحدي والارتفاع الى مستوى النخبة الوطنية الواحدة والمسؤولة التي ترفض أن تستخدم وسائل التعبئة والتحريض المعادية لمباديء الديمقراطية والانسانية والوطنية ؟ أم أنها لا تزال ميالة الى أن تتصرف كنخب ممثلة لطوائف ومناطق وطبقات-طوائف مدينية وريفية واجتماعية وعشائرية وعائلية؟

هنا أيضا لاتوجد أي ضمانة نهائية. والممارسة هي التي ستظهر فيما إذا كان ذلك ممكن أم لا. وجوهر الممارسة هذه هو الانخراط في معركة الديمقراطية التي تشكل الاطار الحقيقي والوحيد اليوم لصهر هذه النخبة الوطنية وتزويدها بقيم ومباديء وأفكار مشتركة تؤسس للحياة الجمعية المستقبلية. وهذه مسألة متعلقة بقدرتنا نحن على توحيد ثقافة هذه النخب وتوحيد رؤيتها وفكرها, وفيما بعد ذلك تصبح القضية قضية اختيار فردي حر. وعلى كل فرد من هذه النخبة أن يقرر بنفسه فيما إذا كان يشعر أن بناء جماعة وطنية ديمقراطية وإنسانية بعيدة عن التمييز والاساءات المتبادلة والعنف والعسف والسيطرة بالقوة الهمجية والحيوانية, أي قائمة على احترام الانسان الفرد, يستحق التضحية ببعض الامتيازات أو ببعض وسائل الأمان الكاذبة أم لا.

ليس هناك شك في أن كثيرا من أفراد هذه النخبة سوف يستخدمون ذريعة المخاوف من سيطرة الحركات الاسلامية ليبرروا لأنفسهم الاستمرار في دعم نظام تقاسم المغانم والامتيازات حسب ميزان القوة الذي يصيبهم منه بعض الشذرات على بناء سورية ديمقراطية وحرة ومتحررة. كما أن قسما آخر لا يملك وسائل التفكير أصلا في المسألة الوطنية ولا الاجتماعية لن يطرح على نفسه أي نوع من التساؤل عن مبررات أو اختيارات سياسية أو اجتماعية وسوف يستمر بالتصرف داخل المجتمع كما لو كان غابة وحشية يأخذ الكائن قيمته فيها بقدر ما يملك من الاستعدادات الوحشية والشهية الافتراسية. 

لكن المهم ليس هؤلاء. ولا يحتاج الخيار الديمقراطي كي يؤكد نفسه ويغير من قواعد العملية السياسية إلى انخراط جميع أفراد النخب الاجتماعية. يكفي التزام جزء قليل من هذه النخب الوطنية التي نجحت بالفعل في الانفصال عن عصبياتها العشائرية والطائفية وفي التحول الى أفراد أحرار يوجه سلوكهم مبدأ فكري وقيم إنسانية, لا الانتماء لجماعة ولا الولاء لزعامة, حتى تشق الحركة الجديدة طريقها وتبدأ في تغيير علاقة القوة وشروط العمل السياسي والتفكير الاجتماعي. فمن هؤلا سوف تتكون الحركة والقوة الديمقراطية التي ستواجه الخيارات الأخرى الديكتاتورية والمنفعية والانتهازية. 

وتكوين هذه النخبة الديمقراطية الوطنية هو مدخلنا الى مفهوم العقد الوطني. فوجود هذه النخبة التي ستكون أقلية سياسية في البداية لكنها ستتحول إلى أغلبية كما حصل في جميع البلاد الديمقراطية هو الضمان الحقيقي الوحيد لاستمرار الاختيار الديمقراطي ولا شيء غيره. فليس هناك من يمنع أي قوة من الانقلاب على النظام الديمقراطي والانقضاض عليه, سواء أكانت عسكرية أم دينية أم طائفية أم عشائرية أم قوة أجنبية, سوى وجود جزء منظم من الرأي العام مؤمن بالديمقراطية وملتزم بها ومتمثل بقيمها ومستعد للدفاع عنها. وهذا هو المبدأ المعمول به في سورية كما هو الحال في غيرها من البلاد, المتقدمة منها والمتخلفة.

ووجود التفاهم الوطني والفهم المشترك بين أعضاء هذه النخبة السورية الجديدة وتوفير  آليات الحوار الوطني الدائم والمفتوح هما اللذان يسمحان ببناء تحالفات وطنية واسعة عند الحاجة لمواجهة الأطراف التي تهدد النظام الديمقراطي أو تخرقه. ويقدم لنا ما حصل في فرنسا في ابريل نيسان 2002 مثالا حيا على اشتغال هذا العقد الوطني. ففي مواجهة خطر صعود حزب اليمين العنصري, حزب الجبهة القومية الذي يقودة جان ماري لوبن ذابت الخلافات السياسية والعقائدية التي كانت تفصل اليمين الكلاسيكي عن اليسار الاشتراكي وتكونت الجبهة الجمهورية. ولم يكن هدف هذه الجبهة شيئا آخر سوى حماية قيم الجمهورية بإقامة جدار سياسي عال يمنع اليمين المتطرف من أي أمل في الوصول الى السلطة. وقد تعبأ الشعب الفرنسي برمته تقريبا ليس في التظاهرات الحاشدة التي حصلت بهدف حث الناس على الادلاء بأصواتهم وعدم التغيب عن التصويت فقط ولكن في نسبة التصويت المرتفعة أيضا في دورة الانتخابات الرئاسية الثانية. هنا مثال ساطع على اشتغال مفهوم العقد الوطني. فكما لو أن تحسن المواقع الانتخابية لحزب يعتبر معاد بالعمق للقيم الجمهورية الديمقراطية والتسامحية قد دق ناقوس الخطر في وعي جميع الفرنسيين الديمقراطيين ودفعهم الى الخروج الى الشارع للاعلان عن تمسكهم أو استمرار تمسكهم الجماعي والكثيف بالمباديء التي يقوم عليها نظامهم والغايات التي يعمل للوصول إليها.

هنا المثال مفيد لنا للتفكير في مسألة المخاوف والمخاطر المثارة بشأن الديمقراطية عن حق في معظم الاحيان واحيانا للتغطية على الاختيارات السهلة أعني القبول بالأمر الواقع. فمن المؤكد أن الذين صوتوا لليمين المتطرف الفرنسي هم من الفرنسيين, مما يعني أن من المشروع أن يخاف الديمقراطيون من أن تنقلب اللعبة الديمقراطية عليهم وتسمح لرئيس معاد للقيم الديمقراطية بأخذ الحكم. لكن رد فعلهم لم يكن التشكيك بالديمقراطية ولا التمسك بديكتاتورية غير عنصرية أو الدعاء لها وإنما التعبئة حول القيم الجمهورية. ولا شك أن هذا التقدم النسبي الذي أحرزه مرشح اليمين العنصري في الدور الاول للانتخابات الرئاسية والذي فقده تماما في الدور الثاني ثم انمحى أثره في الانتخابات التشريعية التي أعقبتها سوف يشكل منعطفا في التفكير في الديمقراطية الفرنسية بهدف تعزيز فكرتها وترميم نقاط الضعف التي أصابتها لقطع الطريق في المستقبل على الحركات التي تطمح الى الاطاحة بها.

وهذا المثال مهم أيضا لأنني أعتقد أن الحركات الاسلامية لم تعد هي الخطر الأكبر اليوم ولا القوى الأخطر التي يمكن أن تنقض في سورية والعالم العربي عموما على الديمقراطية. هناك أسباب مشروعة للاعتقاد بأن مصدر الخوف الأكبر سيكون في العقود القادمة انقضاض أطراف مختلفة تجمع مزيجا من القوى العسكرية والأمنية والعشائرية والطائفية. لكن مع ذلك, ليس هذا, ولا يمكن أن يكون, مبرراً لإلغاء الخيار الديمقراطي أو التخلي عنه, وإلا خسرنا المعركة قبل أن نبدأها. بالعكس, ينبغي أن يكون هذا الخوف دافعاً لأن نقيم ديمقراطيتنا على أسس دستورية أعمق وأثبت. فبناء سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية قوية شرط لضمان تقديم الولاء الوطني على الولاءات العصبوية, أي لتعميق روح المواطنية والسلوك المدني. وتأكيد الفصل الدقيق بين هذه السلطات حتى يمكن لكل منها أن تشكل قوة موازنة ومراقبة للأخرى هو قاعدة متينة لمنع الاستفراد بالسلطة والسيطرة عليها سواء أكان ذلك من قبل شخص زعيم أو مجموعة أو عصبة مذهبية أو عشائرية. وهذه هي الضمانات الحقيقية لاستقرار النظام. 

إن الضمانات الأساسية والحقيقية للديمقراطية أي للحقوق والحريات الفردية في البلاد الغربية لا تقوم على إعطاء صلاحيات واسعة لأجهزة الأمن ولكنها تستند بالعكس على فرض الاحترام الدقيق والصارم للتوازن بين السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية كما تستند إلى وجود رأي عام مؤمن بالديموقراطية ومتمسكً بحقوقه وقادر بسبب وعيه وتنظيمه على التدخل لمواجهة أي انحراف عنها.

بعد هذا ينبغي أن نقول إن الديموقراطية هي الطريق الحتمي للدخول في الحداثة والحضارة المدنية والانسانية ومقاومة النزعات التعسفية والعنفية وتجنب الحروب الأهلية بالنسبة لكافة المجتمعات، بصرف النظر عن أصلها وثقافتها ودينها وتاريخها وطرائق عيشها. والمجتمعات التي سوف تبقى لسبب أو آخر بعيدة عن موجة التحولات الديمقراطية سوف تجد نفسها بسرعة فريسة سهلة لكل مجموعات النهب والسلب والفساد التي تستند في التمكين لسيطرتها الى وسائل تقنية متقدمة ونظام دولي ملائم ولا تواجه في ممارستها للسلطة أي مقاومة أو قيود قانونية أو سياسية أو أخلاقية. ولا شك أن هذه المجتمعات سوف تجد نفسها مدانة لا محالة بالتهميش والفقر والتحلل والاندثار. 

والسؤال الذي يطرح علينا في هذا المجال نحن السوريون هو التالي : ما هو أو ماذا سيكون عليه وضعنا؟ هل سيكون انتقالنا إلى الديموقراطية عن طريق الانهيار في الحروب الأهلية أو الخارجية, كما حصل في أفغانستان وغيرها من الدول الشرقية الاشتراكية سابقا, مع ما يتضمن ذلك من مخاطر الفوضى والدمار والتبعية والسقوط تحت الوصاية الأجنبية؟  أم سيكون انتقالنا بالأسلوب السلمي, عبر التفكيك الإرادي أو شبه الإرادي  للنظام الشمولي، بحيث نستطيع أن نضع، رويداً رويداً، مكان الآلة القديمة للسلطة المطلقة, آليات تَعمل على إعادة إنتاج وتكوين سلطات الدولة الأساسية التنفيذية والتشريعية والقضائية بصورة مستقلة ومتوازنة, وتساعد على تجديد الأحزاب والتيارات الفكرية في سبيل الانتقال التدريجي إلى نظام جديد. فالمطلوب اليوم ليس كما يشيع البعض من المعادين للمشروع الديمقراطي إقامة ديمقراطية على الطريقة الأمريكية ولا تقليد أي نموذج آخر للنظم السياسية, فهذا هو أصل كل إخفاق, وإنما توسيع دائرة الحريات والحقوق المواطنية العادية التي تسمح للرأي العام وللأفراد, على اختلاف انتماءاتهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية, بالمشاركة في التفكير الجماعي الحر والمنظم في المستقبل. إن المطلوب هو بناء أطر تفكير عام ووطني اختفى تماما من الساحة العمومية والخاصة وحرم الى درجة النسيان. ومن المؤكد أن هذا التفكير الجمعي ليس هدفا في ذاته, وأن المأمول منه أن يساعد على إعادة بناء وهيكلة الفكر السياسي والقوى السياسية والاجتماعية التي تشكل وحدها الحامل لأي مشروع سياسي مهما كان نوعه. ومن دونها ليس هناك مهرب من التسليم بسيطرة قوى البيرقراطية العسكرية والمدنية التي ليس لها غاية ولا هدف ولا منطق في وجودها سوى مراكمة امتيازاتها وتوسيع دائرة نفوذها وسيطرتها, وبالتالي هدر موارد الدولة والمجتمع واستهلاكها الصافي من دون التفكير بأي مشروع مجتمعي أو أداء أي عمل مفيد.

لا ينبغي علينا أن نتصور أن القوى التي ستعيد بناء المجتمع وتؤمن وظائف القيادة والتوجيه والتسيير والادارة الناجعة والمهمومة بالمصالح الجماعية سوف تولد واعية ومتعلمة ومؤمنة بالمصالح الوطنية ومستعدة للسلوك المدني السليم من تلقاء نفسها. إن ابن الانسان إذا بقي من دون تربية نشأ أشرس من أي حيوان وأكثر أنانية وعدوانية منه. والمجتمع الذي يفتقر لنخب قادرة على توجيه الأفراد وتنظيمهم, وقبل ذلك, ومن أجل ذلك, كسب ثقتهم, يبقى جثة هامدة لا قدرة له على اداء أي عمل مفيد من أي نوع كان اقتصاديا أم سياسيا أم فكريا, ولا يستطيع أن يوجه أي مقاومة تذكر لأي قوة خارجية أو داخلية تسعى الى السيطرة عليه وإخضاعة واستعبادة. ولا يستدعي بناء الانسان وتربية النخب الوطنية وتحسيسها بالمصالح الجمعية وتزويدها بقيم ومباديء وغايات إنسانية جهودا جبارة فحسب من قبل قادة الفكر والرأي والسياسة ولكنه يحتاج, أكثر من ذلك, وقبل ذلك, الى شروط وبيئة ومناخات مجتمعية تجسد شيئا من هذه المباديء والقيم والغايات. وقد يستدعي نشوء حزب سياسي قوي ونجاحه في صوغ برنامج متكامل وفي بناء علاقات ثقة مع الجمهور ومع الرأي العام، وتطوير قدرته على استيعابه لواقعه الاجتماعي والتاريخي وللمشاكل المطروحة على مجتمعه, أي كيما يتحول الى قوة قيادة وتوجيه وطني وتنظيم اجتماعي, إلى عشرات السنين.

