بين الاسلام والارهاب والعولمة

2004-09-14 ::

ترجمة :

علاء عبد المولى

 

* أبدأ معك من الموضوع الراهن والساخن (الإرهاب) وحتى لا نكرر أسئلة باتت معروفة هي وأجوبتها أودّ أن تعود بنا كأستاذ في علم الاجتماع (وعلم الاجتماع السياسي خصوصاً) إلى قراءة الأسباب الثقافية والمقدّمات النظرية لظاهرة الإرهاب تلك الأسباب والمقدمات التي يمكن أن نراها كامنة في تاريخ وتراث أي ظاهرة دينيةٍ. خاصة وأننا نطالع في تراثنا الديني نصوصا ومواقف وعلاقات تحتاج إلى إشارات استفهام كثيرة في هذا الموضوع...

* لا ليس التاريخ القديم ولا الثقافة العربية والاسلامية الموروثة هما الذان يفسران ظاهرة العنف التي تعرفها المجتمعات الاسلامية اليوم ومنذ عقود قليلة. العنف والأرهاب هما تعبيران عن انحلال منظومات القيم والمعايير والقواعد التي تشكل مدنية كل مجتمع. وتحت الضغط الشديد، المادي والمعنوي، بما في ذلك عنف الدولة أو القوى الأجنبية وما يتبع ذلك من انسداد الآفاق أمام الأفراد والجماعات، على مستوى الحياة اليومية أو العامة والجماعية، تتحلل النظم الاجتماعية وتفقد صدقيتها ويتحرر الأفراد والمجموعات منها أو بالأحرى ينخلعون عنها ولا يبقى هناك معايير للسلوك الجمعي والحفاظ على البقاء بعد انحلال منظومات القيم المجتمعية سوى معيار القوة المادية أي العنف. والإرهاب هو العنف المنفلت الذي يوجهه الأفراد إلى الأبرياء والمذنبين معا من دون تمييز.

وليس لانحلال عرى المجتمعات العربية ونظمها القيمية أسباب واحدة ولكنها متعددة. أولها ما تعرضت له الثقافة العربية الاسلامية الموروثة والتقليدية من ضغوط قوية من قبل الثقافة ونظم القيم الحديثة أدى إلى تفجرها وانفراط عقدها، وهو ما نشهده كل يوم منذ قرن ونصف على الأقل. لكن هذا النمط الطويل المدى من الضغوط واكبته ضغوط اقتصادية وسياسية وقومية تاريخية ارتبطت بإخفاقات وهزائم وأشكال متعددة من العجز والمواجهة اليائسة للأجنبي كما واكبته ضغوط أحدث عهدا رافقت عملية توطين الدولة "الوطنية" العربية الجديدة لمرحلة ما بعد الاستقلال واتسمت بالاستخدام المفرط للعنف المادي والمعنوي على المجتمعات لإخضاعها لسيطرة النخب الجديدة ضعيفة المواهب والشرعية معا.

لكن الحديث عن الشروط التاريخية، الجيوستراتيجية والسياسية والاقتصادية والثقافية العامة لانفلات المجتمعات العربية من أنماطها الثقافية القديمة لا يلغي أن للعنف الحديث ثقافته أو نسيجه الرمزي أيضا. لكن ليس لثقافة العنف الحديثة علاقة نسب ضرورية بالعنف القديم الذي كانت تزخر به المجتمعات العربية مثلها مثل جميع مجتمعات القرون الوسطى. إنه عنف جديد وهو يستخدم مصادر لتبرير نفسه مستمدة أيضا من الثقافة العربية أو الغربية الحديثة. إذا كان لا بد من إثارة تساؤل في هذا المجال فلا ينبغي أن يكون حول ارتباط العنف بالاسلام وإنما حول تحويل الاسلام، أعني تدين العرب، الذي اتسم حتى مطلع القرن العشرين بطابع الاتكالية والتسليم والخنوع، من "دين" تسليم واستسلام للقضاء والقدر، أو من الجبرية  إلى الإرادوية والقدرية المفرطة التي تريد تغيير المجتمع والعالم بالقوة وتعلن الثورة عليه، بما فيه مجتمع الاسلام التقليدي وعالمه.  إن العنف والارهاب العربي الراهن لا يختلف بشيء عن العنف الذي أفرزته مجتمعات آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا مجددا طوال القرن الماضي. ومصدر العنف واحد هو تخبط المجتمعات التقليدية وتفكك نظمها القيمية تحت ضغط التحولات الدولية السريعة والساحقة أحيانا. وبالاضافة إلى هذا المصدر العام يستفيد العنف أيضا من الأوضاع الاستثنائية التي عاشتها المنطقة العربية في القرن الماضي والتي جعلتها تتخبط أيضا في معركة تحرير واستقلال متعثرة وغير مكتملة بالإضافة إلى تخبطها كغيرها في معركة استيعاب طفرة الحداثة وانفجاراتها المستمرة.

