في نقد المفهوم السائد بين العلمانية واللادينية

2008-09-01:: مجلة معابر الرقمية

ترجمة :

كما هي الحال في جميع القضايا الفكرية والسياسية، تطور في الفضاء الثقافي والسياسي العربي، في مواجهة قضية العَلمانية، موقفان: موقف المغالاة الذي يقود إلى التطرف السياسي الذي يحوِّل العَلمانية إلى "ثابت" تصبح أمامه جميع القضايا الأخرى، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ثانويةً يمكن تأجيلها، وموقف الاعتدال الذي يقود إلى "النسبوية وينظر إلى مسألة إنجاز قيم العَلمانية في علاقتها مع القضايا الاجتماعية الأخرى، وفي مقدِّمها قضية الديموقراطية التي تشكل اليوم محور اهتمام المثقفين والمفكرين العرب العاملين على تحويل المجتمعات العربية وتحديثها. ومن الواضح أن المقصود بالديموقراطية ليس نظامًا جاهزًا، وإنما تجديد قيم المجتمعات وأفكارها وتطوير أساليب عملها وتنظيمها، في الميادين كافة، على أسُس المشاركة الفردية والخيار الحر، وبالتالي، التفاوض الاجتماعي والحوار. ولهذا تشكِّل الديموقراطية معركةً طويلة المدى، ربما تحتل العقدين القادمين بأكملهما أو أكثر. ولن يكون النظام الديموقراطي الناجز سوى ثمرة هذا التحويل في الثقافة السياسية وفي سُبُل عمل المجتمعات وتنظيمها.

ولن يكون من الممكن إعادة طرح العَلمانية كقضية تعني الرأي العام بأكمله، وتثير اهتمامه وتحظى بقبوله، بقدر ما يتعلق بها نشوءُ نظام سياسي ومدني قائم على المساواة بين الأفراد والاعتراف بأهليتهم الوطنية (المُواطِنية)، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية والإيديولوجية، من دون تجديد النظر في هذه المسألة وإعادة بناء مفهوم العَلمانية نفسه.

ولأن أصحاب الموقف المعتدل لا ينظرون إلى العَلمانية كقضية محورية، بل تابعة لقضية الديموقراطية وتجديد المجتمعات وإعادة بنائها على قيم الحرية والعدالة والمساواة، سيطر على مناخ النقاش الفكري العربي في العقود الماضية، خاصة منذ بدء صعود الحركات الإسلامية السياسية في السبعينيات، موقفُ التطرف. فصارت العَلمانية تبدو، في نظر العديد من قطاعات الرأي العام العربي، بمثابة حركة مناوئة للدين ومستعدة، في سبيل لجم جماح الحركات الدينية، إلى التفاهم مع السلطات القائمة، بصرف النظر عن طبيعتها الديكتاتورية أو التوتاليتارية، في الوقت الذي لا تخفي فيه هذه السلطات تحالُفَها أيضًا مع رجال دين كثيرين وعملَها على تكوين حركات دينية سياسية ملحقة بها لمواجهة المعارضة السياسية بكلِّ تياراتها.

لقد وضع هذا الموقف العَلمانية العربية في مأزق تاريخي بقدر ما ربط مصيرها بالسلطات الديكتاتورية وأبعدَها عن قيم الثورة السياسية التحررية الحديثة، وفي المقام الأول، حرية الاعتقاد التي تعني تحريم فرض اعتقادات بالقوة على أيِّ إنسان أو منعه من التعبير عنها. ولن يكون من الممكن إعادة طرح العَلمانية كقضية تعني الرأي العام بأكمله وتثير اهتمامه وتحظى بقبوله، بقدر ما يتعلق بها نشوءُ نظام سياسي ومدني قائم على المساواة بين الأفراد والاعتراف بأهليتهم الوطنية (المُواطِنية)، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية والإيديولوجية، من دون تجديد النظر في هذه المسألة وإعادة بناء مفهوم العَلمانية نفسه. وهذا ما يتطلب، بدايةً، نقد المفهوم السائد عن العَلمانية وتبيان إلى أيِّ حدٍّ لا يتسق وجودُ هذا المفهوم مع تحول العَلمانية إلى أساس لرؤية إنسانية جامعة، غير دينية، إلى قضية المُواطَنة والمشاركة في الحياة العمومية.

