الولايات المتحدة والعرب والارهاب

2001-09:: please select category

ترجمة :

تحتل الكارثة الانسانية التي شهدتها نيويورك وواشنطن، وسوف تظل تحتل لفترة طويلة مقدمة مسرح النقاش العالمي لأنها تطرح مسائل عديدة ومعقدة وخطيرة في الوقت نفسه· وفي مقدمة هذه المسائل مسألة الارهاب التي قفزت فجأة إلى رأس جدول أعمال المجموعة الدولية· ومنها أيضا مسألة التأمل في طبيعة الأسس التي تقوم عليها أو ينبغي أن تقوم عليها العلاقات الدولية· ومنها كذلك تحديد الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في السياسة العالمية، وفي سياق ذلك تحديد مضمون هذه السياسة العالمية كحقل جديد للممارسة بين الدول والهيئات المدنية العابرة للدول· ومنها أيضا وضع العالم العربي والاسلامي في مواجهة الارهاب وعواقب النزعة السائدة اليوم للربط العفوي والمبكانيكي بين الارهاب وبعض القيم أو الميول الثقافية أو الدينية العربية الاسلامية·

وسأحاول هنا أن أتناول موضوع الارهاب الذي يثير هو نفسه أسئلة كثيرة عند العرب وغيرهم في الوقت نفسه· ومن أول هذه الأسئلة : ما هو المقصود بالارهاب بالضبط، وما الذي يميز الارهاب عن الأعمال التي تدخل، في قاموس الشعوب جميعا، والمجموعة الدولية معا، في باب المقاومة سواء أكانت مقاومة وطنية أم مقاومة سياسية؟ ومنها أيضا ما هي مصادر الارهاب الفعلية وما هي نتائجه؟ ومنها أخيرا ما ذا تخفي الحرب ضد الارهاب: هل هو التعاون الدولي لتصفية منابع التوتر والنزاع والظلم في الحياة الدولية أم تسمية كبش فداء من أجل التملص الجماعي من المسؤولية وتوحيد الأطراف وراء قيادة واحدة عالمية؟

بداية ينبغي التذكير بأن الارهاب ليس ظاهرة حديثة· فقد مارست مجموعات بشرية عديدة الارهاب بصورة منظمة أو متقطعة كجزء من مساعيها لبث الرعب في قلوب شعوب أخرى وكسر إرداتها وإجبارها على التنازل عن بعض حقوقها ومواردها أو الخضوع لها· ولعل ما عرفته القارة الأمريكية ذاتها من حرب مكشوفة قام بها البيض القادمين من أوربة واستخدموا فيها جميع وسائل العنف الممكنة والمتخيلة لإخضاع الهنود الحمر الأمريكيين أو إجلائهم عن أراضيهم بل إفنائهم، يشكل هنا ظاهرة تاريخية استثنائية في استخدام العنف على أوسع نطاق وبأشكاله المتعددة العنصرية واليومية· ولا يزال العرب يتذكرون في تاريخهم الحديث ما قامت به المنظمات الصهيونية المسلحة من أعمال إرهابية مقصودة ضمن مخطط إجبار الفلسطينيين على النزوح الجماعي عن أراضيهم· وفي جميع هذه الحالات شكل الارهاب استراتيجية حقيقية لمجموعة بشرية غازية أو مهاجمة لتحطيم إرادة جماعات مستقرة وتفتيت لحمتها الوطنية· وفي جميع هذه الحالات أيضا لم تكن الاعمال الارهابية من صنع أفراد متعصبين ومنقطعين عن التيار العام لشعوبهم ولا كانت أعمالا استثنائية حدثت في بعض الظروف القاهرة ومن دون تخطيط مسبق، وإنما كانت من صنع جماعات منظمة ومرتبطة بمراكز قرار سياسي ذات طبيعة قومية أو شبه قومية وانطلاقا من تفكير منهجي ونية مسبقة· لقد كانت تعبيرا عن خطة منظمة للتخلص من الآخر الخصم والقضاء بجميع الوسائل عليه· وبعكس ما كان يقال في الماضي لم يعد الارهاب اليوم وسيلة الحرب عند الفقراء أو القوى الأضعف التي تحاول به أن تحيد التفوق النوعي والكمي لخصمها، بقدر ما أصبح الأداة الفتاكة التي تستخدمها الدول والسلطات ومراكز القرار القوية لزعزعة استقرار الجماعات الفقيرة وهز كيانها وإفقادها عناصر القوة الضيئلة التي تملكها استعدادا لسبي مواردها وأملاكها·

ولم يتغير الأمر كثيرا مع حروب التطهير العرقي التي شهدتها العديد من البلاد الأفريقية والحروب الطائفية التي سقطت فيها بعض البلاد العربية في العقدين الماضيين حيث كان الارهاب والقتل الجماعي هو الوسيلة الرئيسية لإجلاء مجموعة بشرية منافسة أو منازعة عن الأرض المشتركة أو إجبارها على القبول بتنازلات سياسية كبيرة·

والواقع أن الارهاب ليس في أيامنا الحاضرة إلا شكلا من أشكال العنف العديدة التي تستخدمها المجموعات البشرية واحدتها ضد الأخرى لفرض إرادتها على مجموعات خصم أو الدفاع عن نفسها أحيانا ضد مجموعات طاغية في السيطرة أو العدد أو العدة· وقد تزايد اللجوء إلى العنف مع بروز الثورات الاجتماعية واكتسابها الشرعية التاريخية والأخلاقية· ونشأ منذ نهاية القرن التاسع عشر اعتقاد قوي لدى النخب الاجتماعية بأن العنف هو القابلة القانونية لكل تغيير حقيقي في التاريخ، ذلك أنه ليس من الممكن أن ننتظر من أي فريق أو طبقة أو نخبة سائدة أن تتنازل عن امتيازاتها من تلقاء نفسها وبوسائل سلمية· وهذا هو الاعتقاد الذي قاد إلى إضفاء المشروعية على فكرة الثورة الاجتماعية والسياسية التي سيطرت على معظم القرن العشرين·

بيد أن ما يميز الارهاب كشكل من أشكال العنف الأكثر خطرا هو طابعه الأعمى، أي استهدافه المسؤول والبريء بالقدر ذاته، بل ربما استهدافه البريء من أجل إخافة المذنب أو الذي يعتقد أنه المذنب· وهذا ما يتضمنه مفهوم الارهاب بالضبط· فالواقع أن الارهاب هو وسيلة من الوسائل المختلفة لتحقيق الأهداف أو المصالح التي قد تكون مشروعة كما يمكن أن لا تكون مشروعة· ومن هذه الوسائل الاحتجاج بالطرق السلمية من تظاهرات واعتصامات وعرائض وبيانات ومحاضرات وندوات إلخ· ومنها أيضا استخدام العنف ضد القوى أو الرموز الممثلة في قوى القمع أو القهر أو الاحتلال من دون المساس بالابرياء، أو من دون أن يكون هناك قصد واضح في التعرض لهم· ومثال ذلك ما قامت وتقوم به الحركات التحررية أو الوطنية أو القومية من استهداف رموز الاحتلال أو المؤسسات الرسمية في سبيل الضغط عليها وإجبارها على التنازل أو الحوار· ويكاد يكون هناك إجماع عالمي اليوم على أن العنف الموجه ضد الاحتلال إذا لم يستهدف الأبرياء وإذا جعل هدفه تحطيم أداة القمع والسيطرة ذاتها فحسب، هو عنف شرعي ومشروع· وهذا هو نوع العنف الذي يضعه الرأي العام العالمي اليوم تحت اسم المقاومة· ومن هنا يطرح تعريف العنف مسألة القضية التي يستخدم للدفاع عنها أو من أجلها· فالعنف الذي يستخدمه العنصريون للقضاء على جماعة أو شعب يعتبرونه منحطا أو مرفوضا من الناحية الثقافية يختلف عن ذاك الذي يستخدمه الذين يتعرضون للتمييز العنصري من أجل حماية أنفسهم والدفاع عن حقوقهم مهما كانت طبيعة هذا العنف· ولذلك طورت الثقافة المدنية العالمية مفهوم حق الدفاع المشروع عن النفس· فالذي يقتل دفاعا عن النفس غير الذي يقتل بهدف السرقة والنهب والسلب· ولذلك تؤكد الولايات المتحدة التي تعد لحرب طويلة ضد الارهاب على حقها في الرد والدفاع عن النفس في مواجهة العديد من الدول والحكومات التي تحذرها من التعرض لحياة العديد من الأبرياء في أفغانستان وغيرها كما حصل ويحصل في العراق الذي عوقب فيه شعب كامل بذريعة محاصرة النظام القائم والضغط على حكومته الرسمية·

ويختلف الأمر عن ذلك مع الارهاب الذي لا يزال يقع في دائرة العنف المرفوض عالميا وغير المشروع مهما كانت القضية التي يخدمها لأنه يخرق المباديء الأخلاقية والقانونية الأساسية التي لاحياة اجتماعية ولا دولية ممكنة من دونها، وهي مباديء عدم المساس بالأبرياء والذين لا دخل لهم في فرض نظام الاحتلال أو نظام القهر السياسي القائم· فالارهاب هو أعلى طور من أطوار العنف الذي يمكن لمجموعة بشرية أن تستخدمه لفرض إرادتها على مجموعة أخرى· إنه اختراق البربرية والهمجية لحياتنا المدنية·

