ثقافة التخلف

2003-11-17:: الاتحاد

ترجمة :

أشار تقرير التنمية الانسانية الثاني للمنطقة العربية الذي صدر في الشهر الماضي عن الأمم المتحدة إلى مسألة أساسية مرتبطة بالتنمية المعرفية بوصفها محورا أساسيا من محاور التنمية العربية العامة. ومما لا شك فيه أن استيعاب المعرفة وإنتاجها وتداولها يشكل اليوم وسوف يشكل في المستقبل بشكل أكبر محور التنافس بين المجتمعات وأساس نجاحها في الرد على حاجات أعضائها وبالتالي في استقطاب ولائهم، وذلك بقدر ما أصبحت المعرفة في أيامنا هذه العامل الأول في تقدم المجتمعات والارتقاء بشروط حياتها المادية والمعنوية. وهذا الاستيعاب وما يتبعه من إنتاج وتداول مكثف للمعرفة هو الوظيفة الرئيسية للثقافة في مجتمعاتنا المعاصرة. والثقافة التي تخفق في تحقيقه تجد نفسها شيئا فشيئا مستبعدة من المنافسة التاريخية وتحكم على نفسها بالزوال كثقافة حية وفاعلة حتى لا يبقى منها سوى ذكرى ثقافة أو ثقافة الحنين والذكريات. ولا شك أن المجتمعات العربية المعاصرة تعاني من نقص فادح أحيانا في اكتساب المعرفة وإنتاجها وتداولها، خاصة المعرفة الابداعية العلمية منها, وهي تعتمد في تأمين حاجاتها الأساسية منها على النقل أو الاستعارة أو الاسيتراد من الخارج.

