حرب الخليج الثالثة في مرآة المصالح الدولية الكبرى

2003-03-05:: الجزيرة نت

ترجمة :

  

تعتقد الولايات المتحدة التي تعيش منذ زوال الحرب الباردة في حلم القيادة العالمية وتتصرف بمقتضى هذه القيادة الموكلة إليها تلقائيا، أو التي تفكر أنها موكلة إليها بحكم التفوق الساحق في الدور والقوة، أقول تعتقد أنها لا تقوم، عندما تعد للحرب ضد العراق، بشيء آخر سوى تنفيذ استراتيجية تضمن تفوق الغرب وانتصاره في جميع المعارك التي لا يزال يواجهها مع العالم العربي والاسلامي. وأول هذه المعارك التي تعكس التناقض في المصالح هي من دون شك السيطرة على الاحتياطات النفطية التي تقع بالصدفة الجغرافية المحضة في البقاع العربية والخليجية منها بشكل خاص، ومن غير الممكن ولا المقبول، كما يعتقد الامريكيون، ترك هذه المصادر التي تشكل أهم مورد للطاقة العضوية في العقود القادمة، بتصرف العرب، وهم مجتمعات غير صناعية ومتأخرة في الثقافة والعقلية وأهم من ذلك معادين للحضارة والثقافة الغربية، ولا السماح لهم بالتحكم بتجارتها واستخدام مكافئاتها الاستراتيجية. وثاني هذه المعارك وميادين المواجهة القائمة بشكل حاد منذ أكثر من نصف قرن هي المعركة على توطين إسرائيل بصورة شرعية ونهائية أي، في الواقع وفي المنظورات الغربية، ايجاد حل مقبول وأخلاقي من وجهة نظر الغرب  للمسألة اليهودية التي كانت وراء أكبر سقطة أخلاقية عرفتها المجتمعات الغربية الحديثة. وثالث هذه المعارك هي ما أسمبه بالحرب الثقافية والتي لا تهدف في تصور الغرب إلى شيء آخر في الواقع سوى التغلب النهائي على مشاعر العداء الفكري والروحي المستمر التي يكنها العرب والمسلمون لهم وللحضارة الغربية وما يفرزه هذا العداء من حركات معارضة واحتجاج تحولت في العقدين الأخيرين إلى حركات ارهاب دولية. فالولايات المتحدة مثلها مثل بقية المجتمعات الغربية تعتقد أن الارهاب الدولي الذي تعرضت له في سبتمبر من عام 2001 ليس إلا التعبير عن العداء الثقافي الذي يكنه العرب والمسلمون للغرب لا بسبب سياسات الغرب العملية وإنما بسبب طبيعة الثقافة العربية والاسلامية التعصبية الدينية والقرسطوية العدوانية. 

ولعل هذا الاعتقاد القوي بأن الولايات المتحدة لا تقوم في النهاية إلا بخدمة هذه الأهداف الغربية الاستراتيجية هو الذي يفسر عجز الأمريكيين عن فهم الموقف الأوروبي والفرنسي بشكل خاص.  وهو الذي يدفعهم إلى النظر إليه كما لو كان موقف مناكفة وتخريب لا باعث له سوى حب الزعامة والصدارة الفرنسية. فالأوروبيون لا يدافعون في نظر الأمريكيين عن استراتيجية مختلفة لمواجهة النزاعات المعترف بها، استراتيجية لها منطقها والحد الأدنى من العقلانية، ولكنهم يسعون فحسب إلى التخريب على الاستراتيجية الأمريكية الوحيدة الصحيحة والموجودة بسبب غرورهم ورفضهم القيادة الأمريكية او بسبب حساسيتهم تجاه الاعتراف بهذه القيادة. وعندما يصر الامريكيون على أن الحرب ستقوم بصرف النظر عن قرار مجلس الأمن وسواء وافقت أوربة أو لا فهم يعتقدون أيضا أنهم في هذه الدائرة بالذات، أي في دائرة مجلس الأمن، لا تتعلق المسألة بخوض معركة الغرب ضد العالم العربي والاسلامي المتمرد عليه ولكنهم يخوضون معركة القيادة الأمريكية بالمعنى المحدد للكلمة. وهم مستعدون في سبيل تأكيد هذه القيادة لدفع كل الأثمان بما في ذلك تكسير التحالف الغربي أو التهديد بتكسيره وربما تحطيم الحلف الأطلسي نفسه. فما الخطأ، يعتقد الأمريكيون، في انتزاع حق التحكم بمصادر الطاقة الدولية من أيدي  الدول العربية، وهي مصادر يتوقف عليها مصير الغرب الصناعي كله بينما لا يحتاجها العرب إلا في سبيل البذخ وتكديس السلاح وتدعيم أنظمة القمع والاضطهاد وفي تمويل الارهاب العالمي؟ وما الخطأ في حرب تزيل أكبر الأنظمة السياسية استبدادا وجورا واستبداله بنظام ديمقراطي تحت إشراف الإدارة الأمريكية وكذلك في تغيير الأنظمة العربية القرسطوية الأخرى بما ينسجم مع معايير الحياة السياسية العصرية؟ وما هو الخطأ في أن تعزز الحرب موقف إسرائيل وتضمن تفوقها والحفاظ على أمنها واستقرارها وازدهارها في مواجهة عالم عربي وإسلامي بقي معاد لها وغير قابل بوجودها على أراضيه بسبب اختلافها في الهوية وارتباطها بالغرب؟ وما الخطأ في حرب تظهر قوة الغرب وتصميمه وإرادته وتفوقه التقني في وجه عالم عربي وإسلامي لا يكف عن الاعتراض والتشكي والاحتجاج وبالتالي في قطع طريق الارهاب وتجفيف ينابيعه في مصدره الأصلي؟

