إصلاح النظم العربية: العودة إلى الإصلاحية الإسلامية

2001-11-10:: الوطن

ترجمة :


على الرغم من الضجة الكبيرة التي لا تزال تثيرها الصحافة والدبلوماسية الدولية حول التيارات الإسلامية المغالية وأعمالها المتطرفة، لا يمكن لأي مراقب موضوعي أن لا يلاحظ التقدم المتزايد في أوساط الفكر الإسلامي والرأي العام المسلم أيضا للاتجاهات الإصلاحية التي تسعى من جديد إلى إيجاد الصلة بين الماضي والحاضر وبين الهوية والعالمية. ولعل أبرز مظاهر هذه الاتجاهات ما شهدناه في تركيا في الانتخابات التشريعية التي جرت نهاية عام 2002 والتي كرست انتصار حزب العدالة بزعامة أوردجان. وفي العالم العربي يتجه عدد متزايد من المفكرين المسلمين، في مواجهة مسألة إصلاح أساليب ممارسة السلطة وإعادة بناء الدولة المطروحة اليوم في معظم البلاد العربية، إلى تبني طروحات لا تبتعد كثيرا عما يقود إليه أي تأمل موضوعي في التراث الديني الإسلامي. وربما يؤكد هذا الموقف بداية إدراك جيل الشباب المسلم للطريق المسدودة التي وصلت إليها طروحات الحاكمية وغيرها من الطروحات المغالية في القضية السياسية والتي لا تختلف كثيرا في العمق عن طروحات النظم القومية الإطلاقية أو شبه الفاشية. ومن أهم هذه الطروحات:
أولا, أنه لا يوجد في الإسلام ـ من حيث هو عقيدة دينية ـ نموذج مبلور ونهائي يمكن أن نعتبره الصيغة المعتمدة لنظام الحكم في الإسلام عند الفقهاء أو حتى عند عامة المجتهدين والمفكرين المسلمين. وهذا يعني أنه لا يوجد أيضا إجماع على مثل هذه الصيغة أو أي صيغة أخرى, كما يعني أنه ليس على المسلمين أي حرج في تبني صيغ للحكم متغيرة ومختلفة عما شهده المسلمون السابقون, وأنه في ميدان الحكم والسياسة ليس هناك وصفة جاهزة إذا طبقها المسلمون تصلح أمور دنياهم مماثلة لصيغة أركان الإسلام الخمسة التي لا تصلح من دون تطبيقها في النواحي العقيدية أمور آخرتهم.
وثانيا, أن عدم وجود صيغة عقائدية ثابتة وجاهزة لنظام الحكم في الإسلام لا يعني بالتأكيد أن المسلمين لم يعرفوا صيغا خاصة للحكم عبر تاريخهم الطويل منذ خمسة عشر قرنا. فلا شك أن مثل هذه الصيغ موجودة وهناك نماذج عديدة منها. غير أن هذه الصيغ جميعا صيغ تاريخية وبالتالي فهي ثمرة اجتهادات المسلمين من حيث هم بشر وثمرة الظروف التاريخية التي عاشوا فيها وعملوا من خلالها.
ثالثا، بالرغم من أن لهذه الصيغ والنماذج، المختلفة بسبب اختلاف الاجتهادات والسياقات التاريخية والتأثيرات الخارجية، خصائص مشتركة تعكس انتماءها إلى مرجعية واحدة إسلامية، إلا أن هذه المشاركة في خصائص واحدة والانتماء إلى مرجعية إسلامية أكيدة لا ينبغي أن يدفعنا إلى إضفاء طابع قدسي أو مقدس عليها ولا أن يجعل لزاما على المسلمين الأخذ بها واتباعها كما لو كانت جزءا من الدين أو من العقيدة. لكن، بالمقابل، إن الاعتراف بالطابع الزمني والعقلي لهذه النماذج لا يبيح لنا أن نتجاهلها أو أن نرمي بها كما لو لم تكن تعني شيئا أو أن ننظر إليها نظرة سلبية ونعرض عنها تاما وعن التأمل والتفكير فيها. فهي جزء من تراثنا وثقافتنا. ولا يمكننا تجاهله من دون أن ندفع لقاء مثل هذا التجاهل ثمنا كبيرا هو عدم نجاحنا في السيطرة عليها أو الخروج من سلبياتها وبالنسبة للبعض من دون إحداث قطيعة معرفية مع الماضي الإسلامي. ولا يمكن لأحد أن ينكر ما تنطوي عليه مثل هذه القطيعة المعرفية مع التاريخ والعقيدة الإسلامية من مخاطر على استقرار المجتمعات واستمرارها وفي مقدمها نمو الاستلاب وربما الانزلاق نحو أزمة هوية لا مخرج منها.
