المحنة السورية وغياب التضامن العالمي

2018-07-18:: العربي الجديد

ترجمة :
2018-07-18:: العربي الجديد
 
تسعى هذه المقالة إلى تحليل الأسباب البنيوية لغياب التضامن مع الشعب السوري في محنته التاريخية، والذي كان من أهم العوامل التي ادت إلى الكارثة، وبالمقابل تنامي تضامن من نوع جديد بهذه المناسبة بين الدول الكبرى التي كانت علاقاتها تتميز دائما بالتنافس والصراع، وفي ما وراء ذلك، تناقش أصل التضامن بين الأمم ومصيره ومستقبله.
ليس السؤال الصعب : لماذا يكرهوننا، ولكن عكسه: لماذا سيحبوننا.
 
-----------
 
تحول الوضع السوري إلى محور لقاءات دولية لا تنتهي، وليس من المؤكد أنها ستنتهي قريبا. وبعد حقبة أولى كان التعبير عن دعم الشعب السوري والصداقة له، ضد نظامه المتوحش، محور أكثر هذه اللقاءات، أصبح اليوم تأكيد كل طرف إقليمي أو دولي مصالحه القومية على حساب الشعب السوري جوهر المفاوضات الدولية حول سورية. وتدعي دول تبعد آلاف الكيلومترات عن حدود سورية مصالح استراتيجية كبرى ومصيرية فيها. ونادرا مايسأل أي طرف من هذه الأطراف أو يتساءل عن مصالح السوريين الوطنية، أو عن معاناتهم الهائلة، ولا من باب أولى عن حقهم في تقرير مصيرهم أو تمكينهم منه.
 
لا أعتقد أن السؤال الصعب الذي تطرحه هذه المفاوضات الدولية على اقتسام جلد الحمل السوري يكمن في معرفة لماذا لا تتردد الدول في سحق شعب واستباحة حقوقه عندما تبدو لها الفرصة سانحة لذلك. فهذه هي سنة الصراع بين الأمم منذ أقدم العصور. السؤال الأهم والذي يساعدنا على توسيع مداركنا حول ما يجري حولنا وفي العالم هو السؤال المعاكس : ما الذي يحفز دولا، قادرة ولديها القوة للتوسع وزيادة مواردها ومصالحها، أن لا تفعل ذلك على حساب الشعوب الضعيفة أو المنكوبة؟ والأكثر اهمية سؤال : ما الذي يدفع بعض الدول القوية إلى تقديم العون لشعوب زلت قدمها أو اعتدي عليها، من قوى داخلية او خارجية، إلى الشعور بالمسؤولية تجاهها، وبذل الجهد لمساعدتها للخروج من نزاعات داخلية او خارجية مدمرة، حتى لو اضطرها الامر أحيانا لمواجهة دول طامعة فيها ومصممة على احتلالها أو الفتك بشعبها؟ باختصار ما الذي جعل السوريين يراهنون على التدخل الانساني الدولي الذي لم يحصل، ويعتقدون، اليوم، بحقهم في إدانة المجتمع الدولي الذي قصر في حقهم لانه لم يبادر إلى نجدتهم ووقف عمليات القتل المنظم واعمال الابادة الجماعية والتهجير القسري الذي مورس بحقهم، ومن أين ياتي هذا الحق، وهل يمكن المراهنة بالفعل على التضامن الدولي في المستقبل، وما الخيار إذا لم يعد لهذا التضامن أسس قوية او نوابض حقيقية؟
 
تدخل هذه التساؤلات في إطار البحث في موضوع المجتمع الدولي من حيث هو مجال منظم نجحت فيه الدول والمجتمعات في أن تخضع سلوك الدول المكونة للمجموعة الدولية إلى قواعد وقوانين وقيم أخلاقية تساهم في ضبط ديناميات القوة التي تتحكم في النظام الدولى من حيث هو توازنات للقوى، حتى لا يظل محكوما بقانون الغاب الذي يأكل فيها القوي الضعيف، من دون تردد ولا رحمة. وهي تبطن امكانية التوفيق، إلى هذا الحد او ذاك، بين السياسة التي توجهها المصالح الخاصة أو الوطنية، والأخلاق التي تطمح إلى وضع حدود لاستخدام القوة، لغاية الحفاظ على المجتمع الدولي وضمان التعايش بين شعوبه ومجتمعاته القوية والضعيفة. وهو ما نجم عنه مفهوم المجتمع الدولي الذي يشير إلى فضاء دولي منظم حسب قواعد ومباديء لا حقل صيد مفتوح من دون حدود لمن يملك القوة. وهذا هو أساس قيام النظام المجتمعي أيضا.
 
