مؤتمر الرياض: اي خيارات استراتيجية عربية للمستقبل؟

2017-05-25:: العربي الجديد

ترجمة :

 

ما من شك في ان المؤتمر الامريكي العربي الاسلامي الذي انهى اعماله في الرياض ٢١ ايار مايو الجاري قد شكل تحولا كبيرا في السياسة الأمريكية بالمقارنة مع السياسة التي صاغتها إدارة اوباما السابقة تجاه الشرق الأوسط. وبالنسبة لبلدان المشرق العربي، ولبلدان الخليج بشكل خاص، يشكل هذا المؤتمر حدثا غير مسبوق نجم عنه اتفاقات وصفقات سيكون لتنفيذها تأثير كبير على مجرى الصراعات المركبة في المنطقة، بالرغم من ان أحدا لا يستطيع ان يتنبأ منذ الآن أو يعرف حدود هذه التأثيرات، أو ان يقدر مدى التزام الاطراف بها. ولعل المهم أو الأهم فيها ليست القيمة  الكبيرة للصفقات التجارية او الاقتصادية التي وقعت خلالها، بالرغم من المبالغ المالية الملفتة، وإنما المعاني والدلالات، أو اذا شئنا الصفقة، السياسية التي تكمن وراءها. وهي تتلخص، في نظري، وكما لاحظها وركز على بعضها معظم محرري الصحافة الدولية، في ثلاثة امور. 

اولا استعادة الولايات المتحدة انخراطها بشكل أكبر في قضايا ومصير الشرق الاوسط والمشرق والخليج خاصة، بعد ان حرصت الإدارة السابقة على الانسحاب العسكري وحتى السياسي من المنطقة عموما. 

وثانيا قبول الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترمب، وبشكل واضح، إضافة بند جديد الى بنك الاهداف التي حددتها الادارة السابقة ايضا  وتمسكت بها خلال السنوات الماضية، ولم تقبل تجاوزها، مهما كان الحال، وهو وضع حد لطموح ايران للهيمنة على المشرق كهدف جديد وثابت من اهداف السياسة الامريكية، إلى جانب هدف مكافحة الارهاب والتطرف المتمثل بداعش والنصرة، وفي نفس الاهمية تقريبا. وتنبع اهمية إضافة هذا البند هذه من انه يضع الميليشيات الممولة والموجهة من قبل طهران على قدم المساواة مع الميليشيات والمنظمات المتطرفة <السنية> ويعيد التذكير بالصفة الارهابية لتنظيم دولة حزب الله اللبناني. 

 

والأمر الثالث، غير المرئي في نظري، لكنه الأهم، هو إدخال اسرائيل لأول مرة كشريك في الصراع على اعادة بناء النظام الاقليمي بعد ان بقيت تل أبيب مرفوضة ومعزولة فيه، وذلك من خلال الجسر الذي مثله منذ الآن الحضور الامريكي العسكري المؤهل للتنامي، من جهة، وبذريعة الدفاع عن مصلحة اسرائيل الامنية في مواجهة الهدفين المعلنين لهذا الحضور، وهما محاربة الارهاب ووقف الزحف الايراني على المنطقة. 

ما من شك أيضا في أن الرياض كانت وراء هذه الأحداث السياسية الاقليمية الهامة، التي تطمح من خلالها المملكة العربية السعودية وبلدان الخليج إلى تشكيل حلف امريكي عربي اسلامي، يضمن أمن المشرق العربي ضد طموحات ايران، وربما تركيا، على مثال حلف شمال الأطلسي الذي يضمن منذ عقود امن أوربا الغربية واستقرارها. وأن الرياض هي التي ستمول، ربما مع بعض دول الخليج، تكاليف تحقيق هذه الخطة وتمويل الحلف السياسي العسكري الجديد. 

ولا يوجد شك أيضا في أن إقامة هذا الحلف ستشكل رافعة مهمة للسياسات الخليجية في المنطقة، وأن العديد من الدول العربية المهددة بالاجتياح الايراني والروسي، سوف تستفيد منها بشكل أو آخر، كما سيكون لها انعكاسات مهمة على مجريات الصراع في سورية التي تحولت أو حولتها الاطراف المنخرطة فيها إلى الموقد الرئيسي لنيران الحرب الاقليمية والدولية. 

