بعد عام من احتلال العراق

2004-05-10 :: أبيض وأسود

ترجمة :

وحيد تاجا 

* كيف تقيّم الوضع بعد عام على احتلال العراق وسقوط بغداد؟
* من الواضح أن احتلال العراق يشكّل ورطة بالنسبة للإدارة الأمريكية التي توقعت نصراً سريعاً وحسماً أسرع للوضع، لكن الأمور تتعقد أكثر في العراق، ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تدرك ذلك وتسعى من خلال التفاهم مع الدول الأوروبية لاتخاذ قرارات جديدة في مجلس الأمن تسهل نقل السلطة إلى العراقيين وتخفف العبء عن الأمريكيين. إنها تتراجع شيئا فشيئا عن غطرستها الأولى وتقبل بالشراكة مع حلفائها الذين رفضت مشاركتهم في السابق، لكن المخاطر على العراق لم تتضاءل ولا يزال لدى الولايات المتحدة القدرة على نشر الخراب والحروب الداخلية لتبرير بقائها العسكري والسياسي وقطع الطريق على استقلال ناجز للعراق.

* كيف ترى وضع المقاومة العراقية ومستقبلها ؟

* لا ينبغي النظر إلى المقاومة العراقية من وجهة نظر استخدام السلاح فحسب، فالأغلبية الساحقة من الشعب العراقي تقف ضد الاحتلال، وتريد إخراجه من العراق، لا يختلف في ذلك أحد، والرهان على المقاومة العراقية المسلحة وحدها ليس صحيحاً، خاصة وأن هذه المعارضة لاتزال تعاني من نقاط ضعف كبيرة، فهي غير علنية وليس لها برنامج سياسي كامل ومعلن، لا يكفي اليوم الكفاح ضد الاحتلال، ولكن لا بد من تقديم رؤية لإعادة بناء عراق ما بعد الفاشية، كما أنها لا تميز نفسها عن عمليات كثيرة إجرامية لا نعرف من يقوم بها تستهدف المدنيين العراقيين وتخفي إرادة تفجير للحروب الداخلية، تقع على كاهل المقاومة الوطنية المسلحة اليوم مسؤولية كبيرة في المشاركة في وضع حد للمجازر التي تُرتكَب بحق الشعب العراقي.

* هل ترون أن الأمريكيين سيقومون فعليا بتسليم السلطة إلى العراقيين وإجراء انتخابات؟
* ليس هناك ما يمنع الأمريكيين من تسليم السلطة إلى العراقيين إذا ضمنوا الاعتراف بنفوذهم ومصالحهم، وهم يطمحون إلى تحقيق ما كانت بريطانيا قد فعلته في حقبة ما بين الحربين العالميتين، أي تطبيق نوع من الوصاية غير المعلنة على عراق يحكمه العراقيون أنفسهم، لكن لا نعرف بعد هل سيكون هناك مندوب سام وكيف سيكون وضعه القانوني.

* كيف تنظر إلى الموقف الأوروبي من احتلال العراق الآن؟
* الأوروبيون لا يسعون إلى شيء آخر سوى إلى عدم استبعادهم من الشرق الأوسط من قبل الأمريكيين، وسوف يحققون هدفهم كلياً أو جزئياً بسبب تضعضع الموقف الأمريكي، لكن سيكون ذلك على حساب العرب وليس لصالحهم، وهذا على عكس ما يعتقده بعض الساسة العرب، إن التفاهم الأمريكي الأوروبي هو قاعدة تعزيز السيطرة الأطلسية على المنطقة العربية.