١
 
ولد المجتمع الدولي القائم، كما تمثله مواثيق الأمم المتحدة ومنظماتها، والذي نشهد كل يوم تراجع صدقيته وتفكك بنيانه، من رحم الحرب العالمية الثانية. وكان الدافع إليه مشاعر الأسى التي نجمت عن الكارثة الانسانية التي خلفتها حربان عالميتان دمرتا حياة عشرات ملايين البشر في القارة العجوز وخارجها، وزرعتا الخراب في اوروبا ومحيطها وقسم كبير من آسيا التي دخلت في الحرب أو ادخلت فيها. فقد نشأت عن هذا الخراب، وبسببه، إرادة قوية لدى النخب السياسية والرأي العام الغربي لوضع حد لهذه الحروب التي كانت جميعها حروبا استعمارية محورها الصراع على تقاسم مناطق العالم من قبل الدول الأكثر تقدما صناعيا وعسكريا وحضاريا في أوروبا وآسيا والأمريكيتان. وهكذا اقرت الدول الخارجة من الحرب إقامة منظومة من المؤسسات والقواعد والأعراف تضبط سلوك الدول وتهدف، كما ينص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة، إلى ضمان السلم العالمي وحل النزاعات بالوسائل السياسية. وحلت منظمة الامم المتحدة محل عصبة الأمم القديمة التي سقطت في الحرب وبسببها بمقدار ما أظهرت عجزها عن بناء التفاهم بين الدول والمساعدة في حل النزاعات فيما بينها قبل ان تتفجر في حروب دموية وانتحارية.
 
لم يكن التوقيع على اتفاقية دولية تجربة جديدة في العلاقات الدولية، حتى بالنسبة للغرب الذي تحول، منذ القرن السابع عشر، بما كان يشهده من تحولات علمية وسياسية وعسكرية واقتصادية جديدة ومجددة، إلى أهم مسرح لحركة التاريخ العالمي، في الوقت الذي بقيت فيها المدنيات الكبرى القائمة في آسيا والشرق الأوسط تكرر نفسها. فقد سبقتها اتفاقات ويستفاليا التي أنهت دورة حروب قارية طويلة عصفت بأوروبا في القرن المذكور ذاته. وقامت حقبة السلم التي أعقبت التوقيع عليها على وضع حد لمبدأ التوسع الاقليمي، بصرف النظر عن الذرائع، دينية أو ثقافية أو استراتيجية، والاعتراف بالحدود القائمة للدول كحدود نهائية. وكان ذلك أول محاولة لوقف العمل بما كان يسمى حق الفتح الذي ساد خلال القرون السابقة، وفي كل القارات، حيث لا يرسم حدود الدولة إلا قوة سلاحها وعزم مقاتليها، والذي تأسس عليه قيام الامبرطوريات والسلطنات الكبرى والاعتراف بها في جميع انحاء العالم. وحل محل حق الفتح اقرار مبدأ سيادة الدولة التي تشكل المقوم المعنوي والسياسي الأول لها اليوم، واعتبار المساس بهذه السيادة تقويضا لوجودها، وخرقا للاعتراف المتبادل بمساواة الشعوب في حقوق الحماية والاستقلال والحفاظ على هويتها ومواردها ووجودها. ولم يعد يعترف بالدولة ناقصة السيادة كدولة وإنما بوصفها مستعمرة او محمية أو إمارة.
 
لكن اتفاقيات ويستفاليا التي يعتبرها علماء العلاقات الدولية احد الاركان المؤسسة للدولة القومية وللنظام العالمي الحديث، لم تحترم كثيرا بعد توقيعها. وكما يحصل اليوم في منظومتنا الاممية، عادت الدول الأقوى في القرون التالية إلى استخدام تفوقها الاستراتيجي والعسكري من أجل فرض خياراتها على العالم او على الدول القريبة منها. وشنت الحروب بالوكالة من اجل إضعاف هذه الدولة او تقسيم تلك، او قطع الطريق على هذا الشعب او ذاك على استكمال تحرره الوطني وممارسة حقوقه التي تعترف له بها المواثيق الدولية. ومع ذلك استمر درء الحروب، والحفاظ على السلم العالمي الدافع الرئيسي لاتفاقيات دولية متجددة والمبرر لها، وبموازاتها عرف القانون الدولي تطورات مهمة في اتجاه إخضاع العلاقات بين الدول لقوانين وأعراف وقواعد تحمي الضعيف من القوى، وتشيع مناخا من الامن والسلام العالميين بين الشعوب التي تعيش في ظلها.
 