وإذا أردنا أن نجنب بلدنا الأزمات الطاحنة القادمة، الداخلية والخارجية, فعلينا منذ الآن  أن نهيّء الوضع وأن نسعى الى تفكيك نظام السلطة المطلقة تدريجياً، حتى نتيح للشعب أن يبني قوى جديدة ضرورية لضمان المستقبل وليست بالضرورة بديلة لما هو قائم اليوم. وبدل أن يسير المجتمع, كما هو عليه لآن, على قدم واحدة, ويعتمد في توجهه وبلورة خياراته على فكر واحد وحزب واحد ورجل واحد, ينبغي أن نعمل لمجتمع يسير على الأقل على قدمين حتى يحفظ توازنه ويتفدم بثبات أكثر، ويفكر برأسين إن لم يكن برؤؤس عديدة ويحلم ويبدع بملايين الأذهان والمخيلات.

باختصار إن التحدي الرئيسي الذي يواجهنا اليوم ليس بناء الديمقراطية كنظام كامل ولكن بناء عملية التحول والانتقال الطويلة حتما إلى الديموقراطية وبشكل سلمي ومختار، بشكل واع منظم، يحمينا من الكوارث والمطبات التي تنتظرنا ويجنبنا الصراعات الدموية والانفجارات والحروب الداخلية والخارجية. ويستدعي النجاح في هذا الانتقال السلمي والتدريجي بث الثقة المتبادلة داخل المجتمع وتعليم الأفراد روح المسؤولية وتدريبهم على الخضوع للقانون الواحد وتعويدهم على التعاون والعمل الجمعي وتنمية روح التكافل والتضامن فيما بينهم, أي مساعدتهم بالفعل على أن يفكروا ويعملوا كجماعة واحدة, مما يستدعي بناء روح جماعية وأسلوب مشترك في التفكير والعمل والتنظيم والممارسة. وكل هذه مهمات كبيرة لا يمكن تحقيقها عبر المراسيم والاوامر والتعميمات الادارية, ولا بد من إطلاق يد الناشطين السياسيين والثقافيين من كل الفئات والاختصاصات والأوساط  للمشاركة فيها والمساهمة في إنجازها.
هذه هي الروحية التي وجهت مساهمتنا في العامين الماضيين في تنمية الحركة الاجتماعية السورية. وكان الدافع الرئيسي لها شعور كل فرد ممن شارك فيها بالمسؤولية وواجب العمل من أجل تعزيز فرص الانتقال السلمي والتدريجي نحو نظام الديموقراطية، وأكرر سلمي وتدريجي، انطلاقاً من اقتناع عميق لدينا أنه لا يوجد حل لمشاكل سورية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والتربوية والنفسية والدينية من دون الانتقال إلى الديموقراطية، وكذلك من دون الاقتناع المماثل بأن النظم الشمولية لا تمتلك الحل لأي مشكل من هذه المشاكل المطروحة علينا وأن استمرار هذا النمط من الحكم لم يعد ممكنا لا في سورية ولا في غيرها مع تطور النظرة العالمية والتفاعل الانساني. وهذا الاقتناع لا يقتصر اليوم على من نسميهم بالمعارضة وهم ليسوا في الغالب كذلك ولا يهمهم كثيرا الوصول الى السلطة, بل بعضهم يهرب منها, ولكن ربما نستطيع أن نلمس أثرا لهذا الاقتناع  عند جزء كبير ممن هم داخل السلطة أيضا بل داخل الحزب الحاكم نفسه.

ولم يكن غائبا عن ذهننا ولا عن ذهن الكثير ممن ساهم في هذه الحركة التي أطلق عليها البعض ربيع دمشق, وهي كذلك بالفعل, حتى لو كان ربيعا قصيرا لكنه عائد لا محالة ككل الفصول, المشاكل والمخاطر والصعوبات التي يواجهها التحول الديمقراطي كما يواجهها في الواقع أي تحول مهما كان. فالناس يميلون الى الجمود والتمسك بما هو قائم اذا لم يشجعهم الفريق الأكثر إدراكا للمخاطر وللمستقبل ويحثهم على بذل الجهد ويبين لهم العوائد العظيمة والحتمية لجهدهم. لكن كنا نؤمن ولا نزال بأن المشاكل لا تحل بالهرب منها وإنما بمواجهتها والتصدي لها والتفكير بالحلول الناجعة لها. ولا ينبغي أن نحلم بتحول تدريجي وسلمي ونحن جالسون في بيوتنا ومنقطعون عن التفكير بمستقبل أبنائنا. فلا تحول ممكنا إلا إذا قبلنا بتحمّل مسؤولياتنا فعلاً وكانت لدينا الجرأة السياسية والمعنوية على أن نضحي من أجل بلادنا وأن نواجه بشجاعة شكوكنا و مخاوفنا ذاتها، وأن نعمل على مناقشتها وتحديدها. ولا تحول ممكنا أيضا من دون أن يحصل لدينا الاقتناع بأن الانتقال السلمي أقل مخاطر بكثير من الانتقال العنيف الذي يمكن أن يُفرض أو ستفرضه الأحداث علينا. فأن نختار سُبلنا أقل خطراً بكثير من أن نترك الآخرين من الامريكيين والأوربيين والأمم المتحدة ربما قريبا يفرضون ما شاؤوا منها علينا عندما يحدون في ذلك وسيلة لتحقيق مآرب ومصالح خاصة بهم. فهل كان ينبغي أن ننتظر بدأ المفاوضات مع الدول الصناعية من أجل الشراكة وجذب الاستثمارات مثلا حتى ننتبه إلى الحالة المتردية لاقتصادنا وندرك أهمية تغيير سياساتنا الاقتصادية وبلورة برنامج الاصلاح الاقتصادي وتحرير الاقتصاد والاندماج  في السوق العالمية؟

وهل ينبغي أن ننتظر حتى يفرض علينا التكتل الدولي تغيير نظامنا السياسي باسم محاربة الارهاب أو ضبطه كما يفرضونه اليوم على السلطة الوطنية الفلسطينية علنا, وهذه سابقة ينبغي أن تحثنا على التفكير, حتى نشرع في التخلص من بعض مظاهر الحكم التعسفي والسيطرة بالقوة العسكرية وممارسة الاعتقالات اللاقانونية ومحاكمة المختلفين في الرأي؟ وهل ينبغي أن ننتظر حتى تعلن الكتلة الدولية الصناعية نفسها وصية على ممارسة الحريات وحماية حقوق الانسان في بلداننا, وهي تهم بعمل ذلك ولن يتأخر كثيرا, أم نبدأ التفكير منذ الأن, بشكل عقلاني وبحس تاريخي، ومن منطلق المسؤولية الوطنية, بتغيير سلوكنا. وبذلك نضمن لشعبنا الاستمرار والاستقرار، ونجنبه مخاطر المواجهات الدامية الداخلية ومخاطر الاعتداءات الخارجية. أعتقد أن هدا ممكن وأنه أفضل بكثير من أن نسلّم قدرنا للتاريخ وننتظر ما يأتينا به المستقبل والدول الكبرى.
ما هو الطريق الأسهل والأسلم الى ذلك بالنسبة لنا نحن السوريين؟
إذا آمنت جميع القوى، داخل السلطة وخارجها، بحتمية الانتقال للديموقراطية بشكل سلمي، يكون حينها لمفهوم العقد الذي اقترحناه، معنى وجدوى، ويكون قاعدة لميثاق سياسي. فإذا قَبِل حزب البعث بأن الديموقراطية خيار لا محيد عنه، حينها يمكن أن ينشأ حوار ينجم عنه تفاهم سياسي بينه وبين مجموعة القوى السياسية الأخرى الموجودة، ليتم الاتفاق على تحديد شكل التعاون، للانتقال إلى الديموقراطية خلال مدة معقولة ولتكن بصعة سنين، عبر تعددية حزبية، وحرية رأي، واحترام متبادل، واحترام الأقلية السياسية وغير السياسية. وللاتفاق حول كيفية الوصول لانتخابات حرة خلال سنتين أو ثلاثة مثلاً، بين جميع القوى. وليس موضوع الحوار ولا ينبغي أن يكون في هذه الحالة حول الاختيار الأساسي الجامع, أي حول من هو مع الديموقراطية،ومن ضدها، كما هو حاصل الآن؛ فهذا موضوع مفروغ منه. لا أحد يدافع الآن عن شرعية السلطة المطلقة أو النظام الشمولي أو نظام الحزب الواحد، بل ما يجب مناقشته الآن: كيف يمكننا التحوّل نحو نظام آخر يتماشى مع المصالح الوطنية للمجتمع السوري. والسلطة تعرف هذا، وتقول بضرورة والتحديث والإصلاح والتغيير. وهي ترفض أن تسمي نظامها بالنظام الشمولي وتعتقد أنه ديمقراطي. إذن الديمقراطية نقطة التقاء فلنناقش ماهيتها وكيف يمكن تحقيقها.

 

 8- العقد الوطني

الآن نعود الى مسألة العقد الوطني. ليس المقصود بالعقد الوطني أن نوقع وثيقة فيما بيننا. فهذا جانب شكلي. لكن المقصود أن نتفاهم، عبر نقاش عميق وواسع، على غايات واضحة تحدد مبرر اجتماعنا، أي غاياتنا المشتركة, ولماذا نحن هنا كمجتمع, وما الذي يدفعنا إلى أن نعيش مع بعضنا؟ هل جغرافية المكان هي وحدها التي تجمعنا؟ أو أن ما يجمعنا هو أننا، فقط، ولدنا في سوريا ولا خيار آخر لنا في ذلك, ومتى وجد الخيار حملنا جوازات سفرنا وهاجرنا الى آفاق أرحب؟ أم تجمعنا مبادئ تشكل حدا أدنى من نقاط الاتفاق على أسس الحياة المشتركة فيما بيننا وتخلق روح الثقة وتشجع على التواصل والتبادل والتفاهم وتمكننا بالتالي من الوصول معا الى برامج عمل مشتركة. مجموع هذه المباديء والغايات والقيم التي توجه سلوكنا وتفكيرنا هي ما نطلق عليه اسم العقد الوطني وما ينبغي أن يجسده في كل بلد الدستور المصاغ بأسلوب ديمقراطي, أي من خلال جمعية تأسيسية منتخبة.

فالدستور هو ترجمة العقد الوطني إلى لغة تفصيلية تعكس ارادتنا المشتركة وتبين نقاط اتفاقنا وأسس حياتنا الجمعية في بنود ومواد عملية واضحة ودقيقة. ولذلك ليس هناك أي قيمة لدستور مفروض لم يناقش ولم يعد في إطار من الحرية السياسية والفكرية ولم يشارك في إغنائه جميع أفراد المجتمع عن طريق ممثليهم الشرعيين والمنتخبين بصورة شفافة وقانونية. فالمباديء والقيم والغايات التي يحددها الدستور تعكس المباديء والغايات التي تجمعنا وتبرر  اجتماعنا معا أو تؤسس لعلاقاتنا الاجتماعية والانسانية. فهل تقوم علاقاتنا على عقد وطني واضح أي دستور يعبر عن تفاهم حقيقي بين جميع مكونات الشعب الاجتماعية ويعكس المشاركة غير المباشرة بالضرورة لجميع أفراد المجتمع أم أنها تقوم على دستور القوة وعقدها الذي يعني أن الضعيف يخضع للقوي والمنزوع السلاح للمسلح والأصغر للأكبر والأفقر للأغنى والذي لا قرابة له مع الدولة للقريب منها؟ هذا هو سؤال العقد الوطني والدستور الحقيقي المختار.