 

* أسمح لنفسي أن أتمثّل بفكرة مستمدّةٍ من بعض المفكرين العرب وهي أن هناك إسلاماً نظرياً وإسلاماً تاريخياً. والنمط الثاني هو الإسلام النظريّ متجلّياً عبر الاشتراطات التاريخية، محكوماً بالظروف المختلفة المتقلبة... كيف يرى د. غليون الإسلام الآن ضمن هذه الثنائية بين النظرية والتاريخ الذي حول وأثر في مسار النظرية؟ هل يمكن الحديث عن إسلامٍ قادر على التكيّفِ مع العالم الحديث المتخم بالانفجارات المعرفية الهائلة وأشكال جديدة من أدوات الصراع. وأنت من تحدّثت في ( حوار الدولة والدين ) – بالاشتراك مع سمير أمين عن سقوط نظرية جمود الإسلام...

* لا الاسلام ولا أي أي دين آخر أو تراث حديث أو قديم يستطيع أن يتكيف مع الحداثة أي أن يملك مفاتيح فهمها واستيعابها والتعامل الايجابي معها بشكل جاهز ومسبق. بل لا يمكن حتى لثقافة القرن التاسع عشر الغربية أن تتكيف مع حداثة القرن الواحد والعشرين الراهنة. ونحن العرب أقرب اليوم إلى المجتمعات الغربية المعاصرة في تصوراتنا والقيم التي توجهنا وأنماط الآمال التي تحركنا من المجتمعات الغربية التي عاشت في القرن التاسع عشر.

 وقصدي أن كل ثقافة هي نمط من الحوافز والدوافع والآمال المحركة والمحفزة ومجموعة من التساؤلات والإجابات الجاهزة التي يقدمها كل جيل حسب ظروفه التاريخية ويحولها إلى نوع من الاشكاليات المغلقة على البيئة التاريخية التي ارتبطت بها. ولا يمكن لأي ثقافة إذا أخذت بهذا المعنى الساكن والمنجز أن تتكيف مع أي تحول كبير أو تجديد. إن الذي يتكيف ومطلوب منه أن يتكيف هي المجتمعات نفسها والأفراد. وبقدر تكيفهم ونجاحهم في انتزاع مكان ودور لهم في عالمهم الجديد يقومون بصورة لا شعورية بتكييف تراثهم الثقافي، أي بتحويل ثقافتهم التي كانوا يحيون بها سابقا إلى تراث منفصل نسبيا عنهم. وهو ما يمكنهم من النظر إليه على مسافة ما وبالتالي إعادة تأويله وتغيير أنماط تمفصل القيم والمعايير والمعاني التي يختزنها. الثقافة هي غير التراث ولا تولد إلا بالانفصال المستمر عنه. وثقافتنا الحديثة العربية تشكل قطيعة مع الثقافة العربية الكلاسيكية والوسيطة معا. وخير مثال على ذلك اللغة التي هي أهم عناصر الثقافة. فلغة العرب المسلمين بما تعنيه من ترتيب للألفاظ والمعاني وأساليب التعبير والإنشاء والخطاب والتواصل والإبداع شكلت قطيعة مع لغة العرب القدماء العاربين، تماما كما تشكل لغتنا الحديثة التي بدأت تتكون منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر قطيعة كاملة مع لغة الحقبة الاسلامية الوسيطة. ومن المؤكد أن أي عربي من القرن الثامن عشر سيجد صعوبة لا حدود لها في فهم لغتنا وفكرنا وفنوننا لو قدر له أن يبعث اليوم. ونحن أيضا لا نفهم ببساطة لا لغة ولا أذواق ولا آداب القرون الوسطى التي نسميها قرون الانحطاط احتقارا لها شكلا ومضمونا.