باستثناء حالات ومواقف محدودة قليلة، لم يحظ الارهاب بنقاش جدي في أي منطقة أخرى من مناطق العالم· ولا يكاد يكون هناك تمييز حقيقي في معظم المناطق، بما في ذلك في البلاد العربية والاسلامية بين العنف الذي يستهدف المساهمين مباشرة ببناء نظام القهر والارهاب وذاك الذي يتجه بشكل أساسي نحو المدنيين الأبرياء· كل هذا يفسر غياب أي مناقشة عالمية جدية حول الارهاب والاستسلام في تنظيم ما يسمى بالحرب ضد الارهاب إلى ردود أفعال تحركها الشعارات أكثر مما تعتمد على معطيات موضوعية· ومن الصعب أن يأمل المرء أن يقود مثل هذا السلوك إلى تقديم حلول ناجعة لمسألة العنف والارهاب في العالم· بل ليس من المؤكد أن المفاهيم التقليدية عن الارهاب تنطبق على ما عرفناه في كارثة واشنطن ونيويورك· فمن الواضح أننا نجد أنفسنا هنا أمام نوع جديد من العنف الشامل الذي يختلط بالحرب من حيث المفهوم ويدخل في دائرة الهجوم الحربي المنظم، كما أننا أمام عنف  عنف موجه نحو الذات بقدر ما هو موجه نحو الآخر مما يدفع به إلى أن يصل ذروة لم تعرفها الانسانية من قبل· وبصرف النظر عن الضحايا البشرية الهائلة التي أدى إليها، يبدو العنف الجديد أيضا عنفا رمزيا أو ذا بعد رمزي كبير يزيد من مغزى الضحايا المادية ويتجاوزها ليشير إلى آفاق المواجهات العالمية وحدودها واتجاهاتها· وليس من المؤكد كذلك أن الوسائل المستخدمة في مواجهة الارهاب التقليدي الفردي عادة صالحة لمواجهة هذا النوع الجديد من العنف الذي يثير وينبغي أن يثير عند جميع المفكرين والسياسيين تأملا عميقا يتجاوز الحدث المباشر ذاته ليمس ما يمكن أن نسميه أزمة المدنية المعاصرة ذاتها·

 

من هنل تطرح قضية الارهاب المثارة اليوم على مستوى العالم كله ثلاثة أسئلة كبيرة· أولا هل الارهاب، أي قتل الأبرياء للتأثير على المذنبين أو المسؤولين، مشروع من الناحية الأخلاقية؟ أي هل تبرر الغاية الوسيلة· وهل الارهاب ناجع من الناحية العملية، أي هل يقدم نتائج لا يمكن لأساليب الكفاح الأخرى أن تقدمها؟ وأخيرا هل يمكن للارهاب أن يتماشى مع ضمان وجود حياة اجتماعية ودولية سليمة ومستقرة، أي قائمة على الحق والقانون والعدالة والمساواة ؟

ويرجع السبب في غياب التفكير المعمق بظاهرة العنف والارهاب كشكل أقصى منه في العالم إلى عوامل متعددة ومختلفة· ففي أوربا عمل رسوخ المفاهيم القانونية على حماية الرأي العام عموما من احتمال استخدام العنف الارهابي كطريقة من طرق الكفاح السياسي المشروعة· وقد حالت هذه الثقافة القانونية القوية المسيطرة أمام الاستسلام السريع للارهاب بل كونت حالة مقاومة كبيرة للسقوط فيه ورفضه عند الرأي العام· أما في الولايات المتحدة فلم تبرز هناك أي محاولة للتمييز بين العنف والارهاب عموما، وظل الرأي العام ينظر إليه على أنه شكل من أشكال خرق القانون ولا يحتاج إلى إطار نظري آخر غير الاطار النظري القانوني التقليدي الخاص بالعقاب على الجريمة· وفي العالم العربي لا يثير قتل الأبرياء من أي طرف جاء أي تحد واضح للوعي والضمير الفردي والعام، ذلك أنه يشكل في مناطق تفتقر بقوة لمفهوم القانون والقضاء واحترام الانسان، الممارسة اليومية للمجتمع الذي يؤمن بالثأر والانتقام ولمعظم الحكومات التي جعلت من إرهاب الجمهور العريض ومن اللجوء إلى الأحكام التعسفية وعدم التمييز في البطش بين البريء والجاني أسلوبا أساسيا للحكم وللحفاظ على ما تسميه بالاستقرار·

وربما كانت المناقشة الأكثر خصوبة لتلك الظاهرة الخطيرة هي تلك التي عرفها الفكر السياسي الروسي في بداية القرن العشرين في مواجهة وضع استثنائي بكل المعايير، تقف فيه نخبة مثقفة متنورة وذات نزعة إنسانية عميقة وجها لوجه أمام حكم قيصري شديد العسف والارهاب· وقد ناقشت الحركات الثورية الروسية بتوسع هذا المصطلح ورفضت معظم الحركات السياسية الثورية، ولا أقول الاصلاحية التي ترفضه بالتعريف، استخدام العنف الأعمى لأنه وإن كان يستطيع التأثير على الخصم وايلامه إلا أنه لا يستطيع أن يساهم في تغيير الأوضاع، وربما كانت نتائجه معاكسة تماما لغاياته، أي ربما دفع إلى تدعيم أنظمة السيطرة والاستبداد والقهر التي تحتج به أو توظفه كي تضفي الشرعية على ممارساتها اللانسانية والبربرية·

وفي لحظة ثانية حصل منذ بداية القرن العشرين، وهو قرن الثورة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار الأجنبي معا وبناء الأمم والدول الوطنية في عموم العالم، شبه إجماع تلقائي على رفض الارهاب كوسيلة من وسائل العمل السياسي لصالح العمل الجماهيري الذي يستطيع وحده أن يبين مدى شعبية الشعارات والقضايا المطروحة· وبسبب هذا الاجماع العالمي على إدانة الارهاب، حصل التمييز الضمني بين نوعين من العنف، العنف الارهابي المرتبط بمجموعات تعمل بمعزل عن الشعب ولا تعرف فيما إذا كانت تمثل قضية اجتماعية أو وطنية حقيقية أم لا والعنف المقبول الذي يعتبر امتدادا للعمل الجمعي الشعبي، اجتماعيا كان أم وطنيا· وقد وصف العنف المرتبط بالمقاومة ضد الاحتلال، حتى لو كان يستخدم وسائل دموية، عنفا مشروعا لأنه يعكس إرادة الشعب في التحرر من سلطة احتلال ليس في القوانين والأخلاقيات الدولية ما يبرر وجودها· وبالمثل اعتبرت الثورات الاجتماعية التي تستخدم العنف ضد السلطات القائمة شرعية طالما أن هذه السلطات ترفض الاحتكام إلى صندوق الاقتراع وتفرض نفسها بالقهر والقوة المسلحة·

وهكذا تحولت تسمية العنف ذاتها إلي موضوع صراع سياسي· وأصبح إطلاق صفة الارهاب أو إطلاق صفة المقاومة على العنف، سواء أكان ذلك في سياق صراع وطني أو اجتماعي، هو جزء لا يتجزأ من الصراع ذاته· فالسلطة الاستعمارية، تماما مثل السلطة الديكتاتورية الحاكمة، لا يمكن أن ترى في أي عنف موجه ضدها إلا إرهابا، لأنها منذ اللحظة التي تعترف فيها بأنه رد فعل على العنف الذي تمارسه هي، تفقد مبرر وجودها كسلطة احتلال· وبالعكس ترفض أي حركة تحرير وطني أو اجتماعي وصف العنف الذي تمارسه لطرد الاحتلال أو تغيير النظام بأنه إرهاب لأن ذلك يفقد عنفها أي مضمون اجتماعي أو وطني· ويبدو من الاستخدامات التاريخية المتواترة أن العنف المشروع هو بعكس الارهاب، لا يأتي ليفرض على سلطة شرعية تنازلات تتناقض مع المعطيات القانونية والأخلاقية، ولكنه يمثل نوعا من رد الفعل على انتهاك القانون والأخلاق من قبل هذه السلطة التي لا تمتلك أي شرعية قانونية أو أخلاقية· وفي هذا الاطار تريد الولايات المتحدة أن تضع عنفها المعاكس باعتباره دفاعا عن النفس· فالدفاع عن النفس يبرر كما يبدو نوعا منفلتا من العنف· وهكذا يصبح من الممكن استخدام الحرب ضد الارهاب للتغطية على سياسات تستخدم هي نفسها العنف الأعمى وقد لا تختلف في أهدافها عن الحركات الارهابية التي تطمح إلى بث الرعب في قطاعات معينة من الرأي العام العالمي بهدف ضمان خضوعها لها أو استسلامها· وهكذا نشأ أيضا مفهوم جديد هو الارهاب المعاكس، أو ما أطلق عليه الأوروبيون في فترة ماضية إرهاب الارهاب· وفي هذا الاطار يمكن للدولة، أو المنظمة الخاصة، أن تبيح لنفسها باسم مقاومة الارهاب أو الدفاع عن النفس تجاوزات للقانون وللمعايير الانسانية لا يقبل بها الرأي العام في الظروف الطبعية والعادية·

