الأزمة المالية العالمية ونهاية الليبرالية

2008-10-08:: الاتحاد

ترجمة :

 مهما ستكون التطورات اللاحقة، قوضت الأزمة المالية التي شهدتها أكبر المؤسسات المالية العالمية هذا الشهر الأسس التي يقوم عليها اقتصاد السوق، الذي تحول في العقود الثلاث الماضية إلى وصفة وحيدة وواحدة لمشاكل التنمية الاقتصادية في العالم أجمع، وفي بلادنا أيضا. ولا أعني بهذه الأسس القواعد المنظمة لهذه السوق وإنما الثقة بالاستثمار ونجاعة تحرير رأس المال من أي قيود قانونية أو سياسية مزعجة أو معيقة لعمله. وهو ما شكل جوهر الفلسفة الليبرالية الجديدة التي ما فتئت تدعو لانسحاب الدولة، والاعتراف باستقلالية مطلقة أو شبه مطلقة لأصحاب الرساميل، سواء من أجل تشجيعهم على الاستثمار، أو من أجل تمكينهم من السيطرة على سوق العمل وتخفيض كلفة الانتاج.

وليس هناك شك أن أول أسطورة دمرتها الأزمة الراهنة هي النظرية التقليدية التي قامت عليها الفلسفة الليبرالية منذ نشوئها، نظرية الانسجام الطبيعي، أو قدرة الأسواق على تنظيم نفسها من خلال قانون العرض والطلب وحده، أي من ذاتها. فلا أعتقد أن هناك من يعتقد اليوم، في أعقاب هذه الأزمة، أن الأسواق قادرة على تنظيم نفسها بنفسها، أو أن للسوق روحا تحركها وتحميها من الدخول في أزمات ومآزق كتلك التي نشهدها اليوم. وربما كان الدرس الأول لهذه الأزمة هو أن السوق أعمى، وأننا إذا تركنا أصحاب الرساميل على راحتهم، لن تقتصر النتيجة على تحكم رأس المال بالعمل وفرضه شروط مجحفة على العاملين فحسب، وهو ما كانت تركز عليه النظرية الاشتراكية التقليدية، وإنما ستتجاوز ذلك لتقيم نموا قائما بشكل رئيسي على المضاربة المالية، أي على اختلاق منتجات وهمية أو خالية من القيمة وطرحها في السوق لتحقيق أرباح سريعة وخيالية. وهذا أصل نشوء الفقاعات المالية الكبرى التي لن تلبث حتى تنفجر وتقضي على أحلام مئات ملايين المستثمرين الصغار، وتهدد استقرار الاقتصاد العالمي نفسه، كما حصل مع سوق الرهن العقاري أو السوبرايم الشهيرة التي تقف وراء الأزمة الراهنة.
وليس من المبالغة القول أن هذه الأزمة التي عصفت بوول ستريت وعبرت الأطلسي نحو أوروبا وآسيا، ولا نزال غير قادرين على تقدير عواقبها في البلاد العربية، هي أكبر تسونامي عرفته الاقتصادات العالمية في العصر الحديث. وهي قد تتجاوز في نظري بنتائجها أزمة الكساد الكبير لعام 1927 . فبسبب الاندماج العالمي لا تقتصر آثار الأزمة الراهنة على الولايات المتحدة، وإنما تهدد بزعزعة الاقتصادات العالمية بأكملها.
كان جوزيف ستجليتز حائز جائزة نوبل للاقتصاد على حق عندما وصفها بأنها الانهيار المدوي لاقتصاد السوق الحرة المتطرفة، ولسياسة الليبرالية الجديدة التي تدعو لتحرير التجارة العالمية وتخفيف الضوابط وتوحيد الأسواق. فهي في نظره تمثل في مجال الاقتصاد ما مثله انهيار حائط برلين في العقيدة الشيوعية.
بالتاكيد ليس من الممكن فصل هذه الأزمة عن السياسة الليبرالية الجديدة، وفلسفة حرية السوق المتطرفة أو المتعصبة. فهي النتاج الطبيعي لسياسات اليمين الأمريكي الصاعد، الذي كان يدعو، منذ ولاية الرئيس رونالد ريغن، إلى التحرير الكامل للاقتصاد وسحب الدولة يدها من تنظيم الأسواق، وترك منطق التجارة هو الحاكم بأمره. ومن أجل تحقيق هذه السياسة دفع ريغن رئيس البنك الاحتياطي الفدرالي بول فولكر السابق إلى الاستقالة ليعين مكانه آلان غرينسبان الذي عرف بدعوته إلى تبني سياسة اقتصادية توسعية تراهن على إطلاق النمو الاقتصادي من خلال تخفيض القيود والضرائب على الشركات أولا، لكن بشكل أساسي عبر المراهنة على التوسع في الأسواق المالية.
ولم تخطء توقعات غرينسبان. فقد كان نمو القطاع المصرفي قاطرة الإزدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة الامريكية على مدى العقود الثلاث الماضية. وهذا الازدهار هو الذي جنبها أزمة النمو الضعيف التي اتسمت به الاقتصادات الاوروبية عموما، وارتفاع معدلات البطالة فيها. بيد أن هذا النمو ما كان من الممكن أن يستمر إلى ما لانهاية. وجاءت أزمة السوبرايم لتكشف عن الأسس الواهية التي قام عليها، أي التساهل في الاقراض والهرب إلى الامام عن طريق المضاربة وتهريب البضاعة المالية الفاسدة عبر منتجات مالية مغرية، وتصديرها إلى الأسواق المالية العالمية.
