الصراع على المشرق العربي أو نحو سايكس بيكو جديدة

2003-03-23:: الوطن

ترجمة :

 

تعتقد الولايات المتحدة التي تعيش منذ زوال الحرب الباردة في حلم القيادة العالمية وتتصرف بمقتضى هذه القيادة الموكلة إليها تلقائيا، أو التي تفكر أنها موكلة إليها بحكم التفوق الساحق في الدور والقوة، أقول تعتقد أنها لا تقوم، عندما تعد للحرب ضد العراق، بشيء آخر سوى تنفيذ استراتيجية تضمن تفوق الغرب وانتصاره في جميع المعارك التي ما يزال يواجهها مع العالم العربي والإسلامي. وأول هذه المعارك التي تعكس التناقض في المصالح هي من دون شك السيطرة على الاحتياطات النفطية التي تقع بالصدفة الجغرافية المحضة في البقاع العربية والخليجية منها بشكل خاص، ومن غير الممكن ولا المقبول، كما يعتقد الأمريكيون، ترك هذه المصادر التي تشكل أهم مورد للطاقة العضوية في العقود المقبلة، بتصرف العرب، وهم مجتمعات غير صناعية ومتأخرة في الثقافة والعقلية وأهم من ذلك معادين للحضارة والثقافة الغربية، ولا السماح لهم بالتحكم بتجارتها واستخدام مكافئاتها الاستراتيجية. وثاني هذه المعارك وميادين المواجهة القائمة بشكل حاد منذ أكثر من نصف قرن هي المعركة على توطين إسرائيل بصورة شرعية ونهائية، أي في الواقع وفي المنظورات الغربية، إيجاد حل مقبول وأخلاقي من وجهة نظر الغرب للمسألة اليهودية التي كانت وراء أكبر سقطة أخلاقية عرفتها المجتمعات الغربية الحديثة. وثالث هذه المعارك هي ما أسميه بالحرب الثقافية التي لا تهدف في تصور الغرب إلى شيء آخر في الواقع سوى التغلب النهائي على ما يعتقدون أنه مشاعر العداء الفكري والروحي المتأصل عند العرب والمسلمين لهم وللحضارة الغربية وما يفرزه هذا العداء من حركات معارضة واحتجاج تحولت في العقدين الأخيرين إلى حركات إرهاب دولية. فالولايات المتحدة مثلها مثل بقية المجتمعات الغربية تعتقد أن الإرهاب الدولي الذي تعرضت له في سبتمبر من عام 2001م ليس إلا التعبير عن العداء الثقافي الذي يكنه العرب والمسلمون للغرب لا بسبب سياسات الغرب العملية وإنما بسبب طبيعة الثقافة العربية والإسلامية التعصبية الدينية والقرسطوية العدوانية.
ولعل هذا الاعتقاد القوي بأن الولايات المتحدة لا تقوم في النهاية إلا بخدمة هذه الأهداف الغربية الاستراتيجية هو الذي يفسر عجز الأمريكيين عن فهم الموقف الأوروبي والفرنسي بشكل خاص. وهو الذي يدفعهم إلى النظر إليه كما لو كان موقف مناكفة وتخريب لا باعث له سوى حب الزعامة والصدارة الفرنسية. فالأوروبيون لا يدافعون في نظر الأمريكيين عن استراتيجية مختلفة لمواجهة النزاعات المعترف بها، استراتيجية لها منطقها والحد الأدنى من العقلانية، ولكنهم يسعون فحسب إلى التخريب على الاستراتيجية الأمريكية الوحيدة الصحيحة والموجودة بسبب غرورهم ورفضهم القيادة الأمريكية أو بسبب حساسيتهم تجاه الاعتراف بهذه القيادة. وعندما يصر الأمريكيون على أن الحرب ستقوم بصرف النظر عن قرار مجلس الأمن وسواء وافقت أوروبا أو لا فهم يعتقدون أيضا أنهم في هذه الدائرة بالذات، أي في دائرة مجلس الأمن، لا تتعلق المسألة بخوض معركة الغرب ضد العالم العربي والإسلامي المتمرد عليه ولكنهم يخوضون معركة القيادة الأمريكية بالمعنى المحدد للكلمة.