يالعقد الوطني يؤسس إذن لمباديء وقيم أساسية مطلقة تُشكل مرجعية مشتركة لنا جميعاً. فهو يحدد فيما إذا كانت الحرية الفردية، مثلاً، أو المساواة أو العدالة الاجتماعية أو احترام التعدد الديني أو التضامن الوطني قيما مقدسة وضرورية لاجتماعنا السياسي السوري، ولا نسمح لأحد أن يمسها أم لا. فإذا حصل الاتفاق على عكس ذلك أو إذا لم يكن هناك اتفاق واسع, والحسابات الاجتماعية تتبع دائما قاعدة الأغلبية النسبية لا الاجماع المستحيل, على هذه القيم أو بعضها لسبب أو آخر  فلا يستطيع أحد أن يعترض حينئذ إذا ما ديست الحريات السياسية أو انعدمت العدالة أو لم يحترم مبدأ المساواة القانونية وساد التمييز العنصري أو الديني أو الأقوامي أو الاجتماعي بين الأفراد والجماعات. وبالمثل, هل نعتبر أن حدا أدنى من العدالة بين الطبقات والفئات والمناطق، قيمة ضرورية لتضامننا الوطني, وبالتالي لا يجوز لفئة موجودة بمنطقة أن تعيش مستفيدةً، دون غيرها، من الموارد المحلية لتلك المنطقة, تاركة أبناء المناطق الأخرى يعيشون في حالة من البؤسٍ والجوع أم لا؟ أي هل التضامن الوطني بما يعنيه من إعادة توزيع الثروة، بغض النظر عن مصدرها، بما يمكّن الجميع من العيش بكرامة، يشكل قيمة تجمعنا؟ وبالمثل, هل يجب أن تقوم حياتنا الجماعية على أساس القانون واحترامه؟ أم على أساس المحسوبية والاستزلام والولاء العصبوي (الطائفي والديني والمذهبي والعشائري)؟ من يحدد ذلك وكيف يتحدد ذلك؟
هذا هو العقد الوطني الذي نتحدث عنه. إنه تكريس غاية اجتماعنا ومبادئه وقيمه. هل نريده مجتمع أحرار أم مجتمع عبيد وأسياد؟ هل نريده مجتمعا مغلقا على نفسه أم منفتحا على المجتمعات العربية المحيطة به والمشكلة لحضارته وللمجتمعات الانسانية الأخرى؟ هل نريده مجتمع تعاون ومشاركة وحوار وتفاهم وانسجام ام نريده مجتمع أنانية وشراهة وعدوانية ووحشية وصراع واحتراب؟

لكن العقد الوطني لا ينشأ بأوامر عسكرية ولا يفرض من الخارج ولا يولد أيضا من تلقاء نفسه ولا يستمد من الثقافة سواء أكانت قديمة أم حديثة ولا يستخرج من أي نص مقدس أو حزبي. إنه النتيجة والثمرة الطبيعية للاتفاق والتفاهم الحاصل بين أفراد متعددين والتتويج لتفاعل واع وغير واع بينهم والتعبير عن خلاصة وعيهم الجمعي ومستوى نضجهم الفكري والسياسي والأخلاقي وعن متطلباتهم المشتركة لبناء حياة ايجابية منتجة يسودها السلام وتتوج بالسعادة والرضى. ولا يمكن الحديث عن توافق وتفاهم واتفاق من دون الحديث عن التواصل الحر والمفتوح بين الأفراد أو الحوار والنقاش وتبادل الآراء والمواقف والتشاور في الصحيح والأصح والسليم والأسلم للفرد والمجتمع بشكل عام. فالعقد الوطني والحوار الاجتماعي ركنان من أركان البناء الديمقراطي. فالعقد يؤسس للمباديء والقيم والغايات التي يقوم عليها النظام المجتمعي المنشود والحوار يضمن بناء السبل والوسائل السلمية لتحقيق هذه المباديء وخدمة تلك الغايات. فلا حياة سياسية سلمية وسليمة من دون اتفاق جماعي, ولا حماية لهذا الاتفاق والعقد من دون حوار مستمر, نسمبه اليوم في المجتمعات الديمقراطية النقاش الوطني, يتيح لجميع القوى التفاهم, في كل مرحلة وحقبة, على المضمون التاريخي الملموس لهذه المباديء والقيم والغايات.
 وهو يفترض أن تكوين المجتمع ليس أمرا بديهيا أو بالأحرى أن المجتمعات لا تولد متكونة كمجتمعات ولا تنشأ بالأمر الواقع. ولا تتكون بالعصا ولا بالجزرة. إن نشوءها وتكونها هو ثمرة عمل واع ومراد ومفكر به من قبل الجميع وينبغي أن يكون كذلك. ولا يمكن للقوة وحدها أن تنشأ مجتمعا. لا بل إن القوة لا تستطيع أن تنشأ حتى شركة اقتصادية مساهمة بسيطة فما بالك بمجتمع كامل. فكما أن وجود الرأسمال والمعدات والأدوات والأسواق والمستهلكين لا ينشؤ مشروعا بذاته وإنما لا بد للمشروع حتى يتكون من عقد واتفاق بين أطراف واعين ومختارين ومريدين, كذلك فإنه لا يكفي لتكوين مجتمع وجود جيش ونشيد وعلم وإدارة وأجهزة أمن وأرض وموارد وإنما لا بد من التفاهم والتفاعل والتواصل والثقة بين الناس والاتفاق على أسس تضبط علاقاتهم وسلوكهم وأفعالهم. وكما تتوقف قوة أي شركة واستمرارها ونجاح الشراكة فيها على مدى متانة عقد الشراكة ووضوح أهدافه ودقة صياغته القانونية, فإن قوة الاجتماع السياسي والمدني تتوقف هي أيضا على توافق الدستور الذي يسير أعمال المجتمع ويترجم العقد الوطني ترجمة عملية مع المباديء والمثل العليا والغايات الأخلاقية والمادية التي تشكل أساس وجوهر أي عقد وطني في أي مجتمع حي وناجع. والمجتمعات الحديثة مجتمعات تعاقدية بصورة صريحة وواضحة بعكس المجتمعات التقليدية التي كانت بالفعل مجتمعات إذعانية, طبيعية على السليقة أو قهرية. وهو ما يفسر أنها لم تكن مجتمعات فرد ولكن مجتمعات عصائب وطوائف وعشائر وإقطاعيات. ولم تكن ديمقراطية ولكن مجتمعات سلطة مطلقة, مدنية أو دينية, سلطانية أو ملكية, تستبعد السياسة كليا من فضائها ولا تسمح حتى بالتفكير فيها خارج نطاق وسجل تقديم النصح والنصيحة للسلطان.

وكالتعاقد القانوني الذي يحتكم إليه المتعاقدون في إطار الشركة الخاصة حين يبرز أي خلل أو خلاف فيما بينهم, يعمل تحديد الغايات والمباديء والقيم الأساسية التي يشير إليها العقد الوطني كمرجع واضح يحتكم الأفراد إليه إذا حصلت أخطاء أو لم تتحقق الغايات أو خينت المباديء أو انتهكت القيم الأساسية. فهو المرجع الأخير أمام الدستور وفيما وراءه لتقييم سلوكنا والتحقق من إنجازاتنا الجماعية ومحاسبة أنفسنا وسلطاتنا وحكوماتنا. وانعدامه يعني غياب أي معيار أو مقياس نحاسب عليه أحدا ويحولنا الى سائبة بدل أن نكون مجتمعات إنسانية.

و نحن نفتقر اليوم بالتأكيد  لمثل هذا المرجع الوطني الأساسي والشامل الذي يساعدنا على أن نحاسب أنفسنا كمجتمع أو أن نخضع بعضنا البعض أو سلوكنا الفردي والجماعي, أهالي وسلطات, للمحاكمة العقلية. وفي غياب مثل هذا المرجع الأول والمشترك لا يمكن أن نحاسب أنفسنا ولا أن نميز في كل حقبة أين كنا وأين أصبحنا. ولذلك ليس من الغريب في هذه الحالة أن تنزع النخب الحاكمة الى التماهي مع الدولة وأن تحلم بتخليد قيادتها مهما كانت نتائج عملها أو مهما كان رفض الشعب لسياساتها. فهي نفسها لا تملك معيارا تقيس به إنجازاتها وتحاسب من خلاله نفسها, بل لم يعد لديها مفهوما للسياسة ذاتها من حيث هي إدارة تاريخية مؤقتة ودورية وعقلية للموارد والشؤون الجمعية ولا للانجازات. فهي في السلطة لأنها نجحت في الاستيلاء عليها ولا تزال قادرة على تحقيق ذلك بالقوة العسكرية أو بالمناورات والتلاعبات العشائرية أو العصبوية.

وليس من قبيل الصدفة أن تتحول السياسة في إطار غياب أي مرجعية وطنية مشتركة وأي عقد أو تفاهم جزئي إلى طقوس عبادية وأن تتطابق مع الدين, بل أن تتحول إلى دين يقوم توحيد المجتمع المتناثر فيه من خلال الخضوع المشترك والكامل للاله-الملك الواحد والمشاركة في سره وتقديسه. فليس لهذه الإدارة الاجتماعية أي مرجعية عقلية, وليست مؤهلة لتصبح سياسة يشارك فيها الأفراد جميعا. إنها عبادة مشتركة فحسب.

هكذا كان الحكم في الماضي السحيق وإلى حد كبير في معظم الدول والجماعات البشرية قبل الثورة السياسية الحديثة. فالفرعون ليس رجل سياسة بالمعني ذاته الذي نستخدمه به اليوم. إنه إله. وككل إله ما كان من الممكن لشعبه أن يسمح لنفسه حتى في التفكير في التأمل العقلي بسلوكه أو قراراته وبالأحرى أن يسأله عن أخطائه أو أن يطمح الى مشاركته في وطيفته. إن أقصى ما يطمح إليه العبد الفقير هو أن يقبله الفرعون في دائرة رعيته ويمن عليه بقبول أضحياته والمصادقة على جهده ولا يحلم حتى أن يخطر بباله أو أن يكون شاغلا له أو جزءا من أغراضه وأعراضه. يكفيه أن يقبله ضمن عباده وأن يعفيه من بطشه ويمن عليه بعفوه ورحمته.

ليس في مثل هذا الاجتماع البشري عقد وطني ولا دستور. فالعفد والوطنية والدستور جميعهم مفاهيم بعيدة جدا عن عقل الفرعون واجتماعه الطبيعي. لكن الأمر يختلف بالنسبة للاجتماع الحديث العقلي القائم على افتراض تكونه من أفراد عاقلين راشدين أحرارا لهم حقوق وعليهم واجبات. فالتفكير في غاية الاجتماع والأسس التي يقوم عليها والمحاسبة على السياسات التي يتبعها الحاكمون مثلها مثل محاسبة الحاكمين للأفراد على التزامهم بواجباتهم الوطنية المتعددة شروط لا محيد عنها في أي اجتماع حديث حي. ونظرة سريعة على طبيعة السلوك السياسي في المجتمعات العربية عند الحاكمين والمجكومين معا تبرز بسهولة كيف أن هذه الأسس والمباديء, إذا كان لها وجود بالأصل, قد ذبلت أو ماتت وأن أحدا لا يشعر أن عليه واجبات وله حقوق وعليه مسؤولية. كل يخدم نفسه في فضاء يفتقر لأي سلطة قانونية حقيقية,ويسعى فيه الفرد إلى تحصيل ما يستطيع من المنافع بحسب ما تسمح به قوته وشطارته وحداقته وقدرته على التجرد من أي قيم أو عواطف إنسانية أو أخلاقية لا ما تقرره له المباديء والقيم والأعراف والقوانين.

لكن الاجتماع العبودي الذي ميز أنظمة الملك-الإله كما في مصر الفرعونية, ولو أنه لم يكن يقوم على العقل والتعاقد الواعي والمدرك بين أفراد أحرار واعين ومريدين, إلا أنه كان يستند على قيم حقيقية هي أبوية الملك الاله وبنوة العبد الفقير وتبعيته الروحية الفعلية له. فالخضوع للملك الإله ينبع هنا من الايمان الحقيقي بألوهية الملك وحلول روحه في الطبيعة والأحياء. لقد كان سر الحياة ومبدؤها في نظر عبيده ومن دونه ليس للحياة معنى ولا روح. ولا يغير من ذلك أن هذا الملك الإله كان مجسدا في جسم إنسي. لكن فيما وراء إنسيته كان إلها أو روحا مبثوثة في الطبيعة والحياة.

وليس الحال كذلك في نظمنا الاجتماعية العبودية الراهنة. ففيما وراء مظاهر التقديس المفروضة هنا لا يقوم النظام المجتمعي في الواقع إلا على القوة المحضة. إن مظاهر التأليه وآلياته وطقوسه هي من قبيل الكذب الاجتماعي المشترك والجامع لإخفاء الاستخدام الوحشي للقوة عند الحاكمين والخضوع المذل لها عند المحكومين. فالقوة هي العقد الوطني الوحيد الذي يجمع بين الأفراد تحت خيمة الملك الإله, أي المبدأ الوحيد الجامع والناظم لمثل هذا الاجتماع غير العقلي (أو غير السياسي) وغير الطبيعي (أي غير الديني) معا. ولذلك تجد هذه الاجتماعات تستثمر كل ثروتها تقريبا في بناء القوة المادية وتعزيز أجهزة الأمن وتوسيع فضاءات وأدوات وطرق وأساليب المراقبة والضبط والاشراف والتخويف والتحييد والضرب والاغتيال. فهي مجتمعات مقسمة بين فريقين لا ثالث لهما: شالين ومشلولين. ورجال الأمن هم وحدهم الذين لا يخضعون لأي قانون ولا يسألون عما يفعلون ولا يقعون تحت طائلة أي محاسبة مهما كان نوعها قانونية أو اقتصادية أو سياسية أو فكرية أو أخلاقية. وليس مطلوب منهم لا معرفة ولا تفكير ولا سلوك أخلاقي. إنهم آلهة العصر الاجتماعي العربي. هم أرباب هذا النظام الاجتماعي الحقيقيون ومرجعياته ومراكز قوته وسر وجوده. هم نبع حياته, ووحدهم يملكون فيه القدرة على إعطاء الموت والبقاء وعلى البعث والفناء.

