كي يمكن لسياسات العرب الخارجية اكتساب الحد اللازم من الصدقية

2003-03-09:: الوطن

ترجمة :

 

صدق الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عندما قال إنه ليس من الصحيح أن الحكومات العربية تقف مكتوفة الأيدي ولا تحرك ساكنا في مواجهة إرادة الحرب والعدوان الأمريكية وأن الدول العربية تتدخل باستمرار لدى مجلس الأمن ولدى أطراف النزاع، أي العراق والولايات المتحدة، في سبيل تفكيك القنبلة الموقوتة ودرء الحرب. وهدف عمرو موسى من هذا التذكير الرد على الاتهامات الشاملة التي يوجهها الرأي العام العربي - كما يظهر ذلك على الأقل في وسائل الإعلام الوطنية والقومية - بالتقصير إن لم نقل بالتواطؤ مع واشنطن. لكن ما لم يذكره عمرو موسى وما يفسر تصاعد سيل الاتهامات وتفاقمه هو أن مبادرات الحكومات العربية، على الرغم من وجودها، تبدو مفتقدة للصدقية لدى الرأي العام العربي ولذلك فإن هذا الرأي العام يرفض النظر إليها بل يقرؤها على عكس ما تريد له هي أن يقرأها. لكن قراءته ليست بالضرورة خاطئة أيضا.
لا يرجع انعدام الصدقية في اعتقادي للتباين الكبير بين الخطاب والممارسة فحسب ولكن أكثر من ذلك لغياب أي مبادرات داخلية تتفق مع أهداف السياسة الخارجية المعلنة. فعلى الرغم من خوف الحكومات العربية المشروع من النتائج المحتملة للحرب الأمريكية المعلنة على العراق ووقوفها ضدها وربما العمل لتجنبها فإن قليلا جدا من هذه الحكومات فكر في القيام بالحد الأدنى من الإصلاحات الضرورية التي تمكنه أو يمكن أن تمكنه من مقاومة أي محاولات محتملة لزعزعة استقراره من قبل الولايات المتحدة أو لتعزيز موقف مجتمعاته الاستراتيجي والسياسي في حال الاضطرار إلى التفاوض معها. وبالعكس من ذلك تشير الإجراءات التي اتخذتها معظم الحكومات العربية إلى تراجعها عن الوعود الضعيفة التي كانت أطلقتها بالانفتاح، كما لو أن انعدام الخيارات الخارجية الواضح أمام الهجوم الاستراتيجي الأمريكي المنظم على العراق والمنطقة المشرقية بأجمعها قد ضاعف من مخاوف هذه الحكومات تجاه شعوبها ودفعها إلى الانكفاء بشكل أكبر على سياسات التشدد الأمني والعزلة والانغلاق.
وهذه السياسات التي قادت، أكثر من أي شيء آخر، إلى انهيار الوضع الاستراتيجي العربي، هي التي تمنع الرأي العام العربي من الاعتراف بأي قيمة لمبادرات الدول العربية المستمرة وتجعله يشعر كما لو أن العواصم العربية عاجزة عن أي فعل في مواجهة الأزمة الإقليمية التي تهدد مستقبل المنطقة برمتها. ومن هنا يبدو الشلل السياسي على الجبهة الداخلية، وفي حضرة مجتمعات لم تعش في أي حقبة ما تعيشه اليوم من قلق على مصيرها وخوف على مستقبلها، وكأنه المكافئ الطبيعي للشلل على الجبهة الخارجية والبرهان المباشر على انعدام أي صدقية وفي كل المجالات.
ليس الرأي العام العربي على خطأ في كل هذا. فالسنوات المقبلة ستكون صعبة جدا على كل الدول والحكومات العربية ولن يستطيع أي نظام عربي أن يضمن لمجتمعه حدا أدنى من التماسك الوطني في مواجهة الأخطار المحدقة بالعرب جميعا دون أن يبادر إلى تغيير جذري في أساليب الإدارة والتسيير والحكم على طريق تحقيق مصالحة وطنية سريعة. فمثل هذه المصالحة ليست مطلوبة فقط من أجل مجابهة مخاطر خارجية أكيدة ومحو مآسي العقود الطويلة مما ينبغي تسميته دون تردد الحروب الأهلية التي شهدتها معظم المجتمعات العربية بصورة أو أخرى, وإنما أكثر من ذلك من أجل إعادة بناء الثقة بين الحكومات والشعوب وتطمين الجماعات والأفراد على مستقبلهم وتشجيعهم على قبول التضحيات ومواجهة انهيارات داخلية محتملة بسبب التدهور المتواصل في الأوضاع الاقتصادية والبيئية والتقنية والإدارية والاجتماعية والثقافية والنفسية معا وتضاؤل فرص التنمية الإنسانية في مجتمعاتنا.
