بعد أن خسرت خيار السلام إسرائيل تخسر خيار الأمن

2001-11-10:: الوطن

ترجمة :

ما يحصل لإسرائيل هو الأمر نفسه الذي حصل للولايات المتحدة في فيتنام عندما اعتقدت أنها تستطيع بتدمير البنية التحتية للمقاومة الفيتنامية وحرق الأرض تحت أقدامها, وبالتالي تدمير البنية التحتية للشعب الفيتنامي نفسه الذي يأوي ويحمي هذه المقاومة ويغذيها بأرواحه وموارده, وكانت النتيجة أنه لم يبق فيتنامي واحد, لا طفل ولا شيخ. لم ينخرط في الأعمال القتالية ضد الاحتلال الأمريكي أو لم يؤمن بأن هذا الانخراط هو الشيء الوحيد المتبقي له للدفاع عن حياته أو اعتقاداته أو راحته المنزلية. فكلما دمرت إسرائيل من مبان وأزهقت من أرواح - كلها بريئة لأنها تعمل جميعا دفاعا عن النفس والأرض لا بدافع العدوان - كلما برهنت للسكان الفلسطينيين الذين بقوا خارج المعركة بأنه لم يعد لهم خيار آخر سوى الدخول فيها والمشاركة الفاعلة في نشاطاتها. فبدل الردع الذي تهدف إليه قوات الاحتلال وما ينجم عنه من رعب يجمد الناس تدفع الغارات المستمرة لجيش الاحتلال إلى العصيان والثورة وتعمق الشعور بالحقد والكره والضغينة. وكما هو الحال لدى جميع سلطات الاحتلال التي عرفها التاريخ تعتقد القيادة الإسرائيلية أن ما حصل لغيرها من قبل لن يحصل لها لأنها تتمتع بمزايا استراتيجية وقدرات تكتيكية لم تكن تتمتع بها الاحتلالات الأخرى. ففلسطين ليست بعيدة عن إسرائيل ولكنها داخلة فيها وليس لسكانها مهرب إذا أرادوا الحفاظ على بقائهم سوى الاعتماد على إسرائيل واستجداء موافقتها سواء فيما يتعلق بتوفير الغذاء أو الماء أو الوقود أو التنقل أو التعليم أو العمل أو أي شيء آخر. ففلسطين موجودة بالفعل في قبضة القوة الإسرائيلية وهي قبضة قوية جدا وقادرة على إنزال عقوبات لا حدود لعنفها بكل من يتطاول عليها, ومهما فعل الفلسطينيون والعرب الذين يدافعون عنهم أو يناصرونهم فلن يكون بإمكانهم كما تعتقد تل أبيب أن يفلتوا منها. إسرائيل فلسطين ليست إذن أمريكا فيتنام. ومن الصعب أن تجد إسرائيل نفسها غارقة في وحل الخراب الفلسطيني الذي تحدثه كل يوم وتضاعف من حجمه. وهي تستطيع أن تخرج منها في أية لحظة أرادت. وبالمثل تعتقد إسرائيل أيضا أن فلسطين ليست فيتنام الستينيات ولا يمكن مقارنة الدعم الذي يقدمه أو يمكن أن يقدمه لها العالم العربي بالدعم الذي كانت تحصل عليه الفيتنام من المعسكر الشيوعي في الصين أو الاتحاد السوفييتي. وبالمقابل تستطيع إسرائيل بعد دفن مناخ عصر الحرب الباردة أن تعتمد على دعم غير مسبوق ولا محدود من الولايات المتحدة التي تشكل القوة العظمى الوحيدة المسيطرة اليوم وتعامل إسرائيل كشريك أول لها من بين دول العالم جميعا. وكل هذا يوحي للإسرائيليين بأنهم سوف يربحون الحرب لا محالة ضد ما يسمونه بالإرهاب وأنه لا يوجد هناك أي خطر في أن يجدوا أنفسهم فجأة متورطين في حرب دموية غير نظامية لا نهاية لها أو ألا ينجحوا في إخضاع الفلسطينيين وفرض الاستسلام والإذعان عليهم جميعا مع كل ما يتوفر لإسرائيل من قوة وتغطية سياسية عالمية وعطالة أممية.