 

يعتقد الرأي العام الأمريكي أن الولايات المتحدة لا تخوض حربا خاصة وإنما هي تقود الحرب المشتركة ضد مصادر الخطر المتعددة التي يواجهها الغرب والدول الصناعية عموما في بداية القرن الثالث. وربما كان العامل الذي فت بشكل أكبر في عضد القرار الأمريكي بالحرب وزعزع إرادة الإدارة الأمريكية القارعة لطبولها هو التظاهرات الهائلة التي قامت في الدول الأوروبية وبشكل خاص في تلك الدول التي أعلنت تأييدها للخطط الامريكية في روما ومدريد وبريطانيا. فقد جاءت هذه التظاهرات لتصدم الوعي الامريكي الذي كان يعتقد بقوة أنه يعمل لصالح الغرب وأنه حتى لو وقف بعض القادة الغربيين ضد السياسة الأمريكية لمصالح إنتهازية سياسية إلا أن الرأي العام الغربي متطابق تماما مع أهداف الاستراتيجية الأمريكية.

ومما يزيد من صدمة الأمريكيين ما بدأت بعض الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن تعلن عنه من احتمال استخدامها لحق النقض من أجل منع الولايات المتحدة من إضفاء الشرعية القانونية على حربها الشرق أوسطية. فلم يكن يخطر لحظة في ذهن القيادة الأمريكية ممثلا أن من الممكن لدولة غربية، ومن باب أولى لدولة لها حق النقض في مجلس الأمن مثل فرنسا، أن تقف في موقف معارض لها وأن تهدد أكثر من ذلك باحتمال استخدام هذا الحق لمنعها من تحقيق أهدافها. وهذا هو الوضع الجديد الذي نشأ مع تطور عملية الإعداد السياسي للحرب وأصبح يفرض على الصحافة والمراقبين السياسيين الحديث عن أخطاء ارتكبت من قبل القيادة الأمريكية في هذه المسألة. لكن التفكير بالأخطاء التي ارتكبت لا يمنع أن يظهر الموقف الفرنسي في مرآة الرأي العام الأمريكي بمظهر الخيانة للحلف الغربي بأجمعه. وليس هناك أمل للتساهل معه أو صرف النظر عنه. ومنذ الآن يبدو أن فرنسا ذهبت في نظر الأمريكيين بعيدا في تحديها للإرادة الأمريكية. وما لم تضع باريس حدا لسياساتها التخريبية وترجع إلى الواقع والحقيقة وتمتنع عن استخدام حق النقض فسوف يكون عليها أن تدفع الثمن غاليا في جميع الميادين وسوف تكون أوربة نفسها في دائرة التهديد الأمريكي.