فهناك مراحل في التاريخ تفرض على الشعوب أن توحد فيها كلمتها وتتجاوز نزاعاتها الداخلية أو على الأقل تجمدها حتى تتمكن من توحيد طاقاتها جميعا وتوجيهها لمقاومة الاعتداءات والضغوطات الخارجية. وربما لم نكن نحن العرب أحوج إلى هذه الوحدة مما نحن عليه الآن لتأمين دفاعاتنا الوطنية في مواجهة حربين معلنتين في كل من فلسطين والعراق وحروب أخرى مقبلة يؤكد عليها سعي الولايات المتحدة الأمريكية لدفع مجلس الأمن إلى التصويت على قرار يسمح بالحرب الدفاعية الاستباقية.
وللأسف لا يأتي الفت في عضد الوحدة الوطنية وقتل روح المسؤولية العمومية في أغلب الدول العربية اليوم نتيجة تمرد أطراف أهلية ورفضها للخضوع للنظام العام والقانون بقدر ما يأتي, كما يشير إلى ذلك مثال العراق, من رفض الحكومات التخلي عن سياسات الإقصاء والنفي والاستبعاد، واستسهالها الاتهام بالعمالة الأجنبية لكل من لا يقبل بأفكارها واختياراتها.
إن إعادة بناء الثقة في البلدان العربية وتوفير شروط التعاون والتفاهم الوطنيين اللذين لا غنى عنهما لمواجهة الأخطار المحدقة من أي مصدر جاءت وتجنب الانقسام والتناحر والانتحار الذاتي - تستدعي تحقيق شروط خمسة أساسية:
الشرط الأول هو الاعتراف لجميع السكان بحقوق المواطنية الفعلية، أي بحقوق وواجبات متساوية. وهو ما يجعل كل فرد يشعر أنه في بلده وأن مصيره مرتبط لا محالة بمصير هذا الوطن الذي يتمتع فيه بحقوق وحريات ومنافع لا يمكن أن يتمتع بها في أي بلد آخر. والثاني أن يشعر جميع أفراد الشعب بأن النخبة الحاكمة لديها بالفعل مفهوم للمصلحة الوطنية وهي تعمل حسب هذا المفهوم وتقبل هي أيضا أن تضحي بجزء من امتيازاتها المادية والسياسية والمعنوية حتى لا نقول من مصالحها الخاصة في سبيل المصلحة العامة. والثالث هو أن يكون هناك حد أدنى من العدالة في اقتسام التضحيات والجهود المبذولة بين جميع طبقات الشعب وأبنائه بحيث لا يكون هناك شعور بأن المصلحة العامة قانون ينطبق على الفقراء ومعدومي السلطة ولا ينطبق على الطبقات الغنية الجامعة بيد واحدة للثروة والقوة والمجد. والشرط الرابع أن يشعر الرأي العام أن هناك فعلا إنجازات على طريق تعزيز الدفاعات الوطنية الاستراتيجية والسياسية تبين أن أتعابه وتضحياته لا تضيع سدى ولا تذهب لخدمة أغراض ليس لها علاقة بالمصلحة العامة أو بالقضية الوطنية. والأمر الخامس الذي يمكن القيادة السياسية من النجاح في التعبئة الوطنية والقومية هو أن تكون التضحيات المطلوبة منطقية من منظور تحقيق الأهداف المضحى من أجلها. فمن المنطقي مثلا أن يشد الشعب الحزام في حالات التهديدات الخارجية حتى يمكن توفير الموارد الضرورية لتنظيم العديد وتأمين العتاد, لكن ليس من المنطقي أن تربط مواجهة التهديدات الخارجية، سواء أكانت إسرائيلية أم غيرها, بحرمان الناس من الأمن الداخلي والضمانات القانونية والحقوق والحريات الأساسية.