ورابعا, وهنا يبدأ الاختلاف مع تيارات الفكر الديمقراطي غير الإسلاموية، إذا لم تكن هناك صيغة جاهزة ومكرسة لنظام الحكم في الإسلام فإن هذا لا يعني أنه لا يمكن اشتقاق مثل هذه الصيغة بطريقة أو أخرى. ويحاول بعض الكتاب الإسلاميين، (والمقصود بالكتاب الإسلاميين أولئك الذين يشكل الإسلام من حيث هو عقيدة دينية وتراث حضاري زمني معا مرجعيتهم الفكرية الرئيسية والذين يريدون أن ينزلوا اجتهاداتهم الفكرية الخاصة في سياق الفكر الإسلامي الديني والتاريخي), أن يستنتجوا هذه الصيغة من النصوص الدينية الأصلية. وذلك من خلال إعادة بنائها عن طريق ما يسمونه منهج التجريد والجمع بين السمات المختلفة للصيغ الإسلامية التقليدية ومقارنتها بالنماذج التي عرفها التاريخ العالمي في مناطق ومجتمعات أخرى. ومن المفروض أن يوصلنا هذا المنهج إلى صيغة جديدة تدمج بشكل خلاق بين الغايات (الخاصة) الإسلامية ومعطيات العصر التاريخية العامة أو تجمع بين مقاصد الشريعة التي يمكن الكشف عنها في مختلف أنظمة وصيغ الحكم التي ظهرت عبر التاريخ الإسلامي ووسائل السياسة الحديثة, أي نظمها وتنظيماتها, التي نشأت في المجتمعات المعاصرة. فليس هناك ما يمنع من التقريب بين جوهر القواعد والمبادئ التي تمثل نمط الحكم في الإسلام كما كان أو كما يجب أن يكون وبين وسائل الحكم الحديثة التي ظهرت عبر تاريخ الشعوب والمجتمعات الحديثة. إذ العبرة ليست، كما يقول الإمام السيوطي، في الوسائل ولكن في المقاصد: يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد.
بهذه الطريقة يمكن للمجتمعات الإسلامية في نظر المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين، منذ الجيل الأول في نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم، أن تضمن التكيف مع عصرها من دون القطع مع الماضي الذي يتضمن الغايات المجتمعية الخاصة. وبذلك يضمن المسلمون أيضا الحاضر والمستقبل. فبقدر ما يساعدنا احتفاظنا بمقاصد شريعتنا على ضمان الاستمرارية والارتباط بالماضي وبالثقافة والعقيدة الدينية يؤهلنا تبني الوسائل المستمدة من تجارب الغير، حتى لو لم يكونوا مسلمين، لأن نرتقي بتجربتنا السياسية ونظم حكمنا المحلية إلى مستوى النظم الحديثة القائمة اليوم في بقية أنحاء العالم. ومن الواضح هنا أن ما يميز الإسلاميين الإصلاحيين هو الرغبة في الاحتفاظ بالصلة الوثيقة مع الماضي من دون القبول بقطيعة كلية مع التاريخ.
