ثورة المهمشين

2005-11-20:: الجزيرة نت

ترجمة :

 لا تزال الاضطرابات التي أولعت شرارتها في السابع والعشرين من اكتوبر 2005 بعض الأحداث الدامية المحدودة التي راح ضحيتها بعض الشباب المهاجرين على يد الشرطة الفرنسية بالإضافة إلى العبارات الاستفزازية لوزير الداخلية الفرنسي نيكولا سركوزي وربما أيضا، كما يعتقد بعض المحللين قطع المعونات في بداية العام الحالي عن الجمعيات الأهلية التي تعمل في الضواحي الباريسية، مستمرة دون توقف منذ أسابيع. ولا يزال إحراق السيارات والمكتبات والمدارس والمحلات التعبير المباشر عنها أيضا في العديد من المناطق الفرنسية بالرغم من الإجراءات المتشددة التي اتخذتها السلطات ، بما في ذلك فرض حظر التجول من التاسعة مساءا حتى الفجر في 25 محافظة من المحافظات الفرنسية البالغة 96، بحسب قانون الطواريء نفسه الذي صيغ لوضع حد لتظاهرات تأييد الثورة الجزائرية وإدانة الحرب الاستعمارية في الجزائر عام 1955. لا بل إن رقعة الاضطرابات تزداد اتساعا في فرنسا وخارجها. وتخشى بلدان عديدة أوروبية في مقدمها ألمانيا وإسبانيا حيث يعيش ملايين السكان من أصل أجنبي، عربي أو أفريقي أو آسيوي عموما، من انتقال عدوى تظاهرات الاحتجاج والغضب والتدمير إليها.

تثير هذه الأحداث ردود فعل متباينة عند الفرنسيين وقطاعات الرأي العام العالمي الأخرى. ففي البلدان العربية التي تغرق في نزاعات وحروب متعددة المصادر والأغراض، وتتعرض لضغوط داخلية وخارجية متزايدة وقوية منذ عقود، يوحي تركيز وسائل الإعلام، وفي مقدمها الفضائيات العربية، على صور الاحراق والتخريب المثيرة بأن ما تعيشه فرنسا هو ثورة حقيقية تعصف بمدنها وقراها، حتى أن العديد ممن أعرفهم قد تلقوا اتصالات هاتفية من ذويهم المقيمين في البلاد العربية للإطمئان عليهم. أما في الولايات المتحدة التي يضمر فيها قسم كبير من الرأي العام حقدا دفينا على الفرنسيين الذين يرون فيهم حجر عثرة تقف أمام نجاحهم في تطبيق سياستهم الدولية، ويرجعون هذا الموقف نفسه إلى ما يتسم به هؤلاء من غطرسة تجعلهم يحلمون باحتلال موقع الاتحاد السوفييتي السابق ولعب دوره كمنافس للولايات المتحدة على الساحة الدولية، فقد ذهب التشفي عند بعض المسؤولين إلى درجة وصف تظاهرات العنف بالحرب الأهلية الفرنسية. وفي إسرائيل التي لا تنظر إلى العالم إلا من منظار القضاء على الهوية والدولة الفلسطينية، تحدثت وسائل الإعلام عن الانتفاضة العربية لتطابق بين ثورة الفلسطينيين الوطنية وتظاهرات الغضب المدمر الباريسية. وفي جميع البلدان التي تدعو لمزيد من الليبرالية الاقتصادية والاجتماعية كان الميل قويا للتأكيد على انهيار النموذج الفرنسي الذي يرفض التعددية الثقافية وينادي بانصهار الجميع، بصرف النظر عن أصولهم واعتقاداتهم وثقافتهم، في مصهر الجمهورية العلمانية التي لا تتعامل مع أبنائها إلى من زاوية المواطنية الفردية.
تنطوي هذه التغطيات الإعلامية والتفسيرات التي تنطوي عليها على مبالغات كبيرة في الواقع. فالاضطرابات على عنفها لا تمس إلا مناطق صغيرة محصورة ببعض الضواحي التي تقطنها جماعات متعددة الأصول والثقافات، بما في ذلك من الفرنسيين الأصليين، ولا تضم الجسم الكبير للمجتمع الفرنسي ولا حتى الشريحة الفرنسية المنحدرة من أصول أجنبية مهاجرة. إنها تعبر بالأحرى عن الحالة النفسية المتمردة لتلك الفئات التي بقيت، لسبب أو آخر، على هامش المجتمع، أو التي تركها المجتمع تغرق في الهامشية الجغرافية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بما يعنيه ذلك من الإدانة بالفقر والبطالة وانعدام الآفاق والشعور العميق بالظلم والانسحاق. فمعظم سكان هذه المحليات التي تميل إلى أن تكون معازل أو غيتوات على أطراف المدن الفرنسية الكبرى لا تملك موارد خاصة ولا تنشأ فيها أعمال ولا فرص عمل. وتبلغ تسبة البطالة لدى الشباب فيها عموما ضعف النسبة المتوسطة الفرنسية وتزيد في بعض الأحيان عن 50 بالمئة. فهي لا تعيش إلا بفضل المعونات الاجتماعية.