وفي اجتماع القوة والقهر, ليس هناك أساس لفكرة السياسة ولا لمبدأ الاختيار ومن باب أولى لقاعدة المساءلة السياسية, جوهر السياسة العقلية التي هي قوام المجتمع أو الاجتماع البشري الحديث. التنفيذ من دون سؤال أو تساؤل هو الأصل وجوهر كل ممارسة سياسية ومدنية معا. والكل منفذون وليس هناك صاحب قرار لأنه ليس هناك قرار يتخذ ولا مجال لاتخاذ قرار. فالكرة التي تتدحرج على المنحدر لا تتدحرج عن قرار. إنها العطالة المادية أو قانون الطبيعة الفيزيائية. الكل أدوات ولا ذات هناك ولا وعي ولا إرادة ولا شعور. هناك وهم الوعي والإرادة والشعور من دون شك, لكن ليس هناك وعي ولا إرادة ولا شعور. الكل جزء من آلة تدفع نفسها بنفسها, تسيرها قوانين صنعها. الكل يعمل حسب المكان الذي وضع فيه أو وضعته فيه الأقدار, ويستجيب لضغوط وأوامر ونداءات, لكن لا أحد يفكر ماذا ينبغي أن يعمل ولماذا قبل أن يعمل. ليس هناك في هذا العالم أي وعي حر مفكر منظم ومدبر وإنما هناك سر واحد يحرك ويقيد هو القدر. النظام قدر والسياسة قدر والنجاح قدر والسقوط قدر والثروة قدر والقيادة قدر والعبودية قدر وكل موقع قدر. كل يتبع قدره ومصيره ولا أحد يستطيع تجاوزه او الاعتراض عليه أو حتى التفكير فيه. وكألهة الميتولوجية اليونانية, كبار المسؤولين هم قدر الأمة وهم في الوقت نفسه ضحية أو يمكن أن يقعوا ببساطة ضحية القدر الأكبر. كل فرد محكوم وحاكم بالقدر لا بالوعي ولا بالارادة. وليس قدر الجميع شيئا آخر سوى الدولار. فالدولار هو المحرك الواحد والأول الذي يحرك الجميع ويجذبهم ويقود خطاهم ويرفعهم ويضعهم. والكل آلة تدور كما يدور الجميع فيها من حول الدولار, منه وإليه, والأنظار جميعا مثبتة عليه. هو القائد الخفي والاله الذي يعبد. هو الفرعون, فرعون زماننا في العالم العربي.

لا معنى في هذا العالم  لنقد السياسة ولا قيمة لمفهوم المساءلة ولا لمفهوم المشاركة ولا الالتزام. ولأول مرة في تاريخ النظم الاجتماعية والقيادات, تستطيع الحكومة أن تقول أنها غير مسؤولة. وهي غير مسؤولة بالفعل لأنها ليست صاحبة قرار ولكنها أداة تنفيذية لأصحاب القرار. الدولار, وأقصد به جمع الثروة بأسرع ما يمكن وأكثر ما يمكن, ليس صاحب قرار ولكنه صانع غرائز عنيفة وانفعالات قوية واستلابات لا نهائية.  ونحن, أي مجتمعاتنا ونظمنا المجتمعية, أقصد بالطبع نخبنا الاجتماعية, والجزء السائد منها والمتحكم بالمصائر الاجتماعية وبتربية وتكوين المجتمعات من دون أن يكون قد تلقى هو نفسه أي تربية أو تكوين فكري أو سياسي من أي نوع , صنيعة الدولار والبحث المسعور عن الثروة والربح السريع والغنيمة. ليست مجتمعاتنا مجتمعات مباديء وقيم وغايات إنسانية مشتركة وعقود ومواثيق بعد ولكنها مجتمعات غزو ونهب وسلب وقنص وغش وخداع واحتيال. وقد استبطنت الشعور بأنها ليست مجتمعات مدنية ومتمدنة وريما ليست مجتمعات إنسانية بالمعنى الحقيقي للكملة وصارت تنظر لنفسها على أنها من سقط البشر والمتاع. فليست النخب الحاكمة هي التي تعلن من دون خجل أن قيم الحرية والديمقراطية والمساواة القانونية والنزاهة والشعور بالمسؤولية الجماعية ليست من قيمنا ولا يمكن تطبيقها علينا ولكن أكثر فأكثر الجمهور نفسه الذي استبطن بعمق مبدأ تخلفه وانحطاطه الأخلاقي والروحي والسياسي وفقد الثقة بإنسانيته فصار يؤمن بأنه لا يمكن أن ينضبط ولا أن يخضع للنظام طواعية وأنه لا بديل لتسييره وقيادته عن استخدام القوة. ومن الصعب لمثل هذه المجتمعات أن تأمل بأي تقدم, سياسيا كان أم أخلاقيا أم اقتصاديا أم تقنيا أم علميا, ما لم تنظر بجرأة وبصيرة الى نفسها وتقتلع من روحها شعور احتقار الذات والايمان بالدونية وحتمية التسليم للفطرة الحيوانية والخوف من المستقبل والهرب من المسؤولية ومن المصير الجماعي نحو الفردية والأنانية. وكل ذلك مما يتيح لأي حاكم يمتلك ما يكفي من القوة المجردة المادية أن يحكمها كما يمكن لأي حكم أن يتلاعب بها ويؤلب بعضها على البعض الآخر ولا يحسب حسابات لا لمباديء ولا لأفكار ولا لردود أفعال سوى تلك التي تجابهها القوة أو تواجه القوة بالقوة.

ومن الطبيعي أن لا يكون هناك حاجة في مثل هذا النظام الاجتماعي لأي عقد وطني ولا حتى إمكانية لإدراك مضمونه السياسي والاجتماعي. فالعقد الاجتماعي يفترض وجود متعاقدين, والمتعاقد بالتعريف شريك حر ومتساو وأصيل أي ليس تابعا. فإذا كان هناك رجل حر واحد والجميع أتباع وموالين ومصفقين وأنصار لم تعد هناك حاجة لعقد ولا تكليف ولا مسائلة ولا محاسبة وإنما تسليم وعبادة. 

كيف يمكن لنا إذن أن نخلق مناخا جديدا يتيح للرأي العام السوري أن يناقش خياراته الاخلاقية والاجتماعية والسياسية وأن يتجاوز حالة خراب القيم وترهل المباديء وانعدام الغايات؟ وكيف نستطيع أن نعمل في إطار استمرار التحريم والتجريم والمحاسبة على الرأي وأن نمكن المجتمع من النهوض واستعادة الثقة والأمل واكتشاف الحياة الأخلاقية ومعاني وفوائد الحرية وفي المقدمة أولئك الذين يقبعون على قمة السلطة ولا يفكرون بشيء آخر سوى تحييد من يخضع لهم وشل إرادته ومنعه من مزاحمتهم على مراكزهم أو تعريض هذه المراكز للخطر بل للنقد أو المساءلة؟ وكيف يمكن لنا من دون تضحيات كبيرة ودفع ثمن غال أن نعبر من المفهوم الطبيعي الحيواني للاجتماع الذي يقيم العلاقات الاجتماعية على القوة ويغذي نزعة الافتراس واقتسام الغنائم الى المفهوم الانساني القائم على قيم ومباديء وغايات أخلاقية تضمن الحد الأدني من حقوق الأكثرية, وبالتالي أن ننجح في تأسيس فكرة بقائنا معاً في إطار مجتمع بشري منظم على وجود إرادة واحدة، ورؤية مشتركة ومصالح عليا دائمة؟

من الواضح أن مثل هذا التأسيس والتكوين الجديدين لا يمكنهما أن يوجدا لوحدهما من دون عمل واجتهاد وجهد وصراع فيما بيننا أيضا. فنحن كجميع المجتمعات لدينا مجموعات مصالح متعددة ومتمايزة ولا يمكن الوصول معا الى تفاهم حقيقي إلا بالحوار والتنازلات المتبادلة والتسويات القوية الواعية والمقبولة. فالمجتمع لا يبنى بالخطابات ولا بالشعارات ولكن بالتفاعل وعبر الصراع والشد والجذب. وقيمة النظم السياسية تنبع من قدرتها على تقديم إطار مرن يتيح للمجتمعات وقواها المتصارعة أن تتنافس وتتقدم وتنمي فردية كل واحد فيها وتوصل في الوقت نفسه الى تسويات ثابتة بأساليب سياسية سلمية.  


العقد الوطني ضروري إذن  لأي مجتمع حي وليس جثة هامدة قابعة  تحت لوح رخام. ولا حياة لمجتمع من دون حوار مفتوح وفكر نقدي لا تحده محرمات فكرية وسياسية، ومن دون حياة قانونية وأخلاقية سليمة. فاليوم، مثلاً، نحن نقول: علينا محاربة الفساد، لكن من دون أن نسأل
أنفسنا ولو للحظة واحدة من أين أتى هذا الفساد وكيف استشرى وهل هناك قوانين وصيغ إدارة وأنماط حكم وتسيير مسؤولة عنه فهو عندئذ ابن النظام القائم على رشوة معممة مادية ومعنوية معا لا يمكن من دونها تصور قاعدة اجتماعية له ولا حوافز ولا محركات, أم أنه نتيجة انعدام الدين والقيم والأخلاق في المجتمع؟ هل هو التجسيد لهذه الرشوة الكلية وتكريسها أم هو ثمرة ضعف النفس البشرية, وفي هذه الحالة لماذا يقتصر على مجتمعات محددة وفي حقب معينة أيضا دون غيرها؟ وليس المقصود بالرشوة شراء خدمات البعض بل حتى ضمائرهم ببعض المال أو المنافع المادية أو المعنوية. فهذا هو المفهوم البسيط والسطحي لها. إن جوهر الرشوة هو تمييز البعض على البعض الآخر وتكريس الامتيازات لفئة لا تستحقها أصلا وما كان من الممكن أن تحلم بها من دون تلاحمها في إطار نظام السيطرة القائمة. فمنها الامتيازات في المنصب ومنها الامتيازات في الدور والمسؤولية ومنها الامتيازات العينية ومنها الامتيازات الرمزية والمظهرية التي تؤمنها السلطة. وقد تكون الرشوة المعممة والامتيازات المنظمة التي تشكل مصدر تكوين الأنصار والأزلام والمحاسيب وقاعدة الولاء والانتماء للوضع هي العلاقة المؤسسة للنظام. فهم مع النظام وموالين له بقدر ما يؤمن لهم امتيازات ومنافع لا يحلم بها الآخرون, أي أكثرية السكان.

ولا تشكل الامتيازات في الواقع إلا الأسلوب غير الشرعي لتوزيع الثروة الوطنية المادية والمعنوية. ففي الحالة الطبيعية ليس الحصول على المنصب السياسي أو موقع المسؤولية امتيازا ولكنه بالعكس وظيفة اجتماعية. لكنه يتحول الى امتياز عندما يحصل عليه المرء من دون استحقاق ومن دون الحاجة لإثبات أي كفاءة وأهلية في خدمة الشؤون العمومية. وبالمثل ليس تكوين الثروة من الامتيازات إذا جاء عن طريق العمل والانتاج والنجاح في المشاريع الاقتصادية التجارية أو الصناعية أو الزراعية. فهذا بالعكس أمر مطلوب في المجتمعات. إن الثروة تكون إثراءا لا مشروعا عندما يكون مصدرها استغلال النفوذ والمواقع السياسية لا بذل الجهد الحقيقي للحصول عليها. والتعيين في الوظيفة مهما كان مستواها ليس امتيازا إذا تم عن طريق اختيار من هو أصلح لها بسبب كفاءاته وخبرته, لكنه يتحول الى امتياز إذا جاء عن طريق الصلات العائلية أو السياسية أو الشخصية وبسببها. ومن الواضح أنه لو التغت هذه الامتيازات المقدمة على أساس التمييز لما بقي للسلطة في مثل هذه النظم أي قاعدة إجتماعية ولا نصير.

يقول الأمريكيون أن ما يجمعنا ويجعل من أمريكا أمريكا هو الدفاع عن الحرية. فهم يجعلون من ضمان الحريات الشخصية وتقديسها, بكل ما تعنيه من مكاسب وما تنطوي عليه من سلبيات, غاية اجتماعهم السياسي ومبرر وجوده معا كمجتمع. وقريب منا وإلى جوارنا بلور اللبنانيون بالرغم من الصراعات والحروب الداخلية المتعددة عقيدة محلية مفادها أن لبنان إما أن يكون ديمقراطيا أو لا يكون, وهم يقصدون بالديمقراطية في الواقع التعددية المذهبية والسياسية ورفض سيطرة فئة منها سيطرة كاملة على الفئات الأخرى. لكن يبقى أن لديهم وهم الالتقاء على أرضية الديمقراطية الوهمية. ويسند الفرنسيون اجتماعهم السياسي على المباديء الجمهورية التي تقدم في الحقيقة مفهوم المساواة السياسية والقانونية والأخلاقية على الحرية والعدالة معا وتنطلق من هذه المساواة وما تنطوي عليه من الاعتراف بالسيادة الشخصية وبالندية بين جميع الأفراد لتاكيد الحرية والعدالة معا وتكوين اللحمة الاجتماعية. وقد برهن هذا الاجتماع من حول تقديس مبدأ المساواة السياسية والقانونية والأخلاقية بين الأفراد على فاعليته في وقت الأزمات بل حتى عند انهيار العملية السياسية. ونجح الفرنسيون في كل مرة تعرضت لها الوحدة الاجتماعية لتحديات داخلية أو خارجية خطيرة, بما في ذلك انهيار النظام العمومي, إلى إعادة بناء هذا النظام على مباديء الجمهورية نفسها. ولذلك فهم يسمون الانتقال من نظام الى نظام انتقالا من جمهورية الى أخرى. وهم اليوم في الجمهورية الخامسة. فمبدأ المساواة الذي يرفض التمييز بين الأفراد ويقرر اشتراك الموطنين جميعا في صفة السيادة الشخصية والاستقلال والفردية الحرة هو مولد النظام وباعث له أو مجدد في كل مرة يتعرض فيها للسقوط أو الفساد. فما هو هذا المبدأ الذي يشكل تحقيقه والتوافق معه غاية يقوم عليها اجتماعنا ويؤسسس لهويتنا كسوريين ويبرر هذا الاجتماع السياسي في بلادنا, والذي يجعل الناس يحملون بنادقهم للدفاع عنه إذا تعرض للانتهاك أو هدد بممارسة منافية له؟ هل هو الحريات الشخصية أم المساواة أم العدالة أم المذهب الديني كما كان الحال في الاجتماع الاسلامي التقليدي أم الفناء في الملك-الاله والتماهي معه وخدمته كما كان الحال في الامبرطوريات العتيقة أم الرفاه الاقتصادي كما في اليابان أم التفوق القومي كما في الصين؟

قد يساهم التأكيد على إنتمائنا الى ماض عريق وإبراز آثار تدمر وبصرى وغيرها من الأوابد التاريخية وعرض المناظر الطبيعية الجميلة ووجودْ فلكلور واحد وطبخ وطعام وعادات واحدة, قد يفيد ذلك في تنشيط السياحة لكنه من الصعب أن يشكل قاعدة لتكوين مرجعية ثابتة أخلاقية تستمد منها سياسات وتقوم عليها سلوكات وتبنى من خلالها علاقات اجتماعية حية وبالتالي في تأسيس حياة اجتماعية وسياسية مستقرة وسليمة وفي توفير معايير تحدد رؤية الأفراد وتساعدهم على محاسبة أنفسهم وبعضهم البعض وتقيم أسس التفاهم والمسؤولية والتكافل الاجتماعي في القرن الواحد والعشرين.

