أزمـــــة التعــــاون العــربي

2002-11-06:: الاتحاد

ترجمة :


أثار انسحاب ليبيا من الجامعة العربية عن حق مشكلة التعاون العربي وما كان يسمى في السابق قضية الوحدة العربية· وجوهر هذه المشكلة هي أن أمما وقوميات كبرى لا يشك أحد في تكونها القومي الناجز قد سارت سيرا مضطردا في العقود الخمسة الأخيرة نحو التعاون والتفاهم والاتحاد، بالرغم من الحروب العنيفة والدامية التي كانت قد عرفتها فيما بينها سابقا، في حين أن الدول العربية بدأت قبل أية جماعة أخرى في تكوين رابطة إقليمية بهدف تسريع خطى الاندماج والوحدة، وهي التي لم تكن قد عرفت حروبا فيما بينها وتشترك أكثر من أي بلدان أخرى في التاريخ والثقافة واللغة والدين، قد سارت أكثر من أية منطقة أخرى نحو التباعد والتشاحن والتنابذ والتفكك بل نحو الحروب الداخلية· فلماذا لم تساعد القرابة القومية الفعلية على تحسين فرص الاتحاد والتفاهم بين الدول العربية، بينما لم تمنع التمايزات القومية الواضحة والقوية الدول الأوروبية من التقدم بسرعة نحو الاتحاد؟
على هذا السؤال المحير ليس هناك بعد إجابات شافية، بالرغم من الأدبيات الكثيرة والمتنامية حول موضوع إخفاق الجامعة العربية أو العمل العربي المشترك أو تجديد مشاريع الاندماج والتكتل الاقتصادي في المنطقة العربية وآخرها مشروع منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى·
ويبدو لي اليوم، من التأمل في التاريخ العربي الإقليمي الحديث، وفي الأدبيات الكثيرة التي أنتجها أيضا في هذا الميدان، أن السبب الرئيس والحاسم الذي يفسر هذا التردد العربي في تحقيق مشاريع التكامل والتعاون لا يكمن في الضغط الخارجي، كما كنا نتصور عادة، رغم وجوده بالطبع، ولا في حرص النخب القائمة على الحكم على الدفاع عن مصالح قطرية أو وطنية قطرية فعلية، ولا من باب أولى في نقص الثقافة التعاونية أو التمسك بالقطرية كقضية مبدئية· إنه يكمن، بالعكس من كل ذلك، في غياب المصالح الوطنية نفسها، أي تعظيم المصالح الأهلية لجميع السكان، من جدول أعمال النخب العربية أو معظمها، وبعدها عن المجتمع وارتمائها هي نفسها بسبب ذلك على الدول الكبرى لتأمين الحماية الخارجية·
إن الذي دفع النخب الأوروبية إلى السير نحو التعاون الإقليمي ثم الاتحاد السياسي، كما هو الحال اليوم، ليس شيئا آخر سوى التمسك بمنطق البحث عن تعظيم المنافع والمكاسب الاجتماعية لأفراد شعوبها· فليس البحث عن المصالح الخاصة هو الذي يحكم سلوكها بالدرجة الأولى، وإلا فقدت شرعية وجودها أمام منافسيها في المعارضة، ولكن السعي إلى تحقيق أقصى المصالح الوطنية، أي في النهاية المصالح الأهلية· فمن هذا التعظيم للمصالح الوطنية تستمد النخب الديمقراطية مصدر الشرعية، وهو الضمانة الرئيسة في أن تعاد الثقة بها والتجديد لها في القيادة والحكم في نظم سياسية تحكمها قاعدة الديمقراطية والانتخابات العمومية، وبالعكس·
إن ما يفسر تجنب العديد من النخب العربية ونخب العالم الثالث عموما مشاريع التقارب والتعاون والتكامل الاقليمي هو كونها نخبا قيادية لا تفكر إلا بمصالحها الخاصة ولا تحتاج كي تجدد لنفسها في الحكم إلى أي موافقة شعبية· إن بقاءها في السلطة يتوقف قبل أي شيء آخر على قوة أجهزتها الأمنية ومتانة تحالفاتها الدولية التي تضمن لها هذا البقاء تماما كما ضمنت لها الوصول إلى السلطة، ومن هنا فإن معظم دولنا تعمل بمنطق حماية النظم والمصالح القائمة بصرف النظر عن المصالح الوطنية والأهلية·
ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة ألا نتوقع من النخب التي تدير البلاد دون رقابة ولا مساءلة أن تكون وحدوية· إن الوحدة لا يمكن أن تعني شيئا آخر بالنسبة اليها في هذه الظروف سوى التضحية بمصالحها وانتحارها الذاتي على مذبح أهداف تراها مثالية ولم تتعامل معها لحظة إلا على أنها شعارات للاستهلاك والحصول على الشرعية·
ويعكس النقاش القائم على المفاضلة بين القطرية والقومية أو الاختلاف حول الأولويات فيما يتعلق ببناء الدولة القطرية أو دولة الوحدة القومية في البلاد العربية غياب التفكير العقلاني والموضوعي في مسألتين معا: مسألة بناء الدولة القطرية ذاتها، ومسألة تحقيق الوحدة العربية معا· وهو ينبع من استخدام قضية الوحدة لأهداف الاستراتيجيات السياسية اليومية، ويهدف إلى الهرب نحو قضايا ومسائل نظرية مصطنعة لتجنب القضايا الراهنة والتاريخية المطروحة، وفي مقدمتها طبيعة الدولة ذاتها قبل أن تكون قطرية أو قومية، ومن وراء ذلك مسألة بناء الدولة القطرية كدولة وطنية بالفعل·
من البدهي إذاً ألا تكون هناك وحدة ولا تعاون ولا تفاهم بين الدول العربية قبل أن تتحول هذه الكيانات الهشة والمفتقرة هي ذاتها إلى الثقة بنفسها ومعرفة واجباتها وقدراتها إلى دول حقيقية، أي قبل أن تتحرر من القيود التي تفرضها على تطورها ولقائها مع مواطنيها، وقبل التحرر من المصالح الشخصية والفئوية التي تكبلها وتفسد جوهرها فتحولها من أداة تنظيم وتسيير وتواصل بين الناس إلى أجهزة ضبط وتكبيل وعقاب فحسب· وعندما تتخلص الدولة القطرية من هذا المس الذي أصابها وتتحول إلى دولة مواطنيها وشعبها بالفعل سنكتشف بسرعة لا جدوى الحديث الطويل في عصرنا الراهن عن التناقض بين القطرية والقومية وعن أهمية تحقيق الوحدة العربية·
والتجارب التاريخية التي تجري أمام أعيننا تدل بما لا يقبل الشك أن الدول والأمم الأوروبية المتكونة تاريخيا وبقوة لم تكن في حاجة إلى البرهان على هويتها المشتركة ولا إلى إختراع أسطورة قومية حتى تسعى إلى التعاون وتنجح في تحقيق الاتحاد فيما بينها· فلم يعد من الضروري من منظور تطور إشكاليات العصر، وفي مقدمها العولمة والانفتاحات الاقتصادية، إضفاء المشروعية التاريخية أو الثقافية على مشروع تعاون إقليمي حتى نبرر قيامه تجاه الدول والمجموعات البشرية الأخرى، ولا من أجل ضمان استمراره وقبوله من قبل الجماعات المتعددة والمتباينة المشاركة فيه·
وقد برهن تكوين الاتحاد الأوروبي في العقد الماضي على أن السعي المشترك لتعظيم المنافع والمصالح المتبادلة يشكل اليوم، بصرف النظر عن القرابة الروحية أو الجغرافية، مصدرا كافيا، بل المصدر الأهم لمشروعية العمل الوحدوي أو الإقليمي· بل لقد أظهر أنه أقوى أثرا وفاعلية في تحقيق الاتحادات اليوم من أي مصدر مشروعية آخر قائم على تأكيد الروابط التاريخية أو اللغوية أو الثقافية·
وبالعكس، دلت التجربة العربية على أن انتماء شعوب عديدة إلى تاريخ واحد وامتلاكها لغة مشتركة وعيشها في إطار ثقافة واحدة ووجود مشاعر وآمال وآلام واحدة عند شعوبها بل ونزوع هذه الشعوب بشكل قوي وجامع إلى الاتحاد لم يقربها من الوحدة ولم يؤسس فيها عوامل الاتحاد، بل لم يحل بينها وبين التمزق والانفصال وتكريس الوطنيات المحلية وتقديس الحدود القطرية التي أثارت العديد من الحروب·
عندما توجد النخب الاجتماعية التي تشارك شعوبها معاناتها وتفكر بالفعل في مصيرها ومستقبل أجيالها لا في مصالحها الخاصة، لن تكون هناك أي عوائق لا ثقافية ولا دينية ولا لغوية ولا جغرافية ولا اقتصادية أمام مشروع التعاون والاندماج والاتحاد العربي·
