على روسيا أن تعترف بخطئها وتعتذر للسوريين

2017-11-21:: العربي الجديد

ترجمة :

 

عندما دخل الروس إلى سورية أثار تدخلهم الامل عند قطاعات واسعة من الرأي العام السوري، بما في ذلك المؤيد للثورة، لأن كثيرا من السوريين كانوا يعتقدون أن روسيا، بعكس الأسد وطهران، دولة بالمعنى الحرفي للكلمة، أي لديها، كاي دولة عريقة وراسخة، تقاليد تجعلها تستبطن في سلوكها الرسمي وعلاقاتها بغيرها، مهما كانت مواقف حكامها الظرفية، الحد الأدنى من المباديء، التي يفرضها الاشتراك في منظومة دولية واحدة، والتعامل مع دول ندة وشعوب ذات حقوق معترف بها واحيانا بعض الاستقلال والسيادة، أو مفترض أنها كذلك. ومن بين هذه المباديء احترام القوانين والالتزامات الدولية الأساسية التي لا يقوم من دونها أي نظام دولي، ويؤدي الاستهتار بها أو المبالغة في تجاوزها إلى تهديد الاستقرار وسيادة الدول والسلام العالمي. وهذا ما يدفع الدول إلى ضبط النفس وتجنب ردود الأفعال العاطفية والانتقامية، ويعطي للدبلوماسية والبحث عن الحوار والمفاوضات والحلول العقلانية معن. وهو أيضا ما يجنبها التورط في أعمال أو نشاطات ذات طبيعة إجرامية، ومخاطر الانجرار إلى سلوك العصابات أو العصبيات القبلية أو الطائفية اللاعقلانية وغير المحسوبة ولا المقبولة سياسيا وأخلاقيا، من نوع أعمال الابادة الجماعية أو استهداف المدنيين أو التضحية بشعب كامل من أجل تحقيق مصالح استراتيجية أو سياسية أو اقتصادية، مهما كان حجمها.

 

منطق الدولة ومنطق العشيرة

فالدولة التي من صفاتها أن تحتكر العنف داخل حدودها، مسؤولة في المقابل عن تقنين استخدامه داخل هذه الحدود، لكن أيضا خارجها، بعد أن أغلقت اتفاقية وستفاليا في القرن السابع عشر عصر الاعتراف بشرعية الفتح والغزو وضم المناطق والحاقها بالقوة، أي بحق القوة في التمدد على حسب ما تسمح لها طاقتها وحدها، كما بنيت في الماضي جميع الامبرطوريات والسلطنات البائدة. وقد حاولت هذه الدول منذ ذلك الوقت أن تنظم نفسها، وتضبط علاقاتها بعضها ببعض، على أسس قانونية أو عقلانية، فبلورت تقاليد وأعراف، وأقامت مؤسسة كبرى دولية هي الامم المتحدة التي زودتها خلال أكثر من سبعة عقود بالعديد من الاتفاقات والمواثيق الدولية الملزمة إلى هذا الحد أو ذاك، لكن الموجهة دائما، وهي التي أسست لمفهوم الشرعية الدولية، أي حدود استخدام العنف في العلاقات الدولية وخارج المجال الوطني الخاص بكل دولة. وهكذا تقارب حقل العلاقات الدولية من حقل العلاقات الوطنية الداخلية. ونشا نتيجة ذلك مصدران للشرعية، داخلي ودولي. فكما يحول الاستخدام المتكرر أو المفرط للعنف خارج إطار القانون أي سلطة "وطنية" قائمة إلى سلطة جائرة، وينتقص من شرعيتها، وربما ينزع هذه الاخيرة عنها فتصبح سلطة باغية، يحول استخدام العنف المفرط خارج حدودها، وفي تعاملها مع الشعوب والدول الأخرى، خارج إطار الأعراف والتقاليد والقوانين، أي الاتفاقات والمواثيق الدولية المرعية، إلى دولة مارقة، ويفقدها مزايا انتمائها إلى المجموعة الدولية، فيقود إلى تقليص مجال سيادتها وممارسة حقوقها في الحماية والتعاون الدوليين، وربما أدى إلى طردها من المنظومة ومحاصرتها وشن الحرب عليها.

