سورية على فوهة بركان الصراعات الدولية

2015-10-12:: العربي الجديد

ترجمة :

تنفذ موسكو مخططاً واضحاً في سورية، يستهدف سحق المعارضة المسلحة وتحييد المليشيات الإيرانية واستعادة سيطرة الدولة تحت سلطة الأسد، قبل الانتقال إلى مرحلة مفاوضات تفرض فيها رؤيتها للحل، وتكرس مركزها المتفوق في المشرق العربي، في مواجهة النفوذ الأميركي الأوروبي. وهي تستفيد في تنفيذ هذا المخطط من دعم دول عربية أصبحت تتبنى موقف نظام الأسد في وسم جميع قوى المعارضة بالإسلامية، وتطمح أن تتمكن روسيا من القضاء عليها جميعاً، وتطهير المنطقة منها، كما تستفيد من دعم أطراف من المعارضة السورية، وقفت باستمرار ضد التيار الغالب في المعارضة، ورفضت الاعتراف بالقوى المسلحة التي تشكلت للدفاع عن النفس، وكرد فعل على الهمجية والأساليب الوحشية التي اعتمدتها أجهزة الأسد ومليشيات النظام في قمع المتظاهرين السلميين، ثم في المواجهة المسلحة المكشوفة لكل مظاهر الثورة والاحتجاج. 

حدود المواجهة الروسية الأطلسية في سورية 
على الرغم من أن المخطط الروسي، الرامي إلى تصفية المعارضة وإجبار السوريين والعالم على الاختيار بين داعش ونظام الأسد، يهدف إلى تقويض استراتيجية الدول الغربية التي تراهن على وجود شريك من خارجهما، لتبرير الانتقال السياسي، إلا أن من غير المحتمل أن يستثير هذا العمل رد فعل قوي من هؤلاء. وصحيح أن الروس، بقضائهم على المعارضة "المعتدلة"، يضعون الغربيين أمام تحدي الدفاع عن حلفائهم، ويظهرون تخاذلهم، ولا صدقية التزاماتهم في سورية والمشرق، والعالم عموما، لكنهم لا يمسّون لهم مصالح استراتيجية ملموسة، وربما ساعدهم الهجوم الروسي في حرف الأنظار عن المحنة الإنسانية التي يعيشها السوريون، منذ أكثر من أربع سنوات، بسبب سوء إدارتهم الأزمة، ويقدم لهم ذريعة جديدة لتبرير تقاعسهم وشماعة روسية يعلقون عليها فشل سياستهم وخططهم السورية، ويشكل بالنسبة لهم فرصة جديدة للتملص من التزاماتهم التي أعلنوها مراراً تجاه الشعب السوري، تماماً كما قدم لهم الفيتو الروسي من قبل الذريعة، للتحلل من مسؤولياتهم تجاه حماية المدنيين السوريين، ومساعدة الثوار على تحقيق أهدافهم التي أجمعوا على مشروعيتها. 