 

ليس هذا هو منظور الحرب في مرآة الرأي العام الأوروبي الذي تظاهر بقوة وبأعداد غير مسبوقة للتعبير عن رفضه للحرب والذي تقول استقصاءات الرأي العام أن 80 بالمئة منه لا يريد الحرب. ولعل أهم ما يثير حساسية الاوربيين واحتجاجهم هو بالضبط هذا الدور القيادي الذي اختارته الإدارة الامريكية بنفسها لنفسها والتفسير الخاص جدا لمفهوم هذه القيادة التي تبدو في الممارسة أقرب إلى فرض الأمر الواقع وطلب الإذعان منه إلى التعبير عن إرادة واعية في بلورة جدول أعمال واحد والقيام بمبادرات مشتركة. إن الأوربيين يرون في الحرب الامريكية الثانية على العراق محاولة لتأكيد إرادة الانفراد بالسلطة والسيادة العالمية من قبل الولايات المتحدة وبالتالي لفرض نموذج نظام القطبية الأحادية بدل نظام التعددية القطبية أكثر مما يرون فيها وسيلة لكف يد العرب عن التلاعب بمصادر الطاقة الدولية أو تأمين إسرائيل على سلامتها وحسم المسألة اليهودية أو تغيير المناخ السياسي والعقائدي والديني السائد في المنطقة العربية الاسلامية وإزالة العداء التاريخي المستفحل عند العرب والمسلمين للغرب. لا بل إن الأوروبيين يرون أن ما يبدو وكأنه حسم لمعركة النفط لصالح الغرب والدول الصناعية ليس هو في الواقع إلا حسم لها لصالح سيطرة الولايات المتحدة المنفرد بأهم مصادر الطاقة العالمية وتحكمها بها لاستخدامها في الضغط على الدول والتكتلات الدولية وإجبارها على تقديم تنازلات تجارية واستراتيجية لواشنطن. وبالمثل إن حل الصراع العربي الاسرائيلي لصالح إسرائيل كبرى متوسعة جغرافيا ومتفوقة بشكل حاسم عسكريا على جميع دول المنطقة لا يهدف إلا إلى إلحاق إسرائيل وقوتها العسكرية كليا بالمخططات الأمريكية وإلى جعلها أسيرة الاستراتيجيات التي لا تخدم سوى مصالح الإدارات الأمريكية. أما تغيير الأنظمة السياسية والثقافية والدينية في المنطقة العربية لصالح أنظمة أكثر انسجاما مع حاجات التفاهم مع الغرب والخضوع له فهو يدل على جهل بالوقائع الشرق أوسطية يدفع الأمريكيين إلى التفكير بتعميم نموذج الغرب في البلاد العربية والاسلامية. ولا يمكن لمثل هذا المشروع إلا أن يفشل ولن يكون له نتائج أخرى غير زعزعة استقرار المنطقة بأكثر مما هي عليه اليوم وبالتالي زيادة المخاطر التي تتعرض إليها وسوف تتعرض إليها أوربة القريبة من الحدود العربية.

 

ما هي الحقيقة؟

الحقيقة أن الطرفين على حق تماما لكن كل من وجهة نظر مصالحه الخاصة. فالولايات المتحدة تهدف من الحرب ضد العراق إلى تغيير الواقع العربي والاسلامي بما ينسجم مع حاجات وتوقعات الغرب من حيث المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والثقافية والسياسية. فإعادة العالم العربي والاسلامي إلى وزنه الحقيقي وتأكيد وضعه الطبيعي كمنطقة نفوذ غربية في مواجهة الأزمة المفتوحة التي يعيشها والتي لا يعرف أحد عما يمكن أن تسفر عنه إذا استمرت من دون حسم، مع تزايد مطالب الاستقلال عن الغرب والتحرر من سطوته الفكرية والسياسية. وهي في ذلك تخدم التحالف الغربي بأكمله ولا تسعى لخدمة المصالح الأمريكية المحضة. لا بل إن هناك من يعتقد من الامريكيين عن حق أن الولايات المتحدة تأخذ على عاتقها مخاطر كبيرة في هذه الحرب وتسعى فيها إلى تحقيق مصالح غربية أكثر مما يمكن أن تنتزع فيها من مكاسب قومية مادية أو معنوية. وهي تستحق في سبيل ذلك شيئا آخر غير التحريب والانتقاد من قبل الغربيين ومن لف لفهم من أبناء البلاد العربية والاسلامية العقلانيين.

