معركة الحسم في سورية

2015-05-02:: العربي الجديد

ترجمة :

تفجرت بمناسبة الربيع العربي جميع ازمات المنطقة وتفتحت كل جروحها. وانكشفت جميع النزاعات التاريخية الدفينة وظهرت بمناسبتها مختلف الاختلالات في التوازنات الدولية والاقليمية والوطنية والمحلية التي زعزت لعقود طويلة استقرارها. ولاسباب تاريخية وجيوسياسية وسياسية ومذهبية ايضا التقت في وقت واحد جميع هذه المواجهات دفعة واحدة على الارض السورية، ويكاد يصبح حسم الحرب في سورية مدخلا لحسم جميع المعارك الدائرة في المشرق العربي وغير العربي منذ قرون وفي كل الميادين.

هكذا لم تعد المواجهة في سورية تعني الصراع على طبيعة السلطة وتغيير نظام الحكم بين شعب منتفض ونظام اكثر من جائر، وانما حربا استراتيجية متعددة الابعاد محلية وأقوامية وسياسية ووطنية واقليمية ودولية، تفتح فيها وبمناسبتها دفعة واحدة كل حسابات المنطقة المعلقة وحروبها.
فهي بشكل واضح حرب إعادة ترتيب المعادلة الدولية بعد التهميش القاسي لروسيا ما بعد السوفييتية واستبعادها من أي حسابات دولية في منطقة جبوسياسية مركزية حساسة. وحرب تقويض التوازنات الإقليمية مع انفجار الغام ثلاثة لا تزال تعس منذ عقود من دون حل: المشكلة الايرانية :مشكلة الحصار وتصدير الثورة وتعديل الخرائط الجيوسياسية وتأكيد الهيمنة الإقليمية، والمشكلة الاسرائيلية التي تمثل اخصاءا لاي مشروع دولة في المنطقة وتقويضا لها من الداخل، مهما كان حجمها وتاريخها، بما يستدعيه "أمنها" وبقاؤها من فرض الامر الواقع بالقوة ورفض القانون والإطاحة بأي مفهوم للعدالة والحق والأخلاق الإنسانية في العلاقات الإقليمية، والمشكلة الكردية المشتعلة منذ بدايات القرن الماضي تخبو فترة لتعود اكثر التهابا في فترة ثانية، وهي مشكلة شعب حرم من حق تقرير مصيره بسبب تناقض السياسات الاستعمارية وتضارب المصالح الدولية والإقليمية.  
وهي بالإضافة إلى ذلك ثورة شعب جرد من حقوقه وأخضع لعملية تنكيل وإذلال مستمر لعقود في سبيل تطويعه وإخضاعه لنظام لم يعتمد منذ ولادته، منذ ما يقارب نصف قرن، سياسة أخرى سوى تشتيته وتمزيقه وتقويض أي أمل له في الحرية والاستقلال والازدهار. وحرب تصفية الحساب بين التيارات الاسلامية والتيارات العلمانية التي أجهضت قدرة الشعوب على مواجهة نظم القهر والاستبداد لعقود أربعة ماضية، ولا تزال تحبط أي استراتيجية وطنية للتغيير. وهي معركة الأقليات والأغلبيات التي تعل في الشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر والمسألة الشرقية.ومعركة الصراعات الاسلامية التاريخية بين المذاهب السنية والشيعية، بل هي معركة داخل تيارات المذاهب السنية ذاته واتجاهاتها المتضاربة، وأخيرا وفي أحد أبعادها معركة اجتماعية بين سكان الارياف المهمشة ومدنها، وبين فقرائها المغلوبين على أمرهم وأغلبية شعبها ورأسمالييها الذين تحالفوا مع الطغيان وكونوا ثرواتهم بالتذلل للسلطة وعمل قسم كبير منهم كمرتزقة في خدمة نظام القهر والعبودية والموت.
وعلى حسم معركة إسقاط نظام الديكتاتورية والخيانة وانتصار مباديء ثورة الحرية والكرامة يتوقف اليوم حسم العديد من الحروب التي تزعزع، بعضها منذ قرون، استقرار المنطقة وتغذي صراعاتها، او على الأقل وضع الاطار الملائم لحلها. ومن ينجح في ذلك سيشارك في وضع الاجندة التاريخية للمنطقة في الحقبة القادمة. 
هذا التقاطع على الأرض السورية، وبمناسبة ثورة شعبها، بين حروب عديدة ومتعددة الأغراض والرهانات هو الذي يفسر ما شهدته وما ستشهده هذه الحرب، او الحروب المتداخلة على مثال "العروسة الروسية"، من ضراوة ودمار ووحشية  غير مسبوقة في تاريخ الصراعات السياسية في العصر الحديث، وهو ما يفسر ايضا تعقدها وطول اجلها وانعدام القدرة منذ أكثر من أربع سنوات على الحسم أو التقدم ولو خطوات قليلة نحو الخروج بحل او بتسوية.  
 
