العالم العربي بين خيارين

2003-10-02:: الاتحاد

ترجمة :
لم يكرس أي حدث في العقود القليلة الماضية تهافت النظام العربي ويعلن إفلاسه بقدر ما فعل سقوط بغداد قبل حوالي ستة اشهر وما تبعه من احتلال العراق من قبل قوات التحالف الأمريكية البريطانية. وليس المقصود بالنظام العربي هنا نظام التعاون بين الدول العربية فحسب ولكن أيضا صيغة التنظيم العام وتوازنات القوى والمصالح التي سادت داخل الدول والمجتمعات العربية منذ حقبة ما بعد الاستقلال. ولم يعد هناك شك اليوم في أن هذه الصيغة بتنويعاتها المختلفة، الأبوية والبيرقراطية، قد أظهرت فشلها في تعبئة طاقات الشعوب العربية والارتقاء بها إلى مستوى من التكوين السياسي والأخلاقي والمهني يسمح لها بالتفاعل الايجابي مع عصرها وبالرد الناجع على التحديات التي تواجهها، سواء ما تعلق منها بحماية الاستقلال والسيادة أو بتحسين شروط الحياة المادية والمعنوية أو مكافحة الأمراض التاريخية الخطيرة التي كانت حركات الاستقلال تلخصها بالفقر والجهل والمرض لتستقي مشروعية كفاحها ضد الحكم الأجنبي واستحقاقها لإقامة دول مستقلة ذات سيادة. ولعل السبب الرئيسي لفشل هذه الصيغ التنظيمية السياسية والاقتصادية والإدارية التي اتبعتها المجتمعات العربية في نصف القرن الماضي هو قصورها عن خلق علاقات تواصل وتعاون ايجابي بين الافراد داخل المجتمعات وتشجيعها المباشر أو غير المباشر على تعميم الفساد والعجز وانعدام الثقة والانقسام الطبقي والمذهبي والاجتماعي معا.
في هذا الفشل، والإفلاس الذي نشأ عنه، يكمن المفتاح الحقيقي لفهم ما يعيشه العالم العربي اليوم من فوضى. فليست الفوضى في نهاية المطاف سوى النتيجة الطبيعية لانهيار القواعد والأسس التي بني عليها تنظيم المجتمعات خلال القرن الماضي، من دون أن تنشأ في مقابل ذلك قواعد جديدة، وقبل أن تتبلور في مواجهة اانهيار القواعد والمباديء القديمة قواعد ومباديء وقيم، وبالتالي قوى مجتمعية جديدة تساهم في بناء نظام بديل. ولذلك لن تجد الفوضى أي عائق يحول دون تعميمها وانتشارها. فهي اليوم فوضى نظرية تتجلى في التخبط الفكري والعقائدي الذي يعيشه الرأي العام العربي بصرف النظر عن اختلاف تياراته العقائدية. وهي فوضى دينية تظهر عبر التاويلات والصراعات والاجتهادات المتناقضة والمختلفة التي تتقاذف الجماعات الدينية. وفوضى سياسية تبرزها التوترات والصراعات والنزاعات، بل الحروب الأهلية وتنامي العنف، من دون أن تكون هناك آليات معروفة ومقبولة لامتصاص الصدمات وتسهيل التوصل إلى تسويات مقبولة بين المصالح والجماعات المتنازعة. ونحن نفتقر بشكل جلي لقواعد واضحة ومقبولة اليوم لممارسة السلطة والتعاقب على الحكم كما نفتقر إلى الثقافة السياسية العصرية. وبدل السعي لزيادة المشاركة وتوسيع دائرة تحمل المسؤوليات العمومية استمرأت النخب العربية اللجوء السهل إلى وسائل القمع والعزل والاستبعاد والمناورة السياسية. وتعيش مجتمعاتنا أيضا فوضى اقتصادية يعكسها التفسخ المتزايد في قطاعاتنا العامة وتشوه قطاعاتنا الخاصة وتعثر نموها وسيطرة روح المضاربة على جميع نشاطات مجتمعاتنا الانتاجية. فنحن