لا يعني هذا أن الانفراد الروسي بعمل يقلب ميزان القوى في سورية، ويقوّض سمعة الغرب لن يستدعي أي رد، فهو سيدفع، لا محالة، إلى انخراطٍ أكبر للولايات المتحدة في دعم الثوار، أو إلى مرونة أكبر في التعامل مع تسليحهم بأسلحةٍ كفيلة بإفشال موسكو، ودفعها إلى التخبط في حربٍ لا أفق لها. لكن، ما لم تحصل تطورات غير محسوبة، من المستبعد أن تؤدي أزمة العلاقات الروسية الغربية الراهنة إلى مجابهة مباشرة حول سورية. وسوف يستمر الروس، من دون خوف من أي رد فعل قوي، في تحقيق ما يعتقدون أنه يخدم مصالحهم، ويرد على استثماراتهم في النظام السوري، ومن بعد، في التدخل لحمايته ومنعه من السقوط. وعلى الأغلب، سيراهن الغربيون على غرق الحملة الروسية في الوحول السورية، وينتظرون عودة الروس إلى منطق التعاون، لحل الأزمات الدولية، من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات استراتيجية كبرى لهم، أو الاعتراف بهم شريكاً في صوغ أجندة السياسة العالمية. 
أما موسكو، فهي ليست معنية، ولم تكن في أي فترة سابقة، معنية بمصير سورية والسوريين. فسورية ليست بالنسبة لروسيا سوى فرصة للاقتصاص من الغرب، ومسرحاً لاستعراض القوة وتصفية الحسابات، وتقويض الصدقية الاستراتيجية للولايات المتحدة وهيبتها الدولية، على أمل فرض نفسها على المجتمع الدولي بمثابة دولة عظمى، من وزن الولايات المتحدة والصين، وإجبار الغرب على التراجع في مسائل العقوبات الاقتصادية وأوكرانيا، وتوسع دائرة الحلف الأطلسي في اتجاه أوروبا الشرقية. 
يستخدم بوتين الأسد، مثل ما يستخدم سورية نفسها، وحياة الملايين من أبنائها، ورقة للضغط والمساومة، ولا يعنيه وجوده من عدمه في شيء. ما يهمه مصالح روسيا، وهذه اليوم في نظر بوتين فرض إرادته زعيماً عالمياً والاعتراف بمركزيته، ولا علاقة لذلك، لا بتحقيق السلام في سورية، ولا بإنقاذ اللاجئين والمشردين السوريين. 
ولأن سورية لا تعني له شيئاً، فهو لا يهتم بتقديم أي عرض لحل الأزمة التي تمزقها، بل لا يعترف حتى بوجود أزمة، ولا أقول ثورة، ويقترح تحالفاً من الجيش الحر وجيش الأسد لمواجهة داعش، ويرفض الالتزام بأي رؤية للخروج من الأزمة، ويردد أسطوانة واحدة، منذ البداية إلى النهاية، هي معارضة التدخلات الأجنبية، وترك الشعب يقرر مصيره، أي ترك الأسد يقرر مصير سورية والشعب السوري معاً، ما دام الروس يعرفون أن السوريين ليسوا في وضع وظروف تسمح لهم بتقرير مصيرهم بحرية في ظل نظام خارج على القانون، يشن عليهم حرباً تدميرية. 
وقد لفتني أن بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسية ومستشار بوتين لشؤون الشرق الأوسط قلل، في لقاءاته أخيراً، مع معارضين سوريين، من رهانات التدخل العسكري إلى درجة مضحكة، مؤكدا أن كل ما تهدف إليه بلاده من إرسالها قواتها الجوية هو القضاء على المتطوعين الروس في المنظمات الإرهابية، قبل أن يعودوا إلى روسيا. وفي اعتقادي، إن إشاعة هذا التفسير الهزلي لهدف التدخل يعني أن الروس يبقون رهاناتهم مفتوحة، ولا يريدون تقييد تدخلهم بأي التزامات، ولا تحمل أي مسؤوليات في الأزمة السورية، ولا تقديم أي عرض، ولا إعطاء أي وعود. 
ترجمة هذا الموقف على الأرض تعني أن سورية، وخصوصاً في الشمال الغربي وسهل الغاب وريف حمص ومحيطها، مقبلة على تصعيد عسكري من نوع جديد، وأن القتل والدمار سوف يصلان إلى مستويات غير مسبوقة. ولن يتردد الروس في اللجوء إلى أقصى درجات العنف، لتحقيق أهدافهم. ولن تكون هناك معايير واضحة لمعنى الربح والخسارة في العملية الروسية. ما يهم الروس هو تكبيد المعارضة أكثر ما يمكن من الخسائر، وتحقيق أوسع تدمير ممكن في البنية التحتية للبلاد. وهذه أيضا كانت، ولا تزال، حسابات الأسد. فهو يعتبر نفسه رابحاً، حتى الآن، لأنه نجح في تدمير المناطق التي لا تخضع لسلطته، أو التي خرجت عنها، كما نجح في قتل أكثر ما كان في وسعه أن يقتله من المعارضين والمحتجين والرافضين لحكمه من المدنيين. وهذه أيضا كانت سياسة بوتين في الشيشان. 

