في معنى قيادة حزب واحد للدولة والمجتمع

2005-05-25:: الاتحاد

ترجمة :

 تشير المعلومات التي تسربها الأوساط البعثية المسؤولة عن الإعداد اللمؤتمر القطري الخامس لحزب البعث إلى رغبة القيادة القطرية في أن تبقي على المادة الثامنة من الدستور التي تؤكد على دور حزب البعث الحاكم كقائد للدولة والمجتمع. وتعتقد القيادة القطرية كما يبدو بأن الاحتفاظ بهذه المادة يشكل ضمانة لعدم خروج الأمور عن السيطرة أو لمنع تعريض النظام القائم للخطر. والسؤال المطروح بالضبط اليوم هو التالي: هل ينعقد مؤتمر حزب البعث - الحاكم في سورية منذ 43 عاما من دون انقطاع - تحت شعار تعزيز وسائل الحفاظ على النظام أم تحت شعار تغيير النظام وتعديله بما يسمح بامتصاص التوترات العميقة التي تهدده بالتفكك والانهيار ويخلق للسوريين الشروط السياسية والاجتماعية التي تمكنهم من الرد على التحديات الخارجية الخطيرة والمعلنة القريبة؟ فإذا كان الهدف الأول هو جوهر ما سيناقشه المؤتمر يصبح من الخطأ بالفعل التخلي عن هذه المادة التي تحصر القيادة السياسية، من دون تحديد في الزمان والمجال، بحزب البعث وتجعل منه الوصي الرسمي على شؤون المجتمع والدولة السورييين. وفي هذه الحالة سيكون من الضروري والمكمل أيضا لهذه المادة الإبقاء على قوانين الطواريء والأحكام العرفية وسلطة أجهزة الأمن المطلقة وغير الخاضعة لقانون، أي كل ما اعتمد عليه النظام حتى الآن للاستمرار وما كان بإمكانه البقاء حتى اليوم من دونه. لكن ربما كان من المفيد في هذه المناسبة إن لم نقل من الواجب الوطني والإنساني، تذكير أعضاء القيادة القطرية بما يمكن أن ينجم عن اتخاذ مثل هذا القرار من مخاطر كبيرة ربما لا تقل عن تلك التي نجمت عن قرار التمديد غير الصائب لرئيس الجمهورية اللبنانية. فأولا لا يحصل تمديد العمل بقاعدة النص بالدستور على قيادة البعث للدولة والمجتمع وما تعنيه من تجديد الحكم بإلغاء الحياة السياسية السورية في مناخ التعبئة القديمة ضد الرجعية والأمبريالية والصهيونية ولكن بالعكس. إنه يحصل في ظرف تراكمت فيه الهزائم والإخفاقات الخارجية والداخلية وفقدت فيه المنظومة البعثية الحاكمة كل ما كانت تملكه من صدقية حتى تطابق اسمها مع الفشل والإفلاس على جميع الأصعدة الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية والثقافية والإعلامية وصارت رديفا، في ذاكرة سكان البلاد والرأي العام العربي عموما، لإنتاج الفقر والبطالة والامية والتقهر العلمي والتقني وتفجير النزاعات السياسية والطائفية والاجتماعية والقطيعة والعزلة عن البيئة العربية وتصاعد حجم الضغوط والتدخلات الأجنبية واستعداء القوى الدولية المجاني. وثانيا، مع تراجع أفكار الثورة ومشروعيتها التاريخية، لم يعد ما حصل في سورية في 8 آذار 1963 يظهر كحركة طبيعية في إطار الصراع والتنافس بين القوى السياسية القومية وغير القومية ولكن كمصادرة رسمية وعلنية لإرادة الشعب السوري وسيادته وأن أي حياة سياسية لم تستقم ولن تستقيم قبل إعادة السيادة داخل سورية للشعب الذي انتزعت منه بالقوة العسكرية. وكل ما قيل حول الثورة والاشتراكية وتوزيع الثروة في سياق السعي لإضفاء شرعية تاريخية على هذه المصادرة