والواقع أن واشنطن لم تكن تفكر بطريقة أخرى عندما كانت تخوض حربها التي سيعمدها الرأي العام الدولي فيما بعد باسم حرب فيتنام القذرة في فيتنام. فقد كانت تعتقد هي أيضا أن لديها من القوة العسكرية والتقنية الإليكترونية والتفوق اللوجستي والميداني والحنكة العسكرية والخبرة التاريخية والمكانة الدولية ما يمكنها من تحويل المقاومين الفيتناميين في أشهر قليلة إلى رماد مع كل ما يستخدمونه من وسائل بدائية للقتال والمواجهة. ومثلما تمني إسرائيل نفسها اليوم بأن المقاوميين الفلسطينيين ليسوا سوى عصابة صغيرة من القتلة والإرهابيين الذين يأخذون المدن رهائن ولا موقع لهم فيها ولا علاقة بالمجتمع الفلسطيني الذي ينظر إليهم على أنهم عناصر أجنبية أو فاسدة وديكتاتورية يمكن بسهولة عزلهم وتحييدهم وإبعاد أثرهم عن أغلبية الشعب كانت واشنطن ترى أيضا في المقاومين الفيتناميين زمرة صغيرة من الشيوعيين الإرهابيين المتطرفين الذين يدعون لإقامة سلطة ديكتاتورية ويجبرون الأهالي على التعامل معهم بالابتزاز والقتل والتجويع ولن يكون هناك بالتالي أية صعوبة في عزلهم وتقويض سلطتهم وسيطرتهم على الأرض. ومثلما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد بأن نفوذها في العالم وقدرتها على التأثير على مصائر المجتمعات وعدد الشعوب والدول التي تحتاج إلى مساعدتها والأنظمة السياسية التي تعتمد على حمايتها وتعاونها داخل الأمم المتحدة وخارجها يؤهلها لأن تخوض حربها بحرية كاملة ويحميها من مراقبة الرأي العام العالمي وإداناته وبالتالي تعفيها من إيلاء آذن صاغية لتقارير منظمات حقوق الإنسان وغيرها حول المجازر والانتهاكات الصارخة للقوانين الدولية, تعتقد إسرائيل, وحكومتها الحالية بشكل أكبر, أنها قادرة أكثر من أية دولة أخرى على المراهنة على قوتها العسكرية وحدها وعدم اهتمامها بمراعاة ما تنشره أو تقوله منظمات حقوق الإنسان واعتبار كل ما تردده وما تنشره من تقارير لا يزيد عن أن يكون كلاما روتينيا فارغا طالما لم يكن من الممكن ترجمته إلى قوة ميدانية.
ولعله مما يطمئن إسرائيل بصورة أقوى في هذا الميدان ثقتها بما تتمتع به من دعم وتأييد عالميين لا شك فيهما. فهي الدولة الوحيدة التي تملك رصيدا لا ينفد من العطف والرعاية والمساعدة اللامشروطة من قبل دول وقطاعات واسعة من الرأي العام الدولي بسبب ما تعرض له اليهود في التاريخ القريب من مذابح جماعية وما عانوه من أشكال التمييز العنصري والديني المختلفة المعترف بها والمدانة من قبل المجموعة الدولية. وبإمكان الإسرائيليين بسهولة أن يستغلوا هذا الرصيد دون حدود في سبيل إخراس أي صوت يبدي حماسا كبيرا للفلسطينيين أو يبالغ في الكشف عن إساءات قوى الاحتلال الإسرائيلية. فإسرائيل لم تعد في نظر أبنائها دولة شعب الله المختار في الواقع ولكن أكثر من ذلك شعب الإنسان المختار والدولة ذات الحظوة العالمية التي تجعل منها أو جعلت منها حتى الآن تتمتع بحصانة استثنائية تبيح لها أن تعمل على هامش أي قانون دولي أو على حافة القانون أو خارج القانون دون أن يطالها أي نقد أو أن تتعرض لأي توبيخ أو تنتظر أية إدانة حقيقية من قبل قطاعات الرأي العام العالمي النافذة وذات المسؤوليات الدولية والسياسية.
لكن الولايات المتحدة القوية المتقدمة تقنيا ولوجستيا وسياسيا خسرت الحرب في فيتنام واضطرت إلى الانسحاب منها والاعتراف بها وهي الدولة الصغيرة الفقيرة الجائعة. ولم يتوقف أمر الهزيمة الأمريكية على سحب القوات العسكرية والاعتراف بالحكومة الشيوعية ولا بمبادرة هذه الحكومة إلى توحيد فيتنام وبالتالي القيام بضم فيتنام الشمالية وإلحاقها بها بحسب العبارات الأمريكية ولكنه ذهب أكثر من ذلك بكثير ليولد ما سوف تسميه الأدبيات النابعة من هذه الحقبة التاريخية بعقدة فيتنام الأمريكية. والمقصود أن قوة الصدمة التي أحدثتها الهزيمة من جهة والكشف عن الجرائم اللامحدودة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية وقواتها تجاه شعب فيتنام الأعزل الذي كانت تدعي الدفاع عن حرياته وحقوقه ضد الشيوعية قد أحدث انهيارا نفسيا كبيرا داخل الوعي الأمريكي ذاته أي داخل وعي كل أمريكي بسبب ما شعر به من سقوط أخلاقي لا نظير له للأمة الأمريكية وانحدارها في ما مارسته في فيتنام من فظائع إلى أدنى قاع الهمجية.
