لا حل من دون إدخال المجتمعات العربية في دائرة الفعل

2004-05-17 :: الراية القطرية

ترجمة :

 أحمد مظهر سعدو

 

* بعد فشل مؤتمر القمة العربية بالانعقاد ..هل تعتقدون بأن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تطرحه أمريكا كان سببا رئيسيا في هذا الفشل ؟

* ليس مشروع الشرق الأوسط الكبير هو الذي أدى إلى فشل مؤتمر القمة الماضي ولكن عدم وجود إجابة جدية عند القسم الأكبر من الزعماء العرب عن التحديات التي تشكلها مسألة الاصلاح العربي التي تحولت بسبب تفاقم الأزمة وتزايد مضاعفاتها الخارجية إلى مسألة دولية. والواقع أن الحكومات العربية ليست معنية بشكل واحد بهذه التحديات وليس لديها أجندة واحدة للرد عليها وليست في معظمها مستعدة للقبول بالجهود إن لم نقل بالتضحيات التي يتطلبها مثل هذا الاصلاح. لذلك انتقلت من سوء التفاهم الدائم الذي أنتج فراغا تاريخيا مستمرا في موضوع التعاون العربي العربي منذ عقود  إلى التناقض والصراع والتباعد في المؤتمر الأخير. السؤال هل سينجح مؤتمر القمة القادم الذي يبدو أن الحكومات العربية قد اضطرت إلى القبول به حتى لا تخسر كل شيء، وقبل أي شيء آخر صدقيتها الداخلية والخارجية كحكومات سياسية، في أن يخرج بحلول معقولة وناجعة للمشكلات التي نجمعها اليوم تحت اسم الاصلاح؟ ليس هذا ما تؤكده وثيقة العهد التي نشرت الصحافة العربية نصها والتي ستكون الوثيقة الرئيسية للمؤتمر. فلم ترد كلمة الديمقراطية ولا مرة واحدة فيها. إنها أقل بكثير مما كنا نتوقع حتى على سبيل مجاملة الرأي العام ووضع كلمات وشعارات رنانة من أجل تفريغها من محتواها في مابعد.

 

*  ما المطلوب من الأمة نظما ونخبا وشعوب في مواجهة هذا المشروع الشرق الأوسطي .. ؟ وهل من الممكن أن تكون هذه الأمة فاعلة بالمنظور القريب ؟

* ليس من الممكن مواجهة المشاكل الداخلية المتزايدة و الضغوط الدولية الراهنة على الدول العربية من دون التوصل إلى اقتناع واضح لدى جميع الأطراف العربية بأنه لا حل من دون إعادة إدخال المجتمعات العربية التي استبعدت من العمل العام ومن المسؤولية إلى دائرة الفعل السياسي والمدني العام وأنه لا أمل لأي مجتمع عربي في تجاوز مشكلاته العديدة والمعقدة لوحده ضد المجتمعات العربية الأخرى أو بمعزل عنها. المطلوب إذن إذا أردنا الاختصار الشديد أمران: الديمقراطية أو بالأحرى دمقرطة المجتمعات العربية وتعزيز أطر وآليات التعاون والتكامل العربيين. من دون ذلك ليس هناك ولن يكون لدى أي دولة عربية قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية أو الحفاظ على الوحدة الداخلية الوطنية أو ضمان الحد الأدنى من النجاعة والتنمية الاقتصادية.  كل ما عدا ذلك تفاصيل لا قيمة لها أمام هذين التحديين الرئيسيين.

 

*  في محاضرتكم السابقة في منتدى الدكتور جمال  الاتاسي  للحوار الديمقراطي بدمشق .. أكدتم على الإصلاح السياسي كمقدمة للإصلاح الديمقراطي بشكل عام .. كيف تتصورون آليات ذلك وفق الواقع الداخلي المعاش في سورية  ؟

* ليس هناك مئة طريق للعمل على التحويل الديمقراطي للمجتمع. وعندما توجد الإرادة السياسية، وهذا هو ما ينقص إلى الآن، ليس هناك أي صعوبة في ايجاد السبل الكفيلة بنقل البلاد قانونيا وسياسيا، وبأمان وسلام، نحو نظام تعددي يضبط سلوك القوى الناشئة فيه قانون جديد. وهذا يستدعي ببساطة كما حصل في كل مكان إعلان نهاية عصر الحزب الواحد ودعوة البرلمان للتصويت على قانون للأحزاب يشرع لحق التعبير عن الرأي والتنظيم السياسي والتنافس السلمي على السلطة واحترام القانون.