لكن جذور الأزمة تمتد في اعتقادي إلى أبعد من سياسات اليمين الليبرالي المتطرف لتصل إلى منطق الليبرالية الاقتصادية نفسه. فقد كان اكتشاف ضعف الأسس التي يقوم عليها مبدا ضبط الاقتصاد بالاقتصاد، أي تنظيم الاسواق حسب قاعدة العرض والطلب، هو السبب الأول في نشوء الكينزية في امريكا، وانتشار الديمقراطية الاجتماعية في اوروبة أيضا، كرد على أزمة الكساد الكبرى التي تفجرت في العشرينات من القرن الماضي. والقاسم المشترك بين السياسات الكينزية، التي شكلت إصلاحا هيكليا للسياسات الليبرالية الكلاسيكية، هو عدم ثقتها بالسوق، وإعادة تثمينها لدور الدولة كأداة تنظيم وترشيد للاقتصاد من خارجه، أي من حيز السياسة. وأهمية التدخل للضبط من حيز السياسة ومنطلقها أن السياسة تعكس، أو من المفروض أن تعكس، مصالح المجتمع بأكمله وبجميع فئاته، وليس مصالح أصحاب الرساميل والمستثمرين فحسب، وأنها تستطيع وحدها، من موقعها الدولوي الذي تشرف من خلاله على الأوضاع الكلية، أن تتمتع بنظرة بعيدة، وأدوات لضمان الاتساق بين مصالح الطبقات والشرائح المتنافسة على مستوى الاقتصاد، وتحقق الحد الأمثل من الانسجام داخل النظام العام. وهو ما نسميه أيضا النزاهة والاستقرار في الأسواق والعدالة في المجتمع.
والحال أن الليبرالية الجديدة كانت بمثابة ردة على السياسات الكنزية التي أعادت الاعتبار لنظريات ضرورة ضبط الاسواق والإشراف السياسي عليها، وعودة إلى السياسات الليبرالية التقليدية المناوئة لتدخل الدولة، دفعت إليها قوى السوق والشركات الصناعية والمالية الكبرى التي أدركت قوتها المتنامية، ونزوع جزء من النخب السياسية الأمريكية والأوروبية، في سياق نهاية الحرب الباردة، إلى استغلال موقع القوة الذي يحتله الاقتصاد الصناعي الغربي، لغزو العالم بشعارات اقتصادية تدعو للتخصيص الكامل وإطلاق حرية الأسواق وتخفيف القيود عنها. هكذا كان تخصيص الشركات ورفع القيود والمراقبة الجدية عن المؤسسات المالية، وفتح أسواق العالم أمامها بكل الوسائل، بالقوة والسياسة والدبلوماسية والإعلام، جزءا لا يتجزأ من استراتيجية السيطرة العالمية وملء الفراغ. هذه الاستراتيجية التي ستتخذ في ما بعد أشكالا أكثر عدوانية وحربية في أفغانستان والعراق، تحت اسم الحرب العالمية ضد الارهاب.
ما هو مضمون هذه السياسة الحقيقي؟ إنه ببساطة تمكين الرأسمالية الأمريكية، وشريكتها الاوروبية في حدود إمكانياتها، على استثمار التفوق الاستراتيجي من أجل الحفاظ على مستويات نمو أعلى، وحل المشاكل الاقتصادية الداخلية، وفي مقدمها البطالة وضعف عوائد رأس المال، عن طريق تعظيم الريع الناجم عن السيطرة الخارجية على الأسواق الدولية، وتحميل المجتمعات الأخرى الأضعف تكاليف الازدهار والنمو الأمريكي العالمي والمنتظم.
ولذلك، بعكس ادعاءات اليمين الليبرالي أينما كان، لم يكن الازدهار الأمريكي في العقود الماضية ثمرة تحرير الاقتصاد من القيود، وانسحاب الدولة من المجال الاقتصادي. لقد كان ثمرة التحالف الوثيق بين أصحاب المشاريع والشركات والمصالح والرساميل الكبرى والدولة الامبرطورية أو العاملة على السيطرة الخارجية. فانسحاب الدولة ليس موقفا سياسيا محايدا في الداخل ولكنه موقف محاب لأصحاب الرساميل والمصالح والمشاريع الرأسمالية. أما انخراط الدولة في فتح الأسواق العالمية أمام رأس المال الأمريكي فهو التعبير الذي لا يخطيء عن هذا التحالف.
ولعله من حكمة الأقدار أن انهيار سيطرة المؤسسات المالية الكبرى على الاقتصاد، وتحكمها بمصائر المجتمعات قد جاء موازيا ومرافقا لانهيار السياسات الأمبرطورية الأمريكية، واستراتيجيات التفوق العسكري، وأوهام القيادة الامريكية للعالم. ولذلك، لم تقوض الأزمة الراهنة أسس النظرية الليبرالية الكلاسيكية والمجددة معا بسبب استدعائها تدخل الدولة لحل مشاكل السوق الرأسمالية، كما لم يحصل في أي حقبة سابقة، فحسب، وإنما أكثر من ذلك بسبب إظهارها أن دعوة تحرير الأسواق هي أيضا سياسة، وسياسة دولة توسعية، وأن دعوة الفصل بين السياسي والاقتصادي ليست إلا خدعة فجة وخرافة ايديولوجية.