وبالرغم من أن القسم الأكبر من هذه الفئات ينحدر من أصول عربية وأفريقية إلا أن من بينها أبناء جنسيات عديدة أخرى، وفيها فرنسيون كثيرون أيضا. فهي تشكل ظاهرة اجتماعية حقيقية هي ظاهرة المحرومين الذين تركهم قطار التقدم الاقتصادي والاجتماعي النازع إلى العولمة على قارعة الطريق في العقود الثلاثة الماضية. ولا تقتصر هذه الظاهرة على فرنسا وحدها ولكنها موجودة في كل الدول الصناعية الأوروبية والأمريكية. وبالرغم من أننا لا نملك إحصائيات عن حجم هذه الشريحة من السكان التي لم تستطع لسبب أو آخر اللحاق بقطار التقدم فهي لا ينبغي أن تتجاوز 5 إلى 10 بالمئة حسب البلدان وحسب ديناميكية اقتصاده ونسبة النمو الاقتصادي. ومن هنا فهي تختلف كثيرا كظاهرة اجتماعية في طابعها عن ظاهرة الإفقار المتزايد الذي يمس أغلبية السكان في البلدان النامية. فلا تبدو المشكلة هنا على أنها مسألة سوء توزيع للدخل الوطني أو لثمار التقدم لصالح فئة صغيرة محدودة لا تزيد عن الخمسة بالمئة ولكن على العكس كإسقاط لفئات اجتماعية كاملة من الحساب واستبعاد لها من الجماعة الوطنية.
ولعل ما أضفى على الاضطرابات الاجتماعية في فرنسا سمة عنيفة ومستمرة بالمقارنة مع الاضطرابات العديدة التي انفجرت في الكثير من البلدان الصناعية في السنوات القليلة الماضية عاملان، يميزان الحالة الفرنسية بالفعل عن غيرها. العامل الأول هو التطابق المتزايد بين حدود الحرمان والفقر من جهة وحدود الانتماءات الإتنية من جهة ثانية بحيث يتركز الحرمان في وسط الفئات المنحدرة من أصول مهاجرة جنوبية. ولا شك أن سبب هذا التركز للحرمان في أوساط السكان المنحدرين من أصول عربية وأفريقية هو الميول العنصرية التي ميزت سلوك المجتمع الفرنسي تجاه هؤلاء، والتي جاءت كتكريس للعلاقة الاستعمارية القديمة وتعبير عن استمرارها بوسائل أخرى أيضا. ولا تظهر العنصرية في الخطاب السياسي الرسمي الذي يؤكد بالعكس على الحقوق المتساوية للمواطنين بصرف النظر عن أصلهم ودينهم ولكن في الممارسات اليومية للمجتمع نفسه. ويعاني العرب والأفارقة بشكل يومي من التمييز العنصري في مسائل العمل والحصول على السكن أو حتى في كراء منزل. ومما يعزز من هذه العنصرية سياسة الاستبعاد التي مارستها جميع الحكومات الفرنسية منذ عقود، اليمينية منها واليسارية والتي جعلت المؤسسات والمناصب العليا الرسمية، من حكومة وبرلمان وقضاء وإدارة وشرطة وغيرها، تخلو أو تكاد تخلو تماما من الوجوه المنحدرة من أصول عربية، بالرغم من أن هؤلاء يشكلون اليوم ما يقارب العشرة بالمئة من السكان. ومن هذه الناحية لا تبدو فرنسا السياسية متخلفة كثيرا عن الولايات المتحدة التي عينت كولن باول ثم كوندوليزا رايس في منصب وزراء خارجية الدولة الكبرى في السنوات الماضية وإنما بالمقارنة مع العديد من الدول الأوروبية الأخرى التي سبقتها في تشجيع السكان من أصول مهاجرة على الانخراط في الحياة العمومية وتحمل مسؤولياتهم الوطنية.