لم يسعف أمريكا في هذه الهزيمة أنها حاربت قوة شيوعية صغيرة يقودها رجال نحال معدمين وتقريبا من الحفاة والعراة ولا كونها ديمقراطية قديمة يتمتع شعبها بالحريات والانتخابات الدورية لمجلسي النواب والشيوخ, ولا ساعدها على الخروج من محنتها نفوذها العالمي الواسع وقوتها كدولة عظمى على الرغم من استمرار هذه القوة وعدم تراجع المكانة العالمية للقوة الأمريكية. ذلك أن كل ذلك لا يبرر الهزيمة ولا يخفف من الشعور بصدمة السقوط الأخلاقي.
ربما كان من المفيد للقيادة الإسرائيلية السياسية والفكرية وبشكل خاص لأولئك المثقفين اليهود المقيمين في الخارج والمدافعين دفاعا أعمى عن سياسات إسرائيل الاستعمارية والاستيطانية وفي مقدمتهم كلود لنزمن الذي كتب في صحيفة اللوموند الفرنسية يهاجم كل من أعلن تعاطفه من الأوربيين والغربيين مع الشعب الفلسطيني ويتهمه باللاسامية أن تطرح على نفسها هذا السؤال الذي لم يكن يوما راهنا كما هو اليوم على ضوء حركة الدبابات والطائرات والاغتيالات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية: لماذا خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام ؟ لم يكن ذلك بالتأكيد بسبب عدم توفير الإمكانيات المالية أ و العسكرية أو التقنية أو بسبب التردد الأمريكي أو بسبب انعدام إيمان القيادة الأمريكية بالمعركة التي كانت تخوضها أو بسبب القوة الاستثنائية التي كانت تتمتع بها جبهة التحرير الفيتنامية. لقد خسرت الحرب لأنها بتوسيعها دائرة الهجوم والتدمير والانتقام وقتلها البريء والفاعل بحثا عمن كانت تسميهم هي أيضا بالإرهابيين والمخربين أو في سبيل ردع السكان عن حمايتهم أو التعامل معهم حولت جميع الشعب إلى أعضاء عاملين في جبهة التحرير بما في ذلك أولئك الذين لايكنون أية مودة لها. وبإدخالها الشعب الفيتنامي كله في المعركة وعدم تركها الاختيار لأحد حولت واشنطن معركة الشيوعيين العقائدية ضد النظام الفيتنامي إلى معركة وطنية وأصبح الصراع ضد الإدارة الفيتنامية الفاسدة بسرعة صراعا ضد ما أصبح يبدو بكل المعاني غزوا أمريكيا للأراضي الفيتنامية. أما في فلسطين فإن الانتفاضة التي بدأت وطنية قد أصبحت دفاعا عن الوجود والبقاء بالنسبة لكل فرد.
بالتأكيد لم يأت توسيع دائرة الحرب والقبول بعشوائية ردود الفعل ولا عقلانية الانتقام من السكان الآمنين بتدمير حقولهم ومزارعهم واغتصاب بناتهم وقتل أبنائهم, لم يأت ذلك كله بالصدفة ولا جاء عبثا ولكنه التعبير عن مضمون المواجهة العسكرية والسياسية نفسها أي: السيطرة على مصير شعب للتلاعب به واستغلال موارده الجيوسياسية في خدمة أهداف الهيمنة الأمريكية الإقليمية والعالمية من جهة, وإرادة التحرر والاستقلال والعيش بكرامة ورفض شعب التنازل عن سيادته وتحكمه بمصيره وحرية اختياره من جهة ثانية.
لن يعمل منطق الرد الانتقامي وتوسيع دائرة الخراب والهدم والقتل الأعمى في فلسطين الذي تتبناه القيادة الإسرائيلية في مواجهة العمليات الاستشهادية الفلسطينية وكل أشكال المقاومات الأخرى في تحسين شروط الأمن والاستقرار في إسرائيل ولن يمكنها من أن تقضي على روح المقاومة الفلسطينية التي تغذيها عمليات القتل والهدم والتخريب ذاتها ولكنها سوف تدفع إسرائيل إلى المزيد من الغرق في وحل الحرب التدميرية التي عرفتها المواجهة الفيتنامية الأمريكية قبل أن تضطر الولايات المتحدة الأمريكية للخروج مكلومة في روحها العسكرية والمعنوية. وإذا لم تدرك إسرائيل ورأيها العام الأكثر تفتحا وعقلانية أن مثل هذه السياسة لا يمكن أن تشكل حلا بأي وجه للمشكلة الحقيقية التي تكمن وراء الصراع, وهي مشكلة شعب يرزح منذ عقود تحت الاحتلال البغيض بعد أن تعرض لأكثر من قرن من غزو خارجي لأراضيه وأبعد قسم كبير منه عن البلاد وجعل منه شتاتا للمنافي, فليس هناك أي شك ممكن في ألا تقود المواجهة الراهنة التي لا يزال من الممكن السيطرة عليها الى حرب إفناء متبادل بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وما ينطوي عليه استمرارها من خسائر بشرية ومادية ومعنوية وانحدار للمنطقة جميعا نحو تقديس العنف والبربرية.