لهل ما يجمعنا اليوم كسوريين ويكون الهوية الحقيقية لاجتماعنا السياسي هو اشتراكنا في الخضوع القهري لنظام الامتيازات والتمييز الواحد والمؤسس على العنف السائب والسيطرة بالقوة المادية المجردة. وهل يكون هذا هو العقد الوطني الوحيد الذي يربطنا ببعضنا إذا كان من الممكن أن نسمي هذا الرباط الاكراهي عقدا, ولو خففنا مضمونه بالقول إنه عقد إذعان. قد يحقق هذا الرابط الشرط الذي يجمعنا ويجبرنا على أن نعيش مع بعضنا البعض. لكنه لا يمكن أن يشكل هوية ولا أن يجعل منا مواطنين أحرارا وبالأحرى مواطنين صالحين. إن مثل هذا الاجتماع المدني القائم على الإذعان لا يمكن أن ينتج غير نفسية العبيد. وليس المقصود بالعبودية هنا ملكية الشخص لشخص آخر وإنما انعدام الوعي المستقل والارادة الحرة عند الانسان مما يجعله تابعا في اختياراته التي تمس شؤون حياته الفردية والجمعية لغيره لا لمشيئته. إن سؤال العقد الوطني هو : ماهي المباديء والغايات الممكنة والتي تشكل موطن تقديس وإجماع لمجتمعنا والتي تمكننا من أن نقيم اجتماعا سياسيا طوعيا, أي مختارا يحظى بالحد الأدنى من القبول والرضى إن لم نقل من الحماس, لا يحتاج بقاؤه إلى الاستخدام الدائم والشامل للقوة والقهر, ولا يفترض استمراره الاذعان الجماعي والإخضاع العسكري. فعلى مثل هذه المباديء يتوقف تحولنا بالفعل الى مواطنين أحرار, أي الى بشر حقيقيين من هذا العصر.

 

 

 9 – المصالحة الوطنية

  *  ما هي الخطوات المطلوبة من المعارضة لتأكيد رغبتها ومصداقيتها في المصالحة الوطنية. وبالمقابل ما هو الإجراء المطلوب من السلطة الذي يمكن تسميته خطوة نحو المصالحة الوطنية؟

* ينبغي القول منذ البداية أن المصالحة الوطنية لا تعني التفاهم بين قوى المعارضة والنظام الحاكم. ولو كان هذا هو معناها لما كان من الضروري الحديث عن العقد الوطني والمباديء والحرية والديمقراطية وكل ما يرتبط بالمجتمع السياسي الحديث. وكان الهدف سيكون اقتسام السلطة بين القوى الحاكمة وتلك التي توجد خارج الحكم غير راضية عنه. ولو حصل هذا التفاهم والتقاسم للسلطة بالفعل لما كان علينا ان نتحدث عن خطوة ايجابية على طريق الديمقراطية ولكن عن نكسة جديدة لهذا المسار السياسي الذي نريد له أن ينقلنا من مجتمعات إذعان إلى مجتمعات بشر تفكر وتناقش وتعي وتطالب وتقرر وتتحمل مسؤولية فردية وجماعية وبالتالي تنتج وتبدع ولا تكون كما نحن الآن عالة على الدولة في الداخل وعلى العالم الخارجي في الحضارة.

إن المصالحة الوطنية تعني الخروج من مناخ الحرب الاجتماعية الدائرة داخل المجتمع منذ عقود أو من الصيغة التي تقيم السلطة على الغلبة المادية كما تعني أو هي تعني الاعتراف الجامع بين كل الأطراف, أفرادا وقوى سياسية, بالحقوق المتساوية للجميع أيضا, أفرادا وجماعات, في المشاركة على قدم المساواة في تقرير مصير البلاد, أي المصير الجماعي. إنها مصالحة المجتمع مع نفسه بكل فئاته ومذاهبه وتياراته وقواه, ومصالحة الدولة مع المجتمع الذي أنكرته عندما أنكرت حقوقه في السيطرة عليها وتسييرها لصالحه العام, ومصالحة أخيرا للدولة مع ذاتها ومع مفهومها كدولة سياسية أي كإطار لتوحيد الإرادة الجماعية وخلق فرص التفاعل والابداع بين الأفراد لا كأداة لقهر المجتمع وإخضاعه وتركيعه لخدمة مصالح خاصة على حساب المصالح العمومية.

على المعارضة أن تفعل تماما كما على النظام أن يفعل, أعني التسليم بحق المجتمع كله في ممارسة السلطة والعمل بما يمكن هذا المجتمع بفئاته وأفراده من هذه الممارسة ووقف عملية الاختطاف أو التحويل التي حصلت لصالح فريق إجتماعي ضد المجتمع ككل. فليس هناك شك في أن فريقا من القوى السياسية والاجتماعية قد نجح في وضع يده على الدولة بصورة استثنائية ويطمح أن يستمر في الحكم بتخليد القوانين والسبل والوسائل الاستثنائية أيضا, وبالتالي تخليد حرمان جميع أفراد المجتمع من دون استثناء, بما فيهم القاعدة الاجتماعية للحكم نفسها, من حق التحول إلى مواطنين والمشاركة الحقيقية في إدارة وتسيير حياتهم الجماعية. وأقول بما فيهم القاعدة الاجتماعية للحاكمين من حيث هم أفراد, لأن نظام الاستثناء لا يلغي حرية الأفراد الخاضعين له ولكنه يلغي الحرية ذاتها كمفهوم في الحكم والإدارة والسياسة والتسيير ليحل محلها قانون أو منطق الآلة الجهنمية التي عرفتها النظم السوفييتية. هكذا ينبغي السير والعمل لأن هذا هو منطق الأمور, نقطة على السطر ولا سؤال.  فنظام الإذعان هو أيضا نظام التواطؤ المشترك ضد الحرية والفردية الحرة في أي موقع كانت وأي دور لعبت. ولا تعني الحرية كما ذكرنا أن كل فرد يفعل ما يشاء أو أن من حقه أن يفعل ما يشاء ولكنها تعني المسؤولية. فأنا حر تعني أنا مسؤول عن مصيري وتدبير أموري. فإذا التغت الحرية, كما عاينا ذلك في تجربتنا الحديثة, لم نفقد فقط إمكانية الاختيار ولكن أيضا مشاركتنا, أي مشاركة كل فرد من المجتمع, في تحديد أهداف الاجتماع ومراقبة توزيع الموارد وإدارتها واستخدامها ولم تعد هناك إمكانية لا لمراجعة للسياسات المتبعة ولا لنقد ولا لمساءلة ولا لمحاسبة ولا بالتالي لأي إصلاح ممكن. ولذلك اتسمت جميع النظم المطلقة بتعميم انعدام الشعور بالمسؤولية وغياب الإرادة الفردية والنزوع الجامع إلى التسليم لإله محرك ومنظم سواء أكان إلها حقيقيا أو آلة إدارية جهنمية.

إن العودة عن نظام الاستثناء هذا تستدعي عودة هذا الفريق عن الاعتقاد بأن من حقه المحافظة على السلطة والدفاع عنها, ما دام قد أمسك بها, من دون الحاجة الى أي استشارة  شعبية حرة جديدة بل من دون البحث عن أي شرعية أو موافقة أو قبول، واعتبار كل من يناقش أمر التجديد التلقائي للسلطة أو يحلم بإعادة بنائها على أسس إنسانية أو يطمح إلى أن ينفذ إليها أو يشارك فيها من دون إذن مسبق من القائمين عليها, يتهم في وطنيته ويحاكم بتهمة الإخلال بالأمن أو خرق الدستور. وهكذا تحول الدستور الذي وضع في الأصل من أجل حماية الأفراد وصون حرياتهم وحقوقهم وتقديم الضمانات القانونية لهم في مواجهة السلطة العمومية المجردة ونزوعها الطبيعي إلى استغلال قوتها ونفوذها لإخضاع الأفراد أصبح ذريعة للتغطية على انتهاك حقوق الانسان واغتيال الحريات العامة الفردية والجمعية والسلاح الذي تستخدمه السلطة المطلقة للقضاء على مفهوم الحرية والحق والقانون معا.

ومن هنا لا يمكن التفكير في أي مصالحة وطنية من دون العودة الى حكم القانون وتعديل الموقف من الدستور بحيث يصبح أداة في يد الأفراد المحتاجين لضمانات قانونية لا في يد السلطة التي تملك أساسا كل الوسائل للضغط على الأفراد والحد من حرياتهم والتقليص من حقوقهم.  كما أنه لا أمل في نجاح أي مبادرة للمصالحة, سواء أجاءت من قبل السلطة أم من قبل المعارضة, من دون إقرار الجميع بأن سورية وطن السوريين بالتساوي ولا ينبغي أن تفرق أو تميز بين أبنائها ولا أن تضمن لبعضهم من المصالح والامتيازات والفرص ما ترفضه لبعضهم الآخر, لا باسم الانتماء العائلي ولا الانتماء الاجتماعي ولا الأصول المناطقية ولا العقائد السياسية أو المذهبية, ولا أن تكرس سيادة قسم منهم على القسم الآخر, لا بالقانون ولا بالقوة ولا بالتربية ولا بأي وسيلة أخرى. وهذا يعني أن سورية ومواردها وقيادتها والمشاركة في بنائها وتحديد مصيرها ومستقبلها ليس فيهم ما هو حكر لأحد أو لفئة ما من دون الآخرين. ومن دون هذا القبول بالخضوع العام, من ابناء المسؤولية إلى أبناء أفقر الشرائح الاجتماعية, للقانون والاقرار بالمساواة التامة بين السوريين والنظر إليهم جميعا كمواطنين من درجة واحدة والتخلي نهائيا عن عقلية التفوق والابوية والأسبقية المستمدة من الروح الانقلابية السابقة, داخل الحكم والمعارضة معا, ستكون سورية مقسومة لا محالة بين أسياد وعبيد, وسيكون من الصعب الأمل بأي مصالحة ممكنة ومحتملة وستسير أكثر فأكثر نحو التفكك والخراب والانفجار.
إن المطلوب لخلق مناخ المصالحة الوطنية هو مبادرات عملية فعلية تظهر الرغبة في التخلي عن روح الوصاية  وإرادة الإقصاء وقوانين التمييز بأي اسم جاءت ولأي سبب نشأت. وهذا العمل مطلوب من قبل السلطة أولا. وهو ليس مطلوب للتقرب من المعارضة أو للمصالحة معها. فالمصالحة كما قلت ليست إعادة اقتسام الغنائم ولكن إعادة بناء قواعد التعامل بين السلطة والمجتمع بحاكميه ومحكوميه. إن المصالحة الحقيقية المطلوبة هي مع المجتمع المقصى وفي سبيل إعادة الحياة له وتطمين الأفراد على أنفسهم وممتلكاتهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم, وإعادة الثقة إليهم في وطنهم وقيادتهم واستعادتهم لميدان العمل الجمعي والمسؤولية العمومية, أي إلى ميدان السياسة والمشاركة والبذل والانجاز والابداع ومن ثم الارتقاء بهم إلى مستوى الحياة الأخلاقية والانسانية الحقيقية.

هل ينبغي أن تطلب السلطة من المعارضة ثمنا مقابل ذلك ؟ الجواب أن المعارضة ليست ولا ينبغي أن تكون مجموعات أو أفرادا وتجمعات منافسة للنخبة الحاكمة في معركة وحشية يشكل الشعب فيها وموارده الجائزة المقدمة للفائز منهما. إن المعارضة قبل أن تكون منظمات أو قطاعات رأي مادية منظورة هي مبدأ وقاعدة للعمل السياسي وحق للشعب في مواجهة أي نخبة حاكمة ومن أجل أن لا يتحول الحكم الى امتلاك لموارد الدولة ومؤسساتها وأرضها وسكانها من قبل الفريق الذي وضع يده على مقاليد القوة المسلحة فيها سواء أجاء الى الحكم بطريقة شرعية انتخابية أم لا.  وكما أن إلغاء المعارضة لا يعني تنحية فئة من المجتمع لصالح فئة أخرى وإنما حرمان المجتمع من حقه في قول رأيه ومناقشة السياسات التي يخضع لها والتأثير على حكوماته وبالتالي المشاركة في تقرير مصيره, كذلك لا يعني الاعتراف بالمعارضة تقاسم الحكم مع المختلفين في الرأي ولكن الاعتراف بحق الشعب والمجتمع, المعارض منه وغير المعارض, بالنقد والاعتراض والاحتجاج والعمل بالطرق السلمية والقانونية لتوجيه السياسات العامة بما يخدم مصالحه.