وفي هذه الحال، يبدو لي أن السؤال الأول الذي يستحق الطرح هو التالي: على ماذا يرد موقف المغالاة في العَلمانية؟ وما الذي جعل من هذه الفكرة التي تؤسس للحرية الفكرية والاعتقادية وتبني المُواطِنية، بوصفها مشاركةً في الحياة العمومية على قاعدة الحرية والمساواة الأخلاقية والقانونية، رديفًا للسلطة الديكتاتورية ومصدرًا لسياسات الحَجْر على الضمير والفكر وأداةً لتبرير الديكتاتورية السياسية والفكرية؟ الجواب يتألف من شقين:

-       أولاً، تحول العَلمانية إلى إيديولوجيا، أي إلى عقيدة فئة بعينها من الفئات الاجتماعية، جعلت منها إطار تماهيها وولائها الخاص ورمز تفاهمها الذي يوحِّد عناصرها ويربط في ما بينهم ليحولهم إلى قوة فاعلة وشريك في الصراع الاجتماعي الدائم على الثروة والسلطة والنفوذ والجاه. وهو ما فرض عليها الخضوع لأجندة هذه الجماعة الخاصة ومتطلبات استراتيجيتها الاجتماعية والسياسية.

-       ثانيًا، تعارُض مصالح تأمين نفوذ هذه الجماعة/الطائفة واستقرارها مع مصالح التحرر والانعتاق العام للمجتمع واضطرارها، في سبيل الاحتفاظ بمكاسبها، المادية والمعنوية، إلى خيانة القيم والمبادئ العَلمانية نفسها، ومن ورائها مبادئ الديموقراطية. وهذا هو الذي يفسر أن لا أحد من رموز هذه "العَلمانوية" انخرط في معركة من معارك الحرية الفكرية والسياسية؛ بل إن معظمهم قد وجد في نقد حركة "ربيع دمشق" فرصة للتعبير عن رفضه لهذه الحرية ومقته لها. وبعض مَن جذبتْه الحركةُ قليلاً قَصَرَ جهده على الدعوة إلى ليبرالية فجة تستنجد بالقوى الأجنبية، وتدعو إلى تعليق الآمال جميعًا عليها.

ما كان لمصادرة فريق اجتماعي لفكرة العَلمانية ليحولها إلى رأسمال خاص به إلا أن يقود إلى أمرين: إفساد المفهوم، من جهة، وتقويض فرص تعميمه وانتشاره في الوعي وفي المجتمع والدولة معًا، وبالتالي، قطع الطريق على تقدم فكرة الحداثة وترسخها في الوعي الشعبي، من جهة ثانية. فبقدر ما أصبحت العَلمانية إيديولوجيا تغير شكلها ومضمونها ودورها الاجتماعي أيضًا، فتحولت من مبدأ مؤسسي ناظم لسلوك الأفراد والجماعات، بصرف النظر عن اعتقاداتهم، إلى عقيدة قائمة بذاتها بديلة للدين، أي إلى دين جديد يتخذ منها منطلقًا لبناء رؤية للمجتمع والعالم معادية للرؤية المرتبطة بالدين القديم ولرجاله وسلطته وقيمه.

ما كان لمصادرة فريق اجتماعي لفكرة العَلمانية ليحولها إلى رأسمال خاص به إلا أن يقود إلى أمرين: إفساد المفهوم، من جهة، وتقويض فرص تعميمه وانتشاره في الوعي وفي المجتمع والدولة معًا، وبالتالي، قطع الطريق على تقدم فكرة الحداثة وترسخها في الوعي الشعبي، من جهة ثانية.