للإرادة والسيادة الشعبية يكذبه واقع حال أولئك الذين باسم الثورة والوطنية والقومية غيروا أوضاعهم الاجتماعية من النقيض إلى النقيض فأبعدوا الطبقة المالكة القديمة عن مواقعها وصاروا هم الطبقة المالكة الحقيقية. وثالثا أظهرت التجربة التاريخية الطويلة للسوريين أن إخضاع المجتمع بأكمله لنظام يدمج بين جميع السلطات ويقدمها خالية من أي قيد لفئة أو لحزب واحد يحكمها ويتحكم بها وبمواردها كيف ما يشاء لم يحقق مباديء الثورة البعثية في الوحدة والحرية والاشتراكية ولكنه قاد ببساطة إلى تحويل البلاد إلى مزرعة عبودية بمثل ما عزز لدى الحاكمين الشعور المقابل بالألوهية التي ولدت ولا تزال تولد إلى اليوم سلطة مطلقة تعسفية وقمعية كانت الباب المفتوح على مصراعيه لتعميم الفساد والرشوة الرسمية المنظمة وتدمير الشعور بالمسؤولية وتخريب مؤسسات الدولة والمجتمع المدني معا. وكان كل ذلك من الأسباب الرئيسية للتدهور المقارن والمطلق الذي عرفته البلاد على جميع المستويات التعليمية والإدارية والاقتصادية والتقنية والوطنية. ورابعا مع تآكل شرعية النظام الثورية وهلاك الفكرة الثورية نفسها التي سند عليها البعث حركته الانقلابية لم يعد النص في الدستور على أن حزب من الاحزاب هو قائد للمجتمع والدولة يعني مجرد تمكين السلطة الجديدة من السيطرة على الموقف ودحر القوى المنافسة لها في المعركة السياسية وإنما تحول إلى إلغاء شرعي للدستور نفسه ومن وراء ذلك إلى وضع الأساس غير القانوني وغير الشرعي لتكوين طبقة حاكمة طفيلية، جاهلة تأهيلا ومنحطة أخلاقا وجانحة سياسيا واجتماعيا معا، ومدفوعة بالضرورة إلى الوقوف ضد المجتمع والعداء له. فالنص على هذه المادة يشكل انتهاكا لروح الدستور الجمهوري لأنه يشرع بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث للتمييز الرسمي السياسي والاجتماعي والاخلاقي بين أبناء الوطن الواحد فيؤهل أصحاب عقيدة ومذهب وحزب للقيادة بالولادة ويحرم الآخرين منها لمجرد عدم انتمائهم إلى الحزب الحاكم. وإذا كان هناك مبدأ قامت عليه المجتمعات والدساتير الحديثة أي الجمهوريات فهو بالضبط مبدأ المساواة في القانون وأمام القانون. ولو أدرك البعثيون المخلصون مدى الإساءة التي يقومون بها بتأييدهم مثل هذا الوضع لبلدهم ومجتمعهم وتمثلوا الحد الأدنى من معاني الوطنية لأعلنوا جميعا انسحابهم من الحزب أو تحقيق المساواة التامة بينهم وبين مواطنيهم على جميع المستويات. والمساواة تعني الفرص المتساوية والحظوظ المتساوية في التنافس أمام جميع المناصب والمسؤوليات. وهو، أي النص على القيادة للحزب الحاكم بالدستور، أساس لتكوين نخبة منحطة أخلاقيا واجتماعيا لأنه ليس للتمييز أمام القانون إلا مضمونا واحدا هو إغراق الموالين والمنتسبين للحزب والسلطة بالامتيازات على حساب مواطنيهم الآخرين. وليست الامتيازات مادية فحسب ولكن معنوية وسياسية واجتماعية. والذي يقبل بالامتيازات على حساب الآخرين ويعتقد أنها أمر طبيعي يستحقه بسبب الولاء أو الانتماء لا بسبب الإنتاج والإبداع والإضافة الايجابية الناجمة عن الكفاءة والمهارة والمؤهلات فهو يقبل بسرقة الآخرين وانتهاك حقوقهم والسير عليها لتحقيق مآربه ومصالحه الخاصة. فهو