لا نفتقر إلى خطة وسياسات اقتصادية ناجعة وفعالة فحسب ولكن، أكثر من ذلك، إلى آفاق تنمية اقتصادية فعلية قائمة على أسس إقتصادية سليمة وعصرية وقادرة على التفاعل مع المعايير الدولية للانتاج والاقتصاد العام. وفوضى استراتيجية يعكسها تهافت وزن العرب العسكري وتقهقر مواقعهم الاقليمية والعالمية في مواجهة الدولة الاسرائيلية وسياستها الاستيطانية التوسعية وفي مواجهة الضغوط الخارجية العسكرية والسياسية. وفي ما وراء ذلك كله نعاني من الافتقار لأي مخطط او جدول أعمال زمني، على المستوى الوطني أو الجماعي، لمواجهة جميع هذه التحديات الخارجية الخطيرة التي تؤرقنا. وليس من المبالغة القول إننا نشهد اليوم أمام أعيننا عملية تشييد إسرائيل ثانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جانب إسرائيل عام 1948 من دون أن تكون لدينا أي خيارات للحد منها أو لوقفها. و نحن نعيش أخيرا فوضى في العلاقات بين البلدان العربية. فلم يعد للجامعة العربية دور واضح تقوم به ولا قدرة على التدخل الناجع لوقف تدهور الموقف العربي، وتكاد تفقد اجتماعات مجالسها الدورية أي صدقية. ولا احد يدري بالفعل كيف لا تزال مستمرة.
في مواجهة هذه الفوضى الزاحفة والمدمرة للحياة الاجتماعية، الأخلاقية والقانونية والاقتصادية معا، والناجمة هي نفسها عن غياب أي معايير واضحة تحكم سلوك الجماعات ونشاطاتها، لا تقف المجتمعات مكتوفة الأيدي. وقد اتخذت مقاومة المجتمعات العربية لهذه الفوضى وآثارها الخطيرة أشكالا متعددة. فنشأت في معظم المجتمعات العربية منذ السبعينات حركات اجتماعية وسياسية داخلية باسماء وبايديولوجيات مختلفة هدفها الحد من الطغيان : طغيان الدولة وطغيان الحزب وطغيان الطبقة وطغيان العشيرة وطغيان الطائفة وطغيان العائلة. لكن معظمها قد أخفق في تحقيق أهدافه بسبب التحالف الموضوعي وأحيانا الذاتي بين النخب الحاكمة والقوى الكبرى ذات المصالح الحيوية في المنطقة الشرق أوسطية. وينبغي أن نعترف بأن المجتمعات العربية فشلت فعلا في العقدين الماضيين الذين شهدا انهيار النظم الشمولية في كل مكان واستبدالها بنظم ديمقراطية ان تنتج أي نمط من أنماط الحكم التعددي أو تحدث ثغرة فعلية في نظام السيطرة المطلقة أو الاستبدادية. وهو ما مهد الطريق لتوسيع دائرة التدخل الأجنبي وفي المقابل إلى تنامي تيارات المقاومة الوطنية أو الدينية التي لا ترى من معادلة التحول العربي سوى قضية الاعتداءات الخارجية. وهكذا سوف تتصاعد التوترات الداخلية بموازاة تفاقم الفوضى الناجمة عن فساد النخب وتفاقم الضغوط الأجنبية. وبدل المقاومة السياسية والسلمية التي تبنتها قوى التغيير العربية في الثمانينات وما ارتبط بها من مبادرات للتسوية السياسية للنزاعات الاقليمية، سوف تشهد المنطقة انفجارا لا حدود له للعنف وتتحول القنبلة البشرية إلى السلاح الأمضى في يد الشعوب العربية الملوعة بالاحتلال والاستبداد في الوقت نفسه. وهذا يعكس من دون شك الصعوبة القصوى التي تواجهها قوى التغيير في تحقيق أي إنجاز أو فرض الاصلاح أو التغيير، والتطابق المتزايد في الوعي العام بين المعركة الداخلية والخارجية.