وفي هذا الاطار ينبغي تصنيف الحملة العنصرية التي تتعرض لها الجاليات العربية المهاجرة في البلاد الغربية والتي يمكن أن تذهب بعيدا في تجاوزات المعايير القانونية· وفيه أيضا ينبغي تصنيف عملية إلحاق الارهاب أو العنف بثقافة أو دين معينين، أي نزع الصدقية والانسانية عنهما لتبرير العنف >المضاد< الواقع على أصحابهما وضمان استسلامهم وخضوعهم·

وهكذا نحن أمام جدلية جديدة وخطيرة، هي جدلية الارهاب والارهاب المضاد التي يمكن أن تقود وهي تقودنا اليوم إلى تهديد الأسس التي تقوم عليها المدنية، أعني القانون والحق والعدالة والمساواة في الانسانية· وإذا لم ننجح في السيطرة على أنفسنا والكشف عن الطرق القانونية والانسانية لاحتواء العنف والارهاب فسوف نسقط جميعا في البربرية ونصبح ضحايا العنف الذي لم نعرف كيف نخضعه ونتحكم به·

وفي اعتقادي أن من الضروري للخروج من المأزق وتحقيق السيطرة على الارهاب النظر إليه من ثلاث زوايا مختلفة· الزاوية الأولى هي الزاوية الأخلاقية· فليس هناك أي ثقافة أو دين أو مذهب مدني أو سياسي يمكن أن يبرر الارهاب، أي قتل الأبرياء، من دون أن يفقد هو نفسه مبرر وجوده وينحدر إلى مستوى خطاب القتل والاجرام· فلا يمكن أن نسمح لأنفسنا بتبرير الارهاب تبريرا أخلاقيا مهما كانت الظروف وفي أي ظرف كان من دون أن نفقد إنسانيتنا، أي القيم التي تجعلنا شركاء في الانسانية مع الآخرين، وبالتالي أن ندين أنفسنا بالانحطاط والانهيار الأخلاقيين· 

أما الزاوية الثانية فهي الزاوية السياسية· وهنا ينبغي أن نعترف أن البشر لا يخضعون في سلوكهم وتصرفاتهم وردود أفعالهم لنداء الأخلاق والضمير فحسب، ولكن تحركهم دوافع ونوازع ومصالح مختلفة· وأنه في ظروف معينة يمكن بالفعل لمجموعة إنسانية أو لبعض الأفراد، عندما يتعرض وجودهم للخطر أو الدمار، ولا يجدون من التضامن والدعم والمواساة ما يحميهم من المصير المحتوم أن يتخلوا عن إنسانيتهم ويتحولوا إلى وحوش كاسرة قادرة على التصرف من دون أي معايير أخلاقية· وفي هذه الحالة ليس الذي يهمنا من الارهاب والقتل الأعمى هو الناحية الأخلاقية والإدانة، ولكن فهم العوامل التي يمكن أن تدفع الجماعات وأحيانا الشعوب للانهيار الأخلاقي والسقوط في ما عرفناه مثلا من حروب التطهير العرقي· وتحليل النظم السياسية والاجتماعية والدولية التي تؤطر الجماعات وتنظيم حياتها فتفتح لها بعض الآفاق أو تسد جميع الافاق عليها، هذا التحليل يصبح ضروريا ومهما لمساعدتنا على الانتقال من مستوى الادانة الأخلاقية إلى مستوى تغيير الظروف الموضوعية التي تدفع إلى انحطاط الانسان وتودي به نحو مسالك لا أخلاقية وإجرامية· وهذا لا يعني أن خلق المجرمين ليس معطى لا تاريخيا ولكنه ثمرة لسياسات اجتماعية واقتصادية وثقافية ودولية محددة، وأن من الممكن من خلال التأثير على هذه السياسات حصر الارهاب أو تقليل فرص ظهوره ونموه إلى الحد الأقصى· وهذا يعني أن النظام السياسي أو الجيوسياسي الذي يتحكم بنمط توزيع السلطة والثروة المادية والمعنوية ويوجه نشاط الناس ويحدد لهم فرص تقدمهم وتراجعهم وحقل ممارساتهم الفردية والجمعية، مسؤول أيضا مسؤولية سياسية عن تفاقم ظواهر العنف والارهاب أو استفحالها·

وهناك ثالثا الزاوية القانونية· وهي تعني أن كل من يرتكب عملا مخالفا للأخلاق والقانون ينبغي أن يتحمل مسؤوليته الخاصة ويعاقب عليه·  ويستند هذا الجانب القانوني على الافتراض بأنه مهما كان النظام السياسي المدني حريصا على تحقيق العدل والمساواة والتضامن بين الأفراد، وهذا أمر نسبي جدا، يبقى أن هناك فئات وأفرادا يدفعهم الطمع أو العدوانية المتأصلة في شخصياتهم ونفسياتهم  إلى أن يبرروا لأنفسهم قتل الآخرين والاعتداء على حياتهم أو ممتلكاتهم· مما يعني أن الاصلاح السياسي والاجتماعي مهما تقدم في إنسانيته لا يمكن أن يلغي تماما مخاطر ظهور نزعة إرهابية، وأن بقيت ضمن حدود فردية أو ضيقة· ويستند الجانب القانوني على مبدأ أن كل عمل يخالف القانون يستحق العقاب الجنائي، مهما كانت مبرراته وأسبابه·

ومن الواضح أن المسؤولية الأخلاقية لا تلغي المسؤولية الجنائية للفاعلين كما أن المسؤولية الجنائية التي تتجسد في العقاب لا تلغي المسؤولية السياسية التي تقع على كاهل النظام العمومي· لكن هذا التحليل الثلاثي لمسألة الارهاب والعنف الأعمى يبين لنا ظواهر مهمة· فإذا تقاعست النظم السياسية عن القيام بمسـؤولياتها وأهملت العمل على تحقيق شروط الحياة القانونية الاجتماعية والدولية السليمة، وسمحت بحصول خروقات كبيرة لقانون الاجتماع، من عدالة وتضامن ومساواة، فإننا نكون متأكيدين بأن فرص الارهاب والعنف الأعمى سوف تزداد في المجتمع الوطني أو الدولي أولا، وأن التغطية الأخلاقية للنظام الاجتماعي أو الدولي القائم تنحسر ثانيا، وأن أعمال العنف الأعمى التي تستهدف النظام قد تحظى بحد أكبر من القبول أو على الأقل الاستسلام· وهذا يعني أن اللجوء إلى الوسائل الشرعية لتحقيق المصالح أو الأهداف الخاصة يزداد في أي نظام طردا مع تزايد فساد النظام· وفي هذه الحالة لا يمكن لقانون الأخلاق أن يشكل حماية كافية من الانحدار نحو البربرية· باختصار إن قيام النظم الاجتماعية أو الدولية على القوة والاستهتار بالقانون لا يمكن أن يقود إلا إلى انحسار منطق الأخلاق لصالح منطق القوة المضادة، والارهاب الذي هو صورة القوة الأكثر إطلاقا وعنفا·

لقد كان الارهاب ولا يزال أسلوبا من أساليب العمل في قضايا سياسية أو اجتماعية أو وطنية لجأت إليه بعض الفئات أو المجموعات الصغيرة، سواء بسبب اليأس والاحباط أو بسبب انعدام آفاق وفرص العمل السياسي السلمي لتحقيق أهداف متباينة· وإذا كان الرأي العام الدولي قد نبذ الارهاب لأسباب أخلاقية بالدرجة الأولى، أي لما ينجم عنه حتما من ضحايا بريئة، فلا ينبغي الخلط بين أسلوب العمل المنبوذ والقضايا التي قد تكون مشروعة تماما ولا أن يدفع مثل هذا العمل إلى التضحية بهذه القضايا· فلن تكون نتيجة ذلك سوى تنمية الشعور بالظلم وانعدام الآفاق وبالتالي دفع الجماعات الفاقدة للأمل بأي عدالة ممكنة إلى الارهاب الذي أصبح اليوم بالفعل، أكثر من أي حقبة سابقة، عملا انتحاريا· فارهاب اليوم لا يختلف عن إرهاب الماضي في أنه يجذب أشخاصا أكثر معرفة وعلما، إن ما يميزه بالدرجة الرئيسية هو أنه لا يطرح نفسه كوسيلة لنسف العقبات التي تقف أمام تقدم حركة التغيير أو الثورة الاجتماعية أو الوطنية، ولكنه يريد أن يكون إنزال حكم مباشر بما ينظر إليه كمصدر للطغيان· فهو غاية في ذاته ونهاية المطاف· وهو يشكل بالنسبة للقائمين به فعل تحرير وخلاص، تحرير نفسي وخلاص روحي معا· وهذا ما يدفع إلى التفكير بأننا لسنا هنا أمام إرهاب عادي يهدف إلى دعم عملية سياسية مخططة بقدر ما نحن أمام أزمة روحية وأخلاقية عميقة لا نزال بعيدين جدا عن أن نسبر أغوارها في مجتمعاتنا العربية التي تعاني من زعزعة خطيرة لاستقرارها النفسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والوطني معا·