 

* إذا كان سببُ انتشارِ الإسلامِ وتحوُّلهِ ((إلى وعاء لثقافة وحضارة جديدة هو بالضبط غياب النظرة القومية وهو ما سمح له بتجديد الشروط الجيوسياسية لإعادة بناء الدورة الحضارية الاقتصادية والثقافية)) كما تقول في أحد كتبك فهل يريد د. غليون الوصول إلى أن انتشار القوميات في العصر الحديث ثم اضمحلال الهوس القومي سيؤدي إلى أن يمتلك الإسلام من جديد شروط تحوّلهِ إلى ظاهرة تمتلك وتؤسس العالم بصورة مقنعة؟ هل هو قادر على ذلك من حيث المبدأ؟

* كل همي في كتاباتي عن الاسلام أن أحث القاريء على التمييز بين أمرين. الأول هو أنه لا يوجد شيء إسمه الاسلام ثابت وجامد يشكل ماهية خارج الزمان والمكان ويتصرف فينا ويسمح لنا أو لا يسمح لنا أن نتقدم وإنما هناك تصورات وأساليب تدين بالاسلام تتفاوت حسب ثقافات الشعوب وتقاليدها وحسب مراحل التاريخ المختلفة ومتطلباتها. ومن الممكن تحت صفة الاسلام شمل سلوكات متناقضة جدا تتراوح بين روحانية الصوفية وتجردهم وهمجية المتشددين الارهابيين وفظاعتهم. والأمر الثاني هو أنه لا ينبغي لنا أن نخلط بين الاسلام كدين أي كعقيدة وعبادة، وهو ما يؤلف النواة الأصلية والثابتة للدين ويحفظ وحدته واستمراره، والاسلام كثقافة، أي كمنظومة من الأسئلة والأجوبة التي تبلورها حضارة ما في حقبة ما حول نفسها وتشكل من خلالها ذهنية الجماعة وانتظامها الأخلاقي والسياسي. الثقافة تتغير بسرعة ومن دون أن يعي الناس أنفسهم ذلك، وتتغير حتى عندما يتعلق الأمر بالدين، كما يدل على ذلك تعدد التأويلات والتفسيرات والمذاهب الاعتقادية في الدين الواحد. لكن النواة العقدية العبادية ثابتة لا تتغير تقريبا وإذا تغيرت كثيرا حدث الخروج من الدين أو تبديله.

سؤالك ينبغي أن يكون إذن : هل تستطيع مجتمعات العرب الراهنة بثقافتها الحديثة الخاصة المشوهة وغير المكتملة وأساليب تدينها المتباينة والمتخبطة القائمة أن تستوعب العالم الحديث وتسير بمواكبة حركة تطوره وتجدده وتقدمه؟ الجواب لا بالتأكيد. ولذلك نحن لا نقوم بشيء اليوم غير نقد ثقافتنا وتصوراتنا الدينية وأساليب عيشنا وحكمنا وانتاجنا وعملنا. نحن نعرف أن نمط ثقافتنا الراهن الذي يملي علينا سلوكاتنا المتعثرة غير صالح لمساعدتنا على دخول العصر. لكن رمي الأمر على الاسلام كما لو كان عاملا ثابتا قائما خارج عنا هو هرب من مسؤولية مواجهة ثقافتنا الحديثة نفسها التي صغناها، إسلاميين وغير إسلاميين، مصلحين ومستغربين، تابعين وأصاليين، خلال القرن ونصف القرن الماضي.