إن جوهر ما تعيشه المنطقة العربية هو اليوم بالفعل إعادة تشكيل الواقع العربي الوطني والاقليمي بالمعنى العميق للكلمة. وما نشهده من صراعات ومعارك وعنف منفلت هو ثمرة التنافس المفتوح على تحديد جدول أعمال إعادة التشكيل هذه بين مشروعين متناقضين كل التناقض: مشروع خارجي يريد إعادة ترتيب الوضع العربي الوطني والإقليمي من وجهة نظر مصالح نظام الهيمنة الدولي وفي سبيل تكريس هذه المصالح، ونمط الهيمنة المرتبطة بها، ومشروع تغيير داخلي يطمح إلى قطع الطريق على إرادة تكريس التدخل الأجنبي الدائم والشامل لحقبة طويلة قادمة وإرساء أسس نظام عربي وطني وإقليمي يستجيب إلى مصالح الأغلبية الساحقة من سكان المنطقة وشعوبها. وبينما يراهن مشروع التغيير الخارجي على القوة العسكرية والاستراتيجية الضاربة للولايات المتحدة وإسرائيل والنفوذ التاريخي للدول الصناعية الكبرى في الشرق الأوسط وتدعمه فئات كبيرة من رجال الأعمال المرتبطين بالخارج، يعتمد مشروع التغيير الداخلي على قوى وعناصر وجماعات متباينة من قطاعات الرأي والسياسيين والمثقفين لا تزال مشتتة إلى حد كبير. وهي مضطرة في أغلب الأحيان إلى أن تخوض معارك مركبة ضد قوات الاحتلال ونظم الطغيان المحلية وفئات المصالح الخاصة التي ترفض التسليم بأي قاعدة اجتماعية أو قانون. أما النخب الحاكمة فهي لا تزال، في العديد من المواقع والحالات، مترددة بين التحالف مع القوى الأجنبية والانخراط في مشروع التغيير الخارجي، الذي يؤمن لها السيطرة لحقبة جديدة قادمة على الأسس ذاتها التي ضمنت لها بقائها في السابق، أو الوقوف في وجهها والتمسك بخط وطني أو نصف وطني يبقيها على صلة مع جمهورها المحلي. بيد أن هذه النخب، أقصد تلك التي تخشى التسليم بالأمر الواقع والانحياز الكامل للمشروع الخارجي، لا تزال ترفض في الوقت نفسه أي انحياز لصالح مشروع التغيير الداخلي. وكثيرا ما تغطي على شللها أو خوفها من الحركة بالحديث المكرور عن رفض الرديكالية وتبني خط معتدل ومتدرج أي آمن للتغيير.
والنتيجة أن الدولة والنخب المسيطرة عليها تكاد تكون محيدة في معركة الاختيار الحاسمة الدائرة اليوم على اتساع المنطقة العربية بين مشروع إعادة صوغ المنطقة من وجهة مصالح الدول الأجنبية، وفي مقدمها إسرائيل، أو إخضاعها لمصالح الشعوب العربية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي يستبسل في الدفاع عن مواقعه أمام موجة الاستعمار الاستيطاني الزاحف في فلسطين ما بعد 1948. وهذا ما يفسر أننا لا نزال بعيدين عن بلورة خط إصلاح واضح ومقاومة ايجابية قوية ومتسقة وقادرة على اعادة تشكيل الاوضاع العربية من داخل المجتمعات العربية نفسها.
وإذا استمر الوضع على ما هو عليه ولم تنجح قوى الاصلاح الديمقراطية في تجاوز تشتتها وفي كسب جزء على الأقل من النخب الحاكمة لصف التغيبر العربي، فسيكون من الصعب حسم معركة الخيار في السنوات القليلة القادمة. وسوف يكون ثمن استمرار الصراع، من دون أفق واضح للتغيير، تفاقم الفوضى العربية مع تنامي حظوظ المشروع الخارجي لفرض نفسه على المجتمعات العربية، نخبا حاكمة ومعارضات ومجتمعات معا. ومن النافل القول أنه سيكون من الصعب علينا أن نوقف سيل الضغوط الأجنبية علينا من دون أن ننجح في بلورة مشروع التغيير الداخلي العربي، الوطني والإقليمي، من حيث هو رؤية فكرية وسياسية واضحة ومن حيث هو قوة منظمة وواسعة الانتشار قادرة على قيادة عملية تحويل حقيقي للعالم العربي في اتجاه تحرير المجتمعات من العوائق الفكرية والسياسية والاقتصادية والقانونية التي تكبلها وتشل نشاطها وتفاعل أبنائها، أي في اتجاه التنمية النشطة والديمقراطية واحترام الإنسان.