دفاع من أجل سلام عادل ودائم في سورية

2016-03-18:: العربي الجديد

ترجمة :
 
بعد سنوات الحرب الطويلة، واستمرار المجازر وخراب البلاد وتشريد الملايين من أبنائها، وفقدان السوريين الأمل بالمجتمع الدولي ومؤسساته، حان الوقت لكي يتحمل أبناء سورية العقلاء مسؤولياتهم، وينتزعوا المبادرة من القوى الخارجية والداخلية التي تراهن على استمرار الحرب، وتستعدي السوريين بعضهم على البعض الآخر، من أجل الدفع نحو تسوية وطنيةٍ، تنقذ ما تبقى من مستقبل سورية، وأحلام أبنائها، وتقطع الطريق على مشاريع التقسيم التي لن تخدم سوى الدول المتنازعة على النفوذ في سورية والمشرق. وكما أظهرت الأيام والأسابيع الأخيرة، لم يكن السوريون أكثر توقاً للسلام، واستعداداً للتضحية من أجله، ونبذ خيار الحرب ومشاعر العداء والضغينة والانتقام مما هم عليه اليوم.
ينبع هذا التطلع نحو السلام من إدراك السوريين الصحيح بأن مصير البلاد على وشك الخروج نهائياً عن إرادتهم، إن لم يكن قد خرج بالفعل، مع وضع النظام نفسه تحت الوصاية الأجنبية، وتركيز أنظار المجتمع الدولي ومجموعة الدعم لسورية على الحرب ضد المنظمات المتطرفة والارهابية.
وقد أثبتت تظاهرات جمعة "تجديد العهد"، في الذكرى الخامسة للثورة، أن الحرب كانت دائماً خيار النظام، وأن الثورة مستمرة، بصرف النظر عنها، وأن نهاية الحرب لن تكون نهاية الثورة. ولكن، بالعكس بداية انطلاقتها الجديدة، وفرصة لعودة السوريين إلى تحمل مسؤولياتهم بأنفسهم، وانتزاع القرار المتعلق بمصير وطنهم من أيادي النظام الذي يتلاعب به، لشراء دعم الدول الأجنبية، وكذلك من أيادي قوى التطرّف التي تعمل لغاياتها الخاصة، ولا يهمها مصير الشعب السوري، ولا مصالحه، معا.
كما أظهرت السنوات الخمس الماضية من عمر الثورة فشل التسليم للقوى الأجنبية في التوصل إلى حل سياسي، أو تحقيق التقدم العسكري، وأن الرهان على دوراتٍ جديدة من الحرب، لا يحمل آمالاً أكبر لإنهاء الصراع من المشاركة في مفاوضاتٍ سياسيةٍ، لا هدف لها سوى التغطية على عجز الأطراف الدولية المتنازعة في سورية وعليها عن التفاهم على مصالحها ونفوذها. للسوريين، اليوم، بصرف النظر عن ولاءاتهم وانتماءاتهم، مصلحةٌ حيويةٌ في أخذ زمام أمورهم بأيديهم، والعمل الجدّي، بالتعاون مع المجتمع الدولي. لكن، ليس بالتسليم له، من أجل وقف نزيف الدم، وتطوير مبادراتٍ تجبر النظام وحلفاءه، وقوى التطرف التي تطمح إلى بناء إماراتها الخاصة على أنقاض الدولة السورية، على التخلي عن خيار الحرب، وقطع الطريق أمام تحويل سورية إلى مسرحٍ للصراع الدولي ضد الإرهاب العالمي، كي لا يبقى لنا، أو لأغلبنا خيار سوى الهجرة، واللجوء إلى الدول الأوروبية.