يلتقي هذا الموقف كما هو واضح في كثير من طروحاته مع تيارات الفكر الديمقراطي العربي(راجع أيضا كتابنا "نقد السياسة: الدولة والدين") الذي يشير إلى انعدام وجود نظرية جاهزة للحكم أو للسياسة في العقيدة، وهو من الأمور البديهية والمنطقية معا، وبالتالي اعتبار السياسة وما ينشأ عنها ميدانا من ميادين البحث العقلي والتاريخي لا الحكم الديني. فما كان من الممكن للقرآن أن يبشر بالدولة ونظام الدولة ويراهن عليه من دون أن يضعف من رسالة الدين وأن يجعله، كما سيحصل فيما بعد، عن غير حق، وسيلة لبناء الدولة ومصدرا لإضفاء الشرعية على ممارسة السلطة، حتى عندما تكون سلطة استبدادية طغيانية ولا إنسانية. لكن هذا لا يعني بالتأكيد أن الإسلام لم يترك أثره بشكل أو آخر على تصور المسلمين لطبيعة السلطة السياسية وأسلوب ممارستها أو أنه لا يمكن إعادة النظر في النظم السياسية القائمة أو حتى القديمة انطلاقا من المبادئ الأخلاقية العميقة للإسلام.
فليس هناك أي اعتراض على أن يبني المفكرون الإسلاميون الذين يدفعون في اتجاه تبني مواقف إيجابية من الديمقراطية شرعية النظام السياسي الجديد على أسس إسلامية عقيدية. وهو ما فعله المصلحون المسلمون منذ عدة أجيال. ولا شيء في العقيدة العقلانية يحرم من حيث المبدأ على المفكرين المسلمين التأكيد على وجود ما يشبه مبادئ النظم الحديثة في الشريعة الإسلامية ولا على وجود ما يشبه الضوابط الحديثة لممارسة السلطة مثل الشورى والرضاء الاجتماعي والعدل وحكم القانون والمساواة أمامه. ولا يحول الاختلاف في طريقة النظر إلى الشرعية أو إٍسناد التجديدات الحضارية السياسية وغير السياسية إلى المفكرين الإسلاميين أو العقليين (والمقصود بالعقليين أولئك الذين يجعلون مرجعهم العقل باعتبار هذا العقل هو مصدر تطور المعارف الموضوعية والعلمية وأداتها بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والقومية، وأنه لا قيمة بالتالي للتمييز في سلامة الحجج العقلية بين مفكر إسلامي أو غير إسلامي, عربي أو أجنبي فحكم العقل هو السيد) من متابعة النقاش والتفكير المشترك. لا بل إن هذا الاختلاف سيكون هو المحرك الأول للبحث والدافع الأكبر إلى التجديد في المعرفة العلمية الزمنية التاريخية النسبية وبالتالي إلى بلورة المفاهيم والتصورات الناجعة والضرورية لإعادة بناء النظم السياسية، مثلها مثل أي نظم مدنية أخرى صناعية أو زراعية أو طبية أو عسكرية إلخ. لكن ينبغي علينا أن نعرف أن لمثل هذا المنهج الذي اتبعه الإصلاحيون منذ أكثر من قرن والذي يبدو أنه يؤمن، أكثر من المنهج العقلي، الربط بين الماضي والحاضر، وبالتالي يضمن المستقبل ويحد من القطيعة التاريخية، مشاكل كثيرة وعميقة، علمية وعملية معا.
والسؤال الذي يطرح عندئذ في إطار هذه المناقشة حول النظام السياسي في المجتمعات الإسلامية هو ذاته الذي لا يزال مطروحا منذ بداية القرن الماضي وهو إلى أي مدى يمكن لهذا المنهج التوفيقي الذي يوفر شرعية دينية ولا شك للسلطة الجديدة المنشودة أن يجيب بنجاعة، بعد أن ينزع الحداثة السياسية من نسغها ويخلط في مضمونها ويضعف منطقها ويغيب جدليتها الداخلية، أقول يجيب على المشكلات التي تواجهها اليوم السياسة العربية وفي مقدمها مشكلة بناء الدولة الجديدة ما بعد الوطنية أو القوموية؟ وإلى أي مدى يمكن أن يساهم في بلورة أسس ثابتة لهذه الدولة تختلف عن الأسس التي تقوم عليها دولنا أو أشباه دولنا الراهنة القائمة بشكل فاضح على الشخصنة المتزايدة للسلطة وإضعاف وتحييد البنية المؤسسية، وعلى النزوع المتزايد أيضا للتسلط والاستبداد في الأمر ومصادرة الإرادة العمومية من قبل جماعات الضغط والمافيات المحلية والدولية أو المحلية المتحالفة مع المافيات الدولية؟