العرب ومعركة السلام

 الطبعة الأولى : 1999

الناشر المركز الثقافي العربي

ترجمة :

إن ما يجعل من مسألة مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية قضية راهنة وأساسية في نظري هو أن مصير المشرق العربي يكاد يكون كله مرتهن لمسألة النزاع العربي الاسرائيلي، وأن العرب قد علقوا في السنوات القليلة الماضية جدول أعمال العالم العربي نفسه على تحقيق السلام. وبمعنى آخر أصبح السلام في نظر العرب ونظر الدول الكبرى المعنية بمصير العرب مفتاح التقدم في مواجهة مشاكل عديدة وكبيرة معلقة على بأسها وضع حد لنزيف الدماء في فلسطين العربية، وتحقيق الأمن والاستقرار والتعاون الإقليمي وخلق مناخ ملائم لدفع عملية التنمية الوطنية والاقليمية التي لا بديل لها في استيعاب ملايين بل عشرات ملايين العاطلين عن العمل من  الأجيال القديمة والجديدة وتجنيب البلاد العربية مخاطر الانفجارات الدموية والحروب الأهلية من أجل الخبز

إن ما يجعل من مسألة مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية قضية راهنة وأساسية في نظري هو أن مصير المشرق العربي يكاد يكون كله مرتهن لمسألة النزاع العربي الاسرائيلي، وأن العرب قد علقوا في السنوات القليلة الماضية جدول أعمال العالم العربي نفسه على تحقيق السلام. وبمعنى آخر أصبح السلام في نظر العرب ونظر الدول الكبرى المعنية بمصير العرب مفتاح التقدم في مواجهة مشاكل عديدة وكبيرة معلقة على بأسها وضع حد لنزيف الدماء في فلسطين العربية، وتحقيق الأمن والاستقرار والتعاون الإقليمي وخلق مناخ ملائم لدفع عملية التنمية الوطنية والاقليمية التي لا بديل لها في استيعاب ملايين بل عشرات ملايين العاطلين عن العمل من  الأجيال القديمة والجديدة وتجنيب البلاد العربية مخاطر الانفجارات الدموية والحروب الأهلية من أجل الخبز

برهان غليون وكتاب "العرب ومعركة السلام"