ويرجع السبب في النقص المعرفي إلى عوامل عديدة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية يقع في مقدمتهاغياب سياسات تنمية معرفية متسقة وناجعة، وفي بعض الحالات غياب أي سياسات علمية على الإطلاق في العديد من البلاد العربية. ويدخل فيها أيضا ضعف الاهتمام بالتعليم والتكوين والتأهيل الأساسي والمستمر وغياب أهداف واضحة ومحددة للتربية في جميع مراحل التعليم وانفصاله عن عالم الإقتصاد والمجتمع. فبالرغم من الاستثمارات الكبيرة والاستثنائية التي وضعتها في هذا القطاع، لا تزال الدول العربية تعتمد بشدة، منذ أكثر من قرن، في تكوين الاطر العلمية والفنية والتقنية المتقدمة على ايفاد البعثات إلى الدول الأجنبية لتلقي العلم، كما لا تزال تعتمد في إعداد البرامج التعليمية على المناهج المصاغة لمجتمعات أخرى. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون من الصعب نشوء أي علم عربي أو بالأحرى أي تقاليد علمية راسخة، أو أن تثمر الجهود الكثيفة عن تكون قطب مستقل للتطور العلمي والتقني يملك ديناميات نموه الداخلية. فكما يظل العلماء والتقنيون منقطعين واحدهم عن الآخر وغير قادرين على التواصل والتعاون بسبب تباين مناهج تكوينهم واختلاف لغات اختصاصهم ومرجعياتهم وموارد بحوثهم تظل ابداعاتهم مرتبطة باستمرار بتبعيتهم لمصادر تكوينهم وإلهامهم. وبقدر ما يمنع هذا التباين في مناهج تلقي العلم والتبعية المتواصلة والمباشرة لمناهله الأجنبية من التواصل والنمو العمودي للمعرفة يمنع من نشوء بيئة علمية محلية مستقلة أو ذات حد أدنى من الاستقلالية قادرة على صهر المعارف والخبرات المتباينة المستمدة من مصادر وثقافات أخرى وتحويلها إلى معرفة محلية وتكييفها مع حاجات المجتمع المحلي. فالأطر العلمية من فنيين علماء ومفكرين ومبدعين تبقى مشتتة ومتباعدة تعيش كل فئة منها في مناخ المجتمع الذي استمدت منه معرفتها, ولا تنجح في ايجاد ما يجمع بينها. وهي تظل أيضا بسبب هذا الارتباط بالذات غريبة عن مجتمعها وغير قادرة على التأقلم مع حاجاته والرد على طلباته كما تبقى المعرفة التي تملكها مشتتة وغريبة في معظم الوقت عن المجتمع الذي تعيش فيه. وبقدر ما تفتقر لمرجعية واحدة محلية، تظل الأوساط العلمية مرتبطة بمرجعيات خارجية تجعلها غير قادرة على التفاعل مع بعضها البعض ومع بيئتها الجديدة بصورة إبداعية.
ومن العوامل الثقافية الأخرى التي تؤثر على نمو المعرفة في الأقطار العربية ضعف التأهيل والتكوين اللغوي بالعربية واللغات الأجنبية معا وتخبط السياسات اللغوية. فالدول العربية لا تزال تفتقر حتى اليوم إلى سياسة جدية للتعامل مع اللغة العربية سواء من حيث تحديد وظائفها أو من حيث العمل على تحديثها وتطوير وسائلها واستعداداتها لملاحقة تطور اللغات العلمية والتقنية والاستجابة لحركة الابداع العلمي المستمر، أو في ما يتعلق بتبسيط أساليب تعليمها وتدريسها للأطفال والطلبة بحيث يمكن لهم استيعابها بالسرعة والكفاءة الكافيتين لتتحول إلى أداة تعبير قوية ولغة معرفة وثقافة عليا معا. وبالرغم من العمليات الواسعة التي تمت لتعريب التعليم في جميع المستويات بما فيها المستوى الجامعي في معظم البلاد العربية، لا تزال اللغة العربية تفتقر إلى مرصد للمصطلحات العلمية وآلية لتدقيق المصطلحات وتعميم استخدامها من قبل المستعملين لها كما لا يزال العالم العربي يفتقر لأي بنية مشتركة أكاديمية تسمح برعاية شؤون اللغة والتنسيق بين مناهج تطويرها وتعليمها. وبالمثل لم تنجح البلاد العربية حتى الآن في الاتفاق على سياسة لغوية ثابتة في التعامل العلمي والإداري معا. ولا تزال أكثرها تتردد بين التعريب الشامل والاستخدام المكثف للغات الأجنبية. وقد غيرت بعض الدول خياراتها أكثر من مرة منذ الاستقلال. ومن الصعب العثور على تقرير علمي واحد حول الوضع اللغوي في البلدان العربية. وقد أدى غياب المعالجة العلمية الموضوعية لمسألة اللغة إلى الهبوط المباشر للمناقشة العامة في هذا الموضوع إلى مستوى الجدل الايديولوجي الذي يجعل من مسألة اللغة جزءا من استراتيجيات الصراع على السلطة ويفصلها كليا عن وظائفها الرئيسية الحقيقية المتعلقة بالتواصل العمومي وبالنجاعة في اكتساب المعارف المختلفة وتعميمها.
ونلاحظ التخبط نفسه في سياسة تعليم اللغات الأجنبية واستخدامها. فهي تعاني من تقلب الاختيارات ومن النقص في الامكانيات ووسائل التعليم والتحسين التي تجعل منها لغات قوية قادرة بالفعل على القيام بوظيفتها الأساسية وهي تمكين المختصين والباحثين والمفكرين من النفاذ إلى أدق المعارف والعلوم والمعلومات التي لا يمكنهم النفاذ إليها بلغتهم الأم.
إن غياب سياسات ثقافية وعلمية متسقة وافتقار العملية التعليمية لأهداف واضحة وركاكة ثقافة النخبة العليا، أي ثقافة السلطة والإدراة والقيادة، وتخبط السياسات اللغوية وعدم نجاعتها وسيطرة مناخ الاستهلاك الثقافي الرمزي والتعويضي على الانتاج الثقافي والمشاركة الثقافية والعلمية في النشاطات والفعاليات العالمية، وبحث النخب الحاكمة عن المشروعية في نوع من التعبئة الايديولوجية الوطنية والقومية الرخيصة والشكلية تعوض عن الافتقار للشرعية السياسية، كل ذلك يشكل ثقافة خاصة قائمة بذاتها هي ما نسميه ثقافة التخلف. وهذه الثقافة هي أحد العوامل الرئيسية في إعاقة نمو المعرفة وتكوين وتراكم رأس مال معرفي وازن، بقدر ما تقود إلى بناء نظم ثقافية غير متسقة وغير ناجعة. فلا يمكن لمثل هذه الثقافة أن تشجع على التعلم والتجدد والبحث والمعرفة والتفكير والتأمل في القضايا المطروحة سواء أكانت علمية أم دينية أم اجتماعية أم سياسية ولكنها تنمي ملكات التسليم بالأمر الواقع والاستسلام للقضاء والقدر أو التعويض عن البحث العلمي بالاستثمار المبالغ فيه في الوعي الايديولوجي الذي شمل جميع ميادين النشاط الفكري وفي مقدمها ميدان الاعتقادات الدينية، محولة الدين والايمان إلى أداة للصراعات السياسية.