الامتحان الصعب للوطنية العربية

2005-08-03:: الاتحاد

ترجمة :

بصرف النظر عما تتحمله الدبلوماسية العربية من المسؤولية في دفع الامور إلى ما هي عليه وتعريض استقرار المنطقة برمتها ومستقبلها وسيادتها للمخاطر، يظل السؤال الأهم الذي لا يمكن للمعارضة الديمقراطية العربية أن تهرب منه، والذي لا تكف قطاعات الرأي العام العربي عن طرحه في مواجهة التهديدات الأمريكية المتواصلة، هو التالي: إلى أي حد لا يخدم الضغط على النظم العربية اليوم، بصرف النظر عن طبيعة هذه النظم ومشاكل الفساد والضعف وعدم الفاعلية الكبيرة التي تتسم بها، الأهداف الأمريكية بدل أن تخدم الضغوط الأمريكية المعارضة الديمقراطية أو بالأحرى التحويلات الديمقراطية؟ وكيف يمكن العمل يحيث لا يكون النضال الديمقراطي العربي الذي يهدف إلى تأكيد سيادة الشعب ودور المجتمع في الحياة العامة وسيلة لإضعاف السيادة الوطنية وخلق الشروط التي يصبح فيها من الأسهل تهديد استقلال البلاد وحريتها؟

ليس الجواب على مثل هذا السؤال الحقيقي سهلا على المعارضة العربية في ظل نظم عربية استثنائية في تحديها لكل معايير الحياة السياسية الطبيعية واعتمادها من أجل البقاء على تأبيد قوانين الطواريء والأحكام العرفية. نظم ترى في التعاون مع الدول الأجنبية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، الضامن الوحيد لسيادتها الشكلية واستقلالها والحليف الرئيسي لها في كفاحها البطولي ضد شعوبها ومصادرتها حقوقهم السياسية. وهي أكثر من ذلك لا ترى الأمور بالمنظار نفسه ولا تكف عن تذكير الأمريكيين بضرورة التحالف المشترك ضد القوى المتطرفة الاسلامية أو الوطنية وتعتقد، بالرغم من كل ما حصل ويحصل، وربما كانت في ذلك على حق أيضا، في أن ما تعيشه مع واشنطن هو مجرد أزمة قابلة للحل وأن شيئا لن يمنعها من التوصل إلى تسوية معها لقاء بعض التنازلات الجزئية. ولذلك فها ميالة، بعكس المعارضة التي لا تكف عن التذكير بالمخاطر الخارجية، إلى عدم المبالغة في تفسير ما يحصل واعتبار الموقف الأمريكي أقرب إلى معركة إعلامية هدفها تطويع النظم العربية وليس المساس بها أو تغييرها.
وليس الجواب أيضا سهلا على هذه المعارضة في ظل نظم لا ترحم وتستخدم وسائل لا حدود لها في القمع، من الاغتيال إلى الملاحقات القانونية الشكلية مرورا بالاعتقال والسجن الطويل من دون محاكمة والتعذيب والعقوبات الجماعية وشن الحملات الاتهامية والتشهير والطعن بالوطنية والابتزاز في جميع صورة لتحييد الناشطين السياسيين وفرض الوصاية السياسية على الشعوب وتكريس سيادة الحزب الحاكم. وليس سهلا أيضا في نظم تعلق أملها في البقاء على ما تستطيع أن تقدمه من خدمات للاستراتيجية الأمريكية ولا تتردد هي نفسها في التذكير اليومي بما تقدمه من هذه الخدمات في خطابات مسؤوليها وندواتهم الصحفية.
لكن مهما وصل استخفاف النظم بالمسألة الوطنية لا ينبغي أن يبرر هذا الموقف للمعارضات المقامرة بالمصالح الاستراتيجية للبلاد أو يدفع إلى التهوين من التهديدات الخارجية. فليست الوطنية واحترام المصالح العليا للبلاد هي الهدف الحقيقي ولا يمكن أن تكون غاية النظم ومجموعات المصالح الحاكمة، وهي التي قامت على مبدأ خدمة المصالح الخاصة والأنانية. إن الحفاظ على استقلال البلاد وضمان مستقبل شعبها وسيادته هو وحده الذي يعطي للمعارضة الديمقراطية، بقدر ما تطمح إلى أن تكون ممثلة للمجتمع بغالبيته، شرعيتها ومبرر وجودها.
