فشل المصالحة إمعان في الانهيار

2009-10-25:: الاتحاد

ترجمة :

لم يكن هناك شك عند أي مراقب للوضع الفلسطيني في أن تأجيل نقاش تقرير جولدستون سوف يعرض المصالحة الفلسطينية لامتحان خطير. وجاء خطابا كل من خالد مشعل ومحمود عباس في 11 نوفمبر الجاري، وما تلاهما من تصريحات لمسؤولي “فتح” و”حماس”، ليؤكدا ذلك وليضعا نهاية مأساوية لمحاولات رأب الصدع التي قامت بها شخصيات وقوى محلية ودولية عديدة للخروج من الأزمة الفلسطينية، وبهدف إيجاد شروط أفضل لإطلاق مفاوضات التسوية مع إسرائيل. فرغم إعلان عباس تمسكه بالمصالحة الوطنية وتأكيده على رفض تأجيل موعد التوقيع عليها، كما حددته الخارجية المصرية في 26 من الشهر الجاري، فإنه لم يوفر فرصة لمهاجمة “حماس” واتهامها بأشنع الأفعال، بما في ذلك العمل لصالح إسرائيل، كما لم ينس التذكير بـ “الانقلاب الظلامي” الذي قامت به في القطاع، ووصفها بالقول إنها قوة متمردة على الشرعية الفلسطينية.
ولم يكن خطاب مشعل أقل اتهامية وعنفاً من خطاب عباس، إن لم يكن أشد منه؛ فقد حمل على ما سماه “الفريق المسيطر على السلطة الفلسطينية”، متهماً إياه بالعمل لخدمة إسرائيل والتفاهم معها، في قطيعة مع تاريخ “فتح” ومع إرادة الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية. واشترط مشعل لتوقيع المصالحة الوطنية محاسبة القيادة الفلسطينية الراهنة ووضع مرجعية وطنية تحول دون ارتكاب أخطاء جديدة في المستقبل وتحافظ على الثوابت الفلسطينية. ولم ينس أيضاًِ أن يذكر بموقف “حماس” القائل بأن المقاومة خيار استراتيجي بالنسبة لها، وأنها لن تفرط في الثوابت الفلسطينية كالقدس وحق العودة ورفض الاستيطان.
كان واضحاً من الخطابين أن أياً من الرجلين لم يكن مهتماً أو حريصاً على الاحتفاظ بخط الرجعة أو ترك الباب مفتوحاً للمصالحة. بل ظهر بوضوح تام، من خلال الخطابين، أن المصالحة لم تكن بالفعل مسألة مركزية في تفكيرهما وسياستهما معاً، وأنها ليست نابعة من اقتناع عميق بأهميتها بالنسبة لمواجهة الوضع الذي تمر به القضية الفلسطينية حالياً. لقد كانت ولا تزال تكتيكاً اتخذه الطرفان لتحقيق أهداف جزئية وظرفية، وبشكل خاص إرضاءً للأطراف العربية التي تخشى أن يؤدي الانقسام الفلسطيني إلى انكشاف خطير للموقف العربي بأكمله، وتوريطها هي أيضاً في أزمة تجاه رأيها العام.
وليس التأكيد المشترك من قبل عباس ومشعل على أنه لا حل للأزمة ولا مصالحة في النهاية إلا من خلال انتخابات شعبية تسمح للفلسطينيين بحسم الموقف، وتزيل الانقسام القائم، وتلغي الحاجة إلى تسوية بين مواقف فلسطينية لا يمكن التوفيق بينها… أقول ليس هذا التأكيد من قبل الطرفين على أولوية الانتخابات إلا دليل على غياب التفاهم وانعدام وجود أي تسوية سياسية فعلية، قبل قضية التقرير ومأساته.
من هنا يمكن القول إن كلا الطرفين وجدا في تأجيل مناقشة تقرير جولدستون فرصة للتراجع عن “التزاماته” السابقة بخصوص المصالحة، والعودة إلى مواقفه الأساسية.
