مأزق المعارضة العربية.. بين الوطنية والديمقراطية

2003-05-21:: الجزيرة نت

ترجمة :


انقسمت المعارضة العراقية في مواجهة زحف قوات المارينز على بغداد إلى فريقين:

الفريق المؤيد للتدخل العسكري الأميركي والمدافع عنه باعتباره الوسيلة الوحيدة للقضاء على نظام روع العراق وخربها ودمر مستقبل أبنائها.
والفريق الثاني الذي وسم نفسه بالقومية والوطنية ورفض الحرب تحت أي ذريعة كانت وسعى بكل ما يستطيع إلى إقناع النظام العراقي المخلوع بفتح الطريق أمام مصالحة وطنية.
وإلى أن سقطت بغداد كان الرأي العام العربي في تياره الغالب يميل إلى الموقف الثاني بوضوح، حتى إن بعض قوى المعارضة الديمقراطية التي كانت تنادي بالديمقراطية قد طالبت بإخماد أي صوت انتقاد للنظام العراقي المخلوع، وكانت تعتبر أن الانتقاد العلني للنظام أو لرئيسه في الوقت الذي يتعرض فيه العراق للهجوم يصب لا محالة في طاحونة الإدارة الأميركية بقدر ما يزرع الشك في صحة الموقف العراقي ويدفع إلى إضعاف المعنويات، وهو يشكل بالتالي إساءة كبيرة إلى الموقف الوطني العراقي والعربي معا.

ومن هذا المنظور، وقبل اندلاع الحرب بوقت قصير، اتخذ المؤتمر القومي العربي -الذي جعل همه المطالبة بالديمقراطية كجزء من مشروع النهضة العربية- قراره بعقد آخر مؤتمراته القومية في بغداد، واستُقبل وفد منه من قبل السلطات العراقية العليا. وما أن تأكدت النوايا العدوانية لواشنطن حتى ذهب وفد عربي آخر ضم العديد من الشخصيات إلى بغداد لإظهار التضامن العربي القومي مع الشعب العراقي.

وفي السياق نفسه بدأت في عموم العالم العربي حركة لتعبئة المتطوعين للحرب في العراق ضد الولايات المتحدة حتى بلغ عدد هؤلاء أثناء الحرب ما يقارب العشرة آلاف كما ذكرت العديد من الصحف. وقد استشهد على ما يبدو عدد كبير جدا من هؤلاء المتطوعين العرب في المعارك غير المتكافئة عسكريا ولا سياسيا مع القوات الأميركية. وقيل إن بعضهم قتل على يد بعض العراقيين أو سلم للقوات الأميركية ليقتل. لكن الحماس العربي للعراق الذي رافق الإعداد لمواجهة الحرب ما لبث أن فتح الباب أمام حركة شك عميقة في جدوى هذا الاختيار عند الرأي العام، وشكلت المأساة التي أحاطت بوضع المتطوعين العرب في العراق محنة حقيقية لأهاليهم وصدمة للوعي العربي عموما الذي فوجئ بالسرعة التي تم فيها التخلي عن هؤلاء المتطوعين والتنكر لهم ونسيان تضحياتهم حتى إن الكثير من حكوماتهم الأصلية رفضت استقبالهم، أو وضعتهم عند عودتهم في السجون.

وبعد أن كانوا شهداء أحياء عوملوا في العديد من الأوساط ويكادون يعاملون اليوم من قبل حكوماتهم كما لو كانوا نوعا من المرتزقة تماما كما أرادت الإدارة الأميركية أن تصنفهم لتدرجهم في قائمة الإرهاب وتبرر قهرهم بوصفهم من الإرهابيين.

وبالمثل، ما كاد نظام صدام ينهار وتغير المعارضة العراقية من موقعها وتصبح على قدر من الحرية في البلاد حتى بدأت في اتهام المعارضات القومية العربية والإسلامية التي أرسلت المتطوعين وأعضاء المؤتمر القومي الذين قبلوا الذهاب إلى بغداد والمطالبة بتعزيز الوحدة الوطنية العراقية بالانفتاح على المعارضة بالتعامل مع الدكتاتورية والعمل في خدمة النظام العراقي سواء أكان ذلك عن قصد أو غير قصد. بل إن بعض أطراف المعارضة العراقية ذهبت إلى أبعد من ذلك متهمة الرأي العام العربي -الذي وقف من دون شك مع العراق ربما من دون التمييز بين الحاكم والمحكوم ضد الغزو ثم الاحتلال الأميركيين- بالتعاطف مع الدكتاتورية أو بالافتقار إلى المطالب الديمقراطية وقيم الحرية.