السؤال : هل قبول المعارضة بتجميد نشاطها أو بالتعاون مع النظام هو الطريق المناسب لحماية المصالح الوطنية، وذلك حتى لو رفض النظام أي مبادرة حوار تهدف إلى بلورة برنامج عمل وطني وتثبيت التزامات محددة لمواجهة التهديدات والضغوط الخارجية واستمر في ممارسة سياسة القمع والإقصاء والعزل والتحييد اليومية ضد نشطاء المعارضة وحقوق الانسان؟ وهل يعزز السكوت على الاختيارات الرسمية مهما كان مضمونها، وحتى لو كان مشكوكا في صحتها وسلامتها، المقاومة الوطنية للضغوط الخارجية، وهل يشكل هذا القبول بالخضوع للنظام وذاك السكوت عن سياساته مهما كانت، التعبير الفعلي والحقيقي عن الشعور بالمسؤولية التاريخية لدى قوى المعارضة أم أنه يشير بالعكس إلى استقالتها السياسية والوطنية بذريعة تجنب صب الماء في طاحونة القوى الخارجية؟

باختصار، كيف يمكن للمعارضة أن تستمر في تأدية واجبها بالدفع نحو الاصلاح ومكافحة سلطات الفساد، التي تضحي بالمصالح الاجتماعية وتساوم على المصالح الوطنية وتعمل بسياساتها اللاعقلانية على تفاقم مخاطر الانفجارات الاجتماعية، من دون أن تخدم بصورة غير مباشرة المشروع الأمريكي الهادف إلى السيطرة على المنطقة العربية؟ وبالمثل، بأي وسيلة يمكن للمعارضات الديمقراطية ذاتها أن تدافع عن المصالح العليا للدول العربية ضد الضغوط والتهديدات الأمريكية من دون أن تتحول إلى أداة إضافية في دعم النظم الاستبدادية القائمة وإضفاء الشرعية على نظم القمع والإقصاء ومصادرة الحقوق الجماعية وعبث المصالح الشخصية؟ ومن أين ستستمد المعارضات الديمقراطية التي تشكل أمل المجتمعات العربية شرعيتها ومبرر وجودها إذا صب نشاطها، حتى لو كان ذلك بصورة غير مباشرة، في خانة التغطية على الفساد، كما تطالب السلطات الديكتاتورية، أو إذا تحول بالعكس إلى أداة لخدمة القوى الاستعمارية ؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجه المعارضة العربية الديمقراطية اليوم في أكثر من بقعة ومكان. وهو التحدي نفسه الذي أخفقت المعارضة العراقية في مواجهته والذي قادها إلى السقوط بين يدي الأمريكيين كما قاد العراق إلى حمام الدم الذي يعيشه الشعب العراقي اليوم.

ينبغي القول على سبيل السعي إلى الإجابة عن هذا السؤال أن تحويل الدول العربية إلى هدف أمريكي استراتيجي لم يكن حتمية لا راد لها ولا نتيجة جنوح السياسات الأمريكية نحو تكوين إمبرطورية عالمية. فهناك أشكال مختلفة من العلاقات تقيمها واشنطن مع الدول الصغيرة ليست جميعا من طبيعة عدوانية كما هو الحال مع بعض البلدان العربية اليوم بل كما كان عليه الحال مع الدول العربية نفسها منذ سنوات. إن تطلع واشنطن إلى السيطرة على البلدان العربية وتحويل بعضها بوسائل عدوانية وبالحرب إلى قاعدة من قواعد السيطرة الإقليمية هو ثمرة عاملين رئيسيين: الضعف الاستراتيجي الاستثنائي الذي وصلت إليه البلاد والدول العربية لأسباب عديدة في مقدمها القطيعة المستفحلة بين السلطة والشعب، والأخطاء العديدة التي ارتكبتها الدبلوماسية العربية في تقدير موازين القوى الدولية وأهداف السياسة الأمريكية الإقليمية نفسها ورهانها المستمر حتى اليوم على إمكانية استخدام الارهاب والتطرف الاسلاموي كذريعة لتجديد التحالف مع الولايات المتحدة.
