الرهان على التدخلات الأجنبية لن ينقذ أمل الاصلاح

2003-06-22:: BG.BLOG

ترجمة :

لا ينبغي للمشاكل الصعبة العديدة التي يواجهها التحالف الأمريكي البريطاني في بسط سيطرته السياسية على العراق أن تغيب عن أذهاننا التفاعلات السلبية العميقة التي أحدثها تغيير النظام العراقي من خلال التدخل الاجنبي في الوعي وفي حركة القوى السياسية والاجتماعية العربية لعالم ما بعد صدام. ومن بين هذه التفاعلات التي ستؤثر كثيرا على مستقبل الحياة السياسية والمدنية العربية للسنوات القادمة ما بعثه التدخل من اعتقاد متزايد بأن ما لم تنجح في تحقيقه المعارضات العربية الضعيفة والمهمشة والمعزولة يمكن تحقيقه بصورة أسرع وأكثر جذرية من قبل تلك القوى الدولية نفسها التي كانت ولا تزال الضامنة الفعلية للعديد من النخب وأنظمة الحكم القائمة اليوم في العالم العربي. ويتجاوز هذا التأثير السلبي قطاع الرأي العام الشعبي البسيط ليمس قطاعات عديدة كنا نعتبرها محصنة تمتد من قطاعات الرأي العام المثقف إلى قطاعات مهمة من المعارضة نفسها. فأمام تراكم الاحباطات والفشل في إحداث أي شكل من التغيير والإصلاح في حجر أنظمة رفضت، ولا تزال ترفض، في الكثير من الحالات، الاعتراف بحق المجتمع في المشاركة ولا تقبل بفكرة الاستشارة الشعبية، تميل قطاعات كبيرة من الجمهور العربي إلى اليأس وتستبطن الشعور بالعجز وانعدام القدرة على التأثير على الأحداث بقواها الذاتية، ويزيد لديها الاعتقاد بأن كسر الانسداد الحاصل وفسح المجال أمام المعارضة للوجود والتعبير عن نفسها ربما لن يكونا ممكنين من دون تدخل قوى خارجية.
ليس من الضروري أن يحصل تعميم مناخ التطلع إلى الخارج للخلاص من الموت خنقا بالصورة ذاتها وبالقدر نفسه كما حصل مع المعارضة العراقية التي تبنى قسم كبير منها فكرة الاعتماد على التدخل الخارجي وساعد هذا التدخل. وهو ليس قسم ضئيل ليس له أي تمثيل شعبي كما يميل إلى الاعتقاد أولئك الذين يختصرون المعارضة العراقية التي تعاونت مع واشنطن برئيس المؤتمر الوطني أحمد الجلبي. لقد كان هذا موقف القسم الأكبر من المثقفين العراقيين اليساريين والقوميين والاسلاميين أيضا الذين قبلوا المشاركة بمؤتمرات المعارضة المختلفة تحت رعاية واشنطن. وهذا هو موقف قطاع واسع من الجمهور العربي، على الأٌقل في تلك الدول التي يبدو فيها الطريق مسدودا تماما لأي تغيير أو حتى إصلاح.
ومن هنا لا ينبغي في نظري الاستهانة بالمشاكل السياسية والفكرية التي طرحتها الحرب الأمريكية على العراق وفي ما ورائها مبادرة واشنطن في استثمارها على طريق تمهيد الارض أمام نظام السيطرة الأمريكية الإقليمية. فبهذه الحرب وتلك المبادرة وضعت واشنطن نفسها في مقدمة القوى التي تتزعم حركة التغيير وتعديل الأوضاع التي سعت إلى إطلاقها قوى محلية وأجنبية عديدة أخرى. وأدى نجاحها السريع في القضاء على النظام العراقي إلى إظهارها بمظهر القوة التي تبدو الأقدر على شق طريق التغيير المسدود. مما يعني أن نجاحها هذا سوف يمكنها من استقطاب جزء كبير من آمال التغيير الهائلة في المنطقة. وربما زاد من قوة هذا الاستقطاب تلويح واشنطن للجمهور العربي ولرجال الاعمال معا بعزم الإدارة الامريكية العمل على ضم البلاد الشرق أوسطية إلى منطقة تجارة حرة تجمعها مع الولايات المتحدة. وربما تطمح واشنطن، من دون استخدام القوة الذي اضطرت إليه في العراق لتثبيت أقدامها وتلقين درس في معنى القوة للنخب المحلية والعالمية معا، إلى أن يتكيف قسم كبير من الرأي العام العربي مع الهيمنة الأمريكية أو يقبل بها أو لا يكون معاديا لها. وهي قد أقرت منذ الآن إرسال مندوب سام أمريكي تحت اسم مبعوث أمريكي للمنطقة يشرف على نقل الرسالة الأمريكية إلى الحكومات العربية ويرافق الضغوطات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تمارسها واشنطن في السر والعلن معا.