وككلِّ عقيدة، صارت العَلمانية "دوغما"، أي مذهبية مغلقة، حقيقة ناجزة وثابتة لا تتغير ولا تتبدل، لا تحتمل النقاش ولا الجدال، قائمة في مواجهة جوهر آخر مطلق هو الحقيقة، أو بالأحرى "الخطيئة" الدينية. ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن يربط هؤلاء، أو أكثرهم، العَلمانية بالعلم وأن يشتقوا مفهومها نفسه منه. هكذا أصبحت العَلمانية مساويةً للاَّدينية ورايةً يجتمع تحتها كل كاره للدين أو داعية إلى التجرد من تراثه والتحرر منه، في مقابل الإسلامية التي تقف في وجهها وتدعو إلى التمسك بالقيم والمفاهيم الدينية في تقرير كلِّ ما يتعلق بالفرد والمجتمع والتاريخ والحضارة جميعًا. ومن الواضح لكلِّ مَن تابع أدبيات العَلمانويين إلى أيِّ حدٍّ تعكس إشكالية العَلمانية والإسلامية عندهم الصراع بين العلم، منظورًا إليه كرديف للعقل، وبين الدين، رديف الجهل والرؤية الخرافية.

ولذلك فإن الاسم الصحيح الذي ينبغي إطلاقه على هذه العقيدة ليس العَلمانية وإنما "اللاَّدينية" أو العداء للدين، التي تختلط مع "علموية" scientisme سوقية من مخلَّفات القرن التاسع عشر تعكس الإيمان الساذج والبسيط بالعلم وبقدرته الخارقة. وهي العقيدة التي تسمح بتذويب جميع إشكاليات المجتمع والسياسة والاقتصاد والتاريخ وإلغائها في عقل مطابق للعلم، يعمل كإله محرك ومبدع، قائم خارج أيِّ زمان ومكان. ومن هنا يأتي تماهي العديد من المثقفين مع هذه الدعوة التي تسمح لهم بالشعور بالتفوق الطبيعي على الغالبية التي ينظرون إليها ككتلة عددية، جاهلة، تفتقر إلى العلم والعقل معًا، لا كشعب ولا كأمَّة تمتلك وعيًا وإرادة، قادرة على الفعل أو الإنجاز من أيِّ نوع كان.

ومن الطبيعي أن تكف العَلمانية في هذه الحالة عن أن تكون مفهومًا إجرائيًّا يهدف إلى فهم الواقع وتحليله، ويجوز نقده، ككلِّ المفاهيم العلمية والاجتماعية، وتعديل مضمونه ودلالاته في ضوء التجربة التاريخية ومع تغير هذا الواقع أو تقدم المعرفة بدقائقه. فككلِّ عقيدة تتحول إلى مذهب ديني، أضحت العَلمانية، في نظر عابديها المخلصين، ماهية ثابتة وجامدة، لا يدخل عليها تغيير، صالحة، بالتالي، مثل الدين، لكلِّ زمان ومكان، لأنها قائمة فوقهما وخارجهما، تعيش حياتها في معزل عن الواقع وعن المجتمعات وعن التواريخ، مهما اختلفت تجاربها أو تناقضت سِيَرُها ومساراتها. ويصبح أي مساس بأسطورتها، أي بقدسية فكرتها، أو تغيير في أسلوب ممارسة طقوسها، أو تشكيك في بعض سيرها واستعمالاتها، هرطقةً وخروجًا عنها، لأنه يشكل مساسًا بالهوية وتهديدًا لاستقرار الجماعة الإيمانية التي تتحول أكثر فأكثر، في مواجهة مجتمع يستعصي على سيطرتها، إلى عصبة منغلقة عدوانية، تتبنى جميع المواقف التي تتبناها الجماعات الدينية المواجهة لها، وتعلن مثلها "جهادها"، بجميع الوسائل، النظرية والمادية، الشرعية وغير الشرعية، السلمية والعنفية، ضد "الكفرة" و"الجاحدين"، لنشر العقيدة التي يكمن فيها خلاص البشرية. ومثلها أيضًا، تبني العلموية "كنيستها" التي توزع صكوك الخلاص على المخلصين لها وتحرم مَن تشاء من اعترافها وبركتها!