 

* سبقَ وناقشتم بعمقٍ انتقالَ (الطوبى) الإسلامية من كونها طوبى تتغذى منها الجماهير الملتحقة بها إلى كونها طوبى الحرية والعدالة والمساواة والاشتراكية... إلى آخر القيم النبيلة التي تريدون رؤيتها في الطوبى الإسلامية... لماذا قد يتشكّل لدى القارىء إحساسٌ بأن د. غليون يستند في فكرته هذه ـ بشكلٍ أو بآخر - إلى نظرية اشتراكية الإسلام (لا سيّما أفكار الشيخ مصطفى السباعي) التي سادت إبان غزو الاشتراكية الشيوعية أو القومية لمجتمعاتنا؟ هل أنت مؤمن حقاً بأن بعض سياسات الإسلام الاقتصادية (الزّكاة ، الخُمْس) هي مداخل حقيقية محتمَلَةٌ للحديث عن اشتراكية الإسلام؟

* لا أدري من أين أتاك هذا التصور. لست من الداعين لاشتراكية الاسلام ولا من المتأثرين بها ولست من الذين يقفون ضدها أو ينكرونها. فكما ذكرت ليس هناك من يستطيع أن يقول بالمطلق وبالتاكيد : أصحاب هذا التأويل مخطئين وأصحاب التأويل الآخر مصيبين. إن الاسلام هو هذه التأويلات المتعددة والخصبة التي تدفع إليها الثقافة الحديثة، أي الحاجة إلى تمثل قيم العصر وأفكاره ومفاهيمة وإعادة تأصيلها أو بنائها في فضاء الثقافة المحلية العربية أو الاسلامية. ليس الاسلام هو الحل تماما كما أن الماركسية ليست الحل والقومية ليست الحل والليبرالية ليست الحل. وإذا كانت النظم القومية قد أوصلتنا إلى ما نعرفه من إفلاس وأوصلت النظم الماركسية والشيوعية الدول السوفييتية وغيرها إلى ما شهدته من نكسات وانهيارات فذلك بالضبط لأنها اعتقدت أن الحلول موجودة في الايديولوجية لا في الانسان، أي لأنها حولت الثقافة إلى دين والعقل إلى أداة لخدمة السلطة. وهو ما قاد النظم الاسلاموية الأقرب عهدا بنا إلى المأزق ذاته في أفغانستان والسودان وايران.

وعندما أقول أن الحلول موجودة لدى الانسان فأنا أقصد العقل النقدي والوعي الحي المتيقظ والمرتد باستمرار على نفسه وعلى التجربة. فالانسان هو الذي يصنع بوعيه الايديولوجيات وهو الذي يستطيع أن يتحرر منها كما يستطيع أن يحبس نفسه فيها. والمطلوب اليوم هو تحرير الوعي والتحرر من الايديولوجيات. وهذا ما نسميه اليوم بالعقل النقدي الذي ينبغي أن يحل محل العقل الايديولوجي الوثوقي. وهو أيضا أساس الحرية.

 

* أعتقد أن نظرية العولمة التي باتت شغل المفكرين والاقتصاديين والساسة في هذا الوقت ما هي إلاّ خلاصة نظريات بشرية عبر آلاف السنوات حيث يمكن الزعم أن كلّ نظرية فكرية أو عقائدية دينية كانت تنزعُ بصورة بديهية إلى الانتشار عالميا عبر امتلاك العالم وصياغته وفق استراتيجيتها ومصالحها... (انتقال المسيحية إلى دين عالمي على يد بولس ـ انتشار الإسلام في أصقاع الأرض ـ الماركسية ـ والآن النظام الليبرالي المتطور والمتزامن مع نظام السوق) ألا ترون أن كثيراً من أشكال نقد العولمة الآن هي تعبير عن مخاوف من هيمنة نمط من العولمة على نمطٍ آخر، وليس نقدا باحثاً عن خلاص حقيقي للبشر؟ أي أنها حربٌ بين (عولمات تتصارع على امتلاك العالم). وهذا ما قد نراه أسباباً خفية للحرب بين عولمة إسلامية وعولمة أمريكية... على ماذا يتحارب هؤلاء؟