بإضعاف مفهوم المواطنية وما يعنيه من مساواة في الحقوق والواجبات ومن احترام للأفراد يتضاءل بالمثل الشعور الوطني. ويبدو كل جهد مبذول أو يمكن أن يبذل للدفاع عن البلاد كما لو كان جهدا ضائعا، فيزداد الانسحاب من الحياة العمومية وتسود الاستقالة الجماعية. ولا تفيد مناشدة النخبة المواطنين الالتحام حولها لمواجهة العدوان في مثل هذه الظروف إلا في إفقاد القضية المزيد من الصدقية، ذلك لأن الرأي العام سيرى في هذه المناشدة وسيلة أو ذريعة لا تستخدم إلا في سبيل الحفاظ على المصالح الخاصة بل وتعظيمها أيضا.
وبالمثل, من الصعب إقناع الرأي العام بضرورة الاستمرار في التضحية وبذل الجهد والكف عن رفع المطالب الاقتصادية أو الاجتماعية بانتظار حل المسألة العامة عندما يسود الفساد ولا تظهر السلطة القائمة أي جدية في محاربته أو قدرة على حماية المال العام. وكذلك الحال عندما يطلب من الشعب أن يضحي بخبزه وقوت أولاده ودوائهم بينما تتداول الصحف الأخبار الصحيحة أو الكاذبة لا فرق أخبار وقصص هدر الموارد دون حساب. ولا يختلف عن ذلك النظر إلى ثمرة أتعاب البشر وتضحياتهم. فحتى يقبل الرأي العام التضحية بجزء من الحرية والعدالة والمساواة في الإنسانية وفي الكرامة البشرية ينبغي أن يتكون لديه اقتناع حقيقي بأن هذه التضحية ضرورية لتحقيق هدف أكبر وأسمى وأن هذا الهدف يتطلبها فعلا ويستحقها وأن تظهر له القيادة أيضا بالملموس أن هناك نتائج فعلية تقربنا من الهدف وأن الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية ليست أدوات للحكم والحفاظ على المغانم الاقتصادية للفئة الحاكمة.
لكن جميع هذه الاعتبارات لا تستطيع أن تلغي شرعية السؤال عما إذا كانت المخاطر والتهديدات المنظورة تحتاج بالفعل إلى كل ما يطلب من المواطنين من تضحيات وتنازلات وعما إذا كانت مواجهتها لا تستقيم بالفعل إلا بها. فهل يبرر الصمود في وجه إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أي عدو آخر قائم أو محتمل التمديد التلقائي الأبدي للأحكام العرفية التي تعني تعليق الدستور عمليا وإخضاع السكان جميعا لقانون الاعتقال الإداري التعسفي وتجردهم من أي حماية قانونية؟ وهل يحتاج الذود عن البلاد ضد الاعتداءات الخارجية إلى حرمان المواطنين في جميع المهن والمستويات من تنظيم أنفسهم سياسيا ونقابيا للدفاع عن مصالحهم والنقاش فيها وهل يجيز دفع العدوان الخارجي إلغاء حريات التعبير عن الجميع ومنع المواطنين سواء أكانوا مفكرين وسياسيين أم لم يكونوا، من المشاركة في مناقشة شؤون حياتهم اليومية والمصيرية؟.
إن العامل الذي ساهم بشكل أكبر في إضعاف المشاعر الوطنية عند الجمهور العربي هو استمرار الإجراءات الاستثنائية في عدد من البلدان الأساسية لفترة طويلة ودون التمييز بين فترات تستدعي التعبئة القوية وفترات يستطيع فيها المواطنون أن يتمتعوا بحد أدنى من حرياتهم وحقوقهم الأساسية. فلو أن النظم العربية خففت قليلا من فترة لأخرى من تطبيق القوانين الاستثنائية أو التي في حكمها لكانت طروحات الضرورة الوطنية لتقييد الحريات كسبت بعض الصدقية، ولما تزايدت الشكوك عند الرأي العام بأن هذا التقييد قد أصبح وسيلة لنمط من الحكم لا يريد أن يتعرض لأي منافسة أو مساءلة أو محاسبة سياسية ويقيم قوته على امتلاك حرية المبادرة الداخلية الكاملة تجاه المجتمع وفئات مصالحه الأخرى انطلاقا من توسيع دائرة السلطة التنفيذية وصلاحياتها دون حدود ولا رقابة قانونية أو سياسية.