أما لو كان الأمر يقتصر على التفاهم بين القوى الموجودة في الحكم وخارجه كما يحلم فريق من أصحاب فتح النظام, فبوسعنا القول أن هذه المصالحة لا قيمة لها أصلا ومن الممكن الاستغناء عنها تماما من دون خسارة كبيرة. فالمعارضة المنظمة أو ما تبدو كذلك لا تشكل اليوم سوى قوة صغيرة معزولة نسبيا, بل تكاد تكون غير موجودة شعبيا بعد, ولن تستطيع أن تمارس تأثيرا يذكر في حال استمرار الشروط نفسها التي تعيش فيها. فهي لا تفتقر في الوضع الراهن لأي مورد مادي أو معنوي ولا لأي موقع في السلطة أو المجتمع فحسب ولكنها محرومة حتى من الاعتراف بها ومن حقها في الوجود الشرعي. إن موطنها الحقيقي والرئيسي أو على الأقل حتى الآن لم يكن في مكان آخر سوى السجون والمنافي والمعتقلات.

ولو افترضنا أن على المعارضة أن تقبل بالمشاركة مع الحكم والتعاون معه في إطار الحفاظ على القواعد المرعية القائمة والتخلي عن مطلب الديمقراطية المفتوحة أو المواطنية, حتى تطمئنه وتشجعه على البحث عن تسوية يتنازل فيها عن بعض امتيازاته, فلن تكسب البلاد شيئا على الاطلاق. بل إن العكس هو الصحيح, ذلك أن المجتمع سوف يخسر إلى جانب فريق الحكم فريق المعارضة الصغير ذاته ولن يبق هناك ما يمكن أن يشد اهتمام الفئات والأفراد الذين لا يدافع أحد عن مصالحهم سوى قوى التطرف والانقلاب.

وإذا كان السؤال يعني أن على المعارضة أن تضع سقفا لمعارضتها يرضى عنه النظام كما هو عليه اليوم فهذا يعني في الواقع أن تتحول المعارضة إلى قوة صغيرة من قوى الحكم, تماما كما حصل مع قوى الجبهة المساندة التقدمية الحاكمة. ولن تكون النتيجة أفضل من قبل.

إن تخلي المعارضة عن مطلب التحول نحو الديمقراطية, يعني أنها تضحي بوجودها نفسه. ومن هنا فإن المفاوضات بين الحكم والمعارضة القائمة, إذا كانت تريد بالفعل أن تجسد نواة المعارضة الديمقراطية الاجتماعية وتقوم بوظيفتها المنتظرة منها, لا يمكن ولا ينبغي أن تمس المباديء التي تؤمن بها, وفي مقدمها إقامة نظام ديمقراطي حقيقي يعتمد التصويت الشعبي العام ويعيد السيادة إلى لشعب,  ولكنه يقتصر على مناقشة وتيرة الانتقال والضمانات المختلفة التي يمكن لكل طرف أن يقدمها من الحكم والمعارضة لتأمين انتقال تدريجي لكن فعلي نحو نظام منتخب وبوسائل سلمية. فمن طرف الحكم ينبغي الالتزام بجدول زمني للانتقال يبدأ بانتخابات بلدية حرة ونزيهة تحت مراقبة مجلس وطني مكون من أفراد يتفق عليهم الطرفان ويكونوا ذوي مصداقية وطنية. ومن طرف المعارضة على مختلف تياراتها ينبغي الالتزام بالوسائل السلمية ورفض الإثارة والغوغائية والشعبوية. 

وفي هذه الحالة يمكن أن تلعب المعارضة الديمقراطية, مقابل اعتراف النظام القائم بها والسماح لها بالنشاط,  دورا كبيرا في سبيل جعل الاصلاح والتحويل الديمقراطيين أكثر يسرا وأقل مخاطر على المجتمع والنظام. وبذلك يمكن الأمل بأن يتحقق الانتقال أيضا من النظام القديم إلى النظام الجديد في مناخ من التفاهم الوطني والانسجام وامتصاص الصدمات وتقليص فرص المواجهات والمشاحنات والتناقضات. كما يمكن للمعارضة أن تقدم أيضا خدمات سياسية ومعنوية كبيرة في سبيل إنجاح مخطط الاصلاح الاقتصادي المستعجل الذي تقر الحكومة بأولويته ولكنها تفتقر في حال استمرار الاحتقان السياسي على حاله الى شروط تحقيقه التقنية والسياسية والمعنوية معا. وهذا التعاون ليس مطلوبا فحسب  لنجاح أي مشروع اصلاح جدي وجاد وإنما هو ضرورة وشرط له أيضا. لكن كل ذلك يتوقف أيضا على الاتفاق على أهداف السياسة القادمة وغايتها الحقيقية. فليس عند المعارضة أي سبب ولا مصلحة في أن تتعاون مع النظام لتحقيق إصلاح هدفه الأول والوحيد تدعيم نظام الاستبعاد والتهميش الشامل القائم. ومثل هذا التعاون لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى استقالة المعارضة وموتها.

الاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية المتساوية لجميع السوريين بصرف النظر عن عقائدهم السياسية وأفكارهم وولاءاتهم الشخصية ونواياهم وما تحوكه ضمائرهم, وليس الاعتراف بالرأي الآخر, ولا برأي المعارضة, ولا بحقوقها, ولا حتى بمشاركتها العملية في السلطة, هو في نظري المفتاح الرئيسي والحقيقي للمصالحة الوطنية وأساسها. وهو الأسلوب الوحيد المنسجم مع مباديء العدالة والحق من جهة ومع منطق النجاعة العقلية والخروج السريع والضروري من حالة الحصار المتبادل بين الحكم والشعب من جهة ثانية. وهو بالتالي الخيار الوحيد العقلي والأخلاقي والقانوني في مواجهة أزمة الثقة وأزمة المجتمع وأزمة الاقتصاد وأزمة السياسة في سورية الحديثة.

ومن دون هذا الاعتراف بالحقوق المتساوية التي تشمل حق المعارضة كجزء من حق التداول الطبيعي والشرعي على السلطة, وهو أساس الحد من فساد النخب الحاكمة ومنعها من تكوين طبقات مغلقة ثابتة,  ليس من الممكن الحديث لا عن مصالحة ولا عن عن حياة سياسية أصلا مهما كانت جزئية أو شكلية. فأي حياة سياسية تلك التي تقوم على حزب واحد ولاعب واحد وسيطرة أحادية وشاملة على كل نشاطات الحياة المجتمعية الفكرية والسياسية والاقتصادية والمدنية والاعلامية والعسكرية والأمنية والعلمية والتربوية جميعا من دون منافسة ولا مشاركة ولا محاسبة ولا سؤال؟

هل للمعارضة السورية قسط من المسؤولية في غياب المصالحة الوطنية؟ نعم إذا كان المقصود بالمعارضة تلك التيارات الأصولية المتطرفة التي اختارت طريق العنف والمواجهة العسكرية والاقتتال. لكن من الصعب تعميم ذلك على جميع تيارات المعارضة وبشكل خاص على المعارضة الديمقراطية. إن مطالبة هذه المعارضة بالحريات ودفاعها عن الانفتاح السياسي الداخلي ودفعها في اتجاه إصلاح دستوري مثله مثل الإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي, يصب مباشرة في مبدأ تعبيد الطريق نحو مصالحة الشعب مع نفسه والدولة مع المجتمع والمجتمع مع الفرد السيد الحر الذي كان الخاسر الأكبر في العقود الماضية لصالح الدولة البيروقراطية والعشيرة والعائلة والطائفة ومجموعات الضغط ومراكز القوى المنفعية وشبكات التهريب داخل الدولة والمجتمع معا.  وليس للمعارضة الديمقراطية دور كبير أو لم يكن لها دور حقيقي في إشاعة وإقامة هذا النظام الأحادي حتى لو أن أغلبية أفرادها كانوا ينتمون إلى العقيدة التي استوحت منها السلطة القائمة نموذج قيادتها الاجتماعية.

يقع على كاهل السلطة وحدها إعداد البلاد لعملية الانتقال التدريجي نحو الديمقراطية وخلق المناخ المناسب للمصالحة الوطنية. ويستدعي خلق هذا المناخ أولا الإعلان الرسمي عن الاعتراف بالسيادة الشعبية كمصدر للسلطات بدل السيادة الحزبية وتحديدي جدول زمني للانتخابات التشريعية التي ستكرس هذا الإعلان في فترة بتم التفاهم عليها ضمن مداولات وطنية وشعبية تشمل الاحزاب والنقابات والشخصيات الوطنية. 

ويستدعي خلق مناخ المصالحة الوطنية ثانيا تكريس سيادة القانون منذ الآن وإزالة الظلم والتمييز في أي ميدان ووضع حد للسياسات التقليدية التي تستسهل البطش وحرمان الناس من حقوقهم وحرياتهم لأبسط الأسباب, ومن باب الردع أو التخويف أو الوقاية أو الحذر. وهذا يعني ضرورة الإفراج عن جميع معتقلي الرأي وحل مسألة المفقودين والتعويض على الذين اعتقلوا بدون ذنب، والإعلان عن ضمانات دستورية جديدة لحماية الأفراد من الاعتداءات المحتملة على حرياتهم وحقوقهم، وضمان نزاهة القضاء واستقلاله وفصله فعليا عن السلطة التنفيذية.

 

ويستدعي ثالثا توسيع دائرة الحوار المنظم الوطني بين حول الاختيارات الكبرى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية التي يتوجب على السوريين صوغها وبلورتها للعقود القليلة القادمة. فليس من الممكن ولا الناجع أن يترك أمر هذه الاختيارات للموظفين والإداريين والأفراد الذين يختارهم الحزب الحاكم أو السلطة من دون أي مشاركة شعبية ولا مناقشة علنية حقيقية للأهداف والغايات والسبل والوسائل. فعلى هذه الخيارات يتوقف مستقبل الشعب السوري في الحقبة القادمة وعلى المشاركة الفعلية فيها وفهم دوافعها وغاياتها يتوقف أيضا حماس الأفراد واستعدادهم للالتزام بها والتضحية من أجل تحقيقها.

ولا يعني الحوار الوطني الحزب الحاكم والمعارضة المنظمة وإنما أفراد الشعب جميعا, ويتطلب بالتالي تكوين أطر هذا الحوار وتبيان وسائله.

ويستدعي رابعا تحسين العلاقة والتواصل بين الحكم القائم والرأي العام على مختلف تياراته. وأبسط طريق لذلك هو إظهار المسؤولين احترامهم للرأي العام هذا بالتوجه إليه وتكبد مشقة السعي لشرح أهداف السياسات المختارة ومضمونها من قبل المسؤولين ومحاولة كسب تأييد الشعب للقرارات الحكومية. وهذا يعني تطوير تقاليد سياسية جديدة قائمة على الحوار  والشرح والتفسير والتواصل بين الحاكمين والمحكومين بدل تقاليد الحكم عن طريق المراسيم والأوامر والنواهي والعقوبات المسلطة. وهذا يتطلب من قادة الحزب الحاكم والدولة تغيير أساليبهم التي لا تزال تشبه أساليب الأحزاب السرية, كما يتطلب من أصحاب المناصب الوزارية والإدارية التنازل لمقابلة مرؤسيهم والتحقق مما إذا كانت المراسيم والقوانين والإجراءات التي يتخذونها مناسبة لنجاح الأعمال وصلاحها.

فمن حق الشعب أن يعرف تفكير المسؤولين وتصوراتهم وأهدافهم حول الإصلاحات المختلفة. وهذا هو السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة من جديد. ولا يكفي لتحقيق مناخ الثقة وجلب التعاون والتفاهم والانسجام والقبول تكرار شعار أولوية الاصلاح أو الانفتاح الاقتصادي على السياسي.

والمهم أو العنصر الأهم في نظري في هذه المصالحة هو أن ننجح, خلال السنوات القادمة, في إعادة بناء الثقة بين أبناء المجتمع السوري وبين الحكم والمعارضة والحكومة والشعب والدولة والمجتمع. وأن نطمئن الرأي العام على مصيره ونبعث فيه روح وطنية جديدة لا يمكن من دونها التقدم في أي إصلاح أو تجديد. إن المصالحة تعني باختصار ووضوح الانتقال من دولة البعث إلى دولة الشعب السوري، إلى دولة جميع السوريين بالتساوي. أي الدولة التي تضمن للجميع حقوقا متساوية وواجبات واحدة. فهل البعثيون أو القسم الأنشط منهم مستعدون لذلك؟ هذا هو السؤال.

 

 

10 – الديمقراطية والقضايا الوطنية والقومية

س: يقال أن تحدياتنا الخارجية أهم وأولى من شؤوننا الداخلية. أو على الأقل جهودنا للقضية التحريرية والقومية يجب أن تكون أضعاف جهودنا للقضايا الداخلية القطرية. وأن صراعاتنا الداخلية غير مبرَّرة بمواجهة صراعنا مع الصهيونية والإمبريالية، ويمكن تأجيلها. لأي حد تتعارض أو تتوافق فكرة الديموقراطية مع فكرة القومية؟ وهل يصح ـ مفهومياً ـ قول المواطن العربي في غياب تحقق المواطن السوري؟

* نعم هناك مراحل تكون فيها صراعاتنا الداخلية غير مبررة مقابل صراعاتنا الخارجية ضد الصهيونية والعدو الخارجي, ويكون فيه من الضروري أن يقبل الأفراد بتضحيات استثنائية في سبيل وقف العدوان الخارجي قبل العودة إلى حسم الخلافات الداخلية بما في ذلك الخلافات في أسلوب ممارسة السلطة أو في توزيع الثروة الوطنية.