وهم مستعدون في سبيل تأكيد هذه القيادة لدفع كل الأثمان بما في ذلك تكسير التحالف الغربي أو التهديد بتكسيره وربما تحطيم الحلف الأطلسي نفسه. فما الخطأ ـ يعتقد الأمريكيون ـ في انتزاع حق التحكم بمصادر الطاقة الدولية من أيدي الدول العربية، وهي مصادر يتوقف عليها مصير الغرب الصناعي كله بينما لا يحتاجها العرب إلا في سبيل البذخ وتكديس السلاح وتدعيم أنظمة القمع والاضطهاد وفي تمويل الإرهاب العالمي؟ وما الخطأ في حرب تزيل أكبر الأنظمة السياسية استبدادا وجورا واستبداله بنظام ديمقراطي تحت إشراف الإدارة الأمريكية وكذلك في تغيير الأنظمة العربية والقرسطوية الأخرى بما ينسجم مع معايير الحياة السياسية العصرية؟ وما هو الخطأ في أن تعزز الحرب موقف إسرائيل وتضمن تفوقها والحفاظ على أمنها واستقرارها وازدهارها في مواجهة عالم عربي وإسلامي بقي معاد لها وغير قابل بوجودها على أراضيه بسبب اختلافها في الهوية وارتباطها بالغرب؟ وما الخطأ في حرب تظهر قوة الغرب وتصميمه وإرادته وتفوقه التقني في وجه عالم عربي وإسلامي لا يكف عن الاعتراض والتشكي والاحتجاج وبالتالي في قطع طريق الإرهاب وتجفيف ينابيعه في مصدره الأصلي؟
يعتقد الرأي العام الأمريكي أن الولايات المتحدة لا تخوض حربا خاصة وإنما هي تقود الحرب المشتركة ضد مصادر الخطر المتعددة التي يواجهها الغرب والدول الصناعية عموما في بداية القرن الثالث. وربما كان العامل الذي فت بشكل أكبر في عضد القرار الأمريكي بالحرب وزعزع إرادة الإدارة الأمريكية القارعة لطبولها هو التظاهرات الهائلة التي قامت في الدول الأوروبية وبشكل خاص في تلك الدول التي أعلنت تأييدها للخطط الأمريكية في روما ومدريد وبريطانيا. فقد جاءت هذه التظاهرات لتصدم الوعي الأمريكي الذي كان يعتقد بقوة أنه يعمل لمصلحة الغرب وأنه حتى لو وقف بعض القادة الغربيين ضد السياسة الأمريكية لمصالح انتهازية سياسية إلا أن الرأي العام الغربي متطابق تماما مع أهداف الاستراتيجية الأمريكية.
ومما يزيد من صدمة الأمريكيين ما بدأت بعض الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن تعلن عنه من احتمال استخدامها لحق النقض من أجل منع الولايات المتحدة من إضفاء الشرعية القانونية على حربها الشرق أوسطية. فلم يكن يخطر لحظة في ذهن القيادة الأمريكية مثلا أنه من الممكن لدولة غربية، ومن باب أولى لدولة لها حق النقض في مجلس الأمن مثل فرنسا، أن تقف في موقف معارض لها وأن تهدد أكثر من ذلك باحتمال استخدام هذا الحق لمنعها من تحقيق أهدافها. وهذا هو الوضع الجديد الذي نشأ مع تطور عملية الإعداد السياسي للحرب وأصبح يفرض على الصحافة والمراقبين السياسيين الحديث عن أخطاء ارتكبت من قبل القيادة الأمريكية في هذه المسألة. لكن التفكير بالأخطاء التي ارتكبت لا يمنع أن يظهر الموقف الفرنسي في مرآة الرأي العام الأمريكي بمظهر الخيانة للحلف الغربي بأجمعه. وليس هناك أمل للتساهل معه أو صرف النظر عنه. ومنذ الآن يبدو أن فرنسا ذهبت في نظر الأمريكيين بعيدا في تحديها للإرادة الأمريكية. وما لم تضع باريس حدا لسياساتها التخريبية وترجع إلى الواقع والحقيقة وتمتنع عن استخدام حق النقض فسوف يكون عليها في نظر الأمريكيين أن تدفع الثمن غاليا في جميع الميادين وسوف تكون أوروبا نفسها في دائرة التهديد الأمريكي.