لا يعني هذا ان "القانون الدولي" هو الذي ينظم في عصرنا العلاقات بين الدول أو يصنعها. فلا تزال القوة هي العامل الحاسم في رسم خريطة هذه العلاقات وهندستها. لكنه يضيق من هامش مناورة الدول الكبرى ويضع في وجهها عراقيل كي لا تفرط في استخدام القوة ويقدم للدول الأضعف مرجعية تعتمد عليها لايجاد الحلول المتفاوض عليها في ما بينها أساسا، ومع الدول الكبرى. لا يمنع هذا "النظام الدولي" الذي لا يزال بحاجة إلى قوة مستقلة تحميه وتطبقه، الدول القوية ، وروسيا واحدة منها، من أن تنزع إلى استخدام القوة، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتعظيم مكاسبها وتعزيز موقعها ومكانتها ودورها في وضع اجندة السياسة الدولية، ولا يستطيع أحد أن يحول دون ذلك، ما لم يملك هو ايضا قوة مماثلة، إلا أنه يساهم في وضع معايير لمجازاة القوة، وفي رسم حدود للسماح باستخدام العنف والمراهنة عليه لتحقيق مكاسب أو مصالح مادية أو استراتيجية، كما يفرض ثمنا، ماديا ومعنويا، لمثل هذا التطرف في استخدام العنف، حتى عندما يصدر عن قوى كبرى أو دول قوية. ونتيجة ذلك، وفي الكثير من الحالات، بدل أن يعجل العنف الأعمى، كما يعتقد أصحابه، في حسم النزاعات وربحها، تزيد المراهنة عليه من تأجيجها. إذ يكاد يكون من المستحيل، في عصرنا الراهن، حيث أصبح العالم قرية صغيرة كما يقال عن حق، وزاد الاعتقاد بوحدة المصير الانساني ومساواة الشعوب الأخلاقية، النجاح في تسوية أي نزاع من خلال تكبيد الطرف الآخر هزيمة كاملة أو سحقه وإعدامه، كما كان يحصل في ما قبل نشوء الدولة الحديثة ومفهومها وتعميمها، وعلى قاعدة تطبيق قانون الصراع القبلي والطائفي والعصبوي. ليس هناك شعب أو حتى جماعة صغيرة تقبل اليوم أن تعامل حسب هذا القانون، وتتخلى بإرادتها عن قانون السياسة ومنطق المساواة والعدالة والتفاوض على مصالح مشتركة ومتبادلة. هذه هي أعراف وتقاليد العصر المستمدة من مفاهيم الدولة والسيادة وحقوق الشعوب والجماعات الطبيعية والثابتة.

 

سلام المقابر الروسي

ما تقوم به موسكو في مشاركتها الأسد في حملته الصليبية ضد الشعب السوري، ودفاعها عن بقائه حتى آخر سوري، وحمايته من المساءلة عن الجرائم الكبرى والمتواصلة التي يرتكبها هربا من العدالة المحتملة، لا يقوض صدقية الدولة الروسية كدولة تنتمي إلى الأمم المتحدة وقيم العصر وسياساته فحسب، وإنما يجعلها تخسر معركتها الكبيرة من أجل استعادة دورها كقوة عالمية وشريك ايجابي وأساسي في ترتيب الأوضاع الدولية وضمان الاستقرار العالمي والامن الدولي الجماعي.