وكما كان عليه الحال في العراق وما أظهرته مقاومة ما بعد الحرب، لا ينبغي أن يفهم من رهان الرأي العام العربي المتزايد على التدخل الأجنبي لتحقيق تغيير أصبح ضروريا في الداخل الوطني زوال المشاعر الوطنية أو زوال انعدام الثقة بالإدارة الأمريكية أو نسيان وتجاهل مواقفها في فلسطين وتجاه القضايا العربية عموما وعدم إدراك أهدافها المعلنة في السيطرة على النفط وتعزيز مكانة اسرائيل وسياساتها التوسعية على حساب العرب.
إن الأمر أعقد من ذلك بكثير. ذلك أن الذين يؤيدون التدخل الخارجي لا يشككون لحظة في نوايا واشنطن الاستعمارية ولا في مخاطر السيطرة الأجنبية التي لا تقل قدرا في نظرهم عن مخاطر الاستبداد الدائم. لكنهم يعتقدون أن هذا هو الدواء الوحيد لداء عضال، وأن لكل حادث حديث، وأنه ربما كان من المستحيل تغيير أنظمة تعتمد اعتمادا قويا في وجودها على الضمانات الأمريكية من دون موافقة واشنطن أو اقتناعها بضرورة التغيير. إنهم يفكرون تماما كما فكرت الحكومات العربية التي واجهت الإرادة الأمريكية في حرب الخليج الثانية وقبلت الانضواء تحت راية التحالف الدولي ضد العراق، ثم تلك الحكومات التي تقبل اليوم التعاون مع الولايات المتحدة لتأمين الوضع في العراق، أي في أن التدخل الامريكي أصبح قدرا لا مهرب منه وأن من الحكمة والصواب الانحناء للعاصفة والقبول بالامر الواقع ولعله يخرج من هذا الامر الواقع الجديد شيء ايجابي في المستقبل.
والواقع أن رد فعل الحكومات العربية جاء ليؤكد هذه التوقعات ويزيد من صدقية السياسة الأمريكية القائمة على استخدام القوة. فخلال أشهر محدودة انتزعت واشنطن من العديد من الدول العربية تغييرات جوهرية في توجهاتها السياسية، وإعلانات عن برامج إصلاحية لم تظهر في العالم العربي خلال أكثر من ربع قرن من دق ناقوس الخطر من قبل المثقفين وقوى المعارضة الديمقراطية داخل المؤتمرات والمهرجانات السياسية والندوات العلمية التي لم يعد لها في الواقع موضوع آخر منذ عقود سوى نعي العجز العربي والدعوة إلى البدء بالاصلاح واستجداء الحوار والعمل على التغيير. وفي أقل من أسابيع من احتلال العراق وبالرغم من الصعوبات الكبيرة التي تواجهها الإدارة الأمريكية المحتلة لبسط سيطرتها فيه يكاد لا يمر يوم من دون أن يؤكد المسؤولون العرب أو يكرروا التأكيد، على المستوى الوطني والقومي الممثل في الجامعة العربية، على رغبتهم العميقة في التغيير واقتناعهم بضرورته. ولم يعد لديهم عمل آخر إلا إرسال الإشارات ورسائل التذكير بجدية برامجهم الاصلاحية الجديدة وفاعليتها على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو التعليمي والتربوي. ولم يعد ينقصهم إلا أن يطلبوا من الولايات المتحدة إرسال مندوب سام خاص بكل قطر ليسجل للإدارة الأمريكية بنفسه درجة التقدم التي بلغها البرنامج الاصلاحي هنا وهناك.
للأسف إن تردد الحكومات العربية في تطبيق برامج إصلاح حقيقية وناجعة، إن لم نقل رفضها تطبيقها، قد ترك الساحة مفتوحة كي تجير الدول الأجنبية جميع عمليات الإصلاح لحسابها، فتقضي على جوهر الوطنيات العربية جميعا، مظهرة أن حاجة العرب لا تزال كبيرة لضمان السيرعلى طريق التقدم العلمي والتقني والديمقراطية إلى ضمانات وتدخلات القوى الغربية. فلا يستطيع أحد أن يمنع الرأي العام اليوم من التفكير بأنه لولا تدخل الولايات المتحدة وأوروبة ما كان لحديث الاصلاح والتغيير أي أمل في التحقيق في البلاد العربية.