الرد على التدخل الروسي 
لا يطرح هذا الموقف تحديات كبيرة على الدول الأطلسية التي تنتظر فشل الحملة الروسية في سورية، من دون أن تغامر بشيء، أو يلحق بمصالحها الأساسية أي أذى، لكنه يطرح تحديات كبيرة على الدول الخليجية وتركيا، لأنه يقوّض استراتيجيتهم العسكرية والسياسية التي تراهن على تنحية الأسد، مقدمة للإعداد لمرحلة انتقال سياسي، يغير من نمط السلطة والحكم في سورية، ويحبط الأطماع الإيرانية في تحويل سورية إلى منصة للحشد والتجييش ضد بلدان الخليج وبقية البلدان العربية وتركيا. وليس أمام هذه الدول سوى الارتقاء بمستوى التنسيق والتعاون في ما بينها، وزيادة دعمها المعارضة السورية المسلحة، حتى تتمكن من مجابهة العاصفة الروسية والبقاء رقماً أساسياً في المعادلة السورية والإقليمية. 
أما التحدي الأكبر فهو موجه للمعارضة السورية التي تجد نفسها أمام تهديداتٍ خطيرةٍ، لا سابق لها. فما يستهدفه التدخل الروسي هو رأس المعارضة نفسه، ووجودها، طالما أنه يعتبرها تمرداً على الحكومة الشرعية، ولا يتردّد في إعلان تغطيته الجوية هجومات النظام البرية على الفصائل المسلحة جميعا. وبمقدار ما يسعى إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، يقوّض هذا التدخل كل الجهود الدولية، للبحث عن حل سياسي ومرجعية جنيف التي قام عليها، كما يدفع إلى إطالة أمد الحرب، ويهدّد بتحويل سورية إلى أفغانستان جديدة، مع ما يعنيه ذلك من تفاقم موجات النزوح وتفريغ البلاد من سكانها، وتنامي مخاطر تقسيم البلاد وتعميق القطيعة بين جماعاتها المختلفة. وبدل أن يقضي على الإرهاب، كما تقول بياناته، سوف يزيد التدخل الروسي من جاذبية المنظمات المتطرفة التي تجعل من الحرب ضد روسيا قضية وطنية ودينية في الوقت نفسه. وفي موازاة ذلك، سوف تعزز الحرب الدولية بالوكالة من تبعية السوريين، في الحكم والمعارضة، للدول الأجنبية الداعمة، ويقوّض أمل السوريين في التفاهم والتقارب والعودة إلى الوطنية الجامعة. 