٢

لكن بعد الإشارة إلى كل ذلك هناك عدة ملاحظات تبدو لي مهمة للعرب لمعرفة طبيعة المسار الذي يهم معظمهم في خوضه من اجل تامين استقرار نظمهم وأمنهم الوطني والاقليمي، وكذلك معرفة حدود الرهانات التي يضعونها على مثل هذا التحالف، وقدرته على ايجاد حلول ناجعة وسريعة للنزاعات المدمرة في المنطقة، وتطمين الحكام والشعوب معا على مصائر البلدان ومستقبل الجماعات والافراد. خاصة أن تحالفات عديدة سابقة كانت قد انشئت منذ عقود للهدف نفسه، بما فيها مع الولايات المتحدة وحلفائها الاسيويين، لكنها، وإن لم تحظ بالقدر نفسه من الجدية والبذل والإشهار، هذا صحيح، لكنها لم تقدم تبدي اي نجاعة ولا أمنت أيضا اي مساعدة تذكر لدول الخليج في مواجهة الأزمة التي تعيشها منذ اندلاع إزمة ثورات الربيع العربي.

اول ما يتبادر إلى الذهن ، وهذه هي الملاحظة الأولى، يتعلق بسبر غور الانخراط الامريكي الجديد في المنطقة وجديته وصدقه. يبدو الأمر، كما ظهر عبر ما نقلته وسائل الاعلام، وما نعرفه عن رئيس الإدارة الأمريكية الجديدة وكأنه صفقة اكثر مما هو خيار فعلي أو تعبير عن خطط جيوستراتيجية جديدة أو التزام سياسي/قانوني دولي، تقدم من خلاله واشنطن خدماتها في نجدة دول الخليج مقابل عقود عسكرية واقتصادية، كما لو كانت واشنطن رب عمل أو شركة تجارية للخدمات الامنية عالية الكلفة والمستوى. وهذا ما يضعف من الطابع الاستراتيجي للأمر ويدرجه في خانة الحسابات التكتيكية الرامية الى استغلال الوضع الصعب لدول المنطقة من أجل تحقيق مكاسب اضافية من دون أي اهتمام حقيقي بمصير المنطقة ككل وبنتائج الصفقة الراهنة. وهو لا يعكس بالضرورة تغييرا عميقا لحسابات السياسة الأمريكية، وجوهرها الانسحاب الجيوستراتيجي من المنطقة ووضعها في درجة ثانوية او ثانية في سلم اهتمامات واشنطن الاستراتيجية. 

والملاحظة الثانية تتعلق بطبيعة الرد العربي والخليجي خصوصا على التحدي الكبير الذي يمثله ما ينبغي اعتباره منذ الآن زلزال الشرق الأوسط أو المشرق، والذي لا يقتصر على تغول النظام الايراني وانتهاكه الاعراف الدولية ومواثيق الامم، المتحدة وتصميمه على اختراق الدول وتحطيمها من أجل فتح ممر له يطوق فيه الخليج ويمسك بورقة المشرق العربي بأكمله في مواجهة الضغوط الغربية، ولكنه يشمل أكثر من ذلك، وفي نظري أهم من ذلك وأخطر، انفجار أزمة النظم العربية السلطوية الفاشلة والفاقدة للشرعية، ومن ورائها أزمة الدولة الحديثة التي سميت وطنية، وبقيت في المنطقة دولة العصابة أو العشيرة أو الحزب أو النخبة الضيقة التي تحكمها وتتحكم بها، وبلغت مع الوقت، وتفاقم العجز والفشل والفساد المادي والأخلاقي، ذروة في انعدام الشرعية والصدقية وإثارة النقمة والسخط والخذلان، لم يعد من الممكن استمرار التعايش معها. 