وفي موجة التنديد بمواقف الرأي العام العربي الذي بدا إبان حرب العراق وكأنه تجاوز النزاع القائم بين النظم والمعارضات وقبل بتجميد كل الخلافات في مواجهة الأجنبي، وجدت بعض التيارات العربية الليبرالية في الأخطاء التي ارتكبتها بعض قوى المعارضة القومية فرصة للتشهير بالفكرة العربية وذريعة للمطالبة بدفنها وإسدال الستار عليها بوصفها منبعا لقيم التضامن الآلي الجماعي التي تقف حائلا أمام نمو قيم الحرية الفردية والفكر النقدي والديمقراطية. ونالت الجامعة العربية حصتها من هذا الهجوم حتى بدا وكأن وجودها نفسه أصبح مطروحا على المحك.

وشيئا فشيئا أخذ موقف الجمهور العربي -بما في ذلك المعارضة الوطنية على مختلف تياراتها الإسلامية والقومية- الداعي إلى التضامن مع عراق صدام وتجميد المطالب الداخلية والوقوف وراء الأنظمة القائمة في جبهة واحدة لمواجهة الغزو الأجنبي يتعرض لانتقادات كبيرة من قبل مثقفين وأعضاء في قيادات المعارضة العربية.

ولعل الفوز السريع الذي أحرزته القوات الأميركية في العراق وتهاوي نظام صدام الذي كانت تعقد عليه الآمال في تلقين الأميركيين درسا يفيد العرب في فلسطين والمناطق الأخرى قد بدأ يدخل الكثير من التلوينات على الصورة. وبالرغم من أنه لم تصدر بيانات جديدة في هذا الموضوع فإن تيارا قويا بدأ ينتشر ويفرض نفسه داخل صفوف المعارضات العربية لا يخفي رهانه على التدخل الأميركي إن لم يتمناه في المنطقة كلها، ولسان حاله يقول: إن فشل جميع حركات المعارضة العربية الديمقراطية والإسلامية معا في تحقيق الإصلاح والتغيير يجعل من الضغوط الأميركية الورقة الوحيدة المتبقية لكسر الجمود الذي نجحت الأنظمة الراهنة في الحفاظ عليه منذ عقود.

لا أعتقد بداية -وأنا من الذين انتقدوا انعقاد المؤتمر القومي في بغداد ورفضوا الذهاب إلى عراق صدام حسين- أن أحدا من الذين زاروا العراق قبل الحرب وأثناءها من حركات المعارضة العربية كان يقصد من زيارته تأييد النظام الدكتاتوري العراقي ولا تعزيز موقفه تجاه شعبه.

ومن المؤكد في نظري أن قسما كبيرا من المثقفين والسياسيين الذين ذهبوا إلى بغداد كانوا مدفوعين بهاجس وطني عربي أساسي هو الحد من تدهور الوضع الوطني العربي وكانوا يحلمون أن يكون بإمكانهم استغلال أجواء المؤتمر لانتزاع تنازلات من قبل النظام العراقي لصالح الحوار الوطني الذي يهدف إلى قطع الطريق على العدوان ووضع العقبات أمام تطبيق الخطط الأميركية المعدة علنا لغزو العراق.