 

2- القيادة الأمريكية للعالم

 

لا ينبغي لمشاعر التعاطف العميق مع ضحايا الكارثة التي حلت بنيويورك وواشنطن ولا إدانتنا الأخلاقية المطلقة لها وتحميل المسؤولية الجنائية كاملة لأولئك الذين نفوذها من أفراد ومنظمات أن يمنعنا من السعي لتفسيرها والبحث الموضوعي في الأسباب الحقيقية السياسية والجيوسياسية التي سمحت لها بالحصول أو قدمت لها شروط الوجود والتي تكمن وراءها· ومن الصعب أن نفهم ما حصل من دون أن نشير إلى نقطتين· الأولى تتعلق بحجم المسؤولية التي وضعت الولايات المتحدة نفسها في موقعها منذ عقدين على الأقل، وهي مسؤولية القيادة العالمية كما عبر عن ذلك مرارا العديد من الرؤساء الأمريكيين مع الكثير من الاعتزاز والفخر إن لم نقل من الخيلاء· والثانية تتعلق بطبيعة هذه السياسة العالمية التي تقودها واشنطن وبمعرفة فيما إذا كانت لا تنطوي هي نفسها على تناقضات وعدم اتساق يمكن أن تفسر أكثر من الاسلام بل والتعصب ذاته تنامي الدوافع إلى العداء للولايات المتحدة بل والتعرض المباشر لأهداف فيها·

ولا يشك أحد اليوم في أن واشنطن هي التي تقود دفة السياسة الدولية منذ عقود طويلة، وهي التي فرضت على الجميع، ولا تزال تفرض نوع الحلول وطبيعة المعالجات المطلوبة لمواجهة مشاكل التطور العالمي· ولعل أفضل مثال على ذلك منطقة الشرق الأوسط التي تشكل اليوم المورد الأول ربما للعنف الانتحاري في العالم · وقد بدأ دورها هذا في الواقع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها المنتصرة الرئيسية· وقد سلمت لها جميع الدول الأوربية ذات التاريخ الاستعماري والامبرطوري الطويل بهذه القيادة التي شملت الميادين الاستراتيجية والاقتصادية· ولعبت الولايات المتحدة دور الدولة القائدة للمعسكر الغربي من دون منازع في مواجهة المعكسر السوفييتي خلال مرحلة الحرب الباردة· وقد برز هذا الدور من خلال العمل اليومي والكبير لتنظيم المواجهة العسكرية الذي تجسد في تكوين وتطوير حلف شمال الأطلسي، وكذلك عبر السياسات الاقتصادية الديناميكية التي بدأتها بمشروع مارشال لانقاذ أوربا وإعادة بناء إقتصادها الذي دمرته الحرب·

وبالرغم من نفوذ الولايات المتحدة الواسع في تلك الحقبة على مستوي العالم ككل، إلا أنها لم تبلغ مستوى الادعاء بقيادة العالم· فقد كان يمنعها من ذلك وجود المعكسر السوفييتي الذي يسيطر على جزء كبير من العالم والذي بقيت قدرته على المناورة العالمية قوية ونشطة حتى عقد الثمانينات بالرغم من التفسخ الذي بدأ يدب في مؤسساته، وبشكل خاص في المناطق التي تركز فيها التنافس والنزاع مع المعسكر الغربي· وخلال تلك الفترة مارست الولايات المتحدة مفهوما ديمقراطيا نسبيا للقيادة في إطار المعسكر الغربي واعتمدت إلى حد كبير على الحوار والمشاورة وتصرفت كسيد بين أسياد· وهكذا كان بإمكان رجل مثل الجنرال ديغول أن يقف ليقول إن فرنسا لاتريد أن تتخلى عن خيارها النووي المستقل، وأن تفرض شروطها للعمل داخل إطار الحلف الأطلسي·

بالتأكيد كان للولايات المتحدة سياسة أخرى في المناطق العالمية التي تعتبر مناطق نفوذ كأمريكا اللاتينية أو مناطق تنازع على النفوذ مثل الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا· فلم يختلف هنا سلوك الولايات المتحدة عن سلوك أي دولة من الدول الاستعمارية الأخرى وإن كانت قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية الكبيرة قد غطت نسبيا على استخدام القوة الذي يشكل قانون السيطرة الأجنبية الخارجية في كل مكان وزمان· ولعل تاريخ أمريكا اللاتينية لحقبة مابعد الحرب الثانية يمثل النموذج الأصلي للسياسات الأمريكية الخارجية التي ستتبلور فيما بعد، وتطبق في أماكن أخرى وعلى صعيد العالم، بما تتضمنه من التدخل المكشوف في  مصير الدول والبلدان الأخرى من خلال أجهزة المخابرات أو من خلال استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، أو أحيانا من خلال استخدام القوة العارية لقلب الحكومات ووضع الحكومات الحليفة مكانها· ومن يرجع إلى تلك الحقبة يكتشف إلى أي حد كانت ردود أفعال شعوب أمريكا اللاتينية في مواجهة النفوذ الأمريكي أو الحكومات المحلية المرتبطة بها والمعتمدة على حمايتها مشابهة لردود أفعال بعض قطاعات الرأي العام الشعبي والرسمي العربي الراهن، بل طبق الأصل لها، بالرغم من اختلاف الأزمان وتبدل وسائل العمل والعقائد التبريرية من عقائديات ماركسية شعبوية إلى عقائديات دينية قومية·  ففي تلك الحقبة التي كانت فيها أمريكا اللاتينية تغلي بحركات العصابات المعادية للولايات المتحدة وللحكومات التابعة لها، وكان الدبلوماسيون الأمريكيون يشكلون الأهداف المباشرة للناشطين اللاتينيين، كان العالم العربي صديقا وديعا لواشنطن، بالرغم من تواجد الاتحاد السوفييتي عبر الحكومات العربية الصديقة له في المنطقة·

بيد أن تحولا عميقا قد طرأ على تصور الولايات المتحدة لدورها وموقعها وسلوكها في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة· فقد انهار آخر تكتل دولي كان يحول دون طفور الدور الأمريكي القائد على مستوى المعسكر الغربي إلى دور قائد على المستوى العالمي· وقد ساهم بذلك خروج الولايات المتحدة باعتقاد قوي بأنها هي الدولة المنتصرة في العالم أجمع، وأنه لم يعد هناك ما يقف في وجه قيادتها العالمية· وأصبحت إرادة قيادة أمريكا للعالم حقيقة واقعة وعينية بعد أن بقيت لفترة طويلة شعارا أو هدفا للتعبئة القومية يلجأ إليه الرؤساء المتعاقبين أو المرشحين للرئاسة· وارتبطت هذه الإرادة المعبر عنها بقوة لقيادة العالم بإعادة نظر جذرية في سلوك واشنطن وممارساتها في العالم أجمع، بما في ذلك تجاه حلفائها الأوربيين أنفسهم·  وولدت في ثنايا هذه الإرادة وكتعبير عنها فلسفات ونظريات في العلاقات الدولية ومذاهب استراتيجية تعطي لهذه الإرادة الكاسحة لاحتلال موقع القيادة العالمية معناها الحضاري والتاريخي واتجاه سيرها· ومن هذه الفلسفات التي تعكس انتصار الليبرالية المجسدة في النموذج الأمريكي فلسفة نهاية التاريخ، ومنها أيضا،  ومكملة لها، فلسفة صراع الحضارات التي تبدو فيه أمريكا القائدة العظيمة والشرعية للحضارة الغربية الليبرالية في مواجهة الحضارات المعادية العربية الاسلامية والصينية· ومن هذه النظريات التي ستولد في رحم الصعود إلى القيادة مذاهب عديدة استراتيجية تفلسف أسس السيطرة الأمريكية على العالم وتقدم رؤية لأدواتها·

ففي دراسة سرية كتبت عام 5991 لصالح >القيادة الاستراتيجية - ستراتيجيك كومند< التي تتولى في أمريكا مسؤولية الترسانة النووية، بعنوان: المباديء الأساسية للردع بعد الحرب الباردة، ونشرت الأسوشيتد برس حديثا مضمونها، تؤكد على أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستفيد من قوتها النووية حتى تعطي عن نفسها صورة لا عقلانية واتهامية عندما تتعرض مصالحها للتهديد· >إن من الخطر الشديد، تقول الدراسة، أن نظهر أنفسنا على أننا أناس عقلاء ذوي أعصاب باردة· وأسوأ من ذلك أن نظهر أمام العالم أننا نحترم أمورا صبيانية سخيفة مثل القانون والمعاهدات الدولية· ولا بد أن تكون في حكوماتنا عناصر تظهر مستعدة للتصرف بجنون وغير قادرة على ضبط أعصابها· فذلك هو الذي يساعد على بث الخوف وتعميقه في قلب خصومنا<·(نعوم شومسكي، الدولة العاصية، لومند ديبلوماتيك، آب 0002)· وقد سعت الولايات المتحدة إلى تمرير هذا السلوك على الرأي العام الدولي من خلال صوغ مفهوم جديد للعدو الذي سيبدو همجيا إلى درجة يستبعد أن نتعامل معه بأساليب قانونية أو إنسانية· ومن هنا أختلقت الولايات المتحدة مفهوم الدولة الزعرة أو الدول العاصية، أو الخارجة عن القانون، محل الخطر الشيوعي· ومن هذه الدول العاصية التي ذكرتها العراق وايران وليبيا وسورية والسودان وكوبا وكورية الشمالية·

