الخروج من الحداثة السوقية

2011-01-27:: التجديد العربي

ترجمة :

من شدة تعلقنا بقيم الحداثة وافتتاننا بها، فقدنا النظر العقلاني بواقعنا الفعلي وشروط تحديثنا، واستسهلنا الدخول في العصر، ولم نقدر حجم التضحيات والاستثمارات الأولية المطلوبة منا كي ننجح في استيعاب قيم الحداثة الحقيقية.

إخفاق العرب في عملية الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي، أي باختصار في تجربتهم التحديثية، هو الآن السؤال الأكبر الذي يطرحه العرب على أنفسهم كما يطرحه غير العرب أيضا بخصوص مصير العالم العربي الذي لا يبدو مرضيا لأحد. وهو السؤال التاريخي المطروح فعلا اليوم.

لا يعني الإخفاق بالضرورة عودة العرب إلى سابق عهدهم قبل التجربة. فعرب اليوم ليسوا، بالرغم من المشاكل العديدة التي تعاني منها حداثتهم ومجتمعاتهم على جميع المستويات، عرب القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين أو حتى منتصفه. فهم اليوم مجتمعات حديثة، أي أعادت تنظيم نفسها من منطلقات الرد على حاجات الحياة الحديثة، وانخرطت من أجل ذلك في بناء مؤسسات تماثل في المظهر على الأقل مؤسسات المجتمعات الحديثة بما في ذلك الدولة والاقتصاد الرأسمالي والمجتمع المدني والقانون والتشريع، ومن باب أولى نظم الصحة والتعليم والنقل والمواصلات والاتصالات... إلخ.

وهذا يعني إن تحولا عميقا قد حصل، وأن المشكلة ليست مشكلة جمود أو انغلاق على النماذج والنظم القديمة، وإنما هي في النظم الحديثة، أو في نوعية مؤسسات الحداثة ونوعية القيم التي استوعبت منها، ولذلك قلت دائما في كتاباتي إن أصل المشكلة هو الحداثة الرثة التي استنبتها العرب في عالمهم وليست مشكلة ثقافتهم أو قيمهم أو مؤسساتهم القديمة، بما فيها الدين والقبيلة والقيم التقليدية، فلا يفسر استمرار عمل هذه القيم، أو بالأحرى اللجوء إليها والاتكاء عليها، سوى نقص فاعلية ونجاعة مؤسسات وقيم الحداثة التي أصبحت هي المؤطر لمجتمعات العرب والمحرك لسياساتهم وسلوك أفرادهم.

الآن كيف نفسر نشوء هذا النمط من الحداثة المشوهة المسؤولة عن تخبط العرب اليوم وعدم مقدرتهم على الإنجاز المرضي، في الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلم والتقنية على حد سواء، وضعف مصادر الإبداع في هذه المجتمعات أيضا؟

في اعتقادي أن الذي أجهض سعي العرب الحثيث والمبكر - منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل - للانخراط في الحداثة والدخول في عصرها وتمثل معاييرها واستنبات مؤسساتها، ليس ضعف الوعي بحاجات التغيير وضرورته، ولا العجز عن فهم معنى التغيير أو رفض قيمه ومعاييره، ولا التعلق كما يدعي الغربيون اليوم بالقيم والأفكار والنماذج القديمة العربية أو الإسلامية، فقد قام الفكر العربي الحديث، منذ النهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم عبر الحركة الإصلاحية الدينية الإسلامية حتى بداية القرن العشرين، وخلال النصف الأول من هذا القرن عبر انتشار الأفكار القومية والماركسية والوضعانية والعلوم الإنسانية الحديثة، على قطع تدريجي مع الماضي وتراثه الفكري والعلمي والسياسي والاقتصادي والنفسي، وتبني من دون تردد ولا مواربة خيار الحداثة وتأكيد كونيتها ثم مطابقتها للقيم والأحكام الدينية وأخيرا صلاحها للتطبيق. هذا هو المغزى الحقيقي لتبني الإيديولوجيات الإصلاحية والقومية والاشتراكية والليبرالية منذ قرن ونصف في العالم العربي.