فقد حولت قطيعة السلطة المستديمة مع المجتمع وما نجم عنها من تقويض لمؤسسات الدولة ونخر لمباديء الولاء الوطني لصالح الولاءات الشخصية والسياسية ومن الفساد الذي عم جميع المستويات الرسمية وهيئات المجتمع المدني معا، البلاد العربية إلى قواقع فارغة بالمعنى الحقيقي للكلمة، فبدت مجتمعات ميتمة ومشتتة ومشوشة ومفتقرة بالتالي للقوى المنظمة الرسمية أو الأهلية القادرة على الدفاع عن المصالح الوطنية. أما السياسات المغامرة وغير المحسوبة التي قامت على الرهان على تجديد الصفقة التقليدية مع واشنطن، بهدف تجنب الانفتاح على الشعوب، ولدى بعضها عن طريق استخدام الضغط والابتزاز على واشنطن نفسها، فقد عرت البلاد أمام إرادة الهيمنة الأجنبية وخلقت الذريعة التي يحتاج إليها التدخل حتى يضفي على نفسه وأهدافه الشرعية. هكذا صار بإمكان واشنطن التي كانت الكافل الرئيسي لنظم الاستبداد الاقليمية الناطق الأول والرسمي باسم مشروع الاصلاح ونشر الديمقراطية في المنطقة العربية.
إن هذا الفراغ السياسي الكبير الذي يجرد المجتمعات والدول العربية من قواها الداخلية وذاك الخلل في خيارات وأساليب عمل الدبلوماسية التي اعتادت التعامل مع بيئة دولية ممالئة لها وضالعة معها في فرض الديكتاتورية هما الذان يشجعان الأمريكيين وغيرهم اليوم على التفكير في إمكانية تطويع النظم القائمة وتشغيلها كليا لصالحهم من دون مقابل، أي حتى من دون القبول بتقديم أي ضمانة لبقائها أو لاستمرار الرهان عليها في المستقبل.
ومن هنا ليس من الممكن الرد على السؤال المطروح ووضع حد لإرادة التدخل الخارجي من دون معالجة المسألتين الرئيسيتين اللتين تقفان وراء إرادة العدوان والهيمنة الأجنبية التي ستبقى قوية في السنوات القادمة. المسألة الاولى هي مسألة الفراغ السياسي الذي حول البلاد إلى قوقعة فارغة كما ذكرت وأفقرها من أي قوى سياسية وشعبية منظمة أو فاعلة، بما فيها القوى الرسمية التي أصبحت بسبب الفساد فاقدة للفعالية ولحس المسؤولية معا، فأصبحت تسيل لعاب كل طامع فيها أو في سيطرة إقليمية. والمسألة الثانية هي مسألة نموذج القيادة السياسية التي تدفع بالبلاد نحو أوضاع كارثية بسبب افتقارها للحسابات العقلانية الموضوعية وتخبطها بين سياسة التنازلات المجانية لإرضاء الحليف الأمريكي والمزاودات الوطنية الدعائية الهادفة إلى التعبئة الشعبية لعزل المعارضة الاجتماعية والتغطية على تدهور شرعية الأنظمة أو افتقارها للشرعية الديمقراطية.
لا يمكن معالجة هاتين المسألتين بإلغاء المعارضة وما يعنيه من الاستسلام لنظام السلطة المطلقة ومتطلبات إعادة إنتاجها وما يفترضه ذلك من تغييب المجتمعات. كما أنه من غير الممكن معالجة مسألة القيادة السياسية من خلال التسليم للقيادات الشخصية والكف عن إبداء أي نقد أو تقويم للسياسات غير الفاعلة وغير العقلانية. إن مواجهة الضغوط الخارجية وإضعاف إرادة تطويع النظم العربية من الخارج يستدعي بالعكس من ذلك بذل جهود مضاعفة من قبل المعارضة لملء الفراغ السياسي الذي خلفته عقود الاستبداد الطويلة والإظهار عمليا أن البلاد ليست قوقعة فارغة تقتصر القوى المدافعة عنها على نظام ينخره الفساد وتتضاربه المصالح الفئوية ولا يعتمد في بقائه إلا على قوى أمنية متعاونة مع الخارج للحفاظ على الاستقرار، وإنما هناك بالفعل شعب منظم ومتضامن واثق من نفسه ومتمسك بحقوقه وغير مستعد للمساومة على حريته. وهو، إن قبل التفاوض مع القوى الأجنبية على ما يتعلق بالمصالح المشتركة الطبيعية أو للتخفيف من تناقض المصالح وتعارضها، لا يقبل التخلي عن سيادته والتضحية بحقوقه مهما كان.