ليس هذا هو منظور الحرب في مرآة الرأي العام الأوروبي الذي تظاهر بقوة وبأعداد غير مسبوقة للتعبير عن رفضه للحرب الذي تقول استقصاءات الرأي العام أن 80% منه لا يريد الحرب. ولعل أهم ما يثير حساسية الأوروبيين واحتجاجهم هو بالضبط هذا الدور القيادي الذي اختارته الإدارة الأمريكية بنفسها لنفسها والتفسير الخاص جدا لمفهوم هذه القيادة التي تبدو في الممارسة أقرب إلى فرض الأمر الواقع وطلب الإذعان منه إلى التعبير عن إرادة واعية في بلورة جدول أعمال واحد والقيام بمبادرات مشتركة. إن الأوروبيين يرون في الحرب الأمريكية الثانية على العراق محاولة لتأكيد إرادة الانفراد بالسلطة والسيادة العالمية من قبل الولايات المتحدة وبالتالي لفرض نموذج نظام القطبية الأحادية بدل نظام التعددية القطبية أكثر مما يرون فيها وسيلة لكف يد العرب عن التلاعب بمصادر الطاقة الدولية أو تأمين إسرائيل على سلامتها وحسم المسألة اليهودية أو تغيير المناخ السياسي والعقائدي والديني السائد في المنطقة العربية الإسلامية وإزالة العداء التاريخي المستفحل عند العرب والمسلمين للغرب. لا بل إن الأوروبيين يرون أن ما يبدو وكأنه حسم لمعركة النفط لمصلحة الغرب والدول الصناعية ليس هو في الواقع إلا حسم لها لمصلحة سيطرة الولايات المتحدة المنفرد بأهم مصادر الطاقة العالمية وتحكمها بها لاستخدامها في الضغط على الدول والتكتلات الدولية وإجبارها على تقديم تنازلات تجارية واستراتيجية لواشنطن. وبالمثل فإن حل الصراع العربي الإسرائيلي لمصلحة إسرائيل كبرى متوسعة جغرافيا ومتفوقة بشكل حاسم عسكريا على جميع دول المنطقة لا يهدف إلا إلى إلحاق إسرائيل وقوتها العسكرية كليا بالمخططات الأمريكية وإلى جعلها أسيرة الاستراتيجيات التي لا تخدم سوى مصلحة الإدارات الأمريكية. أما تغيير الأنظمة السياسية والثقافية والدينية في المنطقة العربية لمصلحة أنظمة أكثر انسجاما مع حاجات التفاهم مع الغرب والخضوع له فهو يدل على جهل بالوقائع الشرق أوسطية، يدفع الأمريكيين إلى التفكير بتعميم نموذج الغرب في البلاد العربية والإسلامية. ولا يمكن لمثل هذا المشروع إلا أن يفشل ولن تكون له نتائج أخرى غير زعزعة استقرار المنطقة بأكثر مما هي عليه اليوم وبالتالي زيادة المخاطر التي تتعرض إليها وسوف تتعرض إليها أوروبا القريبة من الحدود العربية.
ما هي الحقيقة؟
الحقيقة أن الطرفين على حق تماما لكن كل من وجهة نظر مصالحه الخاصة. فالولايات المتحدة تهدف من الحرب ضد العراق إلى تغيير الواقع العربي والإسلامي بما ينسجم مع حاجات وتوقعات الغرب من حيث المصلحة الاقتصادية والاستراتيجية والثقافية والسياسية. فإعادة العالم العربي والإسلامي إلى وزنه الحقيقي وتأكيد وضعه الطبيعي كمنطقة نفوذ غربية في مواجهة الأزمة المفتوحة التي يعيشها والتي لا يعرف أحد عما يمكن أن تسفر عنه إذا استمرت دون حسم، مع تزايد مطالب الاستقلال عن الغرب والتحرر من سطوته الفكرية والسياسية. وهي في ذلك تخدم التحالف الغربي بأكمله ولا تسعى لخدمة المصلحة الأمريكية المحضة. لا بل إن هناك من يعتقد من الأمريكيين عن حق أن الولايات المتحدة تأخذ على عاتقها مخاطر كبيرة في هذه الحرب وتسعى فيها إلى تحقيق مصلحة غربية أكثر مما يمكن أن تنتزع فيها من مكاسب قومية مادية أو معنوية. وهي تستحق في سبيل ذلك شيئا آخر غير التحريب والانتقاد من قبل الغربيين ومن لف لفهم من أبناء البلاد العربية والإسلامية العقلانيين.