مفاوضات الوقت الضائع في جنيف
ليس النظام على الإطلاق، ولن يكون أبداً في وارد الدخول الفعلي في مفاوضاتٍ جديةٍ تقود، حتماً، عاجلاً أو آجلاً، إلى نهايته. إنه يلعب ويتلاعب بالقوى الدولية، ويقدم لها كل ما تطمح إليه، وما لا تطمح إليه من تنازلاتٍ، وأولها التخلي عن السيادة الوطنية، ويوقع معها المعاهدات السرية، ويمكّنها من بناء القواعد العسكرية التي تريد، من أجل دفعها إلى التمسك به، والمحافظة على سلطته. ما كنا نؤكده، في تحليلاتنا، من تحالف الاستبداد والاستعمار في حقبة ربيع دمشق، لم يعد مسألة تحليلاتٍ سياسيةٍ، لكنه أصبح واقعاً حياً مجسداً أمام أعيننا.
وفي غياب إرادةٍ جديةٍ للتقدم نحو السلام، وعدم ظهور بوادر تسوية إقليمية ودولية، تخفف من التناقضات وتضارب المصالح بين الدول المتنازعة على سورية، وتحدّ من تنافسها على امتلاك "الورقة" السورية لن تفضي المفاوضات الجارية في جنيف إلى أي حل، وربما توقفت عند غاية التخفيف من درجة العنف، ليس من أجل تهيئة الجو للتقدم نحو تسويةٍ فعليةٍ، وإنما من أجل الحد من تدفق اللاجئين على أوروبا، وتهيئة البيئة المناسبة لاحتواء الإرهاب الدولي، ومحاصرته في سورية. في المقابل، يشكل تكريس مثل هذه المفاوضات، شبه اليائسة والمحدودة الأهداف، بالنسبة لنا، نحن السوريين، فخاً خطيراً بمقدار ما يشجع استمرارها حالة اللاحسم، العسكري والسياسي، ويرسّخ حالة الانقسام بين المناطق وشبه الدويلات القائمة، ويحوّلها، مع مرور الزمن، إلى دول الأمر الواقع، وهذا هو الدافع لحديث الدول الراعية منذ الآن عن الفيدرالية والتقسيم، من دون أن يضع حداً للنزاع. أما بالنسبة لقوى الثورة والمعارضة فخطره قد يكون أكبر بكثير، لأنه يمكّن النظام المدعوم بقوة من قضم مواقع الثوار تدريجياً، بينما يمنع الدعم المحكوم بقرارٍ دولي عنهم. وسنجد أنفسنا، بعد وقت، من دون أي خياراتٍ في حربٍ تجري على أراضينا بين الدول الأجنبية ومنظمات الإرهاب الدولية، لا نمثل فيها كمعارضة طرفاً، أما معسكر الموالاة، فلن تكون وظيفته سوى إعداد البلاد وزجّها في هذه الحرب الدولية، وتقديم المزيد من الشباب السوري للموت، في سبيل شراء تأييدها بقاء الأسد، وحقه في الاحتفاظ بالسلطة الأبدية.