لكن ما أريد أن أزيده اليوم هو أن برنامج التغيير والاصلاح المنشود لن يتحقق أيضا حتى مع تفاقم التدخلات الأجنبية. ولن يكون ممكنا إلا إذا نشأت داخل المجتمعات العربية ذاتها القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية الحاملة له والقادرة على تحقيقه. وهو ما يتناقض تماما مع التدخلات الأجنبية وضياع استقلال القرار الوطني أو ربطه بمصالح القوى والكتل الأجنبية.

وهكذا، للأسف، أصبحت جميع أطراف الصراع الداخلي في البلاد العربية تخوض معركتها لتأكيد وجودها وضمان مصالح الفئات التي تمثلها وعينها متجهة نحو الخارج. فجميعها تؤمن أو تكاد تثق ثقة تامة بأن مفتاح الأمر أو التحول الفعلي موجود في أيدي القوى الخارجية التي تدعم الانظمة وتقرر هامش مبادرتها وحدود قرارها، وأنها إذا أرادت التأثير على الأحداث فينبغي أن تفهم لغة القوى الخارجية هذه ومصالحها أيضا. لم تشذ الحكومات أو المعارضات عن ذلك في العقود القليلة الماضية. فقد كانت النخب الحاكمة تبحث بشكل علني عن دعم خارجي سياسي أو مادي لتضمن وجودها أو التجديد لها في الحكم أو تعزز صدقية سياساتها وصحة اختياراتها السياسية والاقتصادية. ولا يشك أحد من الرأي العام العربي في أن جزءا كبيرا من قرار التغيير أو التجميد أو التعيين أو الإقالة موجود في يد الدول الكبرى الحامية أو الضامنة أو الموجهة. وبالمثل راهنت معظم المعارضات العربية في العقود القليلة الماضية في سعيها لتعزيز فرص الانفتاح والديمقراطية على دعم الدول الأوروبية أو تبدل السياسات الأمريكية. وهذا يعني أن ظاهرة المراهنة على التدخلات الأجنبية ليست ظاهرة حديدة ارتبطت بالحرب الأخيرة على العراق ولكنها ظاهرة قديمة نشأت بموازاة تدهور النظم السياسية وانفصالها عن مجتمعاتها وتصاعد الآمال في تحقيق تغيير في أوضاع مأساوية تبدو أكثر فأكثر عصية على التغيير ومرتهنة لتوازنات جيوسياسية وجيواستراتيجية ليس للقوى الأهلية الشعبية قدرة على التأثير فيها. وهذا يعني في الواقع أن عودة الاستعمار لم تبدأ باحتلال جيوش المارينز لبغداد ولكن قبل ذلك بكثير عندما أصبح مصير التغيير السياسي أو البقاء في السلطة ومصير الإصلاح الاقتصادي والإداري يرتبط بالفعل بجدلية القوة العسكرية الصرف وبالعلاقة مع الخارج. وهذا هو جوهر ما يميز ما ينبغي تسميته بالظرف الاستعماري الجديد الذي كان احتلال العراق الثمرة الأولى أو التجسيد المادي المباشر والساطع له.
ونعني بالظرف أو الشرط الاستعماري ارتهان الحياة السياسية فعلا لعوامل وتدخلات قوى خارجية سواء أكانت تدخلات مباشرة مادية عسكرية أو إقتصادية أو كانت سياسية ومعنوية. وهو ثمرة عوامل عديدة أدت إلى تلاشي السياسة الوطنية وانحلال الوحدة الداخلية وترسخ علاقة التبعية. وما يحصل اليوم في العالم العربي بعد غزو العراق هو تعميق لهذا الظرف وترسيخ لأسسه التي تقوم على تعميم الاستقالة الوطنية : استقالة النخب الحاكمة من جهة واستقالات المعارضات أو أكثر قوى المعارضة العربية أو أفرادها بصرف النظر عن البيانات الدعائية، بل استقالة الرأي العام العربي برمته الذي يبدو أكثر من أي حقبة أخرى مستسلما لمصيره. وتتجلى هذه الاستقالة عبر التعلق المشترك والجامع بأذيال المبادرات الأمريكية الوحيدة المطروحة اليوم على الساحة والتي تكاد تشمل جميع جوانب الأزمة العربية من مواجهة التحدي الاسرائيلي إلى مسائل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتطوير نظم الحكم والإدارة بل حتى إلى تحرير المرأة وإصلاح مناهج التعليم والتربية.