* لا ليست العولمة قصة مخاوف وليست قديمة قدم التاريخ ولا هي بنت صراع الثقافات والعولمات. سأعطيك مثالا يقرب المسألة أكثر من وعي القراء. كان العالم يعيش في مناطق متباعدة تفصلها مسافات لا تستطيع وسائل النقل عبورها بسهولة وسرعة. وبعضها كان يعيش في عزلة. لذلك عندما كانت تتطور التجديدات والابداعات التقنية والسياسية والنظرية في منطقة كانت بحاجة إلى فترة زمنية طويلة حتى تعم البشرية. لذلك كان زمن الحضارات التقليدية زمن بطيء وطويل معا. نشأت الثورة الزراعية الأولى مثلا في بلاد المشرق في الألف الخامس قبل الميلاد وبقيت البشرية تعيش اللحظة الحضارية نفسها حتى القرون الوسطى ونشوء الثورة الصناعية. كان انتقال التجديدات يأخذ زمنا طويلا ولا يسمح بتوحيد مصير المجتمعات ودمجها في نظام عالمي واحد. اليوم عندما تولد تقنية جديدة في أي مجال تجد طريقها إلى المجتمعات الأخرى ويمكن الحصول عليها في اليوم ذاته تقريبا. لم تعد البشرية تعيش في زمن واحد فحسب كما كان الحال في الماضي ولكنها أصبحت تعيش في زمن فوري. كل تحول في العالم مفتوح على العالم بأجمعه وله آثار عليه. كان من الممكن في الامبرطوريات السابقة الوسيطية أن تخوض الدولة حربا على إحدى جبهاتها من دون أن يدرى طرفها الآخر بها، أما اليوم فقد حركت انتخابات رئيس الجمهورية اللبنانية الصغيرة المنظومة الدولية بأكملها واستدعت قرارا من مجلس الأمن. هذه هي العولمة. الكل يعيش مع الكل في مركب واحد وفي اللحظة ذاتها ومن دون قدرة على العزلة والابتعاد.

ولذلك ليس من الصحيح الحديث عن عولمة اسلامية وغير إسلامية. فليست العولمة كلمة فارغة. إنها حقيقة موضوعية مرتبطة بالثورة التقنية والعلمية الراهنة وهي تضمن سيطرة من يقود هذه الثورة على المصائر العالمية. ومن هنا ليست هناك عولمات متصارعة وإنما هناك عولمة واحدة باستراتيجيات مختلفة وهناك داخلها أطراف معولمة فاعلة وأطراف معولمة (بفتح اللام) هي اليوم نحن. هناك بالمقابل عولمة وهناك مناهضة العولمة من قبل الأطراف التي تخشى منها على استقرارها أو ترفض الخضوع لقوانينها أو تتضرر مصالحها منها. وحركات الاسلام الرديكالي المحارب هي شكل من الأشكال اليمينية لمناهضة العولمة كما أن المنتدى الاجتماعي العالمي هو شكل من الأشكال اليسارية لمناهضة العولمة ذاتها. والذي يميز حركة المناهضة اليمينية عن حركة المناهضة اليسارية هي نوعية القيم التي توجه مناهضي العولمة وبالتالي الاتجاهات التي  يريدون لها أن تكتسبها  والأهداف التي يسعون من أجل تحقيقها في نضالهم ضد العولمة.

 

* تميز د. غليون بين عولمة رجعيةٍ وعولمةٍ أخرى يسارية اجتماعية تحررية. مع أنك تعتبر العولمة ظاهرة حتمية... وفي مكان آخر تتحدث عن يمينٍ فاشيّ ويمين بيروقراطي... ألا يشتمّ القارىء أننا بهذه التقسيمات لم نخرج في العمق من تصنيفٍ تقليديّ ذي منشأ أيديولوجي بحت بمعناه البائد( يمين – يسار – يمين اليسار – يمين اليمين ـ يسار اليمين ...الخ) ما تعليقك إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه أمام دولة القانون التي تدعو – وندعو إليها – يقف الجميع باعتبارهم مواطنين قبل خضوعهم للتصنيف (يمين – يسار وما بينهما) فالحقوق والواجبات والمسؤوليات لا يحدّدها يمين ولا يسار...