من أجل سورية حرة وموحدة
لا يمكن أن يكون الجواب على معارضة الدول للحل العسكري، وتلاعب النظام وحلفائه بالحل السياسي، الانسحاب من القتال، أو رفض مفاوضات السلام، لأن ذلك سوف يضعنا، عندئذ، في وضع أسوأ بكثير مما نعيشه اليوم، أي من دون أي خيار، عسكرياً كان أم سياسياً. وسوف نفقد بشكل أكبر قدرتنا على المشاركة في تقرير مصيرنا ومصير وطننا. المفروض أن نخرج من موقف الانقياد للوقائع وسياسة رد الفعل في الحرب والسياسة معاً، وأن نحدّد، حسب قدراتنا وثمرة تحالفاتنا، خياراً استراتيجياً واضحاً، ونركز جميع جهودنا على إنجاحه. وينبغي أن يكون هدف هذه الاستراتيجية رفض تمديد أجل الأزمة، والعمل بكل الوسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، من أجل الدفع نحو حل سياسي متوازن. ليس في ذلك أي مفاضلة بين القتال والمفاوضات، فكلاهما أسلحةٌ ينبغي استخدامها من أجل الحسم، ولا هو بسبب اليأس من الدعم العسكري المطلوب للتقدّم على الأرض، فمن الممكن تجاوز ذلك، بالارتداد إلى سياسة حرب العصابات الطويلة المدى، وإنما لأن استمرار الحرب هو الاستراتيجية الوحيدة للنظام وحلفائه، تماماً كما أن السلام هو استراتيجية الثورة والمعارضة، لتسهيل ولادة سورية الجديدة التي يحاول الأسد وحلفاؤه تكريس انهيارها وانقسامها، لوراثة ما يمكن وراثته منها، وتمزيق الشعب السوري لتجريده من وطنه وحقوقه.
لن يقاتل من أجل سورية حرّة وموحدّة إلا السوريون، وستكتفي الدول الكبرى بالمصادقة على
الوضع القائم، مهما كان، متى ما شهدت الأوضاع بعض الاستقرار، وانخفض عدد طالبي اللجوء المتجهين نحو الغرب، وانخفض عدد العمليات الإرهابية فيه. من مصلحتنا جميعاً، كسوريين، في ماوراء انتماءاتنا لخط الموالاة أو للمعارضة، أن نضع حداً لحالة الانتحار الوطني الذي ينبع من تمسكنا بحربٍ، لا نهاية لها، والتعامل مع مفاوضات سلامٍ، لا أمل فيها ولا هدف لها سوى التغطية على الحرب، وأن نعمل على إجبار خصومنا، من متطرفي النظام وجميع المتطرفين الآخرين، ومن الدول الشريكة في الحرب السورية، على العمل على أرضنا، والانتقال من روح الاستسلام والتسليم بانعدام البديل إلى الانخراط، بشكل جدّي وفعال، في بناء عمليةٍ سياسيةٍ جديةٍ للخروج نهائياً من الحرب، وتمهيد الأرض للعودة بالبلاد إلى الوضع الطبيعي، وإطلاق عمليه المصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار في أسرع وقت، قبل أن تترسخ وقائع التفتت والتقسيم وتفرغ البلاد من سكانها.
لا يستدعي بناء استراتيجية السلام التخلي عن قدراتنا العسكرية، ولا تغيير تحالفاتنا. إنه يستدعي بالعكس تعزيزها، فحاجة السلام إلى القوة ربما كانت أكبر من الحاجة لها، من أجل الاستمرار في الحرب التي يمكن أن تستمر، بصرف النظر عن توازن القوى. المقصود هو المراهنة على عودة السوريين الذين فجروا الثورة إلى وضع وزنهم في الميزان، وإعادة توحيدهم في مواجهة استراتيجية تمديد الحرب التي استخدمها النظام، لزعزعة كيانهم وثقتهم بأنفسهم ووجودهم، ولتشتيتهم وتحييدهم في معركة التغيير الحاسمة. ويدرك السوريون، اليوم، بصرف النظر عن ولاءاتهم، أن لهم مصلحة أساسية في عودة السلام ووقف الحرب. ولا يشذ عن ذلك إلا الخائفون على مراكزهم الاحتكارية وامتيازاتهم غير الشرعية، وبعض المستفيدين من ريع إمارات الحرب، وأولئك الذين أعمى التعصب قلبهم، فأصبحوا أسرى أهوائهم وأحقادهم.
وحده دخول الشعب السوري الذي همّشته الحرب، ودمرت شروط حياته، وشرّدت قسماً كبيراً من أبنائه، إلى ساحة الصراع الدائر على سورية، ومن أجلها، منذ سنوات طويلة، كفيل بتغيير موازين القوى وشروط النزاع، وإخراج البلاد من نظام الدمار والانتحار الذي تعيش فيه، وتأكيد دور السوريين من جديد في تقرير مصير وطنهم. وفي هذا الإطار، تقدم تظاهرات الذكرى الخامسة للثورة التي خرجت في أكثر من مدينة وبلدة سورية، في جمعة "تجديد العهد"، بالشعارات التي رفعتها، والآمال التي أطلقتها، وروح الوحدة التي عبرت عنها، تجسيداً رائعاً لعودة السوريين إلى مواقعهم، وعودة الثورة إلى رهاناتها الأساسية.
ما نحتاجه من أجل ذلك تقديم اقتراحاتٍ وإجاباتٍ معقولةٍ ومقبولةٍ من أغلبية السوريين للمشكلات التي يطرحها الخروج من الحرب، ويقتضيها التوصل إلى تسوياتٍ عادلة، تعزل المتطرفين ودعاة استمرار الحرب في أي جانب كانوا، وتعيد الثقة بالمستقبل، وتحيي الأمل بإمكانية إنهاء حكم الاستبداد والوصاية والاحتلال، وبناء سورية جديدة، تفتح ذراعيها لجميع السوريين، من دون تمييز ولا استثناء.