لن ينجح الروس، مهما فعلوا في فرض إرادتهم على شعب يدافع عن حقوقه على أرضه، وقدم حتى الآن أكثر من 300 ألف ضحية، لكنهم يستطيعون إسالة مزيد من الدماء، وتعميم الدمار الذي أوغل فيه من قبل بشار الأسد، صنيعتهم الدائمة، وتأخير أجل الخلاص وزيادة معاناة السوريين ومحنتهم، وتسعير النزاعات الطائفية والمذهبية، وتوتير العلاقات الإقليمية والدولية أكثر مما هي عليه الآن. وقد خسرت موسكو منذ الآن رهاناتها السياسية، بمقدار ما أججت روح العداء عند الفصائل المستهدفة، ودفعت المقاتلين إلى التقارب والالتفاف حول الأكثر راديكالية، وضاعفت من جاذبية الأيديولوجيات المتطرفة، ومن مكانة ودور القوى الأكثر تعصباً وتشدداً فيها. وما كان لحديث البطريرك كيريل عن الحرب المقدسة إلا أن يزيد في شحن العواطف الدينية، وتفاقم التوترات المذهبية المتفاقمة أصلاً. 
لكن فشل التدخل الروسي ليس عزاءً كافياً للسوريين، ولا يمكن أن يشكل هدفاً لكفاحهم التاريخي. وليس المطلوب منهم، اليوم، تكرار أسطورة أفغانستان أو ملحمة فيتنام المأساويتين. ينبغي أن يكون هدف المعارضة وقف الكارثة، وإنهاء الحرب، وإنقاذ ما تبقى من سورية وشعبها من احتمال الانخراط في حربٍ قاتلة ومدمرة طويلة. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون مواجهة المسألة الأبرز، ومكمن العطب الرئيس الذي لا نزال نهرب من مواجهته، والذي كان السبب الأول في خسارتنا تعاطف الدول والرأي العام العالمي، على الرغم من التضحيات الأسطورية للشعب السوري ومأساته، أعني مسألة الانقسام والتشتت والنزاع الداخلي التي جعلت الثورة تبدو، ثم بعد ذلك المعارضة، كتلة هلامية متعددة الرؤوس والأطراف، لا يمكن التعامل معها، ولا الثقة بمشاريعها وخططها والرهان عليها لإعادة بناء سورية دولةً ومجتمعاً وشعباً متفاهماً ومتضامناً. ولا يقتصر هذا التحدي على تجميع الفصائل في كتلة واحدة، أو تحت قيادة عسكرية مشتركة. ولكن، في تحويلها إلى قوة سياسية واعية، وتزويدها بمشروع وطني واضح ومتفق عليه ومقبول من الجميع، واختيارها قيادة قوية ودائمة تمثلها، منبثقة من الأرض ومرتبطة بها، وقادرة على اتخاذ القرارات الكبرى التي تعكس إرادة القوى التي تمثلها، تنال ثقة المجتمع الدولي والعالم، لأنها تحظى بثقة القوى المقاتلة على الأرض، وتستجيب لمطالبها، وتضمن مصالحها، وتدافع عن أمنها وسلامتها. من دون حل هذه المسألة الحيوية، لن نستطيع أن نتقدم، بعد الآن، خطوة واحدة في تقصير أجل الحرب وإيقافها والدخول في عصر السلام وإعادة البناء، لأننا لن نستطيع، من دونه، أن نكسب ثقة العالم الذي نحتاج مساعدته في تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي الذي نأمله، ومواجهة الأوضاع المأساوية التي هي أوضاعنا. 
ثم إن تفاقم عواقب الأزمة ومضاعفاتها والتدهور السريع في شروط الحياة في سورية ومحيطها، سوف يدفع الدول إلى ممارسة مزيد من الضغوط، من أجل إيجاد حل يوقف عملية الموت والانتحار الجماعي، ويضع حداً لعملية التدمير المنهجي الذي لا يعوّض. وفي غياب ممثل حقيقي للشعب، مسموع ومقبول، يحظى بثقة السوريين، والمقاتلين في طليعتهم، وكذلك بالضرورة بثقة العالم، سوف تأتي جميع الحلول المقترحة على حساب الشعب وضده. وفي حال استمرار الانقسام الراهن، والافتقار لقيادة معتمدة تدافع عن حقوق الشعب ورؤية المعارضة وخياراتها ومصالحها، سوف تزداد الضغوط من أجل القبول بأي حلٍ يوقف سيل الدماء الجاري، من دون أي اعتبار لميزان الحق والعدالة. وغداً لن تكون روسيا الوحيدة التي ترى المخرج في تحييد المعارضة المسلحة، واستبعادها من كل الحسابات، وفي فرض التسوية التي تراعي مصالح القوى الأخرى المحلية والدولية، ولكن سيصف إلى جانبها مزيد من الدول المحبطة واليائسة من ارتقاء المعارضة السورية إلى مستوى المسؤولية التاريخية. 
لن نستطيع أن نتغلب على الموقف الروسي، وهو وضع العالم أمام الخيار الصعب بين الاستسلام لداعش أو التسليم لنظام العنف الوحشي، إلا بجعل الخيار الثالث جدياً وذا مصداقية، وأعني به خيار المعارضة، بما تشمله من جيش حر ومنظمات سياسية ومدنية مؤيدة لقيم الثورة، ونابعة منها. وهذا يتطلب ارتقاء المعارضة في وعيها وممارستها وتعاملها مع الوضع السياسي والعسكري إلى مستوى التحديات المعقدة التي يطرحها مخاض التحول والانتقال، بدءاً من كسب خيار الحل السياسي والتفاوض، ووقف الحرب، وانتهاءً بإعادة بناء الدولة، مروراً بتوحيد الشعب، وتطمين مختلف الجماعات وتنظيم شؤون المناطق والمحليات. هذا هو الخيار الذي أنكره زعيم الدبلوماسية الروسية، عندما تساءل في ما إذا كان هناك وجود لجيش حر، وهو الخيار الذي يحلم بالقضاء عليه كل من يرفض خيار التغيير والانتقال السياسي، ويسعى إلى وضع السوريين والعالم أمام الاختيار المستحيل بين نظام إرهاب الدولة وتنظيم دولة الإرهاب.