* بالفعل أنا أعتقد أن للعولمة قاعدة موضوعية هي الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات التي عملت على دمج العالم وتكثيف التواصل بين أطرافه. لكن العولمة ليست مجرد قاعدة موضوعية. إنها تشمل أيضا الكيفية التي تسخر فيها القوى الدولية والاجتماعية والشركات الكبرى، أي الفاعلون الدوليون هذه القاعدة ويستفيدون منها. فقوى الرأسمالية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات تريد أن تستفيد من هذا التواصل والاتصال المكثفين من أجل خلق سوق عالمية واسعة مفتوحة لتبادل السلع والبضائع وبالتالي تطوير المبادلات التجارية وزيادة القدرة على الانتاج وتراكم رأس المال والأرباح. وهو ما نسميه العولمة على الطريقة الرأسمالية أو العولمة النيوليبرالية. وبالمقابل هناك إمكانية للاستفادة من حركة الاندماج الموسع لزيادة فرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية في العالم أجمع، وهو ما يحتاج إلى سياسات لا تستسلم لمنطق الربح والسوق ولكنها تضع ضوابط له بحيث لا يتحول تكوين السوق العالمية إلى وسيلة لإعادة تركيز الاستثمارات والثروات لصالح بعض البلدان وبعض الشرائح الاجتماعية على حساب البلدان والشرائح الأخرى. فالعولمة الديمقراطية تريد أن تستفيد من علاقات الاندماج لتؤكد وحدة المصير العالمي وبالتالي ضرورة الاستثمار أيضا في التكافل والتضامن الدوليين. وهذه مسألة تتعلق أيضا بالاختيارات العقائدية والأخلاقية.

وأعود هنا لأقول أننا لا ينبغي أن نقع ضحايا تصنيم المفاهيم. ينبغي دائما أن نبحث في نواحي المفهوم لنرى الفرق بين الاستخدامات المتعددة والمعاني المختلفة التي يتضمنها. ويعني اليمين اليوم في نظري التسليم لقوانين وقوى السوق والطبيعة بينما يعني اليسار بالنسبة لي تدخل الانسان الفاعل والواعي، من منطلق أنه مصدر لوعي ومنبع لقيم أخلاقية، لإعادة التوازن وتصحيح الاختلالات التي تقود إليها القوى الطبيعية وواقع الممارسة الاقتصادية الرأسمالية القائمة على مبدأ تعظيم الربح.

وبالمثل، إن الاعتراف بوجود يمين ويسار وتيارات متعددة عقائدية لا يلغي وحدة المواطنية ولكنه بالعكس أساسها. وتنعدم المواطنية ونقع في الشمولية منذ اللحظة التي نرفض فيها الاعتراف بالاختلافات في الرؤى والمصالح ونربط المواطنية بالتماهي السديمي للجميع مع نموذج مجرد للوطنية اللفظية كما هو سائد عندنا للأسف. إن دولة القانون هي دولة مساواة الجميع أمام القانون لا دولة إلغاء الاختلافات الفكرية والاجتماعية والمادية بالقانون. فالمواطنية تخص علاقة الأفراد مع الدولة، لكن علاقات الأفراد في ما بينهم ومع العالم والطبيعة وماوراء الطبيعة تتجاوز الدولة بما لايقاس. وهي التي تجعل منهم بشرا مختلفين ومتماثلين قبل أن يكونوا مواطنين.  المواطنية لا تتحدد باليمين واليسار أو بأي انتماء عقائدي كان. هذا هو المبدأ. لكن سيكون خطير جدا أن تعني إلغاء اليمين واليسار والاعتقادات المختلفة فهذا يعني نفي حرية الرأي والتفكير وتحويل المواطنية إلى عقيدة بديلة عن جميع العقائد الأخرى. وهي ليست كذلك ولا قيمه لها إلا لأنها تضمن التعددية الفكرية والسياسية.

 

