أزمة الدولة المارقة

2017-04-15 :: موقع د.برهان غليون

ترجمة :

 

أزمة الدولة العربية هو الموضوع الذي اختاره منتدى الجزيرة الحادي عشر ليكون محل نقاش موسع بين مجموعة من الباحثين والسياسيين يومي ١٥ و ١٦ من هذا الشهر. وقد كنت دائما أقول، وهذا ماركزت عليه في معظم ابحاثي السابقة أنه، بعكس ما كان يركز عليه البحث السائد، في الجامعات الغربية وفي الأوساط الثقافية العربية أيضا، إن العطب الرئيسي في مسيرة الشعوب العربية وأصل الفساد العام لا ينبع من مشاكل عالقة بالثقافة أو الدين، ولا حتى من الطائفية أو النزاعات الأقوامية، ولا من التعددية القومية، وإنما من الدولة القائمة ذاتها، وأصل العطب فيها أنها ليست دولة شعوبها ولكن دولة الفئات المحدودة التي تسيطر عليها، وهي لهذا السبب لم تكن ولا تستطيع أن تكون أداة صالحة لمساعدة الشعوب والمجتمعات على بلوغ المدنية التي تشكل غاية وجودها في الأصل وإداة تحقيقها، ولا تحريرهم من المخانق التاريخية ولا تمكينهم من الاندراج في الحضارة، وإنما هي، بالعكس تمام، أداة تهميشهم وإجهاض جهودهم التاريخية وحرمانهم من فرص  بلوغها. وفي المشرق العربي بشكل خاص، مثلت الدولة التي نشأت من التقسيمات الاستعمارية والوصايات الاجنبية وسياسات التدخل والاستتباع الفخ الذي وضع في طريق الشعوب العربية للايقاع بها أو تشريك مسيرتها أو تفجيرها من الداخل.

مشكلة الدولة العربية هي أنها ليست دولة تحرير وإنما دولة استعباد، حبل سرتها موجود في علاقة النخب التي تحكمها وتتحكم بها بمصادر السلطة الأجنبية التي قررت منذ البدء مسار تطورها ومصيرها، فكانت خميرة دائمة للنزاعات والحروب الأهلية.

المهمة الراهنة المطروحة على العرب اليوم في نظري، وهذه كانت رسالة ثورات الربيع العربي، هي استعادة ملكية هذه الدولة من قبل شعوبها واستعادة سيطرتهم عليها، وإلا سوف تبقى المصدر الأول لفساد نظام المجتمعات العربية في كل ابعاده الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية. وهذا الاستملاك لا يعني شيئا آخر سوى دمقرطتها وتمكين الشعب من أدارتها والتحكم بمسارها. وكل المعارك الدائرة منذ سبع سنوات في العالم العربي تجري على تحقيق هذا  الهدف تملك أو استملاك المجتمعات لهذه الدولة المارقة والمعادية لشعوبها.