الثقافة وفشل العرب في الاندماج في الثورة العلمية

2003-06-29:: الوطن

ترجمة :
 
يخلق النظام السياسي المفروض بقوة الغلبة وغياب قاعدة للتداول السلمي للسلطة والاعتماد المتزايد لنظم غير شعبية على تعبئة العصبيات القبلية والطائفية والوطنية الفارغة للبقاء في الحكم، والمبالغة في استخدام القمع لمنع نشوء معارضة سياسية أو عقائدية - مناخا سلبيا يقضي على حماس العلماء والباحثين والتقنيين المبدعين للعمل وينمي عندهم عدم الثقة بمجتمعاتهم واليأس من المستقبل ويدفعهم إلى الخمود. كما أن العنف الذي يرافق هذا النظام وأزمة الشرعية الدائمة التي تميزه يجعلان المجتمع يعيش في حالة من الحرب الدائمة ويحرمانه من فرصة إنضاج وتطوير مفاهيم سليمة للتعامل الاجتماعي وللسياسة والدولة معا. ولا شك أن القومية الشعبوية التي سيطرت على الحياة السياسية العربية في العقود القليلة التي أعقبت الاستقلال قد ساهمت في تأخير إدراك راهنية التفكير النظري والعقلي بمسائل تنظيم المجتمع والحياة السياسية وكان لها أثر كبير في استلاب المجتمعات العربية للدولة بقدر ما منعتها من فهم آليات عملها ومن السيطرة النظرية والعملية عليها. ولذلك ستبقى الدولة أجنبية لا بمعنى أنها بضاعة غير عربية ولكن بمعنى كونها خارجية بالنسبة للمجتمع وخارجة على إرادته كما لو أن المجتمعات التي تكبدت مشقة الكفاح لأكثر من قرن من أجل بناء الدولة الحديثة وتوطينها قد أصبحت بعد الاستقلال رهينة هذه الدولة المستقلة وضحيتها معا. ولا تهدف المزايدة بالوطنية التي أصبحت أيديولوجية سائدة بل ثقافة سياسية بحد ذاتها ومستخدمة بكثافة من قبل النخب الحاكمة إلى شيء آخر سوى قطع الطريق على أي محاولة جدية لوضع مسألة التحكم بالدولة الوطنية موضع السؤال ومناقشة علاقتها بالمجتمع وبالأفراد الخاضعين لها. إنها لا ترمي إلا إلى تمديد أجل الاستلاب الراهن للدولة وكسر إرادة التحرر من نيرها والتحكم السياسي بها.
ومن الناحية القانونية يفتقر العالم العربي، بسبب غياب الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القانونية وضعف استقلال القضاء، إلى نظام مقبول وضروري من الضمانات القانونية التي تحمي الفرد وتشجعه على المبادرة وتضمن له الأمن الشخصي وحرية التصرف بملكيته سواء أكانت فكرية أم مادية. فقوانين الطوارئ والتعسف السياسي وفي كثير من الأحيان فساد القضاء وغياب نصوص قانونية لحماية الملكية الفكرية كل ذلك يثبط همم الأفراد ولا يشجع المبدعين على العمل وبذل الجهد في سبيل تطوير مواهبهم واستغلال الفرص المتاحة لهم وهي بالضرورة قليلة في مثل هذه الأوضاع.
وبالمثل، يشكل التوزيع المجحف للدخول والتمييز المتبع في كثير من الحالات بين فئات السكان عائقا خطيرا أمام عملية اكتساب المعرفة وتنميتها. وفي البلاد العربية لا يؤدي تضافر النظام السياسي التسلطي مع نظام التمييز السائد بين المواطنين على أساس الولاء السياسي أو الجنس أو الدين أو المنطقة أو العشيرة إلى سوء توزيع الثروة الوطنية والتباين الفاحش في المداخيل فحسب ولكن، أكثر من ذلك، إلى تركيز الثروة في أيدي فئات طفيلية بيروقراطية أو مافيوية منفصلة عن صيرورات الإنتاج والاستثمار والتجديد التقني الرئيسية وبعيدة كليا عن التفكير في المصالح العامة والانشغال بهموم التنمية الإنسانية.
لقد دفع سوء توزيع الدخل وما رافقه وتبعه من تدهور خطير في قيمة مرتبات وأجور العاملين في حقول المعرفة من تعليم وعلم وبحث وتجديد قسما كبيرا من المعلمين والأساتذة إلى التقاعس عن مهامهم في سبيل إلزام الطلبة والتلاميذ دفع دروس خصوصية وقاد إلى تخصيص أو خصوصة عملية للدراسة. بل إن ضعف المرتبات قد جعل بعض المدرسين في بعض الجامعات العربية يقايضون نجاح الطلبة في مادتهم الخاصة بمبالغ معلومة من المال. كما أدى ضعف المرتبات التي يتقاضاها رجال العلم والتعليم إلى تنمية استعدادات عميقة لدى الأطر المكونة العلمية والتقنية إلى الهجرة والبحث في بلاد أخرى عن وسيلة للعيش الكريم. ويكاد العالم العربي يشكل اليوم الخزان الأكبر لأصحاب الكفاءات والمهارات المرشحين للهجرة الدولية بالمقارنة مع جميع المجتمعات الأخرى الكبيرة.
والواقع أن هجرة الأدمغة العربية موازية تماما لهجرة الرساميل العربية نفسها. كما لو أن المجتمع يعيد بناء نفسه ومؤسساته الفاعلة في الخارج لعدم قدرته على بنائه في الداخل وعلى أرض وطنه. مما يعني في النهاية أن النظم المجتمعية القائمة لا تعمل إلا على تصدير الثروة الوطنية إلى الخارج على شكل رساميل باحثة عن الاستثمارات المجزية وعلى شكل أطر علمية وتقنية ساعية إلى إيجاد فرص عمل وحياة تحقق فيها ذاتها وتضمن بقاءها.
ولا ينجم عن ذلك فقر في الأطر العلمية والتقنية مستمر على الرغم من النفقات المتزايدة في التعليم فحسب ولا قصور في إنتاج المعارف الضرورية للتسيير الاقتصادي والإداري ولكن أكثر من ذلك تراجع إن لم نقل انعدام الطلب الاجتماعي نفسه على المعرفة. فالمعلمون والأساتذة والمدرسون والباحثون والمبدعون على اختلاف أنواعهم لا يملكون بمرتباتهم الضئيلة القدرة على اقتناء منتجات المعرفة ووسائل اكتسابها أو الاستقاء منها، سواء أكان ذلك على شكل شراء السلع المعرفية كالكتب والموسوعات والمؤلفات العلمية، أم على شكل مشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية، أم على شكل اشتراكات في دوريات علمية ومعرفية مختلفة. بل إن معظم العاملين في الحقول المعرفية يضطرون في البلاد العربية إلى القيام بأعمال لا تتعلق باختصاصاتهم الأصلية في سبيل تأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم اليومية.
وإلى هذه الأسباب وغيرها يرجع فساد نظم التكوين والتأهيل والإنتاج المعرفي والتراجع المستمر في مستوى التكوين العلمي والتقني وفي موازاة ذلك غياب مفهوم الإتقان نفسه أو تغييبه في المؤسسات والدوائر الاقتصادية والإدارية والقبول بمفهوم ضعيف لتسيير الأمور والحفاظ على الأوضاع القائمة، أي في الواقع قتل روح المبادرة والتجديد والإبداع والتحسين عند جميع العاملين وداخل المجتمع بأسره.