لا مبدأ عنده ولا مثال. إن ما يهمه هو مراكمة المغانم والمكاسب والمناصب والسيارات والشقق والمكاتب كما هو معروف عن كبار المسؤولين وأبنائهم وزوجاتهم وأحفادهم في كل أنظمة الحكم التمييزية. وهو مصدر للجنوح الأخلاقي وللجريمة لأن النخبة التي تعرف أنها تنعم بالامتيازات التي لا ينعم بها غيرها وتعرف أنها تنعم بها ليس بسبب كفاءتها ومهارتها واستحقاقها القانوني ولكن بسبب ولائها وتبعيتها ورضى المسؤولين عنها تشعر بالسليقة أن محافظتها عليها لا يمكن أن تتحقق إلا بخرق القانون ومحاربة المواطنين الآخرين وإنكار حقوقهم والاستعداء عليهم بذريعة أنهم حاقدون أو معادون للثورة أو النظام أو مهددون للوحدة الوطنية أو متعاملون مع القوى الأجنبية. وباحتكارها الوطنية وهي تخونها كل يوم في سلوكها الاجتماعي والسياسي والثقافي، أي في قبولها التميز والتمييز وتبريرها نظام الامتيازات المفجر للمجتمعات لا تعمل النخبة الحاكمة في مثل هذه النظم إلا على تدمير أسس الوطنية ومشاعر الانتماء الوطني الحقيقي. ولهذا نجد أكثر من نصف السكان لا يفكرون إلا في هجرة أوطانهم والهرب منها بقدر ما يشعرون أنه لاحقوق لهم فيها وأنهم أولاد الجارية وعليهم تقع واجبات خدمة أبناء الست. وهذا يعني أخيرا أن النص بالدستور على قيادة الحزب الواحد للدولة والمجتمع يعني خراب الدولة والمجتمع والحزب الحاكم معا. وقد حصل ذلك بالفعل في سياق مصادرة الحزب للدولة والدولة للمجتمع والأجهزة للحزب في ظل إنقلاب عسكري لم تدعمه لاثورة شعبية ولا انفجارات اهلية باستثناء تلك التي فجرتها مصادرة إرادة الشعب والاستهتار بحقوقه واستقلاله. أعتقد أنه آن الأوان، وأملي أن يدرك ذلك أعضاء القيادة في حزب البعث أو على الأقل الإصلاحيين منهم، بأن الآوان قد آن للمصارحة والكلام الصادق. فلا يمكن لدولة ولا لمجتمع أن يقوما من عثارهما بالكذب على النفس والغش. كفى اعتقالات يومية بالجملية وملاحقات وتنكيل ومحاكمة أناس ابرياء، سابقا باسم الحفاظ على الثورة والدفاع عن الاشتراكية، واليوم باسم الاستقرار ودرء المخاطر الخارجية والحفاظ على الوحدة الوطنية التي مزقتها امتيازات النخبة المكرسة بالدستور والتي تحولت بسبب هذا التكريس بالذات إلى نخبة بدائية متخلفة عقليا وسياسيا وإنسانيا معا ومفتقرة للمفاهيم الأساسية بل للمشاعر الضرورية لقيام حياة اجتماعية وسياسية وثقافية على أدنى مستوى كان. لقد أنشأ هذا النظام نخبة مفترسة تعتقد أن كل ما تراه أمامها ملك لها وأن لها كل الحقوق وليس عليها أي واجبات وأن الشعب وجد لخدمتها والتمجيد بحمدها. لن يمكن تطوير حزب البعث وتحويله من آلة مفترسة كما هو عليه اليوم للدولة والمجتمع إلى منظمة سياسية قادرة على العمل الايجابي والمشاركة في إعادة بناء الحياة السياسية التي خربتها عقود طويلة من الطغيان والسيطرة الهمجية من دون إزالة هذه المادة من الدستور وقطع جذور الفكرة الكامنة وراءها، أعني التمديد الأبدي وبالوسائل الاستثنائية واللاقانونية لسلطة تضع نفسها فوق القانون وتعتبر القانون والدستور أداة من الأدوات الشرعية والمشروعة التي تستخدمها لتكريس نفسها وخدمة مصالحها، أي لسلطة تتنافي مع قيم لوطنية والإنسانية معا.