موقف روسيا في سورية، واندفاعها الكبير والحماسي لكسر إرادة الشعب السوري والفت بعزيمته، وحرمانه من حقه في انتزاع حريته في مواجهة نظام قاتل عزلته المجموعة الدولية برمتها، قد عراها تماما أمام نفسها والعالم، ولم يخدم قضيتها. وأنا متأكد من أنها ستخرج من المحرقة السورية، التي نظمها الاسد لشعبه ولشعوب المنطقة، انتقاما لمطالبته بالرحيل عن الحكم، والتي انخرطت موسكو فيها معه، انتقاما من الغرب وتهميشه لها واستبعادها من مائدة تقاسم مناطق النفوذ في العراق وليبيا، أضعف مما كانت عندما دخلت فيها، وأكثر عزلة وهزالا سياسيا وأخلاقيا. وبدل أن يخدمها استعراض القوة ضد الشعب السوري الأعزل، واختبار اسلحتها الجديدة وقوتها العسكرية والنارية المتزايدة، على جسد الأطفال السوريين الأبرياء، لإعادة موضعة نفسها كقوة عظمى، وانتزاع تأييد الشعوب الضعيفة والفقيرة التي تتطلع إلى قطب يعينها على مواجهة سياسة الغرب التسلطية والجائرة أيضا على مستوى العلاقات الدولية، سوف يزيد الدور السلبي واللاإنساني واللاأخلاقي الذي قامت به في سورية من عزلتها، ومن تشكيك الشعوب والدول بها وخوفها منها، وربما التطلع من جديد إلى الحماية الغربية والتمسك بها كأهون الشرين.

ما تقوم به روسيا منذ بداية الثورة السورية والأزمة التي ولدت منها، والرهان الوحيد الذي وضعته على الأسد سياسيا وعلى العنف وسحق الطرف الآخر بكل الوسائل واستخدام جميع المبررات وعدم الاعتبار لأي قيمة إنسانية أو قانونية، أو لأي مبدأ أو عاطفة، قد أفقدها أي شرعية لتمارس دور الوسيط في النزاعات الدولية فما بالك بدور المخلص والمسهل والمنقذ، وحولها إلى قوة احتلال من النوع ذاته الذي يمثله احتلال الأسد وطهران لمدن سورية ومناطقها المختلفة.

كيف يمكن لدولة تستميت في الدفاع عن مجرمين متهمين علنا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، وتعطل القانون الدولي والاجماع العالمي من أجل حمايتهم، أن تكون وسيطا في مفاوضات الحل السياسي في سورية، أو أن تستفرد بصناعة هذا الحل؟ وكيف يمكن لها أن تساعد على ايصال الاطراف إلى حل ممكن ومقبول من الجميع إذا كانت لا تترك فرصة ولا مناسبة من دون الإفصاح عن عدائها لأي حل يضمن للشعب السوري التمتع بالحد الادنى من حقوقه الطبيعية، واصطفافها وراء نظام أعلن الحرب على شعبه، وقوض الدولة ودمر مؤسساتها، واستبدلها بميليشيات طائفية محلية وأجنبية لمحاربته؟

وكيف يمكن لدولة استخدمت الفيتو عشر مرات لتعطيل قرارات الأمم المتحدة في المسألة السورية، ورفضت أي قرار لا يضمن بقاء الأسد ونظامه الدموي في السلطة، ووقفت ضد ارادة السوريين أو أغلبيتهم، وإرادة المجتمع الدولي ذاتها، أن تدعي العمل من أجل سورية ومصلحة شعبها، ولصالح السلام والاستقرار والأمن الاقليمي والعالمي؟

بدل أن تنهي الحرب، كما يدعي صانعوها، مدت السياسة الروسية الكارثية في أمدها، وحولتها إلى حرب لا مخرج منها. وبدل أن ترتقي بأسلوب معالجتها، كما كانت تحلم، إلى مصاف الدول الكبرى، الصانعة للسلام، وتحظى بالصدقية والمكانة الدولية التي تنشدها، وضعت نفسها، بدفاعها المستميت عن عصابة قتلة، وسعيها الدائب للتغطية على جريمة الابادة الجماعية، في موقع المتهم، وتحولت إلى شريك رئيسي في المسؤولية عنها.

