في ذكرى ثورة ٢٠١١

 يتزامن صدور كتاب "عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل"، مع الذكرى الثامنة للثورة السورية بعد انقطاع عن التأليف دام لعقد كامل تقريبا. فلم يكن من السهل نفسيا واخلاقيا تحرير اي بحث قبل تحرير الذات من عبء التجربة السلبية التي جسدها الفشل في إنجاز المهمة التي أوكلت الى المجلس الوطني والي شخصيا، والذي سيكون له وقع مأساوي على مصير الثورة ومآلها، وعلى مستقبل سورية لسنوات وربما لعقود. قاوم رغبتي العنيدة في كشف الغطاء الخوف من سوء الفهم والاستغلال الرخيص بينما كانت المعركة مفتوحة. لكن لم تفارقني فكرة أن التاريخ جاء ألينا مقبلا على موجة عالية، وبدل أن نصنعه بأيدينا، تعاملنا معه، كما تتعامل الفئران مع قطعة من الجبن. خنا التاريخ فخاننا.

ومع ذلك، ليس موضوع هذا الكتاب تاريخ الثورة السورية. فتاريخ الثورة ينبغي البحث عنه في المبادرات والمسيرات والتضحيات اللامحدودة للأفراد والقرى والأحياء، والجهود العبقرية لشباب التنسيقيات، وفي الإبداعات الفنية، وقصص التضامن والأخوة الإنسانية التي فجرتها المواجهة الواحدة، وفي روح المحبة والاتحاد التي أزالت جميع المخاوف والانقسامات، في مقاومة الهمجية، وفي عبقرية شعب جعل من التضحية بأبنائه علامة الانتماء لوطن الحرية والإخاء، واستنهض في ذاته نوابض القوة المعنوية المستحيلة. وهو التاريخ الذي لم يكتب بعد ولن يكتب قبل أن ينجلي غبار المعركة وتخمد نيرانها

وليس موضوع هذا الكتاب أيضا نقد الثورة أو طي صفحتها كجزء من الماضي. بالعكس، إن حافزة الرئيسي هو تخليص إرادة التحرر التي أطلقتها من الأشراك التي وقعت فيها، واستئناف المسيرة التي لن تتوقف، منذ الآن، قبل أن تحقق أهدافها.

وليس هدف هذا الكتاب أخيرا البحث عن كبش فداء وتحميله جميع المسؤوليات، شخصا كان أم جماعة أم تنظيما، وإنما الكشف عن البنية الفكرية والسياسية التي تسكن كل واحد منا، وتطبع سلوكه تجاه الآخر وتحدد مكانته في الدائرة الجامعة. وهي بنية تقوم على زرع انعدام الثقة، والشك بالآخر، والهرب من المسؤولية، والاعتداد بالذات، والمراهنة على الانجازات الفردية والشخصية وحدها. سوف يثير هذا الكتاب ردود أفعال كثيرة بالتأكيد، لأنه في الكثير من فصوله يظهر بشاعة سلوكنا وتصرفنا بعضنا تجاه بعض، لكنه لم يكتب لإثارة النزاع ولا لفتح النار على أحد وإنما لإطفائها وقطع الطريق على إشعالها، فليس هناك أفضل من المكاشفة ورؤية الذات على حقيقتها طريقا للتحرر من مكبوتاتها واختلاطاتها، والعودة إلى نبع الوعي الصافي، وعي الذات بذاتها.ما قوض جهودنا ليس نقص الشجاعة وروح التضحية، ولا غياب الإرادة الخيرة عند الأفراد، فقد كانت التضحية العلامة الفارقة الأبرز لنشطاء هذه الثورة وجمهورها، وإنما سوء توجيهها. ينطبق علينا القول إن الطريق إلى الجحيم مزروع بالنوايا الحسنة. قوة الايمان بقضيتنا والثقة بانتصارنا، وغياب روح العمل الجماعي عن ممارساتنا، لعقود طويلة، جعل كل فرد منا يعتقد أنه الأكثر وعيا بمصالح الكل، والأكثر قدرة على تمثيلها وتحقيقها، وفكر وعمل من موقعه، وحسب زاوية نظره، واعتقد بصلاح خطته وسعى إلى فرضها على الآخرين أو سار فيها لوحده، ونظر إلى من اختلف معه في الرؤية والخطط على أنه متهاون او متردد أو خصم. هكذا سلك كل واحد منا الطريق الذي ارتآه لنفسه من دون اعتبار لأي شيء آخر. والنتيجة أن إرادات خيرة كثيرة حكمها التنافس والتنازع والتسابق، حتى عندما كان تسابقا على البذل والتضحية، بدل أن تتقاطع وتشكل قوة كبرى حاسمة، بقيت متباعدة، مشتتة ومتضاربة، وساهمت من دون أن تدري في إنتاج الكارثة.