ويتفق هذا المنطق مع ما صرح به سكرتير الدولة للخارجية، جورج شولتز في أبريل نيسان  6891 حين قال >إن كلمة مفاوضات لا تعني شيئا آخر سوى الاستسلام إذا لم يسبقها عرض للقوة<· كما يتفق مع ما جاء في تقرير سري بعنوان >مرشد السياسة الدفاعية< 2991-4991 أعده بول ولفوفيتز ولويس ليبّي، وهما اليوم على التوالي، سكرتير الدولة المساعد لشؤون الدفاع ومستشار نائب الرئيس للأمن القومي، من أن على الولايات المتحدة من أجل تأكيد تفوقها الاستراتيجي >منع أي دولة معادية أن تسيطر على مناطق ذات موارد يمكنها أن تجعل منها دولة كبرى< وكذلك >ردع الدول الصناعية المتقدمة عن أي محاولة لتحدي قيادتنا أو قلب الترتيب السياسي والاقتصادي العالمي القائم< و >إجهاض احتمال ظهور قوى عولمية منافسة< (فيليب غولوب، لوموند ديبلوماتيك يوليو 1002)·

ونستطيع بسهولة أن نعاين مساعي الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى تحقيق التفوق العالمي على جميع القوى، وامتلاك عناصر هذا التفوق أو العلو، في سبيل التمكن من بسط السيطرة الكاملة على العالم واحتلال موقع القيادة فيه· وتبدوا هذه المساعي والسياسات  واضحة في السياسات الاقتصادية والمالية، وفي السياسات التكنولوجية، وخاصة في حقل المعلوماتية وتطوير شبكات الانترنيت التي تسيطر عليها، وفي الميادين التجارية، كما يظهر ذلك موقف الولايات المتحدة من مسألة العولمة وإصرارها على أن تكون من دون شروط، وفي الميادين الثقافية، حيث رفضت أي معالجة للمنتجات الثقافية بمعايير غير تجارية، وفي الميادين الاستراتيجية والعسكرية· وفي هذا الميدان الأخير بشكل خاص، شكلت حرب الخليج مسرحا استعراضيا للتفوق التكنولوجي الهائل للولايات المتحدة بالمقارنة مع جميع منافسيها المحتملين· ولا تزال الجهود مستمرة لتحقيق التفوق الشامل من خلال تطوير برنامج الدفاع المضاد للصواريخ أو الدرع الصاروخي الذي يهدف إلى تحييد الاتفاقات التاريخية مع الاتحاد السوفييتي السابق الخاصة بحظر التجارب النووية· فالدرع الصاروخي يعيد التفوق المطلق للولايات المتحدة ويجبر روسيا على الدخول في سباق تسلح جديد لا تملك أدواته أو القبول بالدونية الاستراتيجية والاعتراف بها· وهذا ما يفسر مطالبة وزارة الدفاع برفع ميزانية البنتاغون إلى 023 مليار دولار في العام ، أي بما يجعلها متفوقة بالقيمة المطلقة على قيمة ميزانيات دفاع الدول التي يحتمل أن تكون في خصومة مع الولايات المتحدة مجتمعة (المرجع السابق)·

وهذا ما دعا ف· غولوب إلى القول بأن الولايات المتحدة عادت مع حكومة جورج بوش الابن إلى سياسة الحرب الباردة من دون حرب باردة· وتعبر سياساتها عن إرادة إعادة بناء وتنظيم العلاقات الدولية والعالم من منطلق ميزان القوة وحده، وعلى أساس نظرة ضيقة جدا للمصلحة القومية الأمريكية·

 

 

3 -  القيادة والمسؤولية

 

تعكس سياسة الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة النزوع الجامح للقوة الأمريكية التي أصبحت بالفعل القوة القائدة في العالم، على جميع المستويات، وبسبب ما تتمتع به من موقع وإمكانيات لا يمكن لأي قوة أخرى أن تعادلها لا اليوم ولا في المدى المنظور، إلى احتلال موقع الامبرطورية والتصرف كامبرطورية تحكم العالم وتتحكم بمصيره إلى حد كبير· وليس المقصود من ذلك تحول الولايات المتحدة إلى قوة متفوقة على غيرها، فهذا واقع وحقيقة، ولكن استخدامها هذا التفوق لبناء النظام العالمي والدولي بما يوافق مصالحها الخاصة القومية، وعدم الالتفات في هذا العالم إلي شيء آخر سوى تعظيم هذه المصالح· ولذلك، وفي هذا الاطار، بلورت أسلوبا ومنهجا للقيادة قائمين على ما وصفه الفيلسوف الأمريكي المعروف فرانسيس فوكوياما في مقال نشر في جريدة الموند الفرنسية بعد أحداث 11 سبتمبر (71 سبتمبر 1002)  منهج الانفراد في القرار والدفاع الأناني عن المصالح·

فما يميز سياسة الامبرطورية هو سياسة القوة أو الاعتماد على القوة، ويعني اللجوء السريع والشامل إلى القوة لتحقيق المصالح رفض الحوار والمفاوضات الجدية والتسويات· كما يعني عدم التقيد أو تقييد النفس بالتزامات وقوانين وتسويات واتفاقات ومعاهدات دولية مهما كانت والنزوع إلى إملاء السياسات ومعايير السلوك الدولي من فوق ورفض التفاوض حولها، أو عليها· ومن هنا تطور أسلوب جديد عند الولايات المتحدة لقيادة العالم وللقيادة يختلف كثيرا مع ما كان سائدا خلال الحرب الباردة، يمكن أن نسميه تسلطيا، لا يعتمد إلا على القوة ومنطق القوة الغاشمة وغير العقلانية إذا أمكن، ذاك الذي يقطع الطريق على أي حوار أو مفاوضات جدية تفرض التنازل ولو جزئيا عن بعض المصالح الأمريكية لصالح الحلفاء أو الدول النامية، ويضمن الحد الأدني من التوازنات العالمية· 

وهذا ما يفسر تطور موقف الإدارة الأمريكية السلبي من العديد من المؤسسات الدولية بما فيها منظمات الأمم المتحدة ومن المفاوضات والاتفاقات الدولية التي كانت من أكبر الداعين لها· ويشير المنتقدون لسياسة واشنطن الدولية إلى العديد من الممارسات أو المواقف التي تعكس هذه الطابع الأحادي الجانب أو الانفرادي لهذه السياسة· ومن ذلك انسحاب واشنطن منذ عقدين من الزمن من منظمة اليونسكو ورفض العودة إليها بالرغم من تنفيذ مطالبها، بما فيها استقالة المدير السابق وتعيين مديرين بعده من المنادين بتطبيق السياسات الثقافية التي طالبت بها، وذلك على الأغلب لأنها وصلت إلى الاقتناع بأن من الصعب لها السيطرة عليها· ولم تخف مادلين أولبرايت التي صرحت >في 31 ديسمبر 5991 في واشنطن بوست< رغبتها في تحويل الأمم المتحدة إلى أداة لسياسة واشنطن الخارجية· كما يشيرون إلى سعي الولايات المتحدة إلى تحويل الحلف الأطلسي الذي تسيطر عليه إلى ذراع لهذه السياسة وإلى استخدامه للتدخل في نزاعات من دون مشورة الأمم المتحدة مثل نزاع الصومال وعملية ثعلب الصحراء في ديسمبر 8991·

وفي السنوات الأخيرة وحدها رفضت الولايات المتحدة التوقيع على العديد من الاتفاقيات الدولية وانسحبت من العديد من المؤتمرات العالمية التي نظمتها الأمم المتحدة والتي لم تنجح في أن تملي عليها جدول أعمالها أو قراراتها·

ففي عام 1002 انسحبت من مؤتمر الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية الذي عقد في دربن في جنوب أفريقيا احتجاجا على وضع مسألة الاحتلال الاسرائيلي والعنصرية الاسرائيلية ومسألة الاعتذار في موضوع العبودية السوداء والاعتراف بضرورة التعويض عنها، على جدول أعمال المؤتمر·

وألغت واشنطن عمليا اتفاقية حظر الأسلحة النووية بمبادرتها في تنفيذ مشروع بناء الدرع الصاروخي وعسكرة الفضاء·

وفرضت على الفلسطينيين إلغاء جميع القرارات التي اتخذتها الجمعية العمومية لصالحهم، بما في ذلك القرار 491 الخاص بعودة اللاجئين والقرار 181 الخاص بخلق دولتين في فلسطين لعام 7491 وعدم الاعتراف كإطار قانوني للمفاوضات إلا بقرارين أمميين فقط هما قراري 242 و833، ثم سمحت لاسرائيل أن تقيم مفاوضاتها مع الفلسطين، برعاية أمريكية، من دون الالتزام في الواقع بأي قرار·