ولا يختلف هؤلاء في موقفهم عن موقف العديد من قوى المعارضة الديمقراطية التي لا تكف في العديد من البلاد العربية الأخرى عن مناشدة النظام وقادته التدخل بسرعة لتحقيق الإصلاحات الضرورية وبدء مسيرة المصالحة الوطنية التي تحصن البلاد تجاه الضغوط الخارجية وتقطع الطريق عليها. وبالمثل لا أعتقد أن جماعات المعارضة العراقية العديدة التي قبلت بالتدخل الأميركي وسلمت به واعتبرته شرا لا بد منه فعلت ذلك بسبب افتقارها للحس الوطني أو قبولها التضحية بسيادة العراق واستقلاله، كما لا أعتقد أن انتقادها للموقف الشعبي العربي المؤيد للعراق ضد الولايات المتحدة يتضمن التخلي عن فكرة التضامن العربي أو التنكر لها. ولا أعتقد أن الذين يراهنون اليوم على الضغوط الأميركية العسكرية والسياسية والاقتصادية لإحداث تغيير في الأوضاع يهدفون إلى إضعاف موقف بلادهم أو تعريض سيادتها للخطر.

إن الذين ذهبوا إلى العراق لإعلان تضامنهم مع شعبه وربما حكومته في وجه الغزو الخارجي مثلهم مثل أولئك الذين ذهبوا إلى واشنطن للتفاوض على التدخل الأميركي في العراق للقضاء على نظام صدام حسين يعبرون معا عن المأزق الذي تجد فيه المعارضة العربية بل الرأي العام العربي برمته نفسيهما، أي ضرورة الاختيار بين التحالف مع النظم القائمة واستجدائها أو المراهنة على حسن نوايا القوى الدولية الأميركية أو الأوروبية لتحقيق الحد الأدنى من برنامج التحولات والإصلاحات الديمقراطية والوطنية، وهو مأزق نستطيع أن نعبر عنه بعبارة المستجير من الرمضاء بالنار. ولهذا يبدو من الواضح لأي مراقب مدى الحرج الذي كانت تعيشه ولا تزال أطراف المعارضة العربية على مختلف اختياراتها. فالذين ذهبوا إلى بغداد أو دافعوا عن الالتفاف حول نظامها قبل الحرب لا يشعرون بالراحة في قرارة أنفسهم لأنهم يخشون بالفعل أن لا ينتج عن ذلك سوى تعزيز الموقف السياسي لنظام دكتاتوري وحشي لم ينجح في الوقوف يوما واحدا أمام العدوان وانهارت قياداته في أسرع من انهيار دفاعاتها. ولا يقل عن ذلك حرج أولئك الذين قبلوا بالعمل تحت إمرة العواصم الأجنبية وهم يدركون أنهم ربما كانوا الغطاء لعملية احتلال سوف يدفع العراق ثمنا باهظا للتخلص منه.

لكن الطرفين كانا يعتقدان أن المكاسب التي يقدمانها للعراق تعادل إن لم تفق الخسائر المنتظرة من موقفهما. فقبل الطرف الأول الاتهام بالتعاون مع الدكتاتورية في سبيل تأكيد قيم التضامن العربي والعداء للاستعمار كقيم أولى ومحورية. كما قبل الطرف الثاني الاتهام بالعمالة للأجنبي لقاء تحرير العراق من طغيان السلطة البعثية الصدامية.
لكن في ما وراء المثال العراقي يطرح هذا الوضع المأزقي الذي تجد المعارضات العربية نفسها فيه مسألة وجود المعارضة ذاتها وقدرتها على العمل والاختيار، كما يطرح مسألة تحديد معنى المعارضة الوطنية وتبيان الإستراتيجيات الصحيحة التي يتوجب عليها بلورتها وتطبيقها وربما أكثر من ذلك معنى الوطنية نفسها اليوم في عصر الدكتاتورية البليدة المتفسخة وعصر الهجوم الأميركي الصاعق على العالم أجمع لبناء النظام الإمبريالي الجديد. فليس مثال العراق هو المثال الوحيد الذي تتعرض فيه المعارضات العربية لمثل هذا المأزق والإحراج العميق. إن احتلال العراق فتح بحد ذاته الباب أمام حقبة من الضغوطات الشديدة التي ستتعرض لها نظم حكم عربية فقدت الصدقية في الخارج والداخل وذلك بهدف إخضاع سياساتها بشكل كلي لحاجات الإستراتيجية الأميركية العولمية.