بيد أنه كي يكون بإمكان سلطة حاكمة أن تقنع الرأي العام بذلك وأن تدفعه بالفعل لبذل جهد استثنائي لتجاوز نزاعاته والقبول بتضحيات استثنائية في سبيل المعركة الوطنية لا بد لها من تحقيق بعض الشروط الأساسية. وإلا فلن تكون هناك تعبئة وطنية حقيقية وإنما استقالة جماعية تغطي نفسها بشعارات عنترية تظهر فراغها في أول امتحان جدي.

أول هذه الشروط أن يكون هناك مواطنية فعلا, أي أن يشعر الفرد أن البلد الذي يعيش فيه يضمن له الحقوق والحريات التي تجعل منه مواطنا حرا ومشاركا في مصير بلده وليس لاجئا فيه أو تابعا لغيره أو عبدا له. والثاني أن يكون هناك شعور حقيقي عند أفراد الشعب بأن النخبة الحاكمة لديها بالفعل مفهوم للمصلحة الوطنية وهي تعمل حسب هذا المفهوم وتقبل هي أيضا أن تضحي بجزء من امتيازاتها المادية والسياسية والمعنوية حتى لا نقول من مصالحها الخاصة في سبيل المصلحة العامة. والثالث هو أن يكون هناك حد أدنى من العدالة في اقتسام التضحيات والجهود المبذولة بين جميع طبقات الشعب وأبنائه بحيث لا يكون هناك شعور بأن المصلحة العامة قانون ينطبق على الفقراء ومعدومي السلطة ولا ينطبق على الطبقات الغنية الجامعة بيد واحدة للثروة والقوة والمجد. والشرط الرابع أن يشعر الرأي العام أن هناك فعلا إنجازات على طريق حل المسألة الوطنية تبين أن أتعابه وتضحياته لا تضيع سدى ولا تذهب لخدمة أغراض ليس لها علاقة بالقضية الوطنية. والشرط الخامس حتى تنجح القيادة السياسية في التعبئة الوطنية والقومية هو أن تكون التضحيات المطلوبة منطقية من منظور تحقيق الأهداف المضحى من أجلها. فمن المنطقي مثلا أن يشد الشعب الحزام في حالات التهديدات الخارجية حتى يمكن توفير المال الضروري لشراء الأسلحة, لكن ليس من المنطقي أن تربط التعبئة الوطنية والكفاح المظفر ضد إسرائيل بحرمان الشعب من حرياته وحقوقه الانسانية واتهام أي جمعية مدنية تجعو لمحاكمة عادلة أو لاستقلال القضاء عن الأجهزة الأمنية بأنها لعبة الأمبريالية ووسيلة لخدمة الأهداف اللاقومية.

فبانعدام مفهوم المواطنية وسواد مفهوم الإخضاع بالقوة والإذعان للأمر الواقع السياسي لا يعود هناك أي شعور بالوطنية. ويبدو كل جهد مبذول للدفاع عن البلاد هو جهد للدفاع عن الظلم والجور والتمييز القائم ويدفع إلى الاستقالة الوطنية والانسحاب من أي معركة محتملة مادية أو معنوية. وعندما تبالغ النخبة الحاكمة في الحديث عن الوطنية في هذه الظروف فإن الرأي العام فسوف تفقد القضية الوطنية نفسها كل صدقية لأن الرأي العام سيرى فيها وسيلة أو ذريعة يستخدمها الحاكمون في سبيل ردع الشعب وابتزازه بهدف الحفاظ على المصالح الخاصة والأنانية بل ربما لتعظيمها.

وبالمثل, من الصعب إقناع الرأي العام بالتضحية بمصالحة الخاصة باسم المصلحة الوطنية وكبت مطالبه الأساسية بانتظار حل المسألة العامة عندما يسود الفساد ولا تظهر السلطة القائمة أي جدية في محاربته أو قدرة على حماية المال العام. وكذلك الحال عندما يطلب من الشعب أن يضحي بخبزه وقوت أولاده ودوائهم بينما يسمع وزير الاقتصاد يتحدث عن عشرات مليارات الدولارات السورية المستثمرة أو المودعة في الخارج ويقرأ عن هدر الموارد دون حساب على سيارات وفيلات وموائد المسؤولين ومن سار معهم أو اقتفى أثرهم من الأثرياء القدامى والجدد. ولا يختلف عن ذلك النظر إلى ثمرة أتعاب البشر وتضحياتهم. فحتى يقبل الرأي العام التضحية بجزء من الحرية والعدالة والمساواة في الانسانية وفي الكرامة البشرية يبنغي أن يتكون لديه اقتناع, أن هذه التضحية ضرورية لتحقيق الهدف وأن الهدف يستحقها وأن تظهر له القيادة أيضا بالملموس أن هناك نتائج فعلية تقربنا من الهدف وأن الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية ليست أدوات للحكم والحفاظ على المغانم الاقتصادية.

لكن السؤال هو : هل تحتاج التعبئة الوطنية ضد إسرائيل في حدود المواجهة التقليدية التي نعرفها منذ عقود دون تغيير, إلى التضحية بالحريات والحقوق ولا تستقيم من دون ذلك؟ وهل يخدم الانتقاص من هذه الحقوق والحريات هدف مواجهة اسرائيل بالفعل وكيف؟ يمكن أن نقول إن نظم الحكم المطلقة تقود إلى بناء دولة قوية وتسمح بالاحتفاظ بصورة أكبر بسرية المعلومات العسكرية. لكن كيف نضمن أن لا تكون قوة هذه الدولة موجهة ضد شعبها خاصة عندما تختلط السلطة السياسية اختلاطا تاما بالسلطة العسكرية ويصبح الجيش هو القاعدة الرئيسية للنظام والحكم؟ هذا هو ما حصل بالضبط وجعل الرأي العام يشك في الطروحات الرسمية المتعلقة بهذا الموضوع.

لكن العامل الذي ساهم بشكل أكبر في تلاشي هذه الطروحات أو الاقتناع بها عند الجمهور هو استمرار الإجراءات الاستثنائية لفترة طويلة مع نتائج محدودة نسبيا. فلو أن النظام رفع حالة الطواريء من فترة لأخرى وبين أنه يستخدم قانون الاستثناء عندما تشتد المخاطر الخارجية لكنه لا يسعى إلى الاستفادة منه لتسويد السلطة الحزبية الخاصة لكانت طروحات الضرورة الوطنية لتقييد الحريات كسبت بعض الصدقية. والحال أن أحدا لا يؤمن اليوم, بما في ذلك بين أعضاء الحزب الحاكم, بهذه الطروحات والفرضيات. والجميع يعتقد أن حالة الطواريء والحد من الحريات هو أفضل وسيلة للحكم الذي لا يريد أن يتعرض لأي منافسة أو مساءلة أو محاسبة سياسية ويقيم قوته على امتلاك حرية المبادرة الداخلية الكاملة تجاه المجتمع وفئات مصالحه الأخرى انطلاقا من توسيع دائرة وصلاحية السلطة التنفيذية بل إخضاع السلطة التشريعية والقضائية تماما وكليا له.

لكن فيما وراء تلك الاعتبارات المستمدة من الخبرة العملية هناك مشكلة نظرية كبيرة مستعصية على الحل في أطروحة الضرورة الوطنية. فالتضحية التي يقوم بها أفراد مجتمع ما في سبيل الانتصار على العدو الخارجي أو مواجهته, سواء أكانت مادية ام معنوية, لا تبرر إلا لأنها تضحية مؤقتة ببعض الحقوق في سبيل حماية الحقوق الأساسية وفي مقدمها الحياة القانونية السليمة والقضاء النزيه والعدالة والحريات الأساسية والضمانات الدستورية. فالخوف الذي يبعثه الاعتداء الخارجي هو خوف على هذه القيم المعنوية السياسية والقانونية والاجتماعية لأن الاستعمار أو الهيمنة الأجنبية مرتبطة بتجريد الشعوب الخاضعة من حقوقها وحرياتها. وهذه الحقوق والواجبات المضمونة في كل دولة لرعاياها هي في الواقع مضمون المواطنية والوطنية نفسها. فأنا مواطن في هذا البلد لأنني اتمتع بحقوق وحريات لا يتمتع بها ولا يمكن أن يتمتع بها الغريب والأجنبي. فإذا انعدمت هذه الحقوق بالأصل أو إذا ضحينا بها سلفا وألغينا أسس المواطنية باسم مواجهة خطر الاحتلال أو الاعتداء الخارجي فماذا سيبقى من الوطنية وعن أي وطن سيزود الفرد المجرد من حقوقه المدنية والسياسية؟

وبالمثل, إذا كانت النظم لا تؤمن بهذه الحريات ولا ترعاها ولا تقر بضرورة وجودها أصلا ولا تشعر بأن من واجبها ضمان حقوق الشعب وصون كرامته في الداخل فلا أدري لماذا سوف تبذل الجهود الاستثنائية وترتكب المخاطر وتقلل من فرص إثرائها وحجم الامتيازات التي تملكها بشن الحروب في الخارج. باختصار لا يستطيع أحد أن يفهم لماذا ستضحي النخب الحاكمة في الحروب والمواجهات الوطنية إذا كانت تحتقر شعوبها وتسلبها إرادتها وتعتبرها غير أهل للحريات والتنظيمات المدنية والسياسية وترفض التضحية بأي جزء من امتيازاتها السياسية والمادية في سبيل تحسين أوضاعها الداخلية المادية والمعنوية.

دعني أقول مع الجمهور إن من يتجاهل حقوق شعبه في الداخل ليس لديه أي سبب للدفاع عنها في الخارج, خاصة عندما يكلف هذا الدفاع ثمنا غاليا. فالذي يريد الدفاع عن مصالح شعبه وحقوقه ضد الأجنبي لا يفرط بها في الداخل أصلا. ولا أدري لماذا وكيف يساعد تحويل الناس الى مواطنين من الدرجة الثانية في بلادهم وحرمانهم من حرياتهم ومن حقهم في قضاء نزيه وعادل ومساواة في المعاملة أمام القانون على الصمود بشكل أفضل أمام اسرائيل أو توجيه مقاومة أشد وأمضى لها أو لأي عدوان خارجي؟ بالعكس من ذلك تماما إن المنطق يقول : يحتاج العمل الجاد لمقاومة اسرائيل والعدوان الخارجي الى تلاحم أكبر بين صفوف الشعب وبالتالي الى مزيد من الاحترام والحرية والعدالة والمساواة بين أبنائه جميعا. ولهذا السبب جرت العادة في النظم السابقة غير الثورية والثوريه معا, بما فيها الشيوعية الشمولية, أن تكون الحروب مناسبة لإعلان العفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين بل عن المجرمين المدنيين كتعبير عن التسامح والمصالحة والصفح المتبادل الدافع إلى تعميق الوحدة الوطنية في مواجهة العدو القومي والوطني المشترك. ولم يحصل في أي حقبة وفي أي نظام أن عمدت حكومة الى القاء القيض على المعارضة في وقت الحروب أو المواجهات الوطنية لأن مثل هذا العمل يعني أن الحكم الذي يحتاج الى تكاتف كل أبناء الشعب حوله يقوم هو نفسه بتقسيم هذا الشعب ودفعه الى التفتت والتوتر والاحتقان ويضعف قدراته ذاتها وصدقيته في أي مواجهة محتملة.

من الطبيعي إذن أن يجد الرأي العام في الاستخدام الشعاراتي المكرر للمسألة الوطنية وسيلة لإدارة الأزمة السياسية والاجتماعية الداخلية بطرق استثنائية أي غير قانونية. ومثل هذا الاستخدام للمسالة الوطنية هو سمة من سمات جميع الحكومات التي لا تتجرأ على مواجهة أزماتها الداخلية بجدية وتسعى إلى حرف الانتباه عنها ومنع الرأي العام من توجيه أي نقد لها ولأسلوب إدارتها.

وما يقال عن المسألة الوطنية واستخدامها من قبل الانظمة الضعيفة للتغطية على التمسك بالمصالح الخاصة الفئوية بالرغم من الأخطار الخارجية والمخاطر الداخلية بالانقسام وتشتت الرأي العام, يقال عن المسألة القومية. فقد درجت الحكومات السورية أيضا على استخدام الشعور العميق العروبي في سورية لأغراض السياسة الداخلية جاعلة من الاستهلاك السهل لشعارات الوحدة والتعاون والتضامن العربي وسيلة للتغطية على الاستقالة الوطنية الفعلية وانعدام أي جهد لتمتين الوحدة الوطنية وإقامتها على أسس راسخة من الشرعية والقبول والرضى الشعبي.