لم يكن العطب في الأفراد، مهما كانت أخلاقهم ونفسياتهم ومواهبهم أو ثقافتهم، إنما في نمط العلاقات التي تجمع بينهم وتوحدهم أو تحولهم إلى أعداء فيما بينهم. هذا النمط هو الذي حرم السوريين من تشكيل قوة ذاتية تاريخية، وأحبط في النهاية جميع المبادرات العبقرية التي حفل بها كفاحهم من أجل الحرية، وحرمهم من قطف ثمار تضحياتهم الاستثنائية.

قلت لا يبحث هذا الكتاب في تاريخ ثورة السوريين، ولكن، بالأحرى، في تاريخ إجهاضها، الذي هو ذاته تاريخ العجز عن بناء القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على ترشيد الجهود، وتثمير التضحيات، وتوجيه الخطى. وهو الذي انتهى بها إلى تخبط القوى وضياع بوصلتها، وانتحال شخصيتها وتجييرها لأجندات خاصة محلية أو خارجية. وليس عطب الذات سوى عجزنا عن تكوين هذه القوى المنظمة والمؤهلة لقيادة ثورة شعبية، وفهم رهاناتها، والتقاط المعنى الاستثنائي للحظة التاريخية الذي جسدها اندلاعها.

لذلك ليس للأمثلة الواردة هنا ولا لذكر الأسماء أي طابع شخصي. إن ما يهدف إليه هو الكشف عن تلك النمطية الاجتماعية التي تجعل من مجموع سلوكات حسنة النية ومنسجمة في ذاتها، لأفراد لا يشك أحد بنزاهتهم وشجاعتهم وإخلاصهم، سلوكا مدمرا ولا عقلانيا على مستوى المجتمع الشامل. إنها مراجعة عامة لسلوكنا الجماعي. فما من شك في أن قسطا من مسؤولية الفشل في الخروج من دوامة القيادات المتعددة والمتوازية، والذي دفعني لتقديم استقالتي من رئاسة المجلس بعد أشهر قليلة من تأسيسه، يقع على كاهلي، لعجزي، نتيجة ضعف الخبرة أو قلة الصبر أو الغرور والاعتداد الزائد بالذات، عن استيعاب هذا التعدد والتضارب في الإرادات والأجندات، وإخفاقي في تجاوزها وتوحيدها. فهذا الكتاب هو أيضا في أحد وجوهه الرئيسة مراجعة للذات.

مهما كان الحال، لا أعتقد أن قيمة هذا الكتاب الحقيقية تكمن بشكل أساسي في ما يسرده من وقائع رسمت مسار الثورة السورية لثمانية سنوات، وإنما في ما يمكن أن يثيره من نقاشات ويطلقه من حوارات، هي أكثر ما يحتاجه السوريون اليوم لاستعادة التفكير المعمق بتجربتهم الفذة والأليمة معا، ولتمكينهم من استيعابها وهضمها وتجاوزها في الوقت نفسه، تماما كما كان إنجازه بالنسبة لي تحريرا للنفس والفكر والقلم معا. وأعتبر أن هذا الكتاب قد حقق غايته إذا ما نجح في تحفيز من شارك في التجربة أو ساهم في نشاطاتها على تقديم روايته الشخصية للأحداث، لتتقاطع الرؤى ووجهات النظر، وتشكل إثراء حقيقيا لتجربة السوريين، وتساهم في تطوير تقاليد الحوار والمناظرة السياسية والفكرية الضرورية لبناء السلام والمستقبل معا. وأخيرا، أرجو أن يتقبل القاريء اعتذاري عن كل ما يشوب هذا الكتاب من نقص ونقاط ضعف، انا أكثر الناس دراية بها، لكن لم يسمح لي ضغط الوقت بتلافيها، على أمل أن يتم استدراكها في طبعات أو نصوص قادمة.