فما هو أصل هذا المأزق الذي تجد فيه المعارضة العربية نفسها؟ وكيف يمكنها الخروج منه حتى تتحول إلى قوة مستقلة وقادرة وتستحق المراهنة عليها من قبل الرأي العام لإحداث التغيير المنشود بدل استجداء النظم الدكتاتورية واسترحامها لتحقيق بعض الإصلاحات أو الاستنجاد بالأميركيين والأوروبيين والنفور إليهم على مثال امرئ القيس للخلاص من الطغاة الذين تربوا وعاشوا واحتموا في أحضان هؤلاء؟ وما هي المواقف التي يتوجب عليها اتخاذها والإستراتيجيات التي يتوجب عليها تطويرها حتى لا تصبح بالفعل أداة في يد الدكتاتورية الفاسدة أو غطاء لتدخل القوى الأجنبية؟

وأخيرا أين تكمن الوطنية اليوم، هل تكمن في جعل التحولات الديمقراطية محور الجهد الرئيسي للتغيير وبالتالي إخضاع كل الأهداف الأخرى بما فيها السيادة الوطنية لهدف التغيير الديمقراطي، أم أنها تكمن في حماية السيادة والدفاع عن الاستقلال الوطني وتدعيم أي قوى حاكمة مهما كان نظام حكمها جائرا ما دامت تتمسك أو لا تزال تتمسك بمثل هذه السيادة أو بشاراتها وعلاماتها؟

ينبغي أن نقول بداية إن المعارضة لا توجد بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا في نظام ديمقراطي يضمن لها موقعا ودورا ومكانا ووظيفة واضحة تجعلها جزءا مكملا للنظام ومتفاعلا معه، فهي بالأساس ليست أشخاصا مختلفين أو مع النظام أو منتقدين له ولكنها وظيفة سياسية تستجيب لحاجة جوهرية وبنيوية في النظام.

وما يوجد في النظم الدكتاتورية أو شبه الدكتاتورية التي نعرفها في البلاد العربية هو جماعات صغيرة على درجة أو أخرى من التنظيم ليس لها دور ولا موقع ولا وضعية قانونية أو سياسية واضحة. فهي لا تعمل كقوى معارضة وطنية أي شاملة ومؤهلة لأن تتحول سياسيا من حالة الأقلية لحالة الأغلبية وأن تحل محل القوى السياسية الحاكمة وتخلفها، مما ينمي لديها الاستعدادات لقيادة الدولة وتحمل المسؤولية واحترام النظام العمومي، ولكنها تعمل كقوى مقاومة في مواقع متعددة هدفها الحد من الاجتياح الكامل من قبل نخب السلطة للمجتمع بعد السيطرة الكلية على موارده المادية والمعنوية.

إنها تشبه القناصة أو هي مجموعات قنص تعكس روح المقاومة ورفض استسلام الجماعة للنظام المفروض بالقوة وفي أقصى الدرجات زعزعة استقرار النظام. والقصد أن لكل نظام سياسي نوع المعارضة الذي يتفق ومنطق ممارسة السلطة وتداولها أو الحفاظ الأبدي عليها. وفي نظام دكتاتوري لا قانوني ولا سياسي ولكن أمني عسكري كما هو الحال في معظم البلاد العربية ليس هناك وظيفة تداول سلطة وإنما كل النظام العمومي موجه لتحقيق غاية واحدة هي قطع الطريق على مثل هذا التداول وبالتالي القضاء على أي فرصة تساعد على نشوء معارضة داخلية أو نموها. وهذا هو الهدف من تعميم وظيفة الأمن على حساب الوظائف الاقتصادية والسياسية والتربوية والاجتماعية كافة وتنمية أجهزة القمع والاستبداد.