وإذا كان سبب الانسحاب العام من السياسة وما يسببه من إضعاف الإرادة الوطنية هو إدراك الشعب العميق بأن الدولة لم تعد دولته وإنما هي دولة القائمين عليها من النخب التي تستخدمها لإخضاعه، فلن يكون من الممكن استنهاض عزيمته الوطنية من جديد إلا ببروز قوة ثانية نابعة منه ومتفاعلة معه تقنعه بأن هناك أمل في إعادة بناء الدولة على أسس وطنية وتحويلها إلى دولة معبرة عن آمال مواطنيها وكافلة بالفعل لحقوقهم، وهذه هي القوة المعارضة الديمقراطية. فالمعارضة المرتبطة بالشعب تصبح هنا منبع وطنية متجددة تحفز الجمهور على العمل الوطني وتعيد ثقته بنفسه وأمته. وبالعكس، في حالة غياب المعارضة الديمقراطية الوطنية، قد يصبح التدخل الخارجي في نظر شعب مهان ومستباح الحقوق، الأمل الوحيد للخلاص من الظلم والاضطهاد ويتحول إلى فعل تحرير، بصرف النظر عن نتائج هذا الفعل المأساوية المحتملة أو الفعلية. هذا ما أظهره تاريخ الفتوح الامبرطورية العالمي وفي المقدمة تاريخ الفتوح العربية الاسلامية، وبالأمس القريب، تاريخ العراق البعثي نفسه.
ومن هنا لا يمكن أن يكون جواب المعارضة الديمقراطية على التحدي الذي تمثله الضغوط الأجنبية على السلطة القائمة الاستقالة والانسحاب من الساحة السياسية ووقف الدفاع عن المصالح الشعبية باسم تأكيد وحدة وطنية يحطمها كل يوم القهر والتمييز بين المواطنين. فمن المحتمل في هذه الحالة أن يقود استسلام المعارضة أو سكوتها على الانتهاكات المستمرة لحقوق الشعب والانسان إلى تيئيس الشعب بشكل أكبر من الطبقة السياسية المحلية ويدفع بالجمهور إلى التطلع بصورة متزايدة نحو الحلول الخارجية بدل أن يعزز موقف الدولة ويردع الطامعين فيها.
وبالمثل، لا سبيل إلى معالجة مسألة القيادة المزاجية التي تغرق في الإرادوية ولا تخضع إلا لجدول أعمال تأكيد العظمة الشخصية مع ما يجره من الكوارث إلا بالتخلي عن مذهب الزعامة التاريخية الملهمة والدخول في عصر السياسة الحديثة بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهو عصر القيادة السياسية المستندة إلى شرعية قانونية منبثقة عن انتخابات ديمقراطية تمثيلية ودورية. فمن فضائل هذه القيادة أنها تعتمد في صياغة قراراتها على حسابات عقلانية موضوعية تشارك فيها مؤسسات سياسية وعلمية نشطة وتخضع لمراقبة شعبية دائمة. ومن فضائلها أنها لا ترتبط بشخصية بطولية ملحمية فوق إنسانية توجهها نحو ادعاء نوع من العصمة والإلهام وإنما بوظيفة اجتماعية ومهمة سياسية محددة في الزمان والمكان تخضع طواعية للمحاسبة والمساءلة والنقد. ومن فضائلها أيضا أنها تحظى بثقة الشعب الذي شارك من خلال مؤسساته التشريعية في تنصيبها، بصرف النظر عن انتماءات أفراده وأصولهم ومستويات معيشتهم وطبقاتهم الاجتماعية، كما أنها تطمئن لولائه وتأييده فتنحو إلى تبني جدول أعمال وطني يعكس المصالح العامة ولا تنزع إلى المزاودات الوطنية التي قد تقود البلاد إلى مواجهات مجانية في سبيل الحصول على بعض الشرعية أو التغطية على الافتقار إليها. ومن فضائلها كذلك أنها لا تبنى على اختيارات مزاجية وتقديرات شخصية، ترد على مخاوف الزعامات الشعبوية أو تستجيب لمغامراتها أو لمصالح شبكات الولاء والمنافع الشخصية والفئوية العديدة والمتنابذة فيها، وإنما تعتمد في بلورة قراراتها على مؤسسات فعالة سياسية وعلمية وتنطلق من حسابات عقلانية تأخذ بالاعتبار مصالح البلاد العليا والمجتمع ككل.