كانت فترات الحروب الطويلة تنتهي دائما بمعاهدات سلام مشابهة لتلك التي وقعتها دول اوروبا والعالم بعد الحربين العالميتين، وبترتيبات قانونية ضرورية من أجل توطيد الأمن وإعادة إعمار المناطق المنكوبة وحفظ حياة ما تبقى من سكانها قبل العودة من جديد، في حقبة تالية، إلى جدلية الحرب والنزاع : في الماضي، لتوسيع رقعة أراضي الملك او السلطان، وبالتالي تعظيم قوته وقدراته العسكرية مد حدود الامبرطورية، وفي الحاضر للهيمنة الاقليمية أو الدولية التي تترجم، تماما كما كان الأمر في حروب التوسع الامبرطورية، بتحقيق فوائد ومنافع وأفضليات اقتصادية واستراتيجية، تعزز موقف الدولة وموقعها في المنظومة الدولية، وبالتالي نصيبها من التحكم في الموارد العالمية والسياسات الدولية التي تمس مصير المعمورة بأكملها.
 
ما ميز معاهدة سلام ما بعد الحرب العالمية الثانية التي نشأت على أساسها منظمة الامم المتحدة عن سابقاتها ليس الهدف وإنما أمران : الاول طموحها إلى جعل معاهدة السلام الأوروبية الأمريكية اليابانية معاهدة دولية مفتوحة تشمل جميع الدول، تلك التي دخلت الحرب وتلك التي لم تدخلها، والدول القائمة بالفعل وتلك التي سوف تقوم في ما بعد، أي نزوعها العالمي. والثانية ضمان تطبيقها من خلال آليات ومؤسسات تعمل في اتجاهين : تعزيز التقارب بين الدول على الصعد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ثم إرساء قواعد تضمن ضبط القوة وتقييدها بقوانين ومواثيق، والحيلولة دون استخدامها بغير حق وخارج القانون الدولي، والتشجيع على حل النزاعات بالوسائل السياسية. وهذا ما تشير إليه تعددية مؤسسات الامم المتحدة المتخصصة في الشؤون الثقافية والاجتماعية والقانونية والانسانية، وكذلك الدور المركزي الذي يلعبه مجلس الامن، الذي احتفظت الدول المنتصرة في الحرب باحتكار الحق في تعطيل أعماله إذا لم تتطابق قراراته مع مصالحها.
 
بعد أقل من سبعة عقود تبدو تجربة معاهدة سلام الامم المتحدة، التي أرادت ان تكون أكثر شمولا وفاعلية، أكثر تخييبا للآمال من سابقاتها. فقد أدى التعطيل المنهجي لمجلس الامن، وهو المؤسسة السياسية الرئيسية للمنظمة، إلى القضاء نهائيا على مفهوم حكم القانون في العلاقات بين الدول. وتكاد هيئاتها القيادية لا تخفي إفلاسها وفشلها في ايجاد حل سياسي وسلمي لمعظم النزاعات القائمة. والسبب واضح : إذا كانت المنظمة الدولية قد أقرت حكم القانون بين الدول، وجسدته بمعاهدات تفصيلية يبقى السؤال : ما الذي يضمن تطبيق القانون نفسه، أو كما نستخدم بالنسبة للدولة، سيادة القانون، في العلاقات الدولية؟ لا شيء بتاتا سوى إرادة الدول الأقوى، منفردة أو متكتلة والنخب الحاكمة. فهي تملك وحدها امكانية تطبيقه من عدمه. غياب القوة لتطبيق القانون بشكل مستقل عن أصحاب العلاقة، قوض معنى القانون الدولي تماما. ولم يكن هذا أكثر وضوحا مما هو عليه اليوم.
 