"العرب ومعركة السلام"، هو الكتاب الجديد للمفكر المغربي برهان غليون ،وقد صدر اخيراً عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء يعالج أكثر المسائل راهنة على جدول الأعمال العربية، ويضم عدداً كبيراً من التحليلات السياسية التي تتناول عناصر عملية مفاوضات السلام منذ بدئها في مدريد. ويطرح الباحث الأسئلة الصعبة التي تتعلق بها: هل كان للعرب الخيار في خوض معركة السلام؟ هل السلام العادل ممكن مع دولة اسرائيلية تحظى بتفوق ساحق على جميع الدول العربية؟ هل للعرب مصلحة في تحقيق التسوية السياسية مع اسرائيل؟ هل تنهي التسوية الصراع مع اسرائيل؟ هل لهذه التسوية مخاطر على العالم العربي وما هي؟ هل سيكون للتسوية نتائج ايجابية على مسار التحولات الاقتصادية العربية، أي على عملية التنمية كما يشيع الكثيرون؟ وهل سيساعد إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي في تحسين فرص تطور الديموقراطية في الدول العربية؟
يبيّن الكتاب أن السلام ليس خياراً عربياً ولا حتى إقليمياً وإنما هو خيار دولي، أميركي أوروبي بالدرجة الأولى، وهو يستجيب إذاً قبل أي شيء آخر للمصالح الغربية. لكن ذلك لا يعني أن من الممكن أن يقول العرب انهم غير معنيين به. فرفض السلام يعادل اعلان الحرب السياسية. فليس أمام العرب إلا السعي نحو سلام يضمن الحد الأدنى من مصالحهم الحيوية. وهذا يعني أن الوصول الى السلام العادل يشكل بحد ذاته معركة سياسية واستراتيجية كبرى، وعلى نوعية الاتفاقات المعقودة وتوازنها تتوقف نتائج السلام. ومن الصعب التوصل الى تسويات متوازنة في ظروف عالم عربي مشتت ومتنافس يفتقر للإرادة الواحدة وللهدف المشترك، بينما يساوي توقيع اتفاقات مجحفة خسارة معركة السلام لأنه يجعل من التسوية لغماً للأوضاع العربية بدل أن تكون مناسبة لتخفيف الضغط عن المجتمعات التي ترزح تحت أثقال الحرب منذ أكثر من نصف قرن.
من هنا يرى الكاتب: ان درء المخاطر الناجمة عن احتمال خسارة معركة السلام العادل، أو على الأقل التخفيف من وطأتها يستدعي منذ الآن مبادرات نشطة وجريئة على محاور ثلاثة: محور اعادة بناء المجتمعات العربية من الداخل، وهو ما يتطلب إصلاحات عميقة وشاملة في ميادين الدولة والسياسة والاقتصاد والإدارة والمجتمع تعيد توحيد المجتمعات العربية وتنشيطها وإحيائها وتخليصها من توتراتها العنيفة والمدمرة ومحور إعادة بناء التكتل العربي الإقليمي الذي دمرته حرب الخليج بعد أن زعزعت أركانه اتفاقات كمب ديفيد وعجز العرب عن الاتفاق على استراتيجية موحدة في مواجهة تصاعد القوة الإسرائيلية وتفجر الصراعات العربية العربية والحروب الداخلية. وأخيراً محور بناء العلاقات المخربة النفسية والفكرية والسياسية مع الخارج، والتي تستدعي ما ينبغي تسميته المصالحة الفعلية مع العالم. فالمناخ السائد في العالم العربي منذ الاستعمار وتجربته المريرة حتى العقود الماضية، وتحت تأثير المواقف الغربية المعادية للإسلام وللعرب وتطلعاتهم التاريخية والمحابية لإسرائيل، هو مناخ القطيعة مع العالم الظالم والانكفاء على النفس والتطلع نحو الماضي وإحياء الوشائج الماضوية. وهذا الموقف يزيد في عزلة العالم العربي وهشاشة وضعيته، ولا يفيد إلا السياسة الغربية التي لا تستخدم العدوان والتشهير إلا لدفع العرب نحو مزيد من العزلة والانطواء على النفس والانسحاب من الصراع العالمي ويدعو الكاتب في الإعداد لما بعد السلام، وفي سبيل منع هذا السلام من أن يكون عبئاً جديداً على العرب بدل أن يكون فرصة لتخفيف الضغوط عنهم، الى التخلي عن الموقف القاطع للأمل والمستسلم للقدر. والقيام بالعكس بمبادرات منسقة وجماعية لفك العزلة وانتزاع مواقع قوية في قلب العالم الصناعي، وفي أوساط الرأي العام، من دون خوف ومن دون شعور بالنقص ومن دون التفات الى ما يبدو على هذا الرأي العام من عداء أو استخفاف أو ظلم. وبعكس ما جرت عليه العادة، يحتاج النجاح في هذه المبادرات الى فرض حوار شامل وبناء، رسمي وأهلي معاً، على المجمعات الصناعية الكبرى، وفي مقدمها الأميركية والأوروبية. فهذه هي الطريقة الوحيدة لتغيير طبيعة العلاقات التي تربطنا معها وفرض أنفسنا عليها كشريك شرعي وكامل الشراكة في المفاوضات الدولية والنقاشات العالمية حول جميع القضايا التي تمس حاضر ومستقبل البشرية.
ويرى الكاتب أنه من دون تغيير سلوكنا ومواقفنا، واتخاذ مبادرات قوية وحيوية لإحداث إصلاحات عميقة في نظمنا وفي أساليب عملنا واستراتيجياتنا سوف يكون توقيعنا لاتفاقات السلام سبباً إضافياً لتعميق تفككنا وتدهور أوضاعنا الوطنية والإقليمية والعالمية.