 

دبلوماسية الوزير لافروف المستعجلة

ربما لم تخسر ولن تخسر روسيا الحرب في سورية عسكريا، أو ليس بعد، لكنها خسرتها سياسيا وأخلاقيا. خسرت أولا معركتها للعودة الظافرة من الباب السوري إلى المجتمع الدولي كدولة فاعلة وقادرة على تحقيق السلام، ومدعومة بتعاطف قطاعات من الرأي العام ومن الشعوب التي ملت سياسات التمييز الغربية. والسبب ببساطة، أنها انساقت وراء أهواء الانتقام بدل السياسة الايجابية، واعتبرت أن مقارعة الغرب الذي اهانها واضطهدها منذ عقود طويلة، ولا يزال يسعى إلى محاصرتها، واستبعادها من دائرة النفوذ الدولي، وهذه حقيقة، يبرر لها كل شيء، بما في ذلك تدمير أوطان شعوب أخرى وإبادة ساكنتها، ويعفيها من أي مسؤولية. لقد جرت وراء وهم السياسة ذاتها الذي دفع طهران من قبل، في سعيها لفك الحصار عنها، إلى اجتياح الدول المحيطة بها وتدميرها وتفكيك نسجها الوطنية،على سبيل استعراض القوة وإقناع الغرب الذي يحاصرها بمقدرتها على تهديد مصالحه الكبيرة الموجودة فيها، وبتحويل هذه الدول إلى ارض خراب وساحات منذورة ومشرعة للممانعة، أي للفوضى والعنف والارهاب والدمار.

ولو خفف الوزير سيرغي لافروف من غلوائه وعنجهية خطابه، وغلب منطق الحكمة على روح التحدي والانتقام، وحاول أن يتفهم، بالحد الأدنى، قضية الأطراف السورية الأخرى وينظر في مصالحها وتطلعاتها، ربما كانت روسيا قد حققت أهدافها ونجحت في وضع حد للحرب وتجنب الكارثة السورية منذ سنوات طويلة، وجنبت أيضا السوريين والعالم نتائجها. ومهما كان الحال، ما كانت روسيا ستجد نفسها في المستنقع العسكري والسياسي والأخلاقي الذي تجد نفسها فيه الآن، رهينة الحسابات الشيطانية للبابوية الايرانية ومشاريعها القرسطوية المتجددة، أو لهلوسات "رئيس" دموي و نظام أمني همجي.

ليس من المقبول لدولة كبرى بحجم روسيا، وهي دولة قوية، وتقع عليها بسبب هذه القوة بالذات مسؤوليات دولية جسيمة، أن تسمح لنفسها بأن تتورط، مهما كانت الحسابات، في التضحية بشعب كامل، وتدمير وطنه ومستقبله، ولا أن ترهن قوتها، مهما كان الثمن أيضا، للدفاع عن مجرم حرب صغير، وحماية عدو للإنسانية من أي مساءلة قانونية او محاسبة سياسية أو عدالة.

سورية ليست وحدها، بما فيها من حضارة وشعب، هي التي ذهبت ضحية جنون القوة وعرس الدم الذين استبدا برئيس أحمق، ومدعي بابوية" جديدة موهومة ومزيفة في طهران، اكتشف للتو سطوته السياسية، وأصبح مسكونا بهاجس الشهادة والموت والنصر الإلهي ».

روسيا ايضا وقعت في الفخ. وهذه هي لعنة سورية التي ستلاحق الجميع، من شارك ومن أيد ومن صمت أو اختار الهرب من المسؤولية والنأى بالنفس .

 

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/11/20/%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D8%A8%D8%AE%D8%B7%D8%A6%D9%87%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B0%D8%A7%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-1