مثل هذا الموقع المتميز والمركزي الذي احتلته سورية ما بعد الحرب العالمية الثانية في ترتيب التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجية والمذهبية والدينية والقومية والوطنية كان من المفروض ان يحمي البلاد، ويشجع جميع الاطراف، الداخلية والخارجية، على التفاهم والبحث عن تسويات ولو مؤقتة، وتجنب الدخول في الحرب باي ثمن. لكن طرفان همجيان بالمعنى الموضوعي للكلمة، اي لا يقيمان اي وزن للمصالح الوطنية وللتقاليد السياسية والاعراف الدولية التي لا تعيش من دونها الاوطان ولا تستقر حياة دولية أو إقليمية، حالا دون ذلك. اولهما نظام الفاشية الاسدية، والثاني النظام التيوقراطي الايراني الذي قرر، بعد مقاطعة الغرب له وفشل مشروع تصدير الثورة الخمينية، ان يكون المعول لتدمير كل المنظومة الاقليمية وتفجير توازناتها وزعزعة استقرارها لفرض نفسه واستعادة هيبته ومد نفوذه وهيمنته. دخل الطرفان المازومان والمحاصران : الاول من شعبه، والثاني من المنظومة الدولية، في منطق انتحاري بكل معنى الكلمة، وقررا خوض معركة الفوز بالسيطرة على المشرق كله، على مبدا إما قاتلا او مقتولا، ولم يتركا ولو مقدار شعرة واحدة للحوار او النقاش. وفي هذا السياق ينبغي أن نفهم معنى خسارة سورية او التخلي عن دمشق، وقررا القتال حتى النفس الاخير وتدمير المنطقة كلها او الظفر بالسيطرة الكاملة عليها. هكذا صار من السهل على الاسد ان يهدد بحرق البلد ويحرقها بالفعل وان ييتم أطفالها ويشرد ابناءها ويحرمهم من وطنهم ويرمي بهم على دروب النزوح والهجرة. كما صار بامكان متعصبي وانتقاميي طهران الافصاح، من دون خوف، على لسان مستشار مرشد الجمهورية، اي على لسان المرشد نفسه، بان طهران استعادت صورتها الامبرطورية التاريخية، وان بغداد هي التي اصبحت عاصمتها الابدية. هكذا دخلنا في منطق جنون النصر والسيطرة وحرب الدمار الشامل وانعدمت كل امال التعايش او التوصل الى سلام.
 كانت طهران على حق في الاعتقاد بان من يسيطر على سورية في هذا الوقت يفتح لنفسه كل الابواب ويربح كل الحروب ويحسم لحسابه النزاعات القديمة والجديدة، لكنها اخطأت عندما اعتقدت ان الاطراف الاخرى واولها اصحاب البلاد انفسهم، اي الشعب السوري، سوف يقبل بالتخلي عن سيادته ويذعن لقرار تسليم بلده للاجنبي، لاي سبب كان. والان وضعت طهران نفسها في موقع يجعل من غير الممكن حسم الحرب من دون خروج ايران من المنطقة كلها واعادة بناء التوازنات من دونها وعلى حسابها.
 كان منطق السياسة والاستراتيجية والعقل يقضي، بسبب خطورة الموقع الذي تحتله سورية في استقرار هذه التوازنات الجيوسياسية والدينية والمذهبية والقومية الحساسة والمعقدة، بضرورة العمل بسرعة على تجنب تفجير الأوضاع وإلهاب المشاعر والسقوط في ما سماه بشار الاسد نفسه بالفالق الذي تقف عليه سورية. لكنه كان هو ذاته السباق لدفعها اليه، بل إنه اعتبر ان التهديد بدفعه لها للسقوط والدمار سيكون سلاحه الامضى لردع الشعب واجباره على الاستسلام نصف قرن اخر لحكم الطغيان.
وجاءت سياسة المقامرة بوجود سورية من قبل الاسد وطغمته بردا وسلاما على حكم مهووسي العظمة والنصر وأبطال الحرس الثوري في طهران الذين وجدوا فيها الفرصة المناسبة لزحلقة كل الاطراف الاخرى واخراجها من المعادلات الاقليمية. حتى ان طهران لم تكتف بإعلان مشروعها باعادة بناء الامبرطورية على أكتاف السوريين فحسب، ولكنها حلمت بان تتحول من خلال سيطرتها على المشرق بجد إلى قوة عالمية كبرى وتصبح ندا للولايات المتحدة وروسيا وغيرهما، ولن تقبل بالتفاوض على مصير جيرانها إلا مع هذه الدول الكبرى. هي سيد المشرق ودولته الوحيدة المعتبرة، وعلى واشنطن ان تتفاوض معها وحدها على مصير ومستقبل دوله وشعوبه.
 ايران دخلت ايضا في مغامرة السيطرة الكلية، تماما كما فعل نظام النازية الهتلرية منذ ما يقارب القرن، وسوف تخسرها. فسورية ليست أرضا من دون شعب، بل لقد اثبتت أنها أرض البطولة والفداء والشهادة من دون منازع ولا نظير، وأن أحدا لا يستطيع أن يستفرد بسورية ويحولها إلى أداة لخدمة مصالحه القومية على حساب مصالح القوى والاطراف الاخرى. لكن ما حصل هو ان ايران الخامنئية قررت ان بامكانها او لديها القوة لتلوي ذراع كل الاطراف الاخرى، وتطهر سورية من شعبها، وتبسط سيطرتها عليها، بل تنجح في الحاقها بها. وها هي تواجه، وسوف تواجه أكثر، العواصف التي فتحت هي ذاتها أبوابها على مصراعيها.
لم تدمر طهران وطن السوريين وتقضي على مستقبل أجيال عديدة منهم فحسب، ولكنها دمرت معه البيئة الإقليمية برمتها، ودفعت للهجرة والنزوح عن أوطانها وبيوتها جماعات كاملة وشردتها. لكنها لم تحصد ولن تحصد سوى الخيبة ومشاعر الحقد والكراهية التي ولدت من حروبها وتغذت من ممارساتها اللاإنسانية ومن تسعيرها الأحقاد والنزاعات الطائفية والمذهبية. معركة السوريين للتحرر والاستقلال لن تكون سهلة، لكن تحقيق السلام والاستقرار في المشرق لا يبدأ إلا بربح معركة السلام والاستقرار في سورية .