وأوروبة الاستقلالية على حق أيضا عندما ترى في الاستراتيجية الأمريكية المتحمسة لاستخدام القوة والمستعجلة عليها وسيلة لانتزاع مصالح استراتيجية أساسية تتعدى بكثير المخاطر التي تعرض نفسها لها في معرض مواجهتها للعداوات ونزعات التحرر والاستقلال العربية والاسلامية. وباستثناء الموقف الألماني الذي كان واضحا في تأكيده رفض الحرب بإطلاق لصالح الحل السياسي ليس هناك أي اعتراض من قبل أي عاصمة غربية على تحقيق أهداف الاستراتيجية الامريكية ولا حتى على الحرب كوسيلة للحصول عليها. إن الاعتراض الرئيسي هو على أسلوب الولايات المتحدة في اتخاذ قرار الحرب والذي لا تراعي فيه سوى مصالح قومية. فهي لا تتشاور مع حلفائها ولا تتعاون معهم ولكنها تملي عليهم قراراتها وتطلب منهم الالتحاق بما قرره مستشارو الأمن القومي الأمريكي ودوائره الضيقة. وأوربة الفرنسية تقول نحن مع الولايات المتحدة لكننا لسنا مع أسلوب إدارتها للحرب في جبهاتها المختلفة. ولدينا أفكار حول هذه الإدارة تعكس تجربتنا التاريخية وتضمن بشكل أكبر تحقيق الاهداف المشتركة. فلا يضمن تحطيم النظام العراقي ولا الأنظمة العربية الأخرى السيطرة المطلوبة على احتياطيات النفط ولكنه يمكن أن يفتح الباب أمام الفوضى والنزاعات التي لا تنتهي ولا يمكن بهذه الطريقة التوصل إلى أي استقرار في المنطقة. ولا يقود تدمير القيادة الفلسطينية وإطلاق يد اليمين القومي الاسرائيلي في فلسطين إلى ضمان الأمن والسلام لاسرائيل  وإغلاق ملف المسألة اليهودية ولكنه يمكن ان يؤدي إلى تفسخ أكبر للموقف يشجع على تغذية حركات التعصب الدينية والارهابية. ولا يمكن لعملية تغيير الأنظمة العربية بالقوة أن يقود إلى شيء آخر سوى زعزعة الاستقرار وتعريض النفوذ الغربي في المنطقة إلى مخاطر غير منظورة ولا متوقعة. باختصار إن الأوروبيين لا يعترضون على التحليل الأمريكي ولكن على العلاج الذي يقدمه الامريكيون للمريض. وهم يعتقدون أن الأمريكيين غير مؤهلين لمعرفة التعامل مع العرب ولا التفاهم معهم. والواقع أن التفاوت بين مواقف الاوروبيين والامريكيين في هذا المجال يشبه تماما التفاوت بين موقف الاسرائيليين العماليين والاسرائيليين الليكوديين في فلسطين. وليس من الصدفة أن يميل الامريكيون مثلهم مثل الليكوديين اليمينيين إلى لغة القوة فهي الورقة الرابحة في المعادلة الأوروبية الامريكية. وفي موقف استخدام القوة فقط يمكن للأمريكيين إظهار تميزهم وقدراتهم الحقيقية النسبية وفرض قيادتهم التاريخية على التحالف الغربي. وبالعكس تماما لا يمكن للاوروبيين أن يراهنوا في هذه المعادلة نفسها لتأكيد وجودهم ومركزهم على شيء آخر سوى معرفتهم الأوثق بالمنطقة وعلاقاتهم التاريخية بها وقربهم منها، أي على ما يملكونه من رصيد علاقات مع النخب السياسية والثقافية والتجارية لربح المناورة السياسية.

 

وأين العرب من كل ذلك؟

بقدر ما يفتقر العرب إلى رؤية للمصالح القومية أو المشتركة كما يفتقرون إلى سياسة عملية لضمان هذه المصالح من الصعب أن ننتظر منهم رد فعل مشترك أو استراتيجية عربية تشبه من أي وجه الاستراتيجيات الدولية المتنافسة. وهذا هو الذي يجعلهم موضوع صراع وتنافس بين الأطراف الدولية من دون أن يكونوا هم أنفسهم طرفا ولا فاعلا من أي نوع كان. ومن الوهم أن يتصور الرأي العام العربي الذي يشكو غياب الدول والجامعة العربية في هذه المواجهة التي تضعهم في مركز الاحداث وتهدد مصالحهم الحيوية إمكانية بلورة مثل هذه الاستراتيجية في حين أنه لا يوجد في الوقت الراهن أي أساس عملي، أو لم يعمل العرب على ايجاد أي أرضية ناجعة تسمح لهم أن يتصرفوا كطرف واحد أو كوعي وإرادة مشتركين.