ويبدو لي هنا أيضا أن الأخذ بخيار تأمين الحمايات الخارجية أو التحالفات الدولية والاقليمية، وتعزيز القوات العسكرية الدفاعية ومشاركة الأمريكيين فيها، وهو ليس خيار جديد ولكنه الخيار القديم المستمر منذ عقود، قد جاء تجنبا للتفكير في خيارات ابداعية كان من الممكن ان يكون في صلبها وجوهرها العمل على وضع اسس بناء القوة الذاتية وشروط  تقديم الاعتماد على الذات والتعاون بين الدول العربية بدل استمرار المراهنة على الاعتماد على الخارج، وأن يتركز قسم منها على إصلاح النظم السياسية وتأهيل الشعوب لمزيد من المشاركة والشعور بالمسؤولية تجاه مصير الدولة والبلاد، ومن ضمنها أيضا خيار مراجعة سياسات التنمية الفاشلة التي وضعت شعوب المشرق في حالة من البؤس والبطالة والعطالة المتفاقمة، تهدد، إن لم تكن قد فعلت بعد، بتحويل المنطقة إلى قنبلة موقوتة، بصرف النظر عن نوعية المستغلين والمستثمرين للوضع، وهم اليوم ايران وروسيا بالدرجة الأولى، لكن يمكن ان تدخل في السباق على اقتسام كعكعة المشرق المنهار، سياسيا واقتصاديا، بعدها نخب وعصائب وقوى ودول أخرى من داخل الاقليم أو من خارجه وللهدف نفسه حتى لو اختلفت الوسيلة. 

بالتأكيد يبقى المسعى العربي الراهن الذي تمثل في العمل على تجميع العالم العربي والاسلامي من حول المشرق، والخليج بشكل خاص،  مهم وايجابي من دون أدنى شك لأنه يعبر عن الاحساس العميق بالخطر والأزمة المستفحلة ويظهر التفكير بطرق احتوائها وايقاف مسار التدهور والانهيار، لكن مشكلته تكمن في تجنب الحلول والخيارات الجديدة والعودة إلى الخيارات السابقة مع مضاعفة الرهانات على حل الحمايات الخارجية، في الوقت الذي يشكل فيه فشل هذه الخيارات السبب الرئيسي للأزمة الملتهبة الراهنة. يبدو لي كما لو أن العرب اعتقدوا ان ما لم تحققه الاستثمارات القديمة في تأسيس تعاون وتحالف منتج مع واشنطن يمكن أن تحققه استثمارات أكبر فيها ومجزية أكثر لها. وهذا ليس بالأمر المؤكد ابدا، ما دمنا لم نخرج من المنطق القديم نفسه. 

بالتاكيد سيضمن هذا الخيار فرصة أكبر لالتقاط الانفاس عند العرب والخليجيين، لكنه لن يشكل أي حل بالنسبة للمستقبل. وأخشى بالعكس أن يحصل تسكين ألم المريض على حساب البحث عن دواء شاف للمرض، ويعمل بالعكس على تأجيل العلاج الناجع وبالتالي على تفاقم الداء. فمما لا شك فيه أن ايران هي السبب الرئيسي في تقويض اسس استقرار المنطقة وتهديد امنها وتفكيك دولها، بسبب طمعها في ان تتحول إلى امبرطورية، اي امبريالية اقليمية مهيمنة تستفيد من عوائد الهيمنة وريعها لتحسين موقفها وموقعها الدوليين. لكن ايران ليست السبب في خلق المشكلة. وما كان بإمكان طهران ولا غيرها ان تعبث بالأمن والاستقرار والتماسك الوطني لشعوب المنطقة العربية لو لم تجد في هذه الشعوب والبلدان عوامل التفسخ والفساد والضعف وعجز النخب عن إدارة شؤون مجتمعاتها وحكمها وقيادتها بطريقة ناجعة. وإزاحة ايران من ساحة المسابقة على اقتسام جسد المشرق العربي لا يعني شفاء هذا الجسد، ولا ضمان ان يعود امره إليه وحده، وإنما ربما حلول من هو أقوى منها محلها في تقويض المشرق العربي من الداخل واستخدام نقاط ضعفه وانقساماته وفساد نظمه ونخبه من أجل ابتلاعه وتحويله إلى قطع غيار في مشاريع تتجاوزه وتقوم على حساب مصالح شعوبه وقدرته على اقامة اي شكل من اشكال الدولة او المجتمع المتفاهم والمنظم والفعال.