ما ينتظره العرب من القمة العربية

2014-3-24:: العربي الجديد

ترجمة :

في مقدمة المستفيدين من تمديد أمد الحرب الدموية الجارية في سوريا منذ ثلاث سنوات، بل تسعير أوارها، إيران التي تستخدمها ورقة للضغط والابتزاز، في إطار مفاوضاتها المتعددة الأهداف مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب. فوراء بحثها عن تعزيز موقفها في الملف النووي، وهو الملف الذي تستطيع أَن تناور فيه إلى حد كبير، بل أَن تظهر حسن نواياها ومرونتها، تسعى إِيران إلى انتزاع اعتراف الولايات المتحدة والدول الغربية بدورها الإقليمي، كقوة أساسية، ودعامة من دعامات الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، ما يمكّنها من أَن تصبح أحد المحاورين الرئيسيين، إن لم تكن المحاور الرئيسي للغرب، في هذا الملف الإستراتيجي الأهم والأبرز. وفي هذه الحالة، تأمل أن يكون ضمان نفوذها في سوريا ما بعد الأسد، أكثر مما كان قبله، عربون تفاهمها مع الغرب وميدانا أول للتنسيق والتعاون بينهما، وبعد ذلك إعادة التحالف مع إسرائيل، لتقاسم السيطرة على العالم العربي واستتباعه كاملاً.
هذا ما ألمح إليه، إن لم نقل صرح به، الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عن قدرات إيران، وامتلاكها خطة إستراتيجية، وعقلانية خياراتها، في سياق مقارنته غير البريئة بين الراديكالية السنيّة والشيعية. تتنازل إيران في الملف النووي للغرب، أي لإسرائيل أيضا وبالأساس، مقابل تمسكها بدورها الإقليمي الرئيسي أو الأسبق، وهو الذي لا يزال لم يحسم أسلوب تحديده وتجسيده في سوريا بعد نهاية حكم الأسد الذي أصبح أمرا محسوما لدى الجميع. وأكبر دليل على ذلك، التهاون الذي أظهرته الإدارة الأميركية في التعامل مع تدخل الميليشيات المتعددة التابعة لإيران في سوريا، والتي غيرت بالتأكيد من معادلة القوة، وقطعت الطريق على حسم عسكري، كان مقدرا منذ منتصف عام 2012 لصالح الثورة والشعب السوريين.
ما تبحث عنه إيران من خلال تشديدها القبضة على سوريا، ومنع نظام بشار من الانهيار، تبحث عنه بالمثل روسيا، لكن، ليس في إطار التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط فحسب، وإِنما من أجل تثبيت الاعتراف بها قوة عالمية، أو قطبا أكبر مقابلا للغرب، في تحديد السياسات الدولية، ما يضمن لنظام فلاديمير بوتين، شبه القيصري، الثبات والاستقرار والاستمرار، باسم ضمان المصالح القومية الروسية.
المتضرر الأكبر من الحفاظ على حكم الأسد، ورقة ضغط وابتزاز، ومنعه من التهاوي، هو الشعب السوري، بكل أطيافه وطبقاته وطوائفه. ذلك أن سوريا تواجه خطر التحلل والصوملة العميقة، والاستيطان الدائم للعنف والانقسام والنزاع، من دون أي أمل بالشفاء والخلاص. لكن المتضرر الثاني على الصعيد الإقليمي هو العالم العربي الذي يعقد هذه الأيام مؤتمر قمته، من دون أي مقترحات، ولا مبادراتٍ تساهم في إصلاح الخلل الحاصل في معادلة القوة في هذا الصراع الإقليمي، والناجم، في الوقت نفسه، عن الدعم غير المحدود من قبل موسكو وطهران لنظام الأسد من جهة، ورهان السياسة الأميركية على استعادة التعاون مع إيران، لتجنب أي مواجهة إقليمية، سواء كانت لمصلحة إسرائيل الخائفة من النووي الإيراني، أو بسبب سوريا المبتلعة من إيران وحزب الله.
على هذا التحدي الوجودي الذي تمثله المناورة الإستراتيجية الكبيرة التي تقوم بها إيران، لانتزاع اعتراف الغرب بها، دولة شريكة في الحفاظ على الأمن في المنطقة، مدعمة بالضغط الروسي الموازي، ينبغي على القمة العربية، ودول الخليج المعنية الرئيسية بالأمر، أَن ترد. وينبغي أن ترد بسرعة وعزيمة واتساق، ليس لإنقاذ الشعب السوري الذي استنزف تماماً، وإنما للحفاظ على وجود العالم العربي، والحد الأدنى من صدقيته الإستراتيجية والأمنية، ووقف الزحف الأميركي تجاه طهران، والقبول بكل ما يعنيه ذلك من تضحيةٍ تاريخية بالحلفاء العرب، وعلى رأسهم بلدان الخليج.