ينبغي علينا أن ندرك جميعا إذا لم نشأ أن نكرر هزائمنا الوطنية إلى ما لا نهاية ونمدد في عمر عجزنا عن مواجهة التحديات المحدقة بنا أن التضحية التي يقوم بها أفراد مجتمع ما في سبيل الانتصار على العدو الخارجي أو مواجهته, سواء أكانت مادية أم معنوية, لا تبرر إلا لأنها تضحية مؤقتة تتعلق بتقييد ممارسة بعض الحقوق - لا في وجودها - في سبيل حماية الحقوق الأساسية وفي مقدمها الحياة القانونية السليمة والقضاء النزيه الذي يضمن هذه الحقوق والعدالة والإنصاف والحريات الأساسية والضمانات الدستورية. فالرفض الذي يولده الاعتداء الخارجي ينجم عن الخوف من ضياع هذه القيم المعنوية السياسية والقانونية والاجتماعية. إذ لا يعني الاستعمار أو الهيمنة الأجنبية شيئا آخر سوى خطر تجريد الشعوب الخاضعة من حقوقها وحرياتها. وهذه الحقوق والواجبات المضمونة في كل دولة لرعاياها هي في الواقع مضمون المواطنية والوطنية نفسها. فأنا مواطن في هذا البلد لأنني أتمتع بحقوق وحريات لا يتمتع بها ولا يمكن أن يتمتع بها الغريب والأجنبي. فإذا انعدمت هذه الحقوق بالأصل أو إذا ضحينا بها سلفا وألغينا أسس المواطنية باسم مواجهة خطر الاعتداء الخارجي أو الهجمة الإمبريالية فماذا سيبقى من هذه الوطنية وعن أي وطن يمكن أن يزود الفرد المجرد من حقوقه المدنية والسياسية؟.
وبالمثل, ليس من الممكن لنخب لا تؤمن بهذه الحقوق ولا ترعاها ولا تقر بضرورة وجودها أصلا أن تقنع الرأي العام بأنها صادقة في بذل الجهود الضرورية لحمايتها من الاعتداءات الخارجية. فليس من المعقول أن تحظى النخب الاجتماعية بثقة شعوبها وأن تكسب بالتالي تأييدها وتعاونها في الأحوال إذا كانت تبدي عدم احترامها لمواطنيها أو تسلبهم إرادتهم أو تعتبرهم غير أهل للحياة السياسية والمدنية السليمة. باختصار إن من حق الجمهور العريض أن يعتقد بأن من يتجاهل حقوق شعبه في الداخل ليس لديه أي سبب للدفاع عنها في الخارج, خاصة عندما يتطلب هذا الدفاع تضحيات كبيرة.

فمن يريد أن يكسب التفاف شعبه حوله ويعزز بالتالي دفاعاته ودفاعات نظامه ضد الضغوط والاعتداءات الخارجية المتزايدة ينبغي أن يبرهن على أنه حريص على ألا يفرط بها في الداخل أصلا. فلا يمكن أن يساعد تحويل الناس إلى مواطنين من الدرجة الثانية في بلادهم وحرمانهم من حقهم في قضاء نزيه وعادل ومساواة في المعاملة أمام القانون على الصمود بشكل أفضل أمام العدوان الخارجي. إن المنطق يقول - بالعكس من ذلك تماما - إن العمل الجاد لمقاومة العدوان الخارجي يحتاج إلى تلاحم أكبر بين صفوف الشعب وبالتالي إلى مزيد من الاحترام والحرية والعدالة والمساواة بين أبنائه جميعا. ولهذا السبب جرت العادة في جميع النظم السياسية القديمة والحديثة على أن تكون الحروب مناسبة لإعلان العفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين بل عن المجرمين المدنيين كتعبير عن التسامح والمصالحة والصفح المتبادل الدافع إلى تعميق الوحدة الوطنية في مواجهة العدو القومي والوطني المشترك. ولم يحصل في أي حقبة وفي أي نظام أن عمدت حكومة إلى تشديد قبضتها على الناس والقسوة عليهم في وقت الحروب أو المواجهات الوطنية لأن مثل هذا العمل يعني أن الحكومات التي تحتاج إلى تكاتف كل أبناء الشعب حولها لتوحيد الجهود في مواجهة مخاطر الاعتداءات الخارجية تقوم هي نفسها بتقسيمهم وتشتيت قواهم وإضعاف إيمانهم بوطنهم وأنفسهم معا. فهل كان من مصلحة بغداد مثلا تشريد آلاف اللاجئين السياسيين الذين تسعى الولايات المتحدة لتجنيدهم في سبيل الاجتياح الجديد الذي يعد في العلن للعراق؟ وهل يقلل وسمهم بالصفات السلبية جميعا مسؤولية النظام؟.