والواقع أننا نحن السوريون قد تميزنا مع بعض الشعوب العربية الأخرى القريبة منا بخصوصية كبيرة هي أننا لم ننم هوية سورية متميزة عن الهوية العربية. فقد ولدت سورية بهوية عربية ولم تعرف غيرها, وأخفقت جميع المحاولات لبناء هوية سورية مباينة للعروبة. وقد كانت هذه الخصوصية نقطة قوة كبيرة إذ نمت عند السوريين النزعة العربية وجعلتهم رواد هذه النزعة في العالم العربي والعالم معا. فالعروبة دعوة سورية أساسا كما هي دعوة عراقية. لكن بعد التعثر الذي عرفه مشروع الوحدة العربية والتراجع الذي شهدته الفكرة العربية في عموم العالم العربي استفادت الحكومات السورية من هذا الانتماء العروبي القوي من أجل إخضاع السوريين وأحيانا غيرهم من العرب لأشكال من النظم وأنماط من الحكم وسياسات ليس لها علاقة على الإطلاق بالقومية العربية أو بالعروبة، ولا تهدف في الواقع إلا إلى التغطية على الحاجات الرئيسة لبناء مجتمع وطني سوري يعترف بنفسه ومتسائل عن حقوقه ودولة سورية دستورية تعتبر نفسها ممثلة لمواطنين مسؤولة أمامهم وقائمة في خدمتهم. فالنخب الحاكمة استخدمت وتستخدم ايديولوجية العروبة لتطمس مسؤولياتها تجاه السوريين من حيث هم مواطنين. فهي لا تحاسب نفسها ولا تريد من الجمهور أن يحسابها على ما تقدمه له من شروط للحياة كمواطن كريم ولكن كممثلة ورمز للعروبة والتضامن والتضحية من أجل الأمة العربية. فتغرق القضية الجزئية التي تختص بمسؤوليتها في بناء سورية كوطن لأبنائه بقضية أكبر ليس لها مسؤولية واضحة أو مباشرة فيها هي بناء الوحدة العربية. وبذلك تضيع مسألة المواطنية. فالتقصير في الداخل لا يعود مهما طالما أن هناك انجازات قومية. وهنا نفهم الحاجة الى ايديولوجية الصمود الشهيرة بالرغم مما أصبحت تمثله من تراجع بالمقارنة مع  ايديولوجية الصمود والتصدي التي سبقتها. لكن التقصير في الداخل يمكن أن يفسر أيضا بسبب انعدام الانجازات القومية, وفي هذه الحالة يكون الحق على الآخرين العرب الذين رفضوا الوحدة المنقذة أو لم يولوها الأهمية الكافية.
لا  يعني إنكار الوطنية السورية هنا من قبل الحكومات المتعاقبة وضع موارد البلاد في خدمة العروبة بالضرورة. هذا بعيد جدا عن أن يكون واقعا في أي قطر. لكنه يعني, كما ذكرنا, تغييب المسؤولية في بناء مجتمع سوي قائم على أساس المواطنة وما تنطوي عليه وتتضمنه من حقوق, أي في الواقع طمس الحاجة عند الحاكمين والمحكومين معا لمساءلة النفس والمحاسبة الذاتية على الأخطاء ومن وراء ذلك التفكير في يناء مجتمع وطني حي وفاعل ومتساو ومزدهر. ونموذج العراق البعثي في هذا المجال معبر جدا. ولكن أيضا ليبيا. فليس من المهم أن تتدهور شروط حياة الشعب وتتراجع حقوقه وآماله وتوقعاته. وإذا حصل ذلك فهو بسبب القضية القومية الأكبر ومن أجلها حتى لو تعرضت هذه القضية باستمرار للتراجع هي نفسها وثبت أن أحدا لا يهتم بمصيرها. ولا داعي للقول أن أيا من المعارك التي تسمى قومية ليست إلا معارك دفاع عن أنظمة وأحيانا عن زعماء وليس لها أي غاية عربية وإنما عملت بالعكس على استنفاد صدقية الدعوة العربية وساهمت في خرابها.
باهتصار إن العروبة الاستهلاكية التي استمرت في الحياة بعيدة عن أي ممارسة عملية بعد انهيار الوحدة السورية المصرية أصبحت وسيلة سهلة للتغطية على انعدام الشرعية الشعبية ووفرت على الحكام التفكير بالتزاماتهم التي كان ينبغي أن تكون أساسية لبناء الوطن العراقي والليبي والسوري إلخ, أي لبناء الشعب المكون من أفراد أحرار، متساوين ومتفاعلين ومنتجين ومبدعين، قادرين على التواصل مع الشعوب العربية الأخرى بالفعل وتقديم إضافة للأمة العربية وللقضية الفلسطينية غير الشعارات والهتافات المجانية. ومن المؤكد أن تجاهل التزامات الدول تجاه شعوبها الوطنية لم يخدم القضية القومية أبداً. بل أدى فقط إلى تهميش الشعب داخل كل قطر، وخسارة المعركة القومية بالاضافة إلى معركة البناء الوطني كما قاد إلى  إفساد صورة القضية الفلسطينية عند العرب والرأي العام العالمي معا. وهاهم الفلسطينيون يواجهون العدوان الاسرائيلي بأرواحهم بعد صدورهم وليس هناك أي شعب عربي قادر على أن يقدم يد العون الحقيقي لهم. ذلك أن الشعب الذي يفتقر هو نفسه للحرية لا يمكنه مساعدة شعب آخر, مهما كانت درجة قرابته منه, على التحرر. وعندما توجه الحكومات كل موارد البلاد لضبط شعوبها والسيطرة عليها لمنعها من الحركة، فلن تبقى هناك أية إمكانية لفتح جبهة خارجية. إذن, في بلادنا كما في الكثير من البلاد الأخرى غير الديمقراطية تستخدم السلطات باستمرار مسألة الحرب الخارجية ذريعة ووسيلة لتمتين السيطرة الداخلية لفئة على حساب الفئات الأخرى.


* لكننا نجد حتى الخطاب المعارض يستخدم هذه الأيديولوجيا.

* الخطاب المعارض القومي لم ينشأ في قارة أخرى ولكن في هذا المناخ ذاته. وهو ميال إلى استخدامه بصورة أكبر من الحكم ذاته وذلك للتغطية على هامشيته والتغلب على القطيعة التي يعيشها هو أيضا مع الجمهور العريض الذي يعيش إلى جواره من دون أن يشعر به. وهو بالإضافة الى ذلك كثيرا ما يجد نفسه مضطرا إلى المزايدة على خطاب الحكم حتى لا يتهم من قبل الأخير بالتخاذل والتراجع ويُشكَّك بوطنيته وعروبته. إذاً المعارضة تسير في نفس الخط نتيجة فقر رؤيتها السياسية والخوف من الابتزاز بالمسألة الوطنية. ونحن نلمس هنا أحد نقاط الضعف الاساسية في الأيديولوجيا السورية أو المشتركة بين جميع السوريين.

بالتأكيد لا يمنع هذا من وجود تضامن حقيقي وحماسي للشعب السوري بأكمله, كما هو الحال بالنسبة للشعوب العربية الأخرى, أهالي ومعارضات وأحزاب حاكمة, مع الشعب الفلسطيني. لكن لهذا التضامن مع الفلسطينيين بُعدٌ آخر غير فكرة القومية. وليس ذلك لكون فلسطين, كما يقال دائما هي جنوب سورية تماما كما أن سورية هي شمال فلسطين، وكل ما يحصل فيها يؤثر بشكل مباشر على مصير سورية والشعب السوري. ولكن لأن المجازر التي يرتكبها الاسرائيليون هناك تهز الضمير الانساني بصرف النظر عن الانتماء القومي والوطني.

 لكن يبقى أن الشعور العروبي العميق الذي يميز السوريين، والذي يتجلى في موقفهم من الوحدة والعمل العربي المشترك والتعاون والتضامن القوي ضد مشروع الاستيطان الصهيوني قيمة أساسية لا يمكن ان تستقيم الهوية السورية من دونها. وهي من دون شك عنصر من عناصر العقد الوطني المضمر أو اللاواعي الذي يجمع بين أبنائها.

لكن، بالمقابل, من الواضح أن النفخ في الخطاب القومي المستقل عن الانجاز العملي لم يعد كافيا لتكوين مجتمع سوري حي وفعال ونشيط ومتضامن, خاصة وأن الانتماء العروبي الذي يراهن على التلاعب به يصبح في غياب الممارسة الفعلية الطويل انتماءاً عاطفياً أكثر منه بناءا مؤسسيا واضحا. كما أن التعبير عن هذا الانتماء قد صودر من قبل الدولة أو بعض النخب المفتقرة للصدقية. وكل ذلك يشير إلى أنه لا يمكن للتضامن العربي أن يحل محل التضامن السوري أو أن ينسخه. ولا يمكن أن يكون تضامننا مع العرب الآخرين فعالاً، وخاصة مع الفلسطينيين, ما لم يتحقق التضامن السوري السوري على صعيد الأفراد وعلى صعيد الفئات والجماعات. مما يتطلب تحقيق حد أدنى من الحرية والعدالة والمساواة والاحترام المتبادل. فتحقيق التضامن داخل القطر السوري ذاته شرط لميلاد تضامن عربي حقيقي مختلف عن التضامن بالشعارات والخطابات.

* تتشابه مقولات السلطة والمعارضة. ومنها قولٌ غالب: يجب النهوض بسوريا لتساهم بدورٍ حضاري فعال. فما هو واجب كل الأطراف تجاه هذا الشعار، أي ما هو المطلوب من المعارضين تجاه هذا النهوض وتجاه السلطة بما يخص هذا النهوض؟ وكذلك ما هو المطلوب من السلطة تجاه معارضيها بما يخدم هذا النهوض؟

* إن سؤالك يعكس في نظري جزءا من أزمة المجتمع السوري التي تحدثت عنها في مقولة العقد الوطني. فعندما تطلب من السوريين أن يتعاونوا، فيجب أن نعرف من أجل ماذا يجب أن يتعاونوا. ومفهوم النهوض الحضاري مفهوم غامض جداً. فهل يعني أننا سنتحاور للنهوض بالأمم الأخرى ونحن في أسفل السلم الحضاري تقريباً. علينا أن نكون واقعيين أكثر فليس المطلوب منا المشاركة بالنهوض الحضاري، بل تأمين فرص عمل لأولادنا وأجيالنا الجديدة مجهولة المصير. علينا رفع مستوى التعليم ليمتلك أبناؤنا التفكير العقلاني والنقدي والحر، ليكونوا قادرين على استيعاب الثورة العلمية التي يشكل التحكم بها اليوم أساس التنمية والازدهار الاقتصاديين. علينا العمل على رفع سوية حياتنا السياسية والعناية بالتربية المدنية. وأذكر عندما كنا في المرحلة الابتدائية كان هناك كتاب عن التربية المدنية يعلم الأطفال نظام الحكم الديمقراطي وآلياته وحقوق المواطن وواجباته ومفهوم القانون…إلخ. وقد أُلغيت هذه المادة واُستبدلت بتثقيف ايديولوجي يسمى الثقافة الاشتراكية. وهو أحد منتجات وتقاليد الدولة شبه الدينية التي انتقدناها في بداية حديثنا، تلك الدولة التي تفرض مذهبها ودين حكامها الخاص على المجتمع.

وواجبنا الضروري, أيضا، رفع سوية حياتنا الأخلاقية ليكون سلوكنا خاضعا لمباديء ومعايير وقواعد إنسانية، وأن يتصرف كل سوري حسب اعتقاداته وليس حسب ما يُفرض عليه. وعندما ننجح في رفع مستوى أدائنا الأخلاقي والسياسي والثقافي والعلمي والإداري نكون حينها قد بدأنا بالفعل مسيرة المشاركة الفعلية في النهوض الحضاري لشعبنا وللانسانية التي نحن جزءا لا يتجزأ منها. وهذا الإدراك الواضح للمهمات التاريخية المحددة التي تنتظرنا هو الذي ينبغي ان يميز تفكيرنا ورؤيتنا, نحن جيل الاصلاح والتغيير, عن الشعارات الفضفاضة والغائمة والسحرية التي يستخدمها محترفوا الايديولوجيات الاستعمالية أو الأداتية.

وواجبنا أيضا الانتقال من التفكير المجرد الفضفاض إلى التفكير السياسي العقلاني، الذي يحدد المشكلات ويحدد المهمات والسبل والوسائل. فنحن مجتمع نام وفقير بالموارد البشرية والمادية نحتاج في سبيل نهوضنا من محنتنا إلى بذل جهود إضافية كبيرة وجادة والقيام بتضحيات كثيرة, ليس فقط من قبل عامة الناس المعدمين بل بالأخص من قبل أصحاب الثروة والسلطة. وينبغي أن ننجح في العقود القادمة في تحمل واجباتنا العملية ومسؤولياتنا التاريخية اليومية في إقامة مجتمع عادل ومتساو وديموقراطي هو سبيلنا الوحيد للاندراج في حضارة عصرنا والمشاركة فيها. وإلا سننحدر أكثر فأكثر إلى البربرية.

ومن أجل هذا، ينبغي أن نتعلم نحن السوريين جميعا, كما تعلم غيرنا ويتعلم, أسلوب التفكير في المستقبل وانطلاقا منه لا أن نبقى أسرى التفكير الماضي. وهذا هو أساس التفكير العملي والعقلاني الجديد معا الذي يمكننا من بلورة أهداف ومهمات واضحة والسعي لتحقيقها. أما إذا بقينا نفكر من وجهة نظر الماضي، ومن وجهة نظر الشرعية، ونجتر حزازات الماضي ومخاوفه وحساسياته, فسوف نغزر في وحل نزاعاتنا ونفقد أي أمل في التقدم المادي والسياسي والمعنوي.

والمستقبل لا يعني فقط أن التاريخ لا يزال أمامنا وأن ما لم ننجح في تحقيقه في الماضي لا يزال بوسعنا تحقيقه فحسب ولكن, أكثر من ذلك, أننا أسياد مصيرنا وأصحاب القرار فيما نريد لأنفسنا وأبنائنا. فإذا كان مجتمع الحاضر صناعة أسلافنا فمجتمع المستقبل لا محالة صناعتنا وحدنا.