* في كتابك الحواريّ (الاختيار الديمقراطي في سورية) تعلن أن المعارضة السورية التي تستمدّ قيمها من أفكار الاشتراكية حتى قبل أن تعيد تأسيس نفسها وتجدد شبابها هي الوحيدة التي لا تزال تحمل راية الفكر الإنساني وقيم المساواة والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان.يلاحظ هنا أمران: الأول تبنيك لمعارضةٍ ترتكز على الاشتراكية في هذا الوقت من التاريخ تحديداً. ماالذي نجده بعد في تاريخ الاشتراكية من طاقات قادرة على أن تكون محرّكا ملهماً لمعارضة تريد بديلا سياسياً لنظام تاجر بالاشتراكية حتى اعتصر شعبه وثرواته باسم (أهدافنا) و(المجتمع الاشتراكي الموحّد والدفاع عنه) وبقية شعاراتنا الصباحية؟ وما الذي يضمن ألاّ تعيد أيةُ اشتراكية المأساةَ نفسها؟ الأمر الثاني: رؤيتك لهذه المعارضة بأنها الوحيد التي تفعل ذلك هل يعني عدم وجود معارضة لا تؤمن بالاشتراكية وإذا وجدت فأنتم غير مؤمنين بها؟ أليس هذا نوعا من تنميط تفكير المعارضة في نسق فكري معين دون سواه؟

 * أمام تفسخ نظم الحكم التسلطية العربية تنمو أشكال متعددة من المعارضات. فمنها الجهادية البن لادنية ومنها الاسلامية المعتدلة ومنها الليبرالية ومنها النيوليبرالية ومنها المرتبطة بامريكا ومنها المراهنة على ثورة شعبية عمالية ومنها المعارضة القومية ومنها المعارضة التي أطلقت عليها اسم الديمقراطية. والاعلان عن الانتماء لأي واحدة من هذه المعارضات لا يعني نزع اسم المعارضة عن التيارات الأخرى ولا رفض شرعيتها. إن من الطبيعي أن يختار الفرد نمط المعارضة التي يعتقد أنها تقدم الحلول الأنجع للمشاكل السياسية والاجتماعية والوطنية عموما. لكن لا يمنع الاعتراف بشرعية المعارضات الأخرى من نقدها. هكذا تسير الحياة السياسية. أنا أعترف بأن وراء المعارضات الأخرى وجهة نظر ينبغي احترامها، لكنني أسعى إلى أن أقنع الرأي العام بما أعتقد أنه وجهة نظر أكثر تكاملا وصوابا. ومن دون ذلك لا يمكن أن توجد في أي بلد لا حياة فكرية ولاسياسية. فالاعتراف بالاختلاف شرط للنقاش والحوار لا بديل عنه ولا ينبغي أن يكون سببا أو ذريعة لمصادرته.

وفي الكتاب الذي ذكرت كان هدفي المساهمة في بلورة المفاهيم ومنظومات القيم والاختيارات التي تساعد على بناء معارضة ديمقراطية واجتماعية، أي معنية بالشأن الاجتماعي وبتحرير الناس جميعا وليس فئة منهم فقط في العالم العربي وفي سورية خاصة لاعتقادي بأنها الأنجع. هذه وجهة نظر يمكن أن تسود ويمكن أن تبقى أقلية. لا يغير ذلك من تمسكي بها أو من اعتقادي بأنها الأصلح. وتمسكي بها لايشكل مصادرة على رأي أحد. والمواطن يختار ما يعتقد هو أيضا أنه الأصلح بين وجهات نظر عديدة مطروحة عليه. ويمكن أن يرفضها جميعا.

واستخدام النظم المتفسخة لشعارات الحرية والوحدة والاشتراكية وابتذالها لها لا يعني بالضرورة أنه لم يعد لهذه الشعارات وما تشير إليه قيمة وينبغي التخلي عنها. إنها لم تستخدمها كشعارات لنيل الشرعية إلا لأنها تدرك أن وراء تحقيقها مصالح اجتماعية كبيرة. ونحن لا ينبغي أن نرمي الوليد مع ماء الولادة. وإذا تحدثنا عن إخفاق الأنظمة التسلطية وفسادها فذلك بالضبط من معيار أنها لم تنجز الشعارات والمهام التي انطوت عليها: لا الحرية ولا الاشتراكية بمعنى العدالة الاجتماعية ولا الوحدة أو التكتل والاندماج الاقتصادي العربي.