ومن هنا تتحول مجموعات المعارضة إلى مجموعات من المنشقين كما كان يسميها بحق النظام السوفياتي المدفون. والمنشق هو متهم أصلا بالخروج على النظام والوطن معا، وهو واقع تحت ضغط متواصل من القمع والاتهام والتشهير والتشويه معا حتى يمكن عزله عن الرأي العام وتخويف الرأي العام من الاقتراب منه، فكل من يمسه أو يقترب منه يصاب بالعدوى ويصبح عرضة للشبهة والقمع. وفي هذه الحال لا يمكن أن يكون لدى المعارضة أي أمل بالتطور والتحول إلى قوة اجتماعية وطنية قادرة على أن تنافس القوى الحاكمة أو أن تحلم يوما بأن تكون في مركز المسؤولية الوطنية العمومية ولا أن تبلور وهي تحت ضغوط مستمرة ودائمة أي رؤية أو إستراتيجية وطنية شاملة ولا أن تطمح إلى أن تصبح مركز استقطاب للقوى الناقمة والمستاءة من النظام وقيادتها في معركة سياسية فكرية أخلاقية لإحلال نظام جديد محل النظام الراهن الذي يعترف الجميع بفساده وعدم فاعليته. ولا يقوم استقرار النظام أو بالأحرى استمراره في الواقع إلا على ابتزاز الرأي العام بأن من المستحيل تحقيق أي تغيير بالطرق السياسية وأن من يريد التغيير ليس لديه وسيلة أخرى غير اللجوء إلى القوة وبالتالي التحول إلى إرهابي.

بل إن أحد المسؤولين العرب لم يتردد في إقناع المعارضين المنشقين بالكف عن المطالبة بالتحول الديمقراطي في القول: لن نسلم بالطرق السلمية سلطة أخذناها بقوة السلاح فمن كانت لديه القوة لتغييرنا بالقوة فنحن مستعدون. إن استقرار النظام قائم على نجاحه في فرض معادلة صعبة جدا على أي معارضة وعلى المعارضة الديمقراطية بشكل خاص، أعني تحويل ساحة التنافس السياسي إلى ساحة المواجهة العسكرية فحسب. ولذلك ليس من المستغرب أن لا تنجح في استقطاب الجمهور الناقم الذي يدرك أن كل مؤسسات النظام وممارساته قائمة على الحيلولة دون نشوء قوة سياسية قادرة على تحقيق التداول السلمي أو جعله أفقا معقولا إلا القوى التي تعتمد في مواجهتها للنظام على القوة والعنف. وهي اليوم فريقان: الحركات الإسلامية العنيفة وغريمها ومنافسها على تحقيق مطلب التغيير، القوى الدولية المتدخلة أو المستعدة للتدخل عسكريا أو سياسيا أو اقتصاديا.

هذا الوضع الهش والقلق للمعارضة التي لا تستند إلى وظيفة بنيوية في النظام ولا إلى قاعدة اجتماعية ثابتة هو الذي يفسر ضعف المعارضة البنيوي السياسي والفكري والتنظيمي معا وبالتالي تشتتها وتفتتها وافتقارها إلى رؤية وإستراتيجية مستقلتين كما يفسر المأزق الذي تجد نفسها فيه وتناقض اختياراتها أو الإحراجات التي تجد نفسها حبيستها في الاختيار بين الاستبداد والاستعمار. فهي إما أن تقبل بأن تظل هامشية ومهمشة لا وزن ولا مكان ولا قيمة لها أو أن تتعامل مع قوى حقيقية أصلية وفاعلة أو ماسكة داخلية أو خارجية. ومن هنا تمسكها الدائم بأمل وجود تيار إصلاحي داخل النظم القائمة أو وجود إرادة تغيير لدى الدول الكبرى الحامية لهذه النظم والمدافعة عنها.

ففي نظم تلغى فيها أو تكاد تلغى جميع الحريات الفردية وتحرم التكتلات والتجمعات والحركات الجماهيرية وتفرض فيها السلطة سيطرتها على النقابات ووصايتها على المنظمات الأهلية من الصعب أن تنشأ معارضات ذات دعوة ورؤية وممارسة شمولية وطنية. إن ما تعرفه البلاد العربية هو مجموعات رأي ومجموعات مصالح ومجموعات ضغط متعددة ومتغيرة ومتبدلة وليس معارضات بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي ليست قوى منظمة ومؤهلة أو لديها إمكانيات التأهيل والموارد البشرية والمادية الضرورية كي تتحول إلى فاعل حقيقي مستقل في الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد وجاهز كي يحل في وقت الأزمة محل النخب الحاكمة لقيادة الدولة وتسيير الشؤون المجتمعية.