هذا ما يفسر أيضًا الطابع التبشيري الممل للخطاب العَلموي وما يتميز به من الجمود والثبات وتكرار الصيغ والعبارات والشعارات نفسها منذ نصف قرن، دون أدنى مراجعة أو محاولة لتجديد الفكرة أو تعميقها. فككلِّ المتدينين، يعتقد العلمويون أن أيَّ تغيير أو تعديل في السردية الخاصة بهم لا بدَّ أن يثير الشك في متانة العقيدة ويقوض، ربما، أسُس بقائها. لذا فإن كلَّ ما أنتجه هذا الخطاب كان مقالات تمجيدية ودفاعية، تهدف إلى صون الفكرة من التغيير والتعديل والحفاظ على تماميَّتها وأصولها في وجه ناقديها وتستند على الاسترجاع الأبدي للأفكار نفسها وإعادة إنتاجها عبر نقد خطابات الخصوم (أو من يحوَّلون إلى خصوم) والتشهير بهم وإظهار مروقهم أو خيانتهم. فعندما تتحول الفكرة إلى عقيدة وتصبح منتجة لهوية وانتماء خاص وولاء جمعي، تكتسب قيمة رمزية أساسية وتصبح، بالتالي، موضع قداسة يصعب النقاش فيها أو الحديث عنها خارج دائرة الاحترام والإجلال والتمجيد والتبرير.

هكذا تغيَّر دور العَلمانية أيضًا في حياتنا السياسية والاجتماعية. فبعد أن كانت مبدأ جامعًا يقرِّب بين مختلفين، بدعوة الجميع إلى الارتفاع عن خلافاتهم العقائدية للاتفاق على شروط ممارسة هذه العقائد جميعًا في حرية، وبالتالي، ضمان حيادية السلطة التي ترعى هذه الممارسة الحرة وتحافظ عليها، أصبحت، بالعكس، أداة للتمييز والفصل بين جماعتين: جماعة المتدينين وجماعة المتحررين من الدين.

هكذا تغيَّر دور العَلمانية أيضًا في حياتنا السياسية والاجتماعية. فبعد أن كانت مبدأ جامعًا يقرِّب بين مختلفين، بدعوة الجميع إلى الارتفاع عن خلافاتهم العقائدية للاتفاق على شروط ممارسة هذه العقائد جميعًا في حرية، وبالتالي، ضمان حيادية السلطة التي ترعى هذه الممارسة الحرة وتحافظ عليها، أصبحت، بالعكس، أداة للتمييز والفصل بين جماعتين: جماعة المتدينين وجماعة المتحررين من الدين. ولم يعد أنصار الفكرة العَلمانية ينشدون، كما كان الأمر في الأصل، إقناع الآخرين بالدخول في منطق السلطة الديموقراطية والانتماء إلى أمة سياسية مختلفة عن الأمة الدينية، توحد جميع الأطراف من أصحاب العقائد المتنازعة تحت سقف دولة محايدة تحترم الجميع بالتساوي وتدافع عن حرياتهم الاعتقادية والسياسية وعن المساواة والعدالة في ما بينهم، وإنما أصبحوا يدافعون عن مكانهم وموقعهم في التركيبة الاجتماعية، بوصفهم أصحاب "كنيسة" مستقلة ومتميزة، ذات أسرار وطقوس يصعب على العامة الجاهلين والأميين استيعابُها. ولذلك لم يعد تحقيق العَلمانية، بما تعنيه من ضمان الحرية والمساواة والعدالة، هو الذي يعنيهم حقيقة، ولا حتى التبشير بها والسعي إلى نشرها وإقناع الآخرين بفائدتها، وإنما حمايتها من التحريف كشرط للمحافظة على "الملَّة" التي صارت إليها العَلمانية. وهذا ما يفسر النزعة السائدة عند هؤلاء إلى تصنيم مفهومها وتحويله إلى حقيقة ثابتة ونموذج جاهز وناجز، لا يقترن تحقيقُه بأية حيثية، وإلى جعله أقنومًا واحدًا مستقلاً يتقدم على كلِّ ما عداه من الأقانيم؛ فهي هدف في ذاتها، لا يهم إذا ما ارتبط تحقيقُها بضمان حرية الأفراد أو عبوديتهم، ولا إذا كان على حساب المساواة أو التمييز في ما بينهم. فصل الدين عن الدولة أو إخراجه منها هو الغاية الأولى والوحيدة، التي يبرِّر تحقيقُها أو الوصولُ إليها جميع الوسائل الأخرى، بما في ذلك أقسى الديكتاتوريات العسكرية .