شارلي إبدو : بين الانتصار للدين والانتقام من المجتمع

2015-01-13:: face book

ترجمة :

 

استغلت العديد من الاطراف وفي مقدمها الحركات العنصرية المعادية للعرب والمسلمين مجزرة شارلي إبدو للتشهر بالاسلام وتحويل المسلمين إلى كبش محرقة تحمله النخب الغربية، السياسية والثقافية، وزر أخطائها ليس تجاه العرب والمسلمين فقط وإنما تجاه العالم الثالث بأكمله وتجاه قضية السلام العالمي.

جريمة شارلي إبدو ارتكبت من قبل شباب يعيشون في فرنسا وتربوا فيها ويتمتعون بجنسيتها. وما فعلوه يعكس فشل سياسة الادماج الفرنسية التي أنتجت شبابا لا يشعرون بالانتماء إلى بلدهم، ولا يعرفون الالتزام بقوانينه وتقاليده وقيمه الأساسية. ومن أهم أسباب هذا الفشل العنصرية والتهميش ونزع الهوية ورفض الاعتراف بإنسانيتهم وقدرتهم على الاندماج.

 

ليس للمسلمين ولا للعرب أي مسؤولية قانونية أو سياسية أو أخلاقية، لا كدين ولا كجماعة دينية، ولا يقبل من أحد أن يتخذ منها ذريعة لتوجيه اللوم أو الاتهام إلى الاسلام كدين أو إلى أكثر من مليار مسلم منتشرين في كل أرجاء المعمورة، كما يفعل العنصريون في كل مكان، تماما كما أن الغرب والمدنية والثقافة الغربيتين والدين المسيحي لا يتحملون أي مسؤولية قانونية او سياسية أو أخلاقية في ما ارتكبته النازية ولا يزال يرتكبه مناصرو فكرتها من جرائم ضد الانسانية. كما أن سلوك هؤلاء المسلمين الضالين لا يعبر عن أي طبيعة عقائدية مرتبطة بالاسلام او ملازمة له، تماما كما أن الاستعمار الذي قضى على شعوب بأكملها من بني الانسان لا يدين المسيحية كدين وإنما النظم الاجتماعية التي دان له المسيحيون هنا وهناك والقيم العنصرية التي استلهمتها واستندت إليها. بل إن نشوء التيارات المتطرفة في العالم العربي والاسلامي نفسه لا ينفصل عن سياسات التهميش والسيطرة والاستحواذ التي مارستها الدول الغربية والصناعية عموما في البلاد العربية والاسلامية والتي يقدم ما يدور في الشرق الأوسط منذ عقود أكبر مثال كارثي عليها.

 

ما قام به الأخوان كواشي ومعهم كوليبالي، وربما العشرات الحالمين بالسير على طريقهم هو انتقام من مجتمع لم يعرف كيف يحتضنهم ويسهر على تربيتهم ومساعدتهم على استبطان قيمه وقواعد عمله وفي مقدمها احترام القانون الذي انتهكوه. لكنهم ما كانوا يستطيعون إقناع أنفسهم بهذا الخرق السافر للقانون من دون استرجاع ذكرى الرسوم المسيئة للرسول لإضفاء الشرعية على عملهم، كما أنهم ما كانوا قادرين على تنفيذ مثل هذا الانتقام من دون الارتباط بالمنظمات المتطرفة التي تدعي هي أيضا في سعيها للانتقام من الغرب والعالم عموما الدفاع عن الاسلام واستعادة هيمنته العالمية وسلطنته الدولية.