وسوف نكتشف أننا أضعنا وقتا ثمينا في تشييد النظريات القومية والنفخ فيها من دون طائل، وأن الأمر أسهل من ذلك بكثير· فلا حاجة من أجل قيام الوحدة، كما رأينا، عند غيرنا لا إلى استخدام القوة العسكرية ومخاطبة النشامى ولا إلى التعبئة العقائدية ولا إلى اختلاق التماثل ولا إنكار الاختلافات والفروق والتمايزات في أي شكل كانت وبأي مستوى، كل ما يحتاجه الأمر هو التنادي لمفاوضات رسمية جدية تهدف إلى ايجاد تسويات بشأن المصالح المتضررة بسبب الاندماج، ومن ثم التوقيع ببساطة على اتفاقات تعاون وتكامل أو اتحاد يجري تطبيقها واحترامها من قبل الجميع· ولن تجد مثل هذه الاتفاقات الهادفة للاندماج والموقعة من قبل حكومات منتخبة وممثلة فعلا لشعوبها أي اعتراض او احتجاج من أي نوع من جمهور البلاد العربية الذي لا يحلم بشيء آخر سوى الخلاص من سجون الاقطاعيات السياسية· فقد بلغ التطور التكنولوجي والمعلوماتي والاقتصادي اليوم مستوى لا يمكن فيه لأية دولة أن تحافظ على حظها في التقدم واستيعاب المكتسبات المتواصلة، وأن تضمن مستقبلها ومستقبل أبنائها من دون التفاهم مع من هو قريب منها لإقامة تكتلات إقليمية تحسن من فرص التنمية عند الجميع· ثم إن التقدم التقاني زاد في مقدرة الشعوب التي لا تتمتع بصفات متشابهة وليس لها لغة واحدة أن تندمج في إطار كتلة كبيرة من دون أن تفقد الفرصة للتفاهم والتواصل والتفاعل ولا أن يكلفها مثل هذا التعاون تكاليف باهظة·
لكن وجود مثل هذه النخبة الاجتماعية، التي تفكر من منطق المصالح العامة أولا ولا يقتصر تفكيرها على المصالح الخاصة أو استخدام سلطة الدولة التي تحتلها لخدمة هذه المصالح الخاصة، ليس مسألة سحرية ولا علاقة لها بالقضايا الثقافية والأخلاقية· فغياب هذه النخبة في مجتمعاتنا لا ينبع من مساوئ ثقافتنا أو مجتمعنا ولكن من انعدام الآليات السياسية التي تربط بين وجود النخبة في القيادة وبين موافقة المجتمع والجمهور· إنه الاستبداد نفسه·
ويكفي أن نعيد الأمور إلى نصابها ونفرض قاعدة أن القيادة ليست جائزة تقدم للغالب والأكثر وحشية وهمجية وقساوة في الصراع ومعاملة الخصوم وإخضاع المجتمعات، وإنما هي مسؤولية تولى إلى أولئك الأكثر كفاءة والذين يظهرون التزاما أكبر بالمصالح العامة ونزاهة أكثر في التعامل مع الموارد الوطنية· وهذا هو مبرر الاختيار الديمقراطي وهدفه، أعني وضع قواعد العمل لإنتاج نخبة سياسية وطنية قريبة من الشعب ومنشغلة بمشاغله ومدافعة عن مصالحه، وكذلك وضع قواعد العمل لتنحية النخبة السياسية التي تفقد قيم الممارسة الاجتماعية النزيهة وتفسد، واستبدالها بنخب أخرى تكون جاهزة لتحمل مسؤولية القيادة الاجتماعية· هذا هو المضمون الأساسي لمفهوم المعارضة السياسية ومن ورائه لمفهوم تداول السلطة بين الأغلبية الحاكمة والمعارضة·
إن ما يحول بين العرب وتحقيق حلمهم الوحدوي ليس غياب مقومات الأمة أو القومية ولا ضعف الوعي القومي بهذه المقومات أو عدم إدراك العرب حقيقتهم أو هويتهم العربية الواحدة، كما فكرت النظرية القومية، ولكن استقلال النخب الاجتماعية أو انفصالها الكامل النفسي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي أحيانا عن المجتمع الذي ولدت فيه، وبالتالي غياب هذا المجتمع ومصالحه كليا عن وعي وتفكير وسلوك واهتمام النخب الحاكمة· هذا هو الذي يفسر لماذا تنظر هذه النخب إلى الديمقراطية فتجد أنها نظاما مستوردا ومرفوضا، كما يردد منظروها دائما، بينما لا ترى في منتجات الرفاه الكثيرة التقنية والمادية وكل أشكال البذخ الأخرى وهدر الموارد الوطنية نماذج غير مستوردة وإنما أصيلة في ثقافتنا ومجتمعاتنا وتراثنا· وإذا لم تجبر هذه النخبة على الاعتراف بالمجتمع ومصالحه فلن نعرف من حلم الوحدة العربية سوى اتفاقات واحدة هي اتفاقات التعاون الأمني والمشاركة، ولو من مستوى الدونية والتبعية في نشاطات الحرب العالمية المعلنة ضد الإرهاب·