على من تقرأ مزاميرك ياداوود: تعليقي على مقالة سامي الدريد

2017-10-23:: موقع د.برهان غليون

ترجمة :

لم يفاجأني سامي الدريد عندما كتب ردا على مقالي مصير سورية في ايدي ابنائها يقول فيه : إلى من يتوجه برهان غليون عندما يوجه هذه النصائج والارشادات، حين ينادي السوريين؟ إلى العامة او إلى النخبة، وأي أمل لاستمرار في الثورة أمام (نذالة النظام، وعجز النخبة)، وماذا أمام السوريين البسطاء ليفعلوه؟؟ 
وهو بالتأكيد على حق في ما يتعلق بتقييمه لأداء النخبة السورية التي فشلت في الارتقاء بفكرها وسلوكها إلى مستوى عزيمة الشعب وارتمائه في اتون الثورة المريرة وتضحياته غير المسبوقة من أجل التخلص، مهما كان الثمن، من نظام القتل والإجرام المنظم الذي كنا نسميه خطأ أو جهلا بالنظام السوري أو البعثي او دولة الأسد أو الحزب أو الطائفة، بينما أطهر انه تنظيم عصابوي لا علاقة لقادته لا بما يمثله رجل الدولة ولا مناضل الحزب ولا أعيان الطائفة المنافحين عن بقائها.

وهو على حق عندما يتساءل : هل يمكن المراهنة على مثل هذه النخبة من جديد من أجل الاستمرار في حمل قضية الحرية والخلاص للشعب وتجاوز المحنة التي ساهمت في ايقاعه فيها، تقريبا بالنسبة نفسها التي ساهم فيها غدر الدول التي كانت تدعي تأييد الثورة وتدعي الدفاع عن الديمقراطية أو دعم الثورة الشعبية.

وجوابي :

أولا أن هذه النخبة هي ما أنتجه نظام التعقيم الفكري والسياسي السابق والمستمر، وما كان بإمكانه ان ينتج غيرها، وهذا هو الثمن الذي دفعه الشعب كله لقاء خضوعه لقانون الحكم العرفي واحكام الطواريء وسلطة المخابرات والميلشيات المتعددة المسماة بأجهزة الأمن والمنظمات الشعبية، والتي لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها على الناس، وحرمتهم من أي شكل من أشكال التواصل والتفاعل والحوار والتنظيم ، أي من أي خبرة سياسية أو نضالية وذرعت الشك وعدم الثقة بينهم وأودعت مناضليهم الأشد بأسا في السجون لعقود متتالية. فالنخب القادرة على المبادرة والتنظيم والتفاعل مع الجمهور هي تلك التي خبرت مثل هذه الأعمال في السابق ومن دون الخبرة تتصرف كما تصرفت في الثورة السورية. ولو لم تكن الغاية من الحجر على الفكر والممارسة السياسية والتواصل الفكري والاجتماعي الحر هي بالضبط حرمانها من الخبرة العملية والثقة والمقدرة لما كان للقمع والارهاب والترويع اليومي للمواطنين معنى.

ثانيا أنا أفترض أن الثورة وما تعرضت له من مصاعب وخسائر ايضا هي أكبر خبرة حية في الميدان السياسي تلقنها السوريون منذ قرون، وهي منبع لتجديد الفكر والمراجعة الذاتية والنقد ونحسين الخبرة وتعلم أشياء لم يكونوا يعرفونها في السابق عن انفسهم ونظامهم القيمي والفكري وعيوبهم وعن العالم الحقيقي المسمى مجتمع دولي وغيره. وأن هذه التجربة الغنية سوف تعلمهم وتجدد قدراتهم وافكارهم. بمعنى آخر ان النخب ليست سيئة أو حسنة الأداء بالسليقة ولكن بحجم الخبرة والممارسة والتعلم والتفكر في تجربتها وممارستها. ونحن نراهن على دروس هذه التجربة لاصلاح حال النخبة السورية البائسة، ولا طريق آخر ، وهو اصلاح لا بد له ان يحصل إذا نجحنا في استيعابه وأخذ العبر والدروس منه بموضوعية وعقلانية. وليس لنا خيار آخر ولا نستطيع أن تستورد نخبة من الخارج.

وثالثا، النخبة ليست فئة واحدة وجامدة وأبدية لا تتغيير. ففيها فئات متعددة وأجيال وتيارات وقدرات متفاوتة. وقد دخل في النخبة السياسية بعد الثورة وبسببها جيل جديد وناس كانوا ربما بعيدين كليا عن السياسة، كما انتجت الثورة وولدت جيلا جديدا من الشباب المتحرر كليا من ارث الفاشية الاسدية وعذاباتها ومرارتها، وهو الجيل الاكثر استعدادا اليوم لتغيير هوية النخبة السورية السياسية والاجتماعية السابقة، ولو ان ذلك يمكن أن يأخذ بعض الوقت . لكن على جميع الاحوال، هناك النخبة متغيرة ومتجددة وأهم ما فعلته الثورة هو إسقاطها النخب القديمة الضعيفة ودفع الشباب والاجيال الجديدة المنخرطة في الصراع بالتفكير بشكل أكثر جدية في النظرية وفي الأداء معا.. وهي التي نتوجه اليها ونسعى للتفاعل معها وتغذيتها بالأفكار ودروس التجرية الأليية السابقة والراهنة.

وأملنا كبير في أن تولد الثورة النخبة التي تستحق ما بذل من أجل ولادتها من دماء وما قدم من تضحيات. وهكذا تتقدم الأمم والشعوب. وإلا فلا أدري على ماذا يمكن أن نراهن وكيف يمكن أن نعمل للخروج من الوضع المأساوي الذي أصبح وضع بلادنا ومجتمعنا. وهذه هي الطريق الوحيدة أيضا للوفاء للشهداء ومواساة الملاييين من المنكوبين من جرحى ومعطوبين ومشردين ولاجئين وبائسين.

الحل البديل هو أن نجلس لنبكي على انفسنا ومصيرنا. وهذا اسوأ الخيارات.