وبعكس ما يدعي أنصار السلطة الاستبدادية، لا يضعف وجود معارضة نشطة وديمقراطية من قدرة البلاد على مواجهة الضغوط الخارجية ولكنه يشكل التربة الوحيد التي تسمح باستنبات المشاعر الوطنية الضرورية لتوحيد المجتمع وبناء قوى المقاومة الفعلية للتدخلات الأجنبية. ومن دونها سيعم لا محالة الانسحاب واليأس العام. وتكفي نظرة واحدة على ما يجري في العديد من بلدان العالم العربي اليوم للتحقق من هذا التوازي بين عودة الحياة السياسية وتطور حركة المعارضات الديمقراطية وتنامي روح الوطنية بكل معانيها وبرنامجها الداخلي والخارجي. فالشعب الذي يفقد الأمل في بلاده يتحول عن الولاء للسلطة العمومية ويتراجع، كما حصل في مجتمعاتنا في العقدين الماضيين، نحو الولاءات الطائفية والعشائرية والعائلية. والشعب الذي يشعر بالغربة داخل وطنه ويعاني من القهر وانتهاك حقوقه من قبل نخبه المحلية ولا يجد من يأخذ بيده فيها لا يجد حرجا في القبول بالضغوط والتدخلات الأجنبية بل ومناشدتها كما حصل في العقود الماضية في جميع بلدان أوروبة الشرقية والدول الشيوعية.
إن الدفاع عن سيادة الدولة واستقلالها يرتبط في كل المجتمعات بدرجة الثقة بنظامها ونجاعته، أي بعدالته وقدرته على خدمة مصالح المجتمع وتوحيد أفراده وجمعهم تحت راية واحدة هي ما نسميه الوطنية. فالنظام يكون محفزا على التمسك بالسيادة والاستقلال بقدر ما يكون وطنيا لا عشائريا ولا قهريا، ولا يكون وطنيا إلا بقدر ما ينجح في بعث التفاعل والتفاهم والثقة المتبادلة بين أفراده، أي بقدر ما ينجح في خلق هذا الولاء العميق والحي للوطن وللجماعة الوطنية بسبب ما يؤمنه من حقوق وحريات وقيم اجتماعية. وبذلك تتحول الأرض التي يقيم عليها الأفراد إلى وطن، كما يتحول الأفراد المشتتين إلى أمة واحدة متضامنة. وبالعكس، بقدر ما يخفق نظام ما في بعث الوطنية أو تخليقها نتيجة إفلاس سياساته الداخلية أو التمييز بين أبناء وطنه أو بسبب تحالفه لضمان بقائه ضد شعبه مع القوى الأجنبية، لا يبقى للوطنية أمل في الوجود إلا عبر القوى الاجتماعية البديل، أي عبر المعارضة، وبقدر ما تتحول هذه المعارضة إلى إطار جامع وتنجح في إعادة بناء وحدة المجتمع وثقته بنفسه وقيادته وارتباطه بوطنه وانتماءه إلى أمته. وهذا يعني أن وجود قيادة سياسية مرتبطة بالشعب وقادرة على توحيده وحل التناقضات التي تمزقه وبلورة جدول أعماله الوطني هو شرط أساسي من شروط ردع التدخل الخارجي وصد الضغوط الأجنبية، ولا فرق أكانت هذه القيادة في مركز السلطة العمومية أم في مركز السلطة الشعبية.