 

لكن ونحن نؤكد على ذلك ونشدد عليه في وجه المتربصين بالعرب والمسلمين ودينهم وثقافتهم، لا ينبغي أن ننسى مسؤولياتنا الكبيرة أيضا في التساهل مع هذا الخطاب الانتقامي وفي مواجهة هذا التيار والمساهمة في وضع حد لتوسعه وفي تأكيد الحقيقة الجوهرية للاسلام ولثقافة العرب والمسلمين الانسانية والسلمية والأخوية. فنحن لا نستطيع أن نسيطر على سلوك الدول المسيطرة ولا أن نعيد صوغ التاريخ، الاستعماري القديم منه والهيمني الراهن، ولا أن نمنع الغربيين من الكيل بمكيالين، وما يولد ذلك من ضغوط قوية على أبنائنا يدفع الضعفاء منهم إلى الرد من دون تفكير. ليس ذلك حماية للآخرين، ولا خوفا من انتقامهم أو ردود أفعالهم، ولكن حفظا لمصالحنا أولا وفي مقدمها أن لا نتحول إلى جماعة منبوذه في البشرية توجه إليها أصابع الاتهام ويستخدمها أصحاب المصالح والاستراتيجيات المختلفية ككبش محرقة ومكسر عظم. وهذا ما نحن نتجه إليه الآن.

والواقع أن ما نشهده من رد أفعال عنيفة على الضغوط التي نتعرض لها، وانتشار منقطع النظير للتطرف وشهوة الانتقام عند قطاعات واسعة من شبابنا الذين لم يعرفوا الغرب وكان حلمهم الأكبر زيارته أو الدراسة فيه أو حتى الاقامة والعمل لما يملكه من جاذبية وما يفتحه من آفاق، لا يتعارض مع مشاريع الهيمنة الغربية الثقافية والسياسية والاستراتيجية ولكنه يصب فيها. وهو المطلوب تماما من سياساته التهميشيية والاستبعادية والعنصرية. ونحن ننزلق يوما بعد يوم وفي كل مرة يتعزز تيار التطرف في مجتمعاتنا إلى مستوى تصبح فيه استباحة حقوقنا الوطنية والفردية أمرا مقبولا وربما مشروعا أيضا. وما نشهده من تخلي المجتمع الدولي عن شعوبنا التي تحترق بحرب التوسع الاقليمية وتكالب النظم الاستبدادية والديكتاتورية، وفي بلاد الشام المقدسة بشكل خاص، خير دليل على ذلك.

 

لكن، في عمق هذا العمل يكمن الفشل الذريع أيضا للنظم السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد العربية والتي كانت مثالا لتعميم التهميش والاقصاء وهدر الكرامة والإنسانية ومصنعا لتفريخ روح التمرد والانتقام وتعميمه على الأغلبية الساحقة من الشبان المحبطين من انسداد الآفاق والإدانة بالاستنقاع والموت البطيء في منطقة تعج بالموارد والفرص والامكانيات. التطرف وسلوك طريق العنف والتمرد ليس طبيعة موروثة وليس له جذور في أي ثقافة أو دين. إنه رد فعل على فعل هو الحكم بالموت والشلل وانعدام القيمة والفراغ الذي تطلقه نظم لا تهتم بمصير المجتمعات ولا تعرف سوى مصالحها الأنانية وإرضاء شهواتها. وفي هذه الروح الانتقامية والتمردية التي تنميها انظمة تخنق الانسان وتحرمه من التنفس والاعتراف تكمن دوافع التأويل الجهادي والعنفي للدين، مهما كان نوعه وأصله. ففي كل الاديان وكل الثقافات إمكانيات متساوية للتأويلات السلمية والعنفية لأنها جميعا نشأت في إطار التنافس والصراع على البقاء وما كان بإمكانها الحفاظ على نفسها والاستمرار في الوجود لو لم تنجح في تزويد أتباعها بالقيم التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم ضد الاعتداءات الخارجية وتلك التي تحثهم على السلام والتعاون والتضامن في ما بينهم. وهم حسب ظروفهم ومصالحهم ينظرون في أمور دينهم وعقائدهم ويؤولونها حسب حاجاتهم. والمسيحية التي كانت ذات نزعة تيوقراطية وإرادة حربية وتوسعية دموية في عهد الحروب الصليبية، هي نفسها التي تدافع اليوم عن قيم التسامح والعلمانية والتعاون والسلام.

 

هكذا تلتقي روح الانتقام من المجتمع مع انتقام الشعب من مضطهديه