 

* ذكرت مرة بأن العالم العربي لم تنشأ فيه بعد حروب دينية بالمعنى الحرفي للكلمة وذلك في كتابك (المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات). الآن كيف تقرؤون واقع العراق بعد الاحتلال من هذه زاوية اللجوء إلى المرجعيات الدينية والإثنية لتخطيط مسار التاريخ والمستقبل ضمن فراغ الحياة من فاعليات مهمّة بديلة؟ ألم يؤدّ ذلك إلى نشوء حرب دينية بمعنى ما؟

* ذكرت ذلك في الكتاب في معرض تفسير  الظروف التي جعلت ظهور مفهوم العلمانية متأخر وضعيف في الثقافة العربية. لكن القول بأن العالم العربي لم تنشأ فيه حرب دينية في القرون الوسطى مقارنة بأوروبة لا يعني أنه لن تنشأ فيه ولا يمكن أن تنشأ فيه أبدا. فالمجتمعات العربية ليست محصنة بالطبيعة ضد أي مرض أو انحراف او كارثة.

ومع ذلك لا أعتقد أن ما نعيشه اليوم في العراق هو حرب دينية بين سنة وشيعة. هناك تمايزات وتنافسات طائفية طبيعية على السلطة. لكن ليس هناك حرب دينية. وأعتقد على جميع الأحوال أن التاريخ تجاوز مرحلة الحرب الدينية لأن الايمان الديني أو العبادة لم تعد هي محرك الصراع الأقوى بين البشر أفرادا ومجتمعات. والصراع الطائفي في نظري ليس حربا دينية ولكنه حرب دنيوية هدفها اقتسام الثروة والسلطة لا نشر الدعوة والعقيدة ولا الموت في سبيل الله. والحروب والنزاعات الطائفية موجودة عندنا بالتأكيد. لكنها لا علاقة لها بما ذكرت في الكتاب عن الحروب الدينية. إنها جزء من الحروب السياسية الحديثة أو شكل من أشكالها المقنعة والمراوغة.

 

* بعد سقوط التمثال (بدلا من استخدام تعبير سقوط بغداد) كيف تحلل ما جرى من زاوية تآكل نظام سياسي قومي بعثي يريد في (مكان آخر) أن يتمسّك بآخر ما يمكن من نقاط ارتكاز واهية؟ وما سبب هذا الامتناع على التغير فيما تبقى من نظام قومي ربما لم يمتلك القدرة على قراءة اللحظة الراهنة المصيرية؟ وأين أصبحت فكرة (الدولة ـ الأمة) في هذه اللحظة الغامضة من تاريخنا؟ 

* ليس النظام البعثي في أي بلد تجسيدا لمفهوم الدولة الامة. وزواله أو تفسخه وفساده لا يعكس فساد هذا المفهوم ولا بالضرورة مفهوم القومية حتى لو نسب نفسه للفكر القومي. إن الدولة الأمة مفهوم حديث لم تعرفه المجتمعات العربية لأنه لم توجد عندنا دولة أمة ولكن دولة العشيرة أو الطائفة أو الطبقة أو الحزب. وهو ما أشرت إليه في كتاب المحنة العربية، الدولة ضد الأمة.

أما مقاومة التغيير التي يبديها النظام البعثي فهي نتيجة طبيعية لتوازن المصالح الذي نشأ على أثر استقرار السلطة لأربعة عقود بين يدي النخبة نفسها وانعدام أي آليات تداول عليها أو مراقبتها أو محاسبتها أو تقييدها. ومن الطبيعي أن يرفض أصحاب هذه النظم والمستفيدين منها، وهم طبقة واسعة اليوم، التنازل عن سلطة تجعل منهم آلهة بالمعنى الحرفي للكلمة وتخولهم جميع الحقوق على شعوبهم، أي تضع تحت تصرفهم ملاييين من العبيد الذين يعملون لحسابهم ليل نهار ولا يطلبون منهم شيئا غير قوتهم وقوت أبنائهم. لماذا تريد لهؤلاء أن يكونوا مع التغيير أو أن يتعاملوا بمفهومه ويعرفون معناه. إن المحافظة والجمود والتشبث بالمواقع واستنساخ الرؤساء واجترار الألفاظ والكلمات والشعارات نفسها هو سياسة قائمة بذاتها لإعادة إنتاج الوضع القائم في الذهن والواقع معا. السؤال الحقيقي هو لماذا لا يخرج العبيد عن صمتهم ولا يثورون على شرطهم غير الانساني وغير التاريخي معا.