فبدل أن يعترف عباس بالخطأ الذي وقع نتيجة قرار خاطئ اتخذه على الشعب الفلسطيني وقضيته، فضل التعبير عن غضبه من الجدل الصاخب حول ذلك القرار، مذكراً من جديد -لتبرير قراره- بتوافق مختلف المجموعات في مجلس حقوق الإنسان (العربية والإسلامية والأفريقية وعدم الانحياز) حول سحب التقرير. وكان بإمكانه أن يعترف بالخطأ ويعلن تحمله المسؤولية.
وبالمثل، ليس مقنعاً ما ذكره مشعل لتبرير التراجع عن المصالحة، ومن ورائها كما ظهر في الخطاب، التشكيك في إمكانية أي مصالحة مع فريق عباس. فلا يعني السير في المصالحة، كما قال، الموافقة على قرار عباس أو إضفاء الشرعية على الأخطاء التي تقوم بها سلطته. فالجمهور الفلسطيني والعربي يعرف موقف “حماس” كما يعرف موقف السلطة الفلسطينية، ولن يخلط بين الأمرين. بل يمكن لـ “حماس” أن تربح نفوذاً سياسياً أكبر لو أبدت حرصاً أكثر على المصالحة والوحدة في هذا الظرف الصعب. فالمفترض أن “حماس” لا تقوم بالمصالحة مع عباس أو الفريق الذي تتهمه بالوقوف مع القرار، وإنما تعمل من خلال المصالحة على تجاوز الصدع الفلسطيني الذي مس الأرض والمؤسسات والقوى الفلسطينية، أي الذي قسم الفلسطينيين وسمح لإسرائيل باللعب على تناقضاتهم ومحاولة تعبئة قسم منهم ضد القسم الآخر. وهي الوسيلة الوحيدة لإفشال ما سعت إليه إسرائيل منذ الاحتلال وأخفقت في تحقيقه حتى وفاة ياسر عرفات، أعني تفجير الحرب الفلسطينية الفلسطينية التي تريد من إشعالها التخفف من عبء الاحتلال ودفع الفلسطينيين إلى تبديد جهودهم بدل توحيدها ضد عدوهم المشترك والوحيد.
وما كان وفد “حماس” ليخسر شيئاً لو ذهب إلى القاهرة في الموعد المحدد، بل لكان استفاد من جو الغضب الشعبي الراهن ضد قرار تأجيل التصويت على تقرير جولدستون، وأظهر للرأي العام الفلسطيني والعربي أنه مؤمن فعلا بضرورة توحيد الجهد الفلسطيني بأي ثمن. لكن في اعتقادي أن “حماس” خسرت فرصة كبيرة لإظهار أنها ليست فريقاً فلسطينياً يدافع عن نفسه ومصالحه ضد فريق آخر مستفرد بالسلطة ومستفيد منها، بل إنها قيادة وطنية حريصة وقادرة على الجمع وتوحيد الشعب والإرادة الفلسطينيين!
وفي ماوراء انحسار أمل الوحدة الوطنية وتأكيد الانقسام، حتى بعد تصويت مجلس حقوق الإنسان على التقرير، الجمعة الماضي، يكمن الواقع المر الذي لا يمكن من دونه فهم ما يجري داخل الصف الفلسطيني، والعربي أيضاً، أعني انهيار آفاق مفاوضات التسوية السياسية العربية الإسرائيلية بعد أن أظهرت إدارة أوباما، والتي بُنيتْ عليها آمال عريضة طوال عدة أشهر، أنها غير مستعدة لثني إسرائيل عن متابعة مشروعها الاستيطاني الشامل، والذي يلغي أي احتمال لإمكانية قيام دولة فلسطينية.

ذلك في نظري هو السبب الأعمق للنزاع الفلسطيني الداخلي. لكن هل جوابنا المطلوب على انهيار مفاوضات السلام، وعلى فشل أوباما وإدارته في تأهيل إسرائيل، هو الاستمرار في النزاعات الفلسطينية والعربية الداخلية، أي الإمعان في الانهيار؟