إن النظم العربية قائمة أساسا على منع نشوء هذه القوى المعارضة الحية والقوية القادرة على أن تشكل منافسا أو بديلا فعليا لها لأن وجود مثل هذا المنافس يلغي بالضرورة -سواء أحصل التداول على السلطة أم لم يحصل- التسلط على الحكم والانفراد المستمر والأبدي به. وهي تستخدم غياب البديل كذريعة لرفض التغيير والتداول معا. ومن الصعب بل المستحيل تكون قيادات سياسية وتجديدها في أي مجتمع مع امتناع أي شكل من أشكال التفاعل والتواصل بين النخب المعارضة وبين الجمهور ومع غياب الأمن وخوف الجمهور من الانخراط في أي عمل سياسي أو جمعوي. وبهذا المعنى يشكل ضعف المعارضة العربية ونقص قدراتها السياسية والفكرية إدانة لنظم الحكم القائمة نفسها وعلى أسلوب ممارستها للسلطة.

لكن لا ينبغي أن يفهم من محاولتنا تفسير ضعف المعارضة وتشتتها النظري والسياسي السعي لتبرئتها من المسؤولية أو تبرير العجز والقصور، فالتفسير لا يعني التبرير. والواقع المادي والتاريخي ليس قدرا ولكنه مجال مفتوح أيضا للتغيير والتعديل وإعادة التشكيل. لكن ذلك يفترض الوعي النظري الدقيق والموضوعي. وربما كان السبب الرئيسي في عجز المعارضات العربية عن اختراق حصار الأنظمة الاستبدادية وكسر حلقة العجز هو التقاعس في ميدان العمل والاجتهاد النظري والعملي أو نقص الجهود المبذولة فيهما.

ويبدو لي أن تعزيز موقع المعارضة وتمكينها من التحول تدريجيا إلى مركز استقطاب قوى التغيير الاجتماعية يوفر لها الموارد البشرية والمادية يستدعي العمل على محورين متوازيين: أولا الانفتاح المتبادل بين قوى المعارضة المختلفة وفرقها لتكوين قطب ديمقراطي قوي وواسع يتسع لجميع قطاعات الرأي العام الديمقراطي الوطني ويوحدها في معركة التغيير وتداول السلطة السلمي المطلوب، وثانيا العمل بشكل مستمر على تمييز موقف هذا القطب الديمقراطي عن مواقف القوى الأخرى التي تتصارع معها سواء أكانت قوى الاستبداد أم قوى الهيمنة والسيطرة الأجنبية، ورفض الالتحاق بها مهما كان الثمن من حيث الخسارة أو الربح.

ولا تستطيع قوى المعارضة أن تعزز اتجاهات الوحدة في ما بين تياراتها وفئاتها المختلفة ولا أن تميز موقفها أو تبني موقفا مستقلا ومتميزا من دون أن تطور رؤية نظرية عقائدية وسياسية متكاملة للتغيير خاصة بها، وكذلك من دون أن يكون لها جدول أعمالها الخاص الذي يرد على حاجات تحقيق برنامجها.

وما زلت أعتقد أن الكثير من قوى المعارضة الموجودة اليوم -وبسبب الظروف القاسية التي تعمل فيها، لكن أيضا بسبب الاستقالة السياسية لقسم كبير من الرأي العام المثقف والسياسي- لم تنجح في تجاوز تصوراتها القديمة وأساليب عملها السابقة وقوقعتها على نفسها حتى تؤهل نفسها للانخراط في عمل جماعي أشمل يضم قوى متعددة قادرة على أن تبلور برنامجا وطنيا فعليا وتعمل على إنجازه. وما تعج به الساحة العربية هو مجموعات ذات برامج خاصة أو ذات برامج وطنية نظرية لا طاقة لها على تحقيقها يجعلها تبدو وكأنها قوى تعبير عن نوايا لا قوى صراع سياسي فعلي لتغيير الوقائع.