ورفضت واشنطن ولا تزال مشروع إنشاء محكمة جنائية دولية، كما رفضت اتفاقية مراقبة العمليات المالية في المناطق الحرة >أوف شور< التي دعت إليها هذا العام الدول الأوربية واقترحتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لمحاربة تبييض الأموال التي تقوم به منظمات المافيا والمخدرات والارهاب·

ورفضت كذلك التوقيع على اتفاقية كيوتو الخاصة بالبيئة عام 1002، ضاربة عرض الحائط الانتقادات العديدة التي تعرضت لها بسبب ما يعتري الرأي العام العالمي من قلق عميق من توسع ثقب الأوزون وتفاقم التلوث البيئي·

ورفضت التوقيع على اتفاقية حظر الألغام القاتلة للأفراد عام 7991·

ورفضت التوقيع على اتفاقية حقوق الطفل وحظر استخدام الأطفال في الحرب عام 4991· 

ورفضت التوقيع على اتفاقية حقوق البحر والمياه الاقليمية لعام 2891·

ورفضت بروتوكول توسيع حماية المدنيين وقت الحرب الملحقة باتفاقية جنيف، عام 7791·

وكانت قد رفضت من قبل اتفاقية حقوق الانسان لدول القارة الأمريكية لعام 9691، والاتفاقية المتعلقة بحقوق المرأة لعام 9791، واتفاقية الأمم المتحدة حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعام 6691·

وحتى على مستوى أقل أهمية، مثل مستوى التعاون الاقتصادي، ترافق صعود الولايات المتحدة إلى موقع القيادة العالمية بتراجع اهتمامها الشديد بالعالم النامي وقضية التنمية لدرجة تقلص فيها حجم المعونة للبلدان النامية بعد الحرب الباردة إلى النصف تقريبا كي لا يبلغ عام 7991 سوي سبعة مليار دولار في العام·

لكن فيما وراء هذا الموقف الانفرادي وغير المتعاون مع بقية الأطراف العالمية، يشير منتقدوا السياسة الأمريكية الخارجية أيضا إلى ما تعكسه هذه السياسة من استبداد الشعور العميق في واشنطن بأنه لا يوجد أمام العالم إلا الإذعان لإرادتها وبأنها تسيطر عليه تماما ولا يمكن لأي طرف فيه أن يجرؤ على الوقوف في وجهها بل حتى الاختلاف معها، بما في ذلك في أوربة الغربية نفسها واليابان· وقد دفع هذا الشعور الذي جاء ليدعم شعورا قديما وثابتا بالأمن المطلق وعدم احتمال أن تتعرض الولايات المتحدة كغيرها لمخاطر اعتداءات داخلية أو خارجية (وكان آخر هجوم تعرض له ترابها الوطني قد حصل عام 2181أثناء الحرب البريطانية الأمريكية) قد دفع واشنطن إلى موقف يسميه خصومها موقف الغطرسة وهو في الواقع عدم المبالاة بما يجري من مشاكل للعالم وعدم الاكتراث بمصير الشعوب والمجتمعات الأخرى·

فالولايات المتحدة التي أصبحت، من منطلق مشروعية قيادتها العالم، تنحو نحو فرض وجهة نظرها في كل المشاكل العالمية بل والوطنية التي تطرأ في أي بلد في العالم، وترسل مبعوثيها ليحلوا الخلافات والنزاعات، لا تتردد في السماح بتجاوز أي قانون أو مبدأ دولي طالما كان ذلك يصب في خدمة أهدافها أو أهداف حلفائها·

وليس هناك شك في أن شيئا لم يسىء في العالم العربي لصورة أمريكا ومصداقية قيادتها الدولية غير إطلاقها يد حكومة شارون في فلسطين في الفترة الأخيرة التي سبقت الأحداث والتي دامت أكثر من سنة تعرض لها الشعب الفلسطيني إلى عملية إخضاع بالقوة وفقد فيها مئات القتلى وعشرات ألوف الجرحى· فقد أبرز هذا الموقف غير المفهوم الطابع المتحيز صراحة وغير المتوازن للسياسة الأمريكية الشرق أوسطية الذي ترجم بما بدا دعما أعمى لاسرائيل وسياساتها التوسعية والاستيطانية· ولم يكن هناك أحد في المنطقة يفهم كيف تقبل واشنطن بأن تضحي بالعالمين العربي والاسلامي في سبيل الدفاع عن سياسة ليس لها مضمون آخر سوى دعم مشروع استيطان الضفة الغربية الذي يقوده اليمين العنصري الاسرائيلي المتطرف وطرد الشعب الفلسطيني أو حصاره في معازل عنصرية·  وبالمثل، دفع عدم اكتراث واشنطن بالانتقادات التي أصبحت توجهها لها المنظمات الدولية سواء فيما يتعلق بموقفها تجاه مسألة تخفيف الحصار عن شعب العراق المستمر منذ أكثر من عقد أو في القصف المستمر عليه إلى فقدان الأمل بقدرة واشنطن على اتباع سياسة متسقة مع مبادى حقوق الانسان التي تعلن تمسكها بها· وهكذا تعرضت الولايات المتحدة إلى نكسات كبيرة داخل منظمات الأمم المتحدة الفرعية عندما لم ينجح ممثلها في انتخابات أعضاء لجنة حقوق الانسان في بداية هذا العام·

والحال إن دولة بوزن الولايات المتحدة وحجمها وموقعها في النظام الدولي لا تستطيع أن تقبل على نفسها اعتماد معايير مزدوجة أو عدم الأخذ بالاعتبار مصالح المجتمعات الأخرى دون أن تدفع إلى زعزعة التوازنات الدولية وبث الفوضى والاضطراب فيها· ذلك أن حجمها وقوتها قادران على تغيير وجهة الوقائع وتجمييد الأوضاع أو تبديلها لصالح فئات أو أطراف دون أخرى· وبالمثل إن دولة تتصدى لقيادة العالم وتجعل من نفسها قيمة على السياسة العالمية، وهو الوضع الفعلي للولايات المتحدة منذ انتهاد الحرب الباردة لا يمكن أن تتبنى مواقف غير متوازنة أو حتى غير مكترثة بما يحصل من مظالم في العالم من دون أن تفقد مصداقية قيادتها وتصبح في نظر العديد من الأطراف التي ضربت مصالحها كما لو كانت العدو والمسؤول الرئيسي عن محنها وعذاباتها· إن القيادة لا تنسجم مع الانانية وانعدام روح المسؤولية الجماعية·

 

 

4 - بناء نظام القطب الواحد

 

كانت حرب الخليج الثانية، سواء أجاءت بسبب قصور نظر النظام البعثي الحاكم في العراق وحماقته، أم بتخطيط ومبادرة ومتابعة أمريكية كما يظن الكثيرون، هي ضربة المعلم التي ولد في أتونها نظام القطب الواحد الذي جعل من الولايات المتحدة القوة القيادية الحقيقية للعالم بعد انتهاء الحرب الباردة· فمن خلال ما أظهرته الادارة الأمريكية في هذه الحرب من قدرات قيادية ولوجيستيكية ومن مخيلة استراتيجية قوية ومقدرة هائلة على المبادرة والضبط والتخطيط والتأليف، فرضت نفسها كقوة وحيدة قادرة على وضع استراتيجية عالمية وتطبيقها، وقدمت نموذجا للأسلوب الذي ستتم من خلاله قيادة العالم في المستقبل· وقد شهد العقد الذي أعقب هذه الحرب بالفعل التطبيق الموسع لهذا النموذج الذي تقرر فيه الدولة الأعظم أهداف السياسة الدولية ودور كل طرف في تحقيقها في القضايا السلمية والقضايا العسكرية معا، وذلك حسب جدول أعمال ينبع دائما وبشكل رئيسي من مصالحها القومية· وبقدر ما كانت واشنطن تفضل المواقف المنفردة في مواجهة المسائل التي يتطلب حلها المساهمة المادية أو السياسية لجميع الأطراف، كان اتجاهها قويا لتفضيل التدخل من وراء تحالف دولي واسع، كما حصل في حرب الخليج ثم في حرب البلقان وفيما ما بعد في الحرب على الإرهاب·

وقد حاولت إدراة كلينتون الديمقراطية والأكثر حساسية للمشاكل الأمريكية الداخلية أن تستفيد من هذا الدور القيادي العالمي وأن تجيره لصالح سياسة قومية ترتكز بشكل رئيسي على توسيع دائرة السيطرة الاقتصادية وتتبلور من حولها· وكان برنامج العولمة الذي ستفرضه الادارة الديمقراطية على المنظمات المالية الدولية وعلى حلفائها الأوربيين واليابانيين معا هو الذي عبر أفضل تعبير عن الترجمة لهذا الدور القيادي الأمريكي في العالم· فأمريكا الأكثر تقدما علميا وتقنيا والأكثر قدرة على المنافسة الاقتصادية كانت تجد في فتح الأسواق وتكوين سوق عالمية واحدة لتبادل السلع والرساميل الوسيلة الأسهل والأقل كلفة لفرض قيادتها وسيادتها وسيطرتها الدولية بالفعل·