أما في ما يتعلق بالأطراف العربية القطرية أو الوطنية فالمصالح تتفاوت هنا من الضد إلى الضد. فإذا كانت بعض دول المنطقة تنزع بشكل أكبر لمقاومة نزعة الرضوخ لحاجات الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية ووضع نفسها بصورة تلقائية في خدمتها فإن دولا أخرى تعتقد أن وجودها نفسه مرهون بتعلقها بهذه الاستراتيجية وانخراطها فيها. فسلوكهم تجاه استراتيجيات الدول الكبرى المتنافسة لا يختلف عموما عن سلوك أغلب أفراد الأقلية العربية في اسرائيل تجاه الحزبين الصهيونيين القويين وهو التردد بين بيع أصواتهم للولايات المتحدة أو للاتحاد الأوروبي. لكن لا ينبغي أن نخدع أيضا بالمظاهر وبالخطابات الموجهة للرأي العام. ففي داخل الدول العربية التي تبدوا أقل ميلا كما ذكرنا للانصياع للإرادة الأمريكية ينبغي التمييز بين سلوك بعض الأوساط السياسية والإعلامية التي تعيش في فلكها الخاص مستقلة عن حقائق السلطة الفعلية وسلوك الأحهزة الامنية والعسكرية الحاكمة فعلا التي لا يمنعها الكلام السياسي المختلف من الاستمرار في التنسيق الوثيق مع الإدارة الامريكية.

ومن هنا، إذا كان تفكك العالم العربي يمنعه من بلورة استراتيجية خاصة تعدل من أثر الاستراتيجيات الدولية المتنافسة في المنطقة فإن هشاشة الدول وضعفها وتناقضاتها الداخلية، وبشكل خاص الانفصام الذي يسود فيها بين المجتمع والسلطة يجعل من المستحيل  عليها بناء أي سياسة خارجية مستقلة ومتسقة. ولذلك فإن أي دولة عربية لم تنجح في طرح نفسها كطرف فاعل في الصراع الراهن ولم تعوض بسياستها الوطنية الواضحة والقوية عن انعدام الاستراتيجية العربية الموحدة. وكل ذلك يفسر غياب الموقف العربي غيابا كاملا عن المشهد الراهن عشية حرب سوف تقرر أكثر من أي حرب أخرى مصير المنطقة برمتها، كما يفسر أن العالم العربي ينتظر، مثله مثل أي دولة صغيرة بعيدة، نتائج المواجهة الأوروبية الامريكية على اقتسام موارده وتحديد مناطق النفوذ فيه.

لكن الحقيقة المرة التي تكمن وراء هذا العجز العربي الشامل وفي ما وراء الخلاف الشكلي بين الامريكيين والاوروبيين والتي سيتحتم على العرب تجرعها في الأيام القادمة هي أن هناك إجماعا غربيا ودوليا أيضا على أن إفلاس النخب العربية في إدارة المنطقة وتسييرها وغياب البدائل المقنعة للنظم الحاكمة لا يترك للعالم خيارا غير القبول بما سوف يصبح في القريب فكرة سائدة مقبولة أي وضع البلدان العربية بصورة أو أخرى تحت الوصاية الدولية بل العودة إلى حكمها بالوسائل الاستعمارية التقليدية. فلم يمر تأكيد الأمريكيين أكثر من مرة رغبتهم في تعيين حاكم عسكري أمريكي للعراق من دون أن يثير أي احتجاج بل استغراب من قبل الاوروبيين بل والعرب أيضا فحسب ولكن الرأي العام الدولي نظر إليه على أنه تعبير عن جدية الأمريكيين والتزامهم الأخلاقي والسياسي بالحفاظ على الأمن والسلام والنظام ووحدة العراق الاقليمية. لقد بدا للجميع باعتباره وعدا من قبل الامريكيين بالاهتمام بالعراق وعدم تركه لمصيره بعد زوال النظام القائم، ولم يلتفت أحد إلى ما ينطوي عليها من عودة سافرة لسياسات القرن التاسع عشر الاستعمارية.

ليس من المبالغة القول إن هذه الحرب التي تسعى إلى أن تلخص في معركة واحدة حروبا ثلاثة مترابطة وتحسمها معا ستكون في أصل أكبر هزة سياسية وفكرية ونفسية يتعرض لها العالم العربي منذ الهزة الاستعمارية الاولى. ولن تكون نتائج هذه الهزة مختلفة كثيرا عن أي هزة أرضية، أي الدمار والموت المعممين لفترة غير محدودة كما هو الحال في فلسطين. وسيكون ذلك نشيد الوداع الأليم لأسوأ نظام أو نموذج نظام مجتمعي وسياسي عرفه مجتمع حديث وبيان فساده وعهره وانهياره في الوقت نفسه. وعلى الأجيال الجديدة من السياسيين والمثقفين والأطر التقنية والعلمية ستقع مهمة إعادة الإعمار الكبيرة في جميع المجالات وفي مقدمها في مجال الحياة الوطنية السياسية والمدنية.