* ما رأيكم بالتهديدات الأمريكية لسوريا؟ والى أي حد يمكن أن تصل؟
* ليس للتهديدات الأمريكية لسوريا علاقة كبيرة بالعراق، سوريا مقصودة بذاتها، وكنت ولاأزال أقول إن أجندة الولايات المتحدة في سوريا أو بالنسبة لسوريا هي أجندة إسرائيلية وليست أمريكية، ولذلك فإن حجم وصدقية التهديدات الأمريكية لسورية يرتبطان بالوضع الإسرائيلي وبالموقف الاستراتيجي لحكومة شارون اليمينية في حربها الطاحنة لإبادة المقاومة الفلسطينية، وفي اعتقادي إن الخطر يزيد بقوة على سوريا عندما تتعرض حكومة شارون إلى هزة كبيرة وتحتاج كي تغطي عليها أو تتجاوزها إلى عمل يعزز موقفها في الداخل وتجاه الفلسطينيين، والأمر يتوقف في الأشهر القادمة على نجاح هذه الحكومة في تحقيق انسحابها من الأراضي بعد الإخفاق الذريع الذي واجهته من دون الحاجة إلى عمليات استعراضية للتغطية على مأزق التورط، من دون أمل في الحل، في حرب الدمار الفلسطينية.

* وماذا بالنسبة لإيران.. وحبذا لو نتحدث عن الشيعة ومدى الولاء لقم أو للنجف كي نفهم تماما كيفية تحركهم؟
* لإيران نفوذ معروف لدى شيعة العراق كما هو الحال لدى الشيعة في العالم أجمع، وكثير من الناشطين السياسيين الشيعيين عاشوا في إيران وتدربوا فيها، لكن لا أعتقد أن الشيعة العراقيين ولا قادتهم سيعملون في العراق حسب جدول الأعمال الإيراني، إنهم أصحاب مصالح كبرى في العراق ولديهم هم أنفسهم أجندتهم الوطنية العراقية، بالتأكيد سيكونون حساسين للموقف الإيراني وسوف يأخذون مصالح إيران في الحسبان، وهذا أمر طبيعي ومنطقي معاً، ولا ينبغي أن يثير ذلك حساسيات كثيرة، إن من مصلحة العراق، سنة وشيعة وأكراد وتركمان وغيرهم أن يراعوا مصالح إيران ولا يستعدونها، مثلما عليهم أن يراعوا مصالح تركيا وبقية البلاد العربية.

* وأين تركيا في المسألة..؟
* يحق لتركيا أن تكون حساسة لما يجري في العراق لأنها تضم قومية كردية ذات وزن كبير فيها وكل ما يمس العراق ينعكس عليها، ومن الواضح أن تركيا الراهنة التي تملك علاقات متميزة مع الولايات المتحدة تسعى في الوقت نفسه أن تلعب دور الوساطة والاعتدال في المنطقة المشرقية، وهو دور إيجابي ينبغي تثمينه.

* كيف تنظرون إلى مسألة انعكاس الاحتلال على الصراع العربي الإسرائيلي وموقف الكيان الصهيوني؟
* قلت في إحدى مقالاتي الماضية إن الحرب التي تدور في العراق ليست حرباً أمريكية عراقية فحسب ولكنها أيضاً حرب إسرائيلية عربية، وقصدت أنه تحت رداء الحرب الأمريكية كانت تل أبيب تخوض ولا تزال حربها الخاصة، وإذا كان أحد أهداف الحرب الأمريكية السيطرة على العراق، ومن ورائه تثبيت سيطرتها على الخليج ونفطه، فإن هدف الحرب الإسرائيلية منع العراق من الاستقرار وإذا أمكن دفعه نحو التمزق والتفتت، ولا أستبعد أن تكون العديد من العمليات الإرهابية التي عرفتها المدن والمواقع الدينية العراقية والمؤسسات الدولية من صنع أيادي المخابرات الإسرائيلية.

* ما هي برأيكم آفاق المستقبل؟
* مصير العراق بالرغم من كل شيء لا يمكن أن ينفصل عن مصير المنطقة العربية برمتها، فإذا استمر الوضع العربي في التدهور لن يكون هناك أمل في أن ينجح العراقيون في السيطرة على استراتيجيات الهيمنة والتمزيق التي تستهدفهم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن إذا نجح العالم العربي (المكرسح) في أن يقف على قدميه، وشرط ذلك إعادة إدخال المجتمعات العربية في الحياة السياسية، وإن لم ينجح، فلن يستطيع العراق الخروج من قمقم الاحتلال ولكن الاحتلال هو الذي سيزيد من هامش مبادرته وسينجح في تعزيز موقفه في البلاد العربية الأخرى.