ما من شك في أن وراء تطلع نخب ما بعد الحرب الثانية إلى إنشاء منظمة ترعى سلاما عالميا ودائما كما تنص مواثيق الامم المتحدة كانت تكمن ثقافة الأنوار التي أحيتها كوارث الحرب العالمية الأولى والثانية. وهي ثقافة كونية أو إنسانية تقدم قيم كرامة الفرد وحريته من حيث هو إنسان، على حساب قيم التعصب القومي والتفوق العرقي أو الحضاري، التي سيطرت على المجتمعات السياسية وشجعت على إشعال نار الحروب، في عموم دول القارة الأوروبية. وكانت هذه الثقافة قد نمت في سياق ترشيح شعوب اوروبا نفسها لقيادة العالم منذ القرن الثامن عشر، بعد أن أسست لفكر الحقوق الفردية والأخلاق المدنية. والحال أن تراجع أثر هذه الثقافة لدى النخب الحاكمة في عموم البلاد أو أكثرها، بموازاة تفاقم التناقضات ونزاع المصالح وزيادة التحديات مع فشل مشاريع التنمية والاستقلال لدى الدول الجديدة التي ولدت من عملية انحسار الموجة الاستعمارية، وفشل العولمة، وتنامي مخاوف الغرب على استقراره وقيادته العالمية، قد أعطى دفعا قويا لعودة ثقافة التفوق العرقي والثقافي والتمييز ضد الشعوب والأمم الضعيفة وعلى رأسها العرب والمسلمين عموما. وأكثر فأكثر يتفاقم الاعتقاد في الدول الغنية بأن الشعوب أو الأمم ليست متساوية، وأن هناك الصالحة للمدنية منها والأخرى التي يحسن تهميشها وتحييدها، أو أن هذا الشعب متخلف لا يرقى الى مستوى ممارسة قيم الحق والقانون والحرية والكرامة، او همجي لا يصلح معه الحل السلمي والحوار ولا يمكن التعامل معه إلا بالقوة والعنف. ومما لا شك فيه ان عودة هذه الثقافة على أنقاض ثقافة الأنوار العقلانية والانسانية الكونية، وتمكنها من قطاعات واسعة من النخب الحاكمة، في البلدان الديمقراطية والليبرالية العريقة التي شكلت حاضنتها الرئيسية، قد قوض الأسس الفكرية والأخلاقية التي تقوم عليها فكرة المجتمع الدولي القائم على حكم القانون والشرعية الدولية، والذي يعني تضامن القوي والضعيف في تطبيق القانون وضمان الحقوق المتساوية للدول والشعوب السيدة. لم يعد هناك حافز للتعاون على تطبيق القانون، بل إن الميل يزداد اليوم عند الدول القوية اساسا إلى التحلل من الالتزامات والعهود الدولية السابقة، كما تفعل واشنطن وروسيا اليوم، أكبر قوتين عسكريتين في العالم.
 
٢
 
بانهيار مفهوم التضامن العالمي، وهو ليس مفهوما سياسيا ولا يرتبط بالدول والحكومات فحسب، ولكن قبل ذلك وأكثر من ذلك بوعي وثقافة الرأي العام العالمي، أي بالشعوب والمجتمعات، وفي أثره تراجع فاعلية الضمير المرتبط بقيمه، لا يبقى هناك أساس يرتكز إليه احترام القانون الدولي، ومن ورائه الحافز لاحترام حق الشعوب الاخرى، ومن باب أولى الاستعداد للتضحية بأي جهد، مهما كان ضيئلا، من أجل حماية حقوق الشعوب الضعيفة. ومن الطبيعي أن يتغلب في هذه الحالة هم الحفاظ على الأمن والسلام الداخليين، الوطنيين، على هم الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين الذي كان الحافز الأول لتأسيس منظمة الامم المتحدة. وهذا هو منبع الشعبوية اليمينية المتنامية ليس في الغرب وحده وإنما في جميع الأقطار الصناعية المتقدمة.
 
وكما قاد التطلع العالمي في فترة ما بعد الحرب الثانية إلى منظومة دولية تضمن السلام والامن الدوليين، في سياق أجندة إعادة الاعمار للدول التي انهكتها الحرب إلى تخفيف القبضة عن الشعوب والأقطار المستعمرة وفتح لها نافذة كبيرة لانتزاع استقلالها وإعادة تنظيم نفسها، وفي ما وراء ذلك تغيير البنية الجيوسياسية الدولية وإعادة بناء مسرح السياسة العالمية، مع تشكيل دول قومية جديدة وتقدم بعضها إلى مصاف دول مؤثرة ومستقلة بالفعل، يقود النكوص الذي نشهده اليوم إلى الثقافة الشعبوية والخصوصوية وقيمها الأنانية والشوفينية، بل والعنصرية الفاقعة، إلى تخل كامل عن اي فكرة للتضامن العالمي، وإلى القبول بإبادة شعوب واستخدام المحارق، كما حصل في الاربعينيات من القرن الماضي، من دون اكتراث كبير من أحد. وهذا هو السقوط الأخلاقي بحد ذاته. وتقدم منطقة الشرق الاوسط وفي قلبها المحنة السورية، النموذج الأكثر تجسيدا لهذا السقوط وانهيار أخلاقيات التضامن الذي قام عليها.
 