ومن هنا، لا يخدم التصاق المعارضة بالنظام وإظهار التطابق معه ولا التخلي عن قيادة حركة الاحتجاج الشعبي القضية الوطنية ولا يردع كما تدعي السلطات الاستبدادية بشكل أكبر إرادة الهيمنة الأجنبية أو يخفف من ضغوطها. إن مثل هذا الموقف يفاقم، بالعكس، من إحباط الشعب وانسحابه من الحياة الوطنية والسياسية كما يزيد من قناعة الدول الأجنبية بنجاعة التدخل الخارجي وضعف مقاومة المجتمعات لنظام السيطرة الاستعمارية أو شبه الاستعمارية.
إن الطريق إلى منع التدخلات الأجنبية ووقف الضغوط الخارجية يكون بالعمل على إعادة بناء المجتمعات من الوجهة السياسية والفكرية من خلال مساعدتها على تنظيم نفسها عبر الجمعيات والمنظمات الحرة والنشيطة وتأمين التفاعل العضوي بين قاعدتها وقيادتها، أي بتحويلها إلى مجتمعات حرة لا إلى حشود من الأنصار والأزلام والموالي الذين يمكن بسهولة إخضاعهم لنظام الاحتلال كما خضعوا لنظام الاستبداد من قبل. فبقدر ما يقوم الاستبداد على تغييب الشعب وعزله من خلال حرمانه من حقوقه في التعبير والتنظيم والمشاركة يفتح الباب واسعا أمام الأطماع الأجنبية. وبقدر ما تقوم المعارضة الديمقراطية على تفعيل الحياة السياسية وجذب الشعب إلى ساحة العمل الوطني وتحسيسه بمسؤوليته فإنها تضع أسس المقاومة الوطنية للتدخلات الأجنبية في الوقت نفسه الذي تعمل فيه على تنظيم صفوف الشعب وتعزيز حضوره وقدراته الذاتية . هكذا تشكل الديمقراطية اليوم ردا مزدوجا : أولا على سلطة الاستبداد التي تعمل على كسر إرادة الشعب ودفنه حيا وثانيا على قوى التدخل الخارجي التي تراهن على الفراغ السياسي من أجل فرض جدول أعمالها على الدولة والسلطة المعزولة.
وهذا يقودنا إلى الاستنتاج الرئيسي التالي: إن مستقبل العالم العربي، أي تحرره ونموه وتقدمه والحفاظ على سيادته واستقلال بلدانه للسنوات القادمة، يتوقف كل ذلك على معرفة ما إذا كان هناك شعب داخل هذه البلدان، أي قوة منظمة ذات وعي خاص وإرادة مشتركة، أم لا، وما إذا كنا سننجح في كل بلد في بناء وطنية عربية حية وفاعلة أم سنبقى شعوبا مقهورة ومشتتة لا وعي لديها ولا إرادة موحدين، يتحكم بها إقطاعيون أو طغاة أبويون لا يحد من سلطتهم عرف ولا قانون وتتلاعب بهم القوى الخارجية والأقدار. ولذلك لا ينبغي أن نتردد، في كل مرة تطرح فيها مسألة الاختيار بين مهام وطنية وديمقراطية تبدو متناقضة أو متعارضة، في العمل حسب هذا المبدأ الذي لا يخطيء وهو إن كل ما يساعد على تعزيز حضور الشعب والارتقاء بوعيه وأشكال تنظيمه وزيادة مشاركته في الحياة العامة المدنية والسياسية فهو مطلوب وهو الصحيح، في أي ظرف كان. وكل ما يقلل من حضور المجتمع فردا وجماعة ومشاركته وتحمله مسؤوليته وكل ما يصادر إرادته ومبادرته فهو خاطيء ومرفوض. هذا هو المبدأ الذي تستند إليه حركة الدفاع عن الحريات الفكرية والسياسية وتستمد منه الشرعية حركة الكفاح ضد انتهاكات حقوق الانسان. وهذا هو الأصل في رفض البشرية من منطلقات سياسية وأخلاقية معا السلطات التعسفية والقوانين القهرية التي لا تهدف إلا إلى إرهاب الشعوب ودفعها إلى الانكفاء على نفسها والانطواء والتسليم بالأمر الواقع حتى يمكن للنخب الحاكمة أن تضع يدها على موارد البلاد ومصيرها وتستخدمها كما لو كانت ملكا خالصا لها.