إن مواقف التبعية التي أبدتها المعارضات العربية إبان الحرب الأميركية الأخيرة على العراق وما رافقها من التحاق مجموعاتها المختلفة بالقوتين الرئيسيتين المتنازعتين على عزل المجتمع والجمهور عن الحياة السياسية -وأقصد النظم والنخب الحاكمة والقوى الاستعمارية الجديدة- قد أثرت كثيرا في صدقيتها وحدّت من فرص نموها بقدر ما أظهرت هشاشة موقفها وكرست تشتتها وضعفها وأوحت بأنها بعيدة عن أن تشكل فاعلا مستقلا لديه جدول أعماله وإستراتيجيته الخاصين للتأثير في الأحداث.

فقد بدت المعارضة العربية وكأنها لا تفكر بالفعل كمعارضة مسؤولة ومؤهلة لخلافة النظم المستبدة وإنما على أنها قوى مشتتة تصبو إلى المشاركة في السلطة أو التأثير الثانوي فيها إما عن طريق الحوار مع نظام الاستبداد او التفاهم مع نظام الاستعمار. فما كان من الممكن لمعارضة تطمح إلى أن تقود التحول الديمقراطي وتقضي على أنظمة الاستبداد أن تعرض نفسها مهما كان الأمر لشبهة التعاون أو التفاهم مع الدكتاتورية، وما كان لمعارضة تريد بالفعل أن تنقذ البلاد من براثن الاستعمار الداخلي أن تشوه صورتها بالتعاون مع قوى استعمار خارجي. ولا تعبر المراهنة الضمنية في تغيير الأوضاع أو الوصول إلى نظام جديد على المصالحة مع النظام التسلطي عند البعض وعلى التدخلات الأجنبية عند البعض الآخر سوى عن الاعتراف بعدم التكون كفاعل مستقل وأصيل وانعدام الإيمان بالذات وبالمستقبل.

إن طريق العمل لبناء معارضة تكون بديلا محتملا وممكنا بالفعل للأحزاب الحاكمة في الوقت الحاضر يتوقف على النجاح في خوض المعركة المزدوجة ومن دون مهاودة ولا تردد ولا خوف ضد الاستبداد وضد الاستعمار والتدخلات الأجنبية في الوقت نفسه. ويستدعي هذا الموقف رفض السير وراء أعلام الاستبداد وممثليه مهما كانوا ومهما بدت نواياهم وخططهم وطنية أو مرتبطة بمصالح وطنية ورفض القبول بالتدخلات الأجنبية مهما كانت أهدافها والمنافع الظاهرية التي يمكن أن تحصدها المعارضة منها، وبصرف النظر عن تأييد جزء من الرأي العام الملوع بالعنف والاستبداد لها. وهذا يعني أنه لا يمكن بناء معارضة فعلية أيضا من دون مشروع مجتمعي واضح وجامع معا.

وفي نظري أن نظام الاستبداد والوصاية على الشعب بقدر ما هو مرتبط ارتباطا عضويا بنظام السيطرة العالمية ورهن بها لن تكون هناك معارضة وطنية اليوم من دون أن تكون معارضة ديمقراطية. وإذا ظهر أن هناك تناقضا بين هذه النظم وقوى الهيمنة العالمية فلا يمكن أن يكون ذلك إلا تناقضا مؤقتا وجزئيا وممكن الحل بتسوية جديدة.

وما أقصده بالديمقراطية ليس التعددية الفارغة من المعنى التي يستطيع أي نظام استبدادي أن يركبها على مقاسه من دون أن تهدده بشيء، ولكن أن تكون النظم القادمة نظما مستمدة لشرعيتها من التفويض الشعبي وقائمة على مبدأ سيادة الشعب ورفض الوصاية من أي نوع كانت دينية أو حزبية أو أيدولوجية أو سياسية عليه. فلم تلتق الوطنية في أي حقبة بالديمقراطية كما هي اليوم ولم تتحول الديمقراطية إلى ضمانة استقلال الإرادة والقرار الوطنيين كما هي عليه اليوم في مواجهة التدخلات الصاعقة للقوى الكبرى في حياة الشعوب واقتصاداتها المحدودة. باختصار لم يعد هناك مجال لسيادة وطنية مستقلة أو منفصلة عن سيادة الشعب، وكل سيادة قائمة على عكس ذلك تغطي لا محالة انصياعا قائما أو كامنا من قبل النخب الحاكمة للسيد الخارجي الذي يضمن لها الوجود والبقاء والاستمرار.