أما العامل الثاني فهو يرتبط بتلك الديناميات التي جعلت فئة المحرومين تتركز عموما في مناطق جغرافية جانبية تكاد تكون معزولة تماما عن المدن، وما تتميز به من حركة ونشاط وفرص اندماج أو تفاعل مع الآخرين، لتشكل معازل أقوامية وثقافية ونفسية أيضا. وهكذا أصبح سكان بعض الضواحي القريبة من المدن يجمعون بشكل لا سابق له بين الحرمان الاقتصادي والتهميش الإجتماعي والتمييز الثقافي أيضا. وهو مما يضاعف من الشعور بالظلم والغبن والاستبعاد من الحياة العمومية. وتكاد ظاهرة دفع الفئات الفقيرة من المدن نحو الضواحي تقتصر على فرنسا، وربما على باريس بشكل واضح. ويعكس هذا سوء السياسات العمرانية الفرنسية التي فضلت منذ البداية تحويل باريس إلى مدينة برجوازية وأخرجت أو سمحت بخروج ذوي الدخل المحدود شيئا فشيئا إلى الضواحي وتوطنهم بشكل رئيسي في المناطق الأرخص منها. ورخصها مرتبط هو نفسه بانعدام الخدمات فيها وصعوبة التواصل بينها وبين باريس التي تشكل قلب الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الفرنسية.
لكن مهما كان الحال لا تقتصر ظاهرة المهمشين على فرنسا وإن كانت الأكثر بروزا فيها. وهي ظاهرة عامة في البلاد الصناعية التي تجذب المهاجرين من البلاد الفقيرة الأخرى. وهي تنبع من واقع أن الفقر يتخذ أكثر فأكثر طابعا أقواميا نتيجة احتلال المهاجرين الجدد القادمين من بلدان فقيرة لأسفل السلم المهني وبالتالي التظابق المتزايد بين حدود الفقر وحدود الانتماء للأقليات الأقوامية الجديدة. وما حدث في الضواحي الباريسية والفرنسية عموما في الأسابيع الماضية ليس في نظري سوى الحلقة الأولى من سلسلة اضطرابات قوية لن تهدأ، في فرنسا وفي بقية الدول الصناعية قبل أن تنجح المجتمعات والدول الصناعية، والأوروبية منها بشكل خاص، في كسر هذه الديناميكية الجديدة التي تدفع بشكل مضطرد إلى مطابقة حدود الحرمان مع حدود الانتماء الأقوامي ليتحول الفقر إلى تهميش وهامشية، مطابقا بذلك بين قضايا الاحتجاج الاجتماعي التقليدي الذي عرفته الطبقات الشعبية في الماضي وقضايا الثورة على التمييز العنصري الثقافي والأقوامي الذي يعيد إحياء ذكريات وذاكرة العهود الاستعمارية.
ومن هنا لا تطرح هذه الاضطرابات أسئلة عديدة على الفرنسيين فحسب ولكن على جميع الدول الصناعية التي تجتذب وستظل تجتذب الملايين من المهاجرين الجدد الذين سيحتلون مواقع دونية من جميع النواحي: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في الوقت الذي تشيع فيه الثورة المعلوماتية، كما لم يحصل في أي وقت سابق، روح المساواة والندية بين جميع الشعوب والأقوام، وتفقد أمام ذلك بريقها الكاذب جميع ايديولوجيات التفوق الثقافي العنصرية. لكنها تطرح أيضا وبالمثل أسئلة كثيرة على البلدان الفقيرة التي تلفظ أبناءها بالملايين أيضا نتيجة العجز المتزايد عن تأمين شروط الحياة الانسانية العادية على قاعدة تأمين الحد الأدنى من الانسجام مع معايير العصر المادية والأخلاقية. وهي توجه تحديات لا سابق لها للمنظومة الدولية، أي لنظامها الجماعي، ولتوجهات مؤسساتها الكبرى المالية والاجتماعية، ولسياساتها الضعيفة التي لا تزال قاصرة وأحيانا متناقضة مع ما يتطلبه تحقيق السلام والأمن الدوليين من القبول بمفاوضات عالمية جدية تشارك فيها جميع الشعوب في سبيل بلورة حلول متسقة ومتفاهم عليها لجميع المشاكل الدولية. وفي مقدمة هذه المشاكل واهمها من دون شك مشكلة التنمية الانسانية وبناء نظام عالمي متوازن يبعث الأمل ويقنع جميع الأطراف بفائدة التعاون والتضامن والعمل المشترك البناء، يخلف نظام الفوضى الراهن الذي تسعى فيه بعض الأطراف القوية إلى جر العالم أجمع إلى معارك وهمية أو مصطنعة تدفع الجميع إلى اليأس وتزيد من مخاطر التخريب والعدوان.