إن سبب الإجهاض، وبالتالي تحول الحداثة التي كانت مشروعا واعدا إلى حداثة ميتة وميكانيكية، أي شكلية وخارجية، لا روح ملهمة فيها ولا قيم إنسانية، هو عدم إدراك العرب لشروط تحقيق حلمهم الحداثي الموضوعية، فافتتنوا بالحداثة، مصدر القوة والفاعلية التاريخية والتنوع والإبداع، نزعوا إلى مطابقة أنفسهم مع الغربيين، ونظروا إلى ذاتهم كما لو كانوا مماثلين لغيرهم من الشعوب الأوروبية التي دخلت الحداثة قبلهم، ولم يفكروا كفاية في الشروط الخاصة التي تميز عملية دخولهم في الحداثة، وفي مقدمها ثقافة مجتمعاتهم الفعلية، التي تحتاج للنقد والتفكيك وإعادة البناء لتحريرها من النقائص وروح التبعية والاقتداء والاستلاب، وهي غير ثقافة أجدادهم الكلاسيكية، ولا لهياكل مجتمعاتهم المدنية الخربة، وسياق ممارستهم التاريخية المرتبط بالهيمنة الاستعمارية وعدم التساوي في القوة والسيادة والوزن.

فمن شدة تعلقنا بقيم الحداثة وافتتاننا بها، فقدنا النظر العقلاني بواقعنا الفعلي وشروط تحديثنا، واستسهلنا الدخول في العصر، ولم نقدر حجم التضحيات والاستثمارات الأولية المطلوبة منا كي ننجح في استيعاب قيم الحداثة الحقيقية وشروط الدخول فيها. ولأننا أردناها سريعة وجاهزة وبأقل كلفة فكرية وعملية، جاءتنا كالوجبة السريعة، حداثة شكلية وسطحية، وطبعة مبسطة ومختزلة، أي حداثة استهلاكية، فيها كل ما يميز الحداثة من حيث المظهر، لكن من دون المحرك والكيمياء الداخلية التي تشكل مصدر إبداعيتها، وبالتالي نموها وتقدمها، وهي القيم الإنسانية. والحل يكمن في الرجوع إلى العمل الذي قمنا به على عجل، لإعادته لكن هذه المرة بإتقان. فلا يقدم التاريخ هدايا للمجتمعات، خاصة تلك التي تحكم عليها المقادير بأن تخضع، بسبب البيئة التي توجد فيها أو الموارد الخاصة بها، لضغوط خارجية قوية. والطريق هو العمل الجدي والطويل النفس على أنفسنا نحن كأفراد، وعلى شعوبنا ومجتمعاتنا، لنعدها للعصر، ونؤهلها لدخوله والتفاعل معه، ونزودها بالمعارف والعلوم والقيم التي تسمح لها بأن تدخله بثقة وقناعة، وتشارك في إبداعاته وإنتاجه بفاعلية، لا كإمعات مستلبة أو فقاعات تهوم فوقه وتردد كالببغاوات ما تفرزه حداثة المجتمعات الأخرى.

باختصار لا توجد حداثة ولا حرية ولا وطنية ولا سيادة ولا ديموقراطية ولا منظومة أخلاقية إنسانية من دون ثمن أو بثمن بخس. نوعية ما نحصل عليه مرتبطة بالثمن الذي ندفعه فيه. الجهد أو الاستثمار الرخيص يأتي بحداثة رخيصة وسوقية. وهذا ما حصلنا عليه بالفعل وما لا نزال نعيش فيه، حتى تحولت ثقافتنا نفسها إلى ثقافة سوقية، وأصبحت نخبنا الاجتماعية نخبا سوقية أيضا، ودولنا دولا سوقية. وفي مثل هذه الحداثة أكثر ما فقد قيمته ووزنه ومعناه هو الإنسان ذاته.