بيد أن هذه السياسة المتمحورة حول تحقيق نهضة اقتصادية أمريكية تمتص التناقضات الداخلية وتسمح لأمريكا بضمان تفوقها على العالم وبالتالي ضمان موقعها القيادي لم تلق فقط مقاومة ضمنية من قبل حكومات البلدان الحليفة وفيما بعد من قبل مجموعات مناهضة العولمة النامية في هذه البلدان ولكن أيضا من قبل المركب الصناعي العسكري ومن قبل البنتاغون الذي وجد ميزانية الدفاع تتقلص باستمرار على ضوء التوجهات الجديدة واستقرار السيطرة الأمريكية، داخل الولايات المتحدة ذاتها· وقد نجحت مناورات اللوبيات الأمريكية الداخلية في حسم الصراع الانتخابي الرئاسي لصالح جورج بوش الابن الذي لم يدخل ساحة الرئاسة الأمريكية برصيد سياسي وثقافي مثير للنقاش فحسب بالمقارنة مع كل من سبقه من الرؤساء الأمريكيين ولكن أكثر من ذلك مع حاجة ماسة إلى تثبيت الشرعية التي بدت مجروحة نسبيا·

وربما كان المغزى الرئيسي لانتخابه من قبل المؤسسات الأمريكية القوية والنافذة هو العودة بالسياسة العالمية الأمريكية من المحور الاقتصادي إلى محور التركيز على الأمن القومي الذي كان دائما مرتبطا بنفوذ البنتاغون والمركب العسكري الصناعي· وقد عكس تشكيل حكومة الرئيس بوش هذا التوجه الاستراتيجي الجديد إذ امتلأت المناصب العليا بالعسكريين السابقين والاستراتيجيين المتطرفين لدرجة دفعت البعض إلى التحدث عن عسكرة الإدارة· فديك تشني نائب الرئيس، وكولن باول وزير الخارجية، ودونالد رمسفيلد وزير الدفاع وبول ولفوفيتز وريتشارد ارميتاج وجيمس كلي ولويس ليبي وجون نيفروبونتي المستشارين أو المسؤولين في الإدارة شغروا جميعا مناصب عسكرية أو أمنية خلال حقبة الحرب الباردة  ولعبوا دورا كبيرا خلال الحرب على العراق· بل إن دونالد رمسفيلد هو الذي قاد الحرب الباردة بين أعوام 5791-9891، وطلب من المسؤولين إلغاء استخدام كلمة انفراج من الخطابات الرسمية، وقضى أعوام 0891-0991 في الاعداد لحرب النجوم تحت رئاسة الرئيس ريغن اليمينية المتطرفة· وربما كان هو الأكثر تصلبا في الفريق الأمريكي الحاكم اليوم والأكثر تمثيلا لمصالح البنتاغون· ولا شك أن لتعيينه في مركز وزير الدفاع علاقة بالتقرير الذي كتبه في مايو 1002 قبل أن يحتل هذا المنصب ونشر في 11كانون الثاني 1002 والذي دعا فيه إلى تبني مشروع عسكرة الفضاء· فقد ركز فيه على >الهشاشة المتزايدة للولايات المتحدة أمام بيرل هاربر فضائية، واقترح في مواجهتها نشر أسلحة في الفضاء من أجل ردع أي تهديدات محتملة وعند الضرورة الدفاع عن المصالح الأمريكية ضد أي اعتداء<· ومن الغريب أن التقرير قد وصف التهديدات الممكنة بتلك التي يمكن أن تصدر عن >أشخاص مثل أسامة بن لادن الذي يمكن أن يستملك وسائل مثل الأقمار الصناعية<· (ف· غولوب، النزوع الانفرادي الأمريكي، لوموند ديبلوماتيك، تموز 1002)·

وفي أقل من عام من حياة الحكم الأمريكي الجديد تدهور المناخ العالمي بسرعة لم يسبق لها نظير· فقد توترت العلاقات بشدة مع الصين· ودخل العالم في مناخ حرب باردة جديدة مع إقرار برنامج تطوير نظام الدرع الصاروخي ومتابعة سياسة أمنية أمريكية ضيقة من أحد أهم مظاهرها الدفاع غير المشروط عن سياسة رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون في توسيع الاستيطان وتدمير عملية السلام الشرق اوسطية، وتحدي مشاعر العالم العربي والاسلامي والأفريقي معا في مؤتمر مناهضة العنصرية بتبني موقف حماية الاحتلال الاسرائيلي ورفض مناقشة موضوع التعويض عن العبودية· واستعداء الحليف الأوربي بإحباط مشروع اتفاقية تسعى إلى ضبط العمليات المالية في ما يسمى بالجنة الضريبية، حيث يتم تبييض الأموال غير الشرعية·

لقد بدت حكومة جورج بوش الابن بمثابة محاولة في التصعيد المبالغ فيه في مفهوم القيادة الأمريكية للعالم، مما وسمها بصورة أكبر من قبل بطابع النزوع إلى السيطرة السياسية والعسكرية بعد السيطرة الاقتصادية· وأصبحت الولايات المتحدة المحكومة من قبل رئيس يجهل العالم إلى حد كبير أكثر ميلا لفرض رأيها في تقرير كل ما يتعلق بالمصير العالمي·

 

5- أزمة نظام القطبية الأحادية

 

كما كانت حرب الخليج التي خططت لها وقادتها الولايات المتحدة بحنكة بالغة الوسيلة التي نجحت من خلالها واشنطن في استثمار انهيار الاتحاد السوفييتي لفرض نظام القطب الواحد الذي ما كان من الممكن أن يولد إلا في العنف والدم، ولقطع الطريق على ولادة نظام متعدد الأطراف وقائم على التفاهم والتعاون الدولي، تهدد عملية نيويورك وواشنطن في 11 ايلول 1002 بأن تكون الاعلان عن نهاية نظام القطب الواحد وانفتاح المجال أمام تكوين نظام متعدد الأقطاب· فليس لهذه الضربة إلا مغزى واحدا هو أن الولايات المتحدة مثلها مثل جميع الدول الأخرى ليست في مأمن من أي صدمة خارجية، وأن أمنها يستند أيضا على معطيات خارجية، وأن عليها كي تحافظ عليه أن تتفاهم مع غيرها وتأخذ مصالحه بالاعتبار لا أن تتصرف كصاحبة سيادة مطلقة وأبدية لا يطالها أي تهديد وتسطيع بالتالي أن تتصرف في العالم بحرية مطلقة ومن دون خوف وأن تفرض إرادتها التي تضمن لها أقصى المصالح من دون أن تخشى أي عقاب، بل أي رد· باختصار إن الولايات المتحدة قابلة للهزيمة أيضا، إنها دولة عادية طبيعية·

ولا يعني هذا تهديد القيادة الأمريكية للعالم أو إلغاؤها· فقد كانت واشنطن تلعب دور القيادة للمعسكر الرأسمالي الغربي في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق من دون أن تفرض إرادة أحادية الجانب، أو من دون نظام واحدية القطب· فكما أن من الممكن للقيادة أن تقوم على التعاون والمشاركة في اتخاذ القرار، يمكنها أن تقوم أيضا على إملاء الإرادة ورفض التشاور والحوار· وهذا هو الذي يميز بين القيادة التسلطية والديكتاتورية وبين القيادة الديمقراطية في جميع مجالات ممارسة السلطة، داخل النظام العالمي، وداخل الدولة ذاتها، وداخل المؤسسة الحزبية، بل داخل الأسرة وحدودها الضيقة المقتصرة على الأبوين والأولاد·

بيد أن زعزعة القيادة الأمريكية الأحادية للعالم لا تنتج تلقائيا نظاما متعدد الأقطاب، تماما كما أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق لم ينتج نظاما أحادي القطبية من تلقاء نفسه، وكان على الولايات المتحدة أن تجهض امكانيات نشوء نظام متعدد القطبية من خلال جر العالم أجمع إلى حرب اعتبرت في يومها عالمية، وضد خامس جيش في العالم، حتى تحقق هدفها وتحظى بالأحادية القطبية·

 

 

ولا يختلف الأمر عن ذلك اليوم· فالحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة ضد الارهاب وأعادت بمناسبتها بناء التحالف الدولي من حولها وترتيب الأوراق بما يمكنها من وضع نفسها من جديد في موقع قيادة العالم في هذه الحرب، لا تهدف إلى شيء آخر سوى امتصاص الضربة وإعادة تكريس نفسها كقيادة عالمية· ولذلك فهي تريد لهذه الحرب أن تكون طويلة من دون تحديد، بطول دورها القيادي الذي ستعيد رسمه وتحديده منذ الآن على أساس أنه يعني قيادة المعركة العالمية للدفاع عن الديمقراطية والحرية والسلام والعدالة في العالم وضد الارهاب· ولم يخطء الرئيس الأمريكي عندما وصف الحرب هذه بالصليبية· فقد كان يطمح من خلال إثارة الالتباس أو الخلط بين الارهاب والاسلام إلى توحيد العالم الغربي والصناعي الذي لا يرى غيره متحضرا وراء الولايات المتحدة أكثر مما كان يطمح بالفعل إلى محاربة الاسلام أو العالم الاسلامي· ولم يكن هناك أفضل من صورة تصدي أمريكا لقيادة حرب صليبية ضد الاسلام لتكريس قيادة واشنطن العالمية الجديدة وفي مقدمها قيادة العالم الصناعي المعبء ضد الاسلام· فعلى نتائج هذه الحرب واتساع حجمها ورهاناتها وتعبوية أهدافها يتوقف مصير إعادة تأكيد القيادة الأمريكية من حيث المضمون ومن حيث المشروعية· ولا يمكن لحرب تقتصر أهدافها على الانتقام من شعب أفغاني معدم من دون موارد ومن دون بنيات تحتية، كما لا يمكن لحرب تستهدف شخصا، مهما كانت درجة براعته في الارهاب مثل بن لادن، أن تبرر استمرار التسليم بالقيادة لدولة أظهرت من خلال الحدث الأخير أنها مثلها مثل جميع الدول الأخرى معرضة للارهاب وزعزعة الاستقرار ومضطرة كغيرها أيضا إلى التعاون مع الآخرين وربما التفاهم والحوار وقبول التسويات، أي تغيير سلوكها السابق كله·