فبصرف النظر عن صور المقاومة القوية، نجحت الولايات المتحدة في موضعة نفسها في موقع الراعي أو الآمر الفعلي والوحيد تقريبا في المنطقة. ولا يشكل الوجود العسكري المادي للقوات الامريكية في العراق وفي أكثر من اثنى عشر بلدا عربيا آخر، إلا جزءا بسيطا من هذا الحضور الأمريكي الفاعل في المنطقة. ويأتي هذا الوضع ليتوج عقودا من السياسة العربية الوطنية والقومية الضعيفة واليائسة التي كرست عجز العرب وتخليهم عن الاعتماد على أنفسهم في حل المشكلات التي تواجههم وطنيا وإقليميا، الوطنية منها كما في النزاع العربي الاسرائيلي، أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية. وقد سلمت البلاد العربية منذ عقود بحقها في التأثير المباشر على الأحداث وأقرت بأن هذه الحلول موجودة عند الأمريكيين أو الأوروبيين بالرغم من أنها اختلفت على ما إذا كان ذلك بنسبة 90 بالمئة كما ذكر الرئيس المصري الراحل أنور السادات أو 70 بالمئة أو أكثر أو أقل. وتضطر البلاد العربية اليوم إلى التسليم بأحقية وحتمية وفاعلية الضغوط الدولية في كل الميادين حتى في ما يتعلق بتطوير نظم الحكم المحلية. وهي لا تملك وسيلة لتخفيف الضغوط عليها سوى الانصياع بشكل أكبر لواشنطن والاستجابة لمتطلبات سيطرتها العالمية والاقليمية والتعاون معها في تحقيق أهدافها سواء أكان ذلك في تمكين الوصاية على العراق أو تأمين الاستقرار والسلام لإسرائيل أو في التكيف مع معطيات الاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية الأمريكية الشرق أوسطية. وما يقال عن النخب الحاكمة يقال أيضا عن المعارضة. فبقدر ما أخفقت في الخروج من العزلة والهامشية وتوسيع قواعدها الاجتماعية بوسائلها الخاصة دفعت قسما متزايدا من الجمهور التابع لها إلى المراهنة في تعويمها وايقافها على قدميها وانتزاع حقها في المشاركة في إدارة الشؤون العمومية لبلدانها على تبني واشنطن لفكرة الإصلاح والتغيير في البلاد العربية. وبهذا تكون الولايات المتحدة قد تحولت، من دون علمنا وبعلم بعضنا، إلى ولي أمرنا الحقيقي من وراء مظاهر السيادات الوطنية الشكلية.
لا ينفي هذا بالتأكيد أن هناك من يعترض على ولي الأمر الجديد ومن يكرهه وينكر عليه الحق في الولاية ولا ينفي كذلك وجود مقاومة بل مقاومات قوية للحكم الامريكي المفروض بصورة مباشرة كما في العراق أو غير مباشرة في البلاد الأخرى، ولكن هذه المعارضات لا تحد من قوة النظام الأمريكي الجديد ولا تهدده اليوم بالفعل. وهي على درجة من التشتت الفكري والعقائدي والتنافس والتنابذ ومن انعدام الآفاق والرؤية النظرية والسياسية والأخلاقية معا تمنعها في المدى المنظور من ان تتحول بالفعل إلى قوة وطنية عربية فاعلة قادرة على زعزعة الحكم الأمريكي الناشيء أو الذي هو بصدد التكوين.
فنحن، حكومات ومعارضات ورأي عام،أي كمجتمعات، نسير من دون أن ندري، بل أحيانا مع استمرارنا في الرفض والتنديد والتهديد، في الخطة التي أرادتها الولايات المتحدة، نطبق تعليماتها عندما نكون في الحكم ونسلم بدورها الحاسم والضروري عندما نكون في المعارضة. وكل ذلك يظهر إلى أي مدى فقدنا الوحدة الداخلية الضرورية لتحقيق أي هدف جماعي بل لضمان الحد الادنى من الاستقلال الوطني وتحولنا إلى شعب فقد ثقته بنفسه وبقدرته على التأثير في وجوده وقبل بتسليم مصيره لغيره.
يطرح علينا هذا الوضع أسئلة لا يمكن أن نجيب عنها بعجالة. لكن نستطيع أن نقول منذ الآن أن مفتاح فهم كيف وصلنا إلى هذا الوضع وكيف يمكننا الخروج منه كامن في نظري في تطور أنظمة الحكم والإدارة التي سادت في المنطقة العربية بعد الاستقلال. وجوهر هذا التطور أو محركه يكمن في القطيعة التي ما فتئت تنمو وتتعمق بين النخب الحاكمة من جهة والمجتمع بفئاته وطبقاته المختلفة من جهة ثانية، وهي القطيعة نفسها التي دفعت الشعوب إلى التسليم بمصيرها لقوى أجنبية كما دفعت النخب الحاكمة إلى البحث عن الدعم والحماية في التحالفات الخارجية للتعويض عن النقص في القاعدة الاجتماعية، تماما كما قاد استنجاد السلاطين في الماضي بالقوى الأجنبية لمواجهة نقمة شعوبهم او معارضاتها إلى فتح طريق الاحتلال والاستعمار.