وأوروبا الاستقلالية على حق أيضا عندما ترى في الاستراتيجية الأمريكية المتحمسة لاستخدام القوة والمستعجلة عليها وسيلة لانتزاع مصلحة استراتيجية أساسية تتعدى بكثير المخاطر التي تعرض نفسها لها في معرض مواجهتها للعداوات ونزعات التحرر والاستقلال العربية والإسلامية. وباستثناء الموقف الألماني الذي كان واضحا في تأكيده رفض الحرب بإطلاق لمصلحة الحل السياسي ليس هناك أي اعتراض من قبل أية عاصمة غربية على تحقيق أهداف الاستراتيجية الأمريكية ولا حتى على الحرب كوسيلة للحصول عليها. إن الاعتراض الرئيس هو على أسلوب الولايات المتحدة في اتخاذ قرار الحرب الذي لم تراع فيه سوى مصلحة قومية. فهي لم تتشاور مع حلفائها ولم تتعاون معهم ولكنها تملي عليهم قراراتها وتطلب منهم الالتحاق بما قرره مستشارو الأمن القومي الأمريكي ودوائره الضيقة. وأوربا الفرنسية تقول نحن مع الولايات المتحدة لكننا لسنا مع أسلوب إدارتها للحرب في جبهاتها المختلفة. ولدينا أفكار حول هذه الإدارة تعكس تجربتنا التاريخية وتضمن بشكل أكبر تحقيق الأهداف المشتركة. فلا يضمن تحطيم النظام العراقي ولا الأنظمة العربية الأخرى السيطرة المطلوبة على احتياطات النفط ولكنه يمكن أن يفتح الباب أمام الفوضى والنزاعات التي لا تنتهي ولا يمكن بهذه الطريقة التوصل إلى أي استقرار في المنطقة. ولا يقود تدمير القيادة الفلسطينية وإطلاق يد اليمين القومي الإسرائيلي في فلسطين إلى ضمان الأمن والسلام لإسرائيل وإغلاق ملف المسألة اليهودية ولكنه يمكن أن يؤدي إلى تفسخ أكبر للموقف يشجع على تغذية حركات التعصب الدينية والإرهابية. ولا يمكن لعملية تغيير الأنظمة العربية بالقوة أن يقود إلى شيء آخر سوى زعزعة الاستقرار وتعريض النفوذ الغربي في المنطقة إلى مخاطر غير منظورة ولا متوقعة. باختصار إن الأوروبيين لا يعترضون على التحليل الأمريكي ولكن على العلاج الذي يقدمه الأمريكيون للمريض. وهم يعتقدون أن الأمريكيين غير مؤهلين لمعرفة التعامل مع العرب ولا التفاهم معهم.
والواقع فإن التفاوت بين مواقف الأوروبيين والأمريكيين في هذا المجال يشبه تماما التفاوت بين موقف الإسرائيليين العماليين والإسرائيليين الليكوديين في فلسطين. وليس من الصدفة أن يميل الأمريكيون مثلهم مثل الليكوديين اليمينيين إلى لغة القوة فهي الورقة الرابحة في المعادلة الأوروبية الأمريكية. وفي موقف استخدام القوة فقط يمكن للأمريكيين إظهار تميزهم وقدراتهم الحقيقية النسبية وفرض قيادتهم التاريخية على التحالف الغربي. وبالعكس تماما لا يمكن للأوروبيين أن يراهنوا في هذه المعادلة نفسها لتأكيد وجودهم ومركزهم على شيء آخر سوى معرفتهم الأوثق بالمنطقة وعلاقاتهم التاريخية بها وقربهم منها، أي على ما يملكونه من رصيد علاقات مع النخب السياسية والثقافية والتجارية لربح المناورة السياسية.