والواقع إن الحرب ضد الارهاب التي هي بالأساس حرب تأكيد القيادة الأمريكية من جديد تدور منذ الحادي عشر من ايلول بين قطبين رئيسيين الولايات المتحدة المتربعة على عرش قيادة العالم، وأوربة المرشحة الوحيدة لمشاركتها في هذه القيادة· وليست الأطراف الأخرى الصغيرة إلا قوى رديفة وأدوات تستخدم من قبل الطرفين· وتريد الصين أن تبقى خارج المعركة لأنها تدرك أنه لم يحن وقت معركتها الخاصة لدخول نادي القيادة الدولية بعد، أما اليابان فهي لا تزال غير قادرة على بلورة سياسة دولية خاصة، في حين أن الفيدرالية الروسية تجد نفسها في وضع لا تطمح فيه إلى أكثر من أن ترفع إلى أعلى حد ثمن الدور الذي ستلعبه في هذه الحرب لصالح الولايات المتحدة·

وقد أوضح الأوربيون الذين أظهروا تعاطفا لا شك فيه مع الكارثة التي تعرض لها الشعب الأمريكي والضحايا الأبرياء، أن رؤيتهم للطريقة التي ينبغي الرد بها على الارهاب الذي تعرضت له الولايات المتحدة مختلفة عن رؤية واشنطن· واتخذوا مواقف يبدوا عليها الكثير من الشعور بالمسؤوليات العالمية سواء فيما يتعلق بتأكيدهم على عدم الرد بطريقة أمنية محضة، وأهمية مواجهة النزاعات الدولية التي تغذي الارهاب والمساهمة في ايجاد حلول لها، أو فيما يتعلق برفض منطق الانتقام الأعمى وتضييق نطاق الضربة العسكرية كي لا تشمل سوى المذنبين وتجنيب الشعب الأفغاني الحرب الفاجعية· وعلى مستوى خطاب الحرب طلب الأوربيون بسرعة تغيير الشعارات ونزع فتيل الخلط بين الارهاب والاسلام وقاموا بمبادرات سريعة من أجل تطمين جالياتهما الاسلامية والحد من احتمال تعرضها لاعتداءات عنصرية· ولا شك أن هذا الموقف الأوربي هو الذي شجع بعض الدول العربية والاسلامية على التمسك بموقف مماثل ورفض التوقيع للولايات المتحدة على بياض بالرغم من الكلام المعسول الذي قيل لتهدئة الدبلوماسية الأمريكية·

وقد كان من نتيجة هذه المواقف التي أقل ما يقال فيها أن العالم لم يركض مغمض العينين وراء الخطة الأمريكية لمواجهة الارهاب، بل لقد أظهرت قوى كثيرة تحفظها إن لم تكن معارضتها مبدأ الحرب ضد أفغانستان، وهي مواقف تختلف كليا عما حصل في حرب الخليج في أول التسعينات، أن رد الفعل الأمريكي الذي كان من المفروض أن يكون حسب مباديء السيطرة الامبرطورية قويا وشاملا وسريعا ولاعقلانيا وغير منضبط، حتى يخيف الجميع، لم يحصل· واضطرت الولايات المتحدة إلى تغيير شعارات الحرب واسمها وأهدافها· وحتى اليوم لا أحد يعرف بالضبط ما هي طبيعة الجدة في هذه الحرب باستثناء العودة إلى سياسة تغيير الحكومات ووضع حكومات جديدة أكثر قابلية للسيطرة محلها، وهي سياسة تقليدية قديمة، أو استخدام قوات خاصة لضرب بعض المواقع أو للقبض على بن لادن حيا أو ميتا كما ذكر الرئيس بوش·

ومن الواضح أن مثل هذه الحرب ليست مثيرة بما فيه الكفاية حتى تعيد للسطوة الأمريكية بريقها السابق، بل ربما لن تكون مقنعة للشعب الأمريكي وحده لتنفيس مشاعر الحزن والغضب أو لاسترجاع صدقية القيادة الأمريكية القومية والقبول بزيادة مخصصات وزارة الدفاع · وإذا انتهت الحرب من دون أن ينجح القادة الأمريكيون والأوروبيون في استخلاص الدروس السياسية الايجابية منها، أي تجاوز النظرة التقنية والعسكرية نحو إدراك الأبعاد السياسية ومحاولة الاجابة الناجعة عليها، فليس من المستبعد أن نرى معركة الحرب ضد الارهاب لاستعادة التفوق الامريكي والقيادة العالمية تتحول إلى استعراضات تقنية عسكرية وأن لا تنتج شيأ آخر سوى تعميق الشرخ الذي يفصل العالمين الاسلامي والغربي وتمهيد الأرض لنشوء أنواع أخرى من الارهاب الدولي·

لكن ليس من المستحيل أيضا، إذا نجحت أوربا وبقية دول العالم، وللعالم العربي كذلك دور كبير في هذا بسبب ارتباطه الوثيق بما حدث، سواء فيما يتعلق بأصل الارهابيين ومعتقداتهم أو بالمشاكل التي ربطوا مساعدة الدبلوماسية الأمريكية على إدراك التعقيدات الكثيرة المحيطة بحرب الارهاب ودفعاها وسارا معها على طريق الانتقال من الشق العسكري نحو الشق السياسي الأكثر أهمية لأنه يتعلق بما بعد الحرب، أقول ليس من المستحيل في هذه الحالة أن تعيش المجموعة الدولية فرصة نادرة للخروج من نظام الأحادية القطبية، وأن تدخل بالفعل في نظام جديد لا يستطيع أي طرف أن يستفرد فيه بالقرار العالمي، أي في نظام متعدد الأقطاب قائم على المشاورات الجماعية المتعددة الأطراف لا على السيطرة والتفرد والتسيير بالقوة·

لا يعني ذلك كما ذكرت بالضرورة تراجعا في قدرات الولايات المتحدة الاقتصادية والاستراتيجية والتقنية والعلمية والايديولوجية، وبالتالي للدور الكبير الذي ستظل الولايات المتحدة تلعبه، وينبغي أن تظل تلعبه في العالم وفي بلورة السياسات العالمية وحل المشاكل الدولية· إن ما يعنيه هو تغيير في طبيعة ممارسة هذا الدور، أي تغييرا في مفهوم القيادة يخرجنا من القيادة بفرض الرأي وإملاء الإرادة على الجميع إلى مفهوم القيادة من خلال الحوار والتفاهم والتعاون على برناج للعمل المشترك على صعيد السياسة الدولية وفيما يتعلق بالمشاكل العامة التي تخص البشرية جمعاء· وفي مقدمة ذلك تحديد جدول أعمال هذه السياسة على ضوء المسائل الملحة بالفعل للمجتمعات جميعا وللانسانية معتبرة وحدة واحدة لا جعله مطابقا لجدول أعمال الحكومة الأمريكية أو المصالح القومية الأمريكية·

وفي هذه الحالة لا تكون أرواح الضحايا التي زهقت في عملية 11 ايلول وتلك التي زهقت في حرب أفغانستان التي تبعتها قد ذهبت سدى، ولكنها عملت على إحياء القيم الانسانية في السياسة الأمريكية التي تستطيع بسبب ما تملكه من إمكانيات استثنائية في جميع المجالات أن تكون عاملا رئيسيا في التوازن الدولي كما يمكن أن تكون عاملا رئيسيا في زعزعة الاستقرار العالمي· وليس من المؤكد أن نزع الطابع الامبرطوري اليميني عن السياسة الأمريكية يهدد دورها العالمي· بل إن من المؤكد أن أمريكا ستلعب دورا أكثر تأثيرا في العالم عندما تتخلص من تصرفاتها الامبرطورية وتتخلى عن نزعاتها الانفرادية والهيمنية المبالغ بها· فبالرغم من أن الحكومات الديمقراطية تترك للجميع فرصة التعبير عن الرأي والمشاركة في صنع القرار إلا أن كلمتها وسياستها تزيد نفوذا وتأثيرا في مجتمعاتها عن كلمة وسياسات الحكومات المستبدة التي تفرض بالقوة بالرغم من مظاهر الخضوع الكاذب والحقيقي الذي تنتجه هذه القوة·