لكن الأمور تبدو صعبة جدا ومعقدة بالفعل عندما يكون الهدف هو الالتفاف على التحويل الديمقراطي باسم الديمقراطية، أي ايجاد ديمقراطية باللغظ من دون تعددية ومن دون الاعتراف بالحريات العامة ولا السماح بالتنافس على السلطة، أي عندما يكون الهدف هو تحقيق الديمقراطية مع  الحفاظ على الوضع القائم  واحتكار السلطة وضمان المصالح والامتيازات القائمة جميعا. هذا بالفعل غير ممكن وصعب بل مستحيل، ولا بد أن يقود إلى انفجارات وتوترات وانهيارات لا يمكن تصورها. وهذه هي المشكلة الحقيقية في مشروع الاصلاح الديمقراطي مع الحفاظ على السيطرة الشاملة والمطلقة للنخب الحاكمة. فهذا يتناقض كليا مع ذاك ولا يمكن حصولهما معا.

بالمقابل لا أدري من أين يأتي الخطر على الأمن والنظام داخل البلاد إذا قررت السلطة أن تفتح باب التعددية والتنافس السلمي ووعدت الناس بانتخابات ديمقراطية ثم احترمت وعودها. المنتظر أن يكون ذلك سببا لتدعيم السلطة وزيادة الاستقرار لا العكس. وهو ما حصل في الملكيات التي كانت مزعزة في العالم العربي نفسه، أقصد في المغرب الأقصى وفي البحرين. ففي هذين البلدين لم تقد الديمقراطية إلى الانهيار كما يقولون ولكن إلى تعزيز النظم القائمة وزيادة شعبية الملوك والحكام واستقرار حكمهم وتنامي شرعيته.

 
*  كيف تقرؤون الوضع العراقي بعد ما جرى في الفلوجة والنجف والقائم ؟و إلى أين يسبر بنظركم ؟
* هنا نجد نموذجا لمخاطر ما ذكرناه للتو. يريد الامريكيون أن يحتلوا العراق ويسيطروا عليه وعلى موارده باسم دمقرطته وتخليصه من شياطينه الداخلية البعثية. والنتيجة هي انفجار الدولة والنظام ودخول البلاد في حرب متعددة الأشكال. وإذا استمرت الأوضاع كما هي فالأكثر احتمالا هو تفكك المجتمع نفسه. وليس هناك مخرج من هذا المسار المدمر سوى كف الامريكيين عن التلاعب والخداع والاعتراف بأن دمقرطة العراق لا تتم بالاحتلال ولكن بتسليم السلطة للعراقيين بالفعل. وإذا كانت هناك حاجة للمساعدة حتى تستقر الأمور فمن المفروض أن تكون هذه المساعدة مرتبطة بطرف يثق العراقيون والعرب به ولا يشك في أنه يسعى إلى استغلال نفوذه لتحقيق مصالحه الخاصة، أعني ينبغي أن يكون الامم المتحدة نفسها. وليس هذا ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية. فبالرغم من الصعوبات الكبيرة التي تواجهها لا تزال الإدارة الأمريكية مصرة على تكريس احتلالها للعراق بوسائل ملتوية. فهي بدلا من أن تعترف بقيادة الأمم المتحدة لعملية الانتقال العراقية قررت أن تشكل قوة متعددة الجنسيات بقيادة أمريكية. ولذلك لا أعتقد أننا سنخرج من دائرة الاقتتال والدمار في العراق في المدى القريب. 

 

* ما الذي تقولونه في هذه الأنتلجنسيا  العربية التي تتلطى  على أبواب السلاطين .. وتجعل الأسود أبيضا أمام المستبدين ؟

 * لا أكاد أراها. إن ما أراه هو بالأحرى تلك الأعداد الكبيرة من المثقفين الذين يعانون من أكل أنواع التنكيل والقهر والاعتقال لأدنى سبب والحرمان من المستقبل وتقييد الحريات نتيجة آرائهم ومقاومتهم المستمرة والشجاعة وأحيانا الأسطورية للاستبداد وامتهان كرامة الانسان والشعوب. هناك بالتأكيد أقلية تخدم السلاطين وتتعيش على مدحهم والتغطية على مساوئهم، لكنها أقلية ضئيلة ولا قيمة لها ولا وزن بل ولا اعتبار في مسيرة التاريخ. إنها مكملة لعمل أجهزة نذرت نفسها ونذرها التاريخ لسوء السمعة. لكن المهم والذي يستحق ذكره والتركيز عليه هم أصحاب الإرادات الخيرة والحرة، أولئك الذين يضحون بكل ما يملكون من أجل مبادئهم والقيم والمثل العليا التي لا تكون من دونها المجتمعات مجتمعات إنسانية. وأنا آمل أن تحذو الصحافة العربية هذا الطريق فتبرز للرأي العام ما هو أصيل ونبيل وأخلاقي في مجتمعاتنا وما يمكن أن يراهن عليه للخروج من المحنة المستمرة بدل التركيز على السلبيات ودفع الناس إلى الشك بقيادتهم وانفسهم والاستسلام للشكوى والنواح. وهو ما تهدف إليه قبل أي شيء آخر آليات القمع التي برعت في تطويرها وتحديثها النظم الاستدبداية.