لا تتعلق المشكلة إذن بطبائع شخصية او باشخاص "مصروعين" او مستهترين بالأعراف والقواعد المرعية والاصول، من دونالد ترامب إلى فلاديمير بوتين وكيم جونغ اون وعلي خامنئي وبشار الاسد فحسب. إنها مشكلة بنيوية أكثر عمقا ترتبط بانهيار التوازنات الدولية، وشعور الأقوياء بقوتهم التي لا رادع لها، وقدرتهم على فعل أي شيء من دون عقاب أو مساءلة، ومن غياب أي قوة أخرى يمكنها أن تثنيهم عن قراراتهم، أو تضبط أفعالهم.
 
وهذا الاختلال الكبير في موازين القوة هو الذي ينتج الجنون الدولي، ويحول "العقلاء" الى شاذين وساديين ووحوش. وهذا ما حصل بالضبط، ولا يزال يتفاقم، بعد زوال توازنات الحرب الباردة ونظام ثنائية القطبية، من دون أن يحل محله اي نظام يحفظ الحد الادنى من التوازن الدولي. أما تكتل معسكر عدم الانحياز فقد كان لانهياره أثر أكبر على مصائر المجتمع الدولي ومصير الأقطار المتوسطة والصغيرة التي تشكل أكثرية دول العالم، هي الأقطار التي تفتقر اليوم لوسائل الدفاع بل وشروط الاستقرار وربما، بالنسبة للكثير منها، البقاء في المستقبل.
 
لا أعتقد أن النتائج ستكون افضل لو حصل تفاهم بين الكبار، أمريكا والصين واوربا وروسيا، عليها. بالعكس سوف يزيد هذا التفاهم من فرص تسلط هؤلاء القادة وجنونهم، ويحولهم إلى وحوش تتقاسم فرائس سهلة، لاحول لها ولاقوة ولا معين. والواقع أن الكثير من زعماء الدول الكبرى يتصرفون منذ الان كقبضايات الحي ويتنازعون، كما كان الحال في الحقبة الاستعمارية، على اقتسام موارد المعمورة وعلى مناطق النفوذ فيها من دون خوف ولا خجل.
 
ماهو مطلوب لتغيير سلوك الدول والحكومات المستأسدة ليس الاستسلام لها والانجراف وراءها كما تفعل اكثرية الاقطار الصغيرة، ولا مواجهتها الانتحارية. إنه تماما عكس ما فعلته ايران الخمينية في السنوات العشر الماضية. بدل السعي إلى تقليد الدول الكبرى ومواجهة ضغوطها القوية بالفتك بالدول الصغيرة والعودة إلى التقاليد الاستعمارية البالية للاستفادة من مواردها وسلبها حقوقها وثرواتها ومواقعها الاستراتيجية، ينبغي العمل بالعكس على امتصاص التوترات وتطوير العلاقات واشكال التضامن بينها، ولم شملها في سبيل اعادة بناء قطب عالمي قوي ثان، يوازن قطب الدول القوية والغنية الذي هو في طريقه للتكون بصرف النظر عن الايديولوجيات السائدة، كما برز في المحنة السورية، وكان احد أقوى أسبابها، قطب ثان يحل محل كتلة عدم الانحياز البائدة، يحمي مصالح الدول الصغيرة والمتوسطة، ويحد من تغول القوة على القانون والحق. ولا يمكن تحقيق ذلك الا ببناء روح التضامن المعدومة بينها، وبناء قواعد الدعم المتبادل، والتقريب بين وجهات النظر، وحل الخلافات التي تفرق صفوفها. وهذا يحتاج الى تطوير ثقافة مافوق قومية، أو عالمية إنسانية جديدة، وتجديد المهمل والمتهالك من قيمها، وتظهير وحدة المصالح ووشائج القربى وحوافز التعاون والتكافل بين الشعوب الضعيفة والمستضعفة، وتوسيع دائرة التبادل الثقافي والاقتصادي والاجتماعي وتنشيط الحوار بين نخبها، في سبيل إنشاء فضاء حي وفاعل، مواز لفضاءات الدول الكبرى المهيمنة على الاقتصاد والسياسة والقانون والفكر في العالم.
https://